ذكَر موقع Business Insider Africa، في 16 ديسمبر 2025، أن نيجيريا في طريقها لاستلام (24) طائرةً مُقاتلة خفيفة من طراز (M-346FA)، بالإضافة إلى (10) مروحيات من طراز (AW109)، كجزءٍ من صفقة وُصفت بـ«التاريخية»، أبرمتها الحكومة النيجيرية مع شركة ليوناردو Leonardo S.p.A الإيطالية الرائدة في مجال الطيران والدفاع والأمن[1].
وذلك في وقتٍ أُشير فيه صراحةً لـ«دور مؤثر» قامت به نيجيريا رفقة دولٍ أخرى في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) في إحباط محاولة الانقلاب العسكري في بِنين خلال الأسابيع الماضية[2]. الأمر الذي يطرح في مجموعِه تساؤلاتٍ حول حجم تعاملات تلك الشركة، وأبعاد الصفقة المُبرمة بينها والحكومة النيجيرية، ومدى استفادة نيجيريا من تلك الصفقة على المدى القريب والمتوسط في ظل التحديات الداخلية والإقليمية المُحيطة بها.
وسيتناول المقال مناقشة هذه التساؤلات والإجابة عنها في المحاور الآتية:
– «ليوناردو».. رائدة مجال تكنولوجيا الدفاع الإيطالية.
– خُطوة ضمن برنامج تحديث عسكري أكبر.
– ضرورات إستراتيجية.
– خطّة «ماتي».
– استجابة «هجينة» للتهديدات الإقليمية.
▪ «ليوناردو».. رائدة مجال تكنولوجيا الدفاع الإيطالية:
تُمثل «شركة ليوناردو» عصب الصناعات الدفاعية الإيطالية، وهي مجموعة عالمية مُتعددة الجنسيات، يقع مقرها الرئيسي في العاصمة الإيطالية روما، كما أن لها وجوداً في حوالي (180) موقعاً حول العالم. تعمل الشركة بصورةٍ أساسية في بناء القدرات التكنولوجية في مجالات الطيران والدفاع والأمن، وتلعب دوراً بارزاً في البرامج الإستراتيجية الدولية الكُبرى، كما أنها شريك تكنولوجي موثوقٌ به بالنسبة للحكومات والهيئات الدفاعية والمؤسسات والشركات، بالنظر لعمليات إنتاجها الأكثر تطوراً في منظومات الدفاع. بلغت قيمة إيرادات الشركة العام الماضي 2024م نحو (17.8) مليار يورو، في حين أن لديها طلبات مُتراكمة من العام نفسه تُقدّر بنحو (44.2) مليار يورو، كما أن لديها أيدي عاملة تتخطى حاجز الـ(60.486) شخصاً في مختلف مراحل التصنيع والتشغيل والصيانة. بالإضافة إلى استثمارها في عمليتَي البحث العلمي والتطوير بقيمة (2.5) مليار يورو[3].
معلومات أساسية حول حجم تعاملات الشركة من موقعها الرسمي:

تتنوّع مجالات عمل الشركة لتشمل: طائرات هليكوبتر، طائرات نفاثة ومُحركات توربينية إقليمية، أنظمة دفع فضائي، إلكترونيات دفاع، أنظمة طائرات من دون طيار (طائرات مُسيَّرة)، جنباً إلى جنب مع تقديم حلول لوجيستية مُتكاملة، ومَركبات دفاع جوي بعيدة المدى، وخدمات ولوجيستيات دفاعية أخرى، بالإضافة إلى إنتاج أقمار صناعية وخدماتها المختلفة[4]. الأمر الذي يُظهر في مجموعِه المساحة الواسعة التي تعمل في إطارها الشركة في غالبية التخصصات الفرعية المندرجة تحت منظومات الطيران والدفاع والأمن على حدٍّ سواء، ومن ثَمّ لا يمكن فقط لنيجيريا الاستفادة من تلك القدرات الكبيرة، ولكن أيضاً في المقابل؛ يمكن لإيطاليا من خلال هذه الشركة أن تضمن وجوداً أكبر على الساحة الإفريقية في المرحلة المقبلة.
▪ خُطوة ضمن برنامج تحديث عسكري أكبر:
تبلغ قيمة الصفقة المُبرمة بين الحكومة النيجيرية وشركة «ليوناردو» نحو (1.2) مليار يورو، تسعى نيجيريا من خلالها لإحراز تقدّم ملحوظ في برنامج تحديث عسكري كبير، تأمل أن يُمثل نقلةً نوعية في قدراتها القتالية الجوية، وقدراتها كذلك في مجال الطائرات المروحية. بحيث تشمل الصفقة بنوداً طويلة الأجل بين الجانبين فيما يتعلق بالصيانة والدعم اللوجيستي المُمتد، مما يجسّد تعزيزاً إستراتيجياً في العلاقات الثنائية الدفاعية بين نيجيريا وإيطاليا بصورة أعم وأشمل[5].
كان مجلس الوزراء النيجيري قد وافق، في عام 2024م، على خطة اقتراض بقيمة (618) مليون دولار من تحالف مُمولين لشراء (6) طائرات هجومية من طراز (M-346) إيطالية الصُّنع، بالإضافة إلى الذخيرة اللازمة للقوات الجوية النيجيرية. وشهد بعدها شهر أكتوبر 2024م اجتماعاً أُحرز فيه تقدّماً كبيراً بعدما تفقّد مسؤولون نيجيريُّون الدفعة الأولى من الطائرات السّت، وتباحثوا مع مسؤولي الشركة حول سير عملية الإنتاج والتأكيد على مواعيد الاستلام لكلٍّ من الطائرات والمروحيات. وهو ما كُلِّل بالنجاح في آخر زيارة تفقدية لمسؤول نيجيري في إيطاليا، والتي قام بها وزير الدفاع النيجيري السابق «محمد بدارو أبوبكر» في أكتوبر 2025م، تفقّد أثنائها مُنشآت شركة «ليوناردو»، واطّلع على إجراءات اختبار الطيران وعلى خطوط الإنتاج والتجميع، كما تلقّى إحاطات فنية مُفصلة من طاقم عمل الشركة. الأمر الذي يدفع نيجيريا للمُراهنة على تلك الصفقة في تعزيز قدرات قواتها الجوية على الحركة والاستطلاع والاستجابة السريعة، جنباً إلى جنب مع قدرات طائراتها النفاثة في الضربات الجوية وما يتعلق بأنظمة المراقبة. وذلك كله في إطار تحديث وتوسيع نيجيريا نطاق عمليات قواتها تماشياً مع الأزمات الأمنية الداخلية والإقليمية التي تشهدها البلاد، سواءً في الجانب الشمالي الشرقي بسبب الهجمات المتواصلة التي يشنها «تنظيم داعش»، أو من ناحية الشمال الغربي في ظل تنامي أعمال السطو المُسلَّح واسعة النطاق، أو العنف الطائفي في منطقة الحزام الأوسط، ما يجعل موارد البلاد مُستنزفة ويتسبب في تآكل ثقة المستثمرين الأجانب[6].
▪ ضرورات إستراتيجية:
وجدت نيجيريا نفسها أمام ضرورات إستراتيجية من أجل الصمود أمام التهديدات المتزايدة في مُحيطها الداخلي والإقليمي على حدٍّ سواء، ومن بين ذلك ضرورة إعادة بناء منظومة الأمن الداخلي Rebuild Internal Security ليشمل رفع كفاءة جهود مكافحة التمرد بالتزامن مع القيام بإصلاحات في الحوكمة والنظام القضائي، أملاً في استعادة ثقة مواطنيها من جديد. كما أن هناك ضرورةً أخرى تتمثل في استعادة الريادة الإقليمية Lead Regionally، بحيث يكون على نيجيريا توظيف أدوارها في إطار المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، وفي إطار الاتحاد الإفريقي أيضاً؛ لاحتواء بؤر التوتر وعدم الاستقرار المُتنامية حولها، مما يرفع بطبيعة الحال من كُلفة استجابتها الخارجية. بالإضافة إلى سعيها نحو مزيدٍ من التحوُّط الإستراتيجي Codify Strategic Hedging بوضعها إطاراً مؤسسياً لإعادة تقييم الاستثمارات الأجنبية الآتية إليها، وتطبيق آليات حماية فعّالة تضمن سيادتها الوطنية في سياق التفاعل مع مُحيطها الإقليمي والدولي. وذلك على أمل تحويل تلك التهديدات إلى فرصٍ سانحة على المستويين الاقتصادي والسياسي، وترسيخ سيادتها الداخلية ومكانتها الإقليمية على الساحة الإفريقية[7]. الأمر الذي يُحتم عليها تطوير استجابتها لمختلف التهديدات الداخلية والإقليمية والتحرُّك بوتيرةٍ أسرع للِّحاق بزِمام الأُمور في ظل الأوضاع الراهنة.
على سبيل المثال: صُمّمت الطائرة النفاثة (M-346) لتكون طائرةً قتالية خفيفة الحركة، تتميز بـ(7) نقاط تثبيت خارجية قادرة على دمج أسلجة جو-جو، وجو-أرض معاً، كما تتميز بوحدات رؤية متطورة متوافقة مع شاشات عرض مُثبتة في المقدمة، مما يُحسّن من القدرات القتالية للطيارين، ويُسهم بصورةٍ أساسية في رفع كفاءة القدرات العملياتية أثناء تنفيذ المهام المختلفة. الأمر الذي يُعدّ جزءاً من إستراتيجيةٍ أوسع نطاقاً لنيجيريا في سبيل تعزيز أمنها القومي واستعادة سيادتها الداخلية والإقليمية، في التصدي للهجمات الواسعة التي بات يشنها عليها «تنظيم داعش» شمال شرقيّ البلاد[8].
▪ خطّة «ماتي»:
وجدت الضرورات الإستراتيجية لنيجيريا لعقد تلك الصفقة، نقاط التقاء أساسية مع خطة ماتي الإيطالية The Mattei Plan، والتي تضع من خلالها رئيسة الحكومة الإيطالية «جورجيا ميلوني» إفريقيا نُصب عينيها، لتكون ساحة نفوذ إيطالي جادّ على كل المستويات السياسية والاقتصادية وكذلك الأمنية والعسكرية في السنوات القادمة. وهي خطة ضمن إستراتيجية إيطالية أوسع نطاقاً، وصفتها ميلوني بأنها «ليست مجرد حُزمة مشروعات؛ بل ميثاق جديد بين دولٍ حُرّة، اختارت التعاون لإيمانها بقيم مركزية الفرد وكرامة العمل والحُرّية»، وهو ما يعني أن إيطاليا ستسعى بجِدّ إلى استغلال الضرورات الإستراتيجية لدول القارة الفاعلة، ومن بينها نيجيريا، لتعزيز التعاون في المجالات الحيوية كافةً، وإيجاد نقاط التقاء بين المصالح الوطنية الإيطالية ومصالح الدول الإفريقية، بما سيتطلبه ذلك من توازنٍ دقيق على ساحة النفوذ الإقليمي بطبيعة الحال[9].
▪ استجابة «هجينة» للتهديدات الإقليمية:
سعَت نيجيريا مؤخراً في تقديم استجابة يمكن وصفها بـ«الهجينة» للتهديدات الإقليمية من حولها، وذلك بأن تسلك مساراً جديداً لا يجلب لها أيّ توترات سياسية مع دول جوارها المباشر، خاصةً دول تحالف الساحل الذي يضم: (بوركينا فاسو، ومالي، والنيجر)، ولا يجعلها في الوقت نفسه مكتوفة الأيدي أمام مستجدات الأوضاع في مُحيطها الإقليمي؛ وهو ما سعت بقوة في تطبيقه بتدخل قواتها في محاولة الانقلاب العسكري في بنين، حينما تم الاستيلاء على منشآت رئيسية في العاصمة «كوتونو»، وبطلبٍ من حكومة بنين؛ ساهمت وحدات جوية وبرية نيجيرية في تحييد هذا التهديد وإعادة النظام الدستوري، وتفويت الفرصة أمام «عدوى الانقلابات» في المنطقة؛ مما عزّز دورها كضامن أمني في المنطقة[10].
كما أنّ هذا النمط من الاستجابة الهجينة يُظهر استعداد نيجيريا أيضاً لنشر قواتٍ لها خارج حدودها الوطنية، في ظل انتشار ظاهرة الانقلابات العسكرية وتراجع مؤشرات الديمقراطية في منطقة غرب إفريقيا والساحل الإفريقي؛ الأمر الذي يجعلها أكثر حافزيةً لاستيراد معدات عسكرية متطورة من إيطاليا في إطار إعادة تقييم شاملة لإستراتيجيتها في مجال المشتريات الدفاعية، وخاصةً أن شركة ليوناردو تقدّم خدماتها الدفاعية بكُلفة أقل من نظرائها التقليديين في الولايات المتحدة وروسيا والصين[11]. ما سيضمن تحقيق شراكة مبنية على الكسب المُشترك Win-Win Partnership بين الحكومتين النيجيرية والإيطالية؛ بحيث تستفيد نيجيريا من تنوع الخدمات التي تقدّمها شركة ليوناردو وبالميزة النسبية في التكلفة، وتستفيد إيطاليا في المقابل بسبب وجود بيئةٍ خصبة لتجربة منظومة دفاعها المتطور في منطقةٍ تعج بالاضطرابات الأمنية والسياسية؛ وبالتالي إبراز نفسها كشريكٍ أمني لدول المنطقة.
خاتمة:
من جُملة ما سبق؛ يُمكن القول إنّ كلّاً من الحكومة النيجيرية بقيادة الرئيس «بولا تينوبو» والحكومة الإيطالية بقيادة «جورجيا ميلوني» قد وجدَا ضالّتيهما في تلك الصفقة، باعتبار أنها ستُسهم من ناحيةٍ في استعادة نيجيريا سيادتها من جديدٍ على كامل أراضيها، كما أنها ستضمن لها لعب دور محوري في مُحيطها الإقليمي، في الوقت الذي تأمل فيه إيطاليا أن تلعب تلك الصفقة دوراً في حجز موطئ قدم لها في منطقة غرب إفريقيا والساحل الإفريقي، وتقديم نفسها كشريك أمني واقتصادي لدول المنطقة، يتمتع بميزة نسبية عن الشركاء التقليديين في ظل الأوضاع الراهنة، الأمر الذي يُرجَّح معه نجاح تلك الصفقة في تحقيق قدرٍ معقول من الأهداف الموضوعة لها، وبناء كلٍّ من نيجيريا وإيطاليا عليها في العام 2026م خطوات أخرى من أجل إحراز مزيدٍ من التقدم، على الرغم من اختلاف الأهداف والمصالح التي يسعى كل طرفٍ لتحقيقه من وراء تلك الصفقة.
…………………….
[1] Solomon Ekanem, Nigeria nears delivery of 24 M-346FA jets and 10 AW-109 helicopters in landmark military acquisition, Business Insider Africa: December 16, 2025. Available at:
[2] Dulue Mbachu, Nigeria flexes muscles with Benin coup intervention, Africa Business: December 11, 2025. Available at:
https://african.business/2025/12/politics/nigeria-flexes-muscles-with-benin-coup-intervention
[3] The official website of Leonardo S.p.A, home, about, profile. Available at:
https://www.leonardo.com/en/about/profile
[4] Idem.
[5] Solomon Ekanem, Loc. Cit.
[6] Idem.
[7] Araka Okolieaboh, Nigeria’s Strategic Crossroads: Navigating U.S.–China Tensions and the BRICS Shift in Africa, PR Nigeria: November 4, 2025. Available at:
https://prnigeria.com/2025/11/04/nigeria-strategic-crossroads/?utm_source=chatgpt.com
[8] Ojochenemi Onje, Nigeria to acquire 24 Italian M-346 fighter jets in $1.2bn defence deal, Business Day: December 17, 2025. Available at:
[9] Teresa Nogueira Pinto, How Italy is increasing its footprint in Africa, Geopolitical Intelligence Services- GIS: November 10, 2025. Available at:
https://www.gisreportsonline.com/r/mattei-plan-impact/
[10] Solomon Ekanem, Loc. Cit.
[11] Idem.










































