بقلم: أراكا أوكولييابوه
By: Araka Okolieaboh (CMC, FIMC Policy Design Thinker & Prompt Engineering Specialist, WSB University Poland).
ترجمة: آية محسب عبد الحميد مصطفى
باحثة دكتوراه/ معهد البحوث والدراسات الإفريقية ودول حوض النيل- جامعة أسوان
ملخص:
في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين داخل القارة الإفريقية، يسلّط هذا المقال الضوء على موقع نيجيريا عند مفترق إستراتيجي حاسم بين هاتين القوتين وبين صعود مجموعة «البريكس». يعرض الباحث أراكا أوكولييابوه رؤيةً تحليلية معمّقة لتحديات نيجيريا الداخلية وأبعاد انخراطها الخارجي، مستنداً إلى مقاربة «مأساة سياسات القوى العظمى» التي صاغها جون ميرشايمر. وتُقدّم هذه الترجمة رؤيةً شاملة للعلاقات الدولية في إفريقيا من منظورٍ واقعي جديد، يُبرز معادلة القوة، والسيادة، والحوكمة، بوصفها محددات أساسية لمستقبل نيجيريا وأمن القارة بأسرها.
مفترق جيوسياسي جديد:
في عام 2030م، وكما تُصوّره التحليلات الأمريكية الاستشرافية، مثل دراسة «الدولة الفاشلة 2030: نيجيريا كحالة دراسية»، يلوح في الأفق شبح انهيار نيجيريا بوصفه مأساةً داخلية وصدمة أمنية عالمية في آنٍ واحد، فقد أعاد تصاعد التنافس بين واشنطن وبكين إحياء ما وصفه جون ميرشايمر بـ«مأساة سياسات القوى العظمى»، والتي تفترض أن القوى الكبرى في نظام دولي فوضوي تسعى بطبيعتها إلى الهيمنة، بينما تجد الدول الأضعف نفسها مضطرةً إلى المناورة بين تلك القوى من أجل البقاء.
تقف نيجيريا- صاحبة أكبر تعداد سكاني في إفريقيا، وأكبر ديمقراطياتها، وأبرز منتجي النفط فيها– في قلب هذه المأساة الجيوسياسية، فحالة انعدام الأمن المزمنة، والفساد المتجذر، وهشاشة منظومة الحوكمة تجعلها عرضةً للتأثيرات الخارجية، في حين أن مواردها الطاقوية، وثقلها الديموغرافي، ونفوذها الثقافي، تجعل منها عنصراً لا يمكن تجاوزه في حسابات القوى العالمية.
ويبقى السؤال المحوري هو: هل تستطيع نيجيريا الحفاظ على استقلال قرارها وتجنّب أن تتحول إلى ضحية جانبية في حربٍ باردة جديدة بين الولايات المتحدة والصين؟
عدسة القوى الكبرى:
تنطلق رؤية جون ميرشايمر من فرضية أن القوى العظمى تتحرك وفق منطق تحقيق الميزة النسبية القصوى ومنع منافسيها من الهيمنة الإقليمية. وفي السياق الإفريقي؛ تتجلى هذه المنافسة بأوضح صورها في «نيجيريا».
من منظور الولايات المتحدة؛ تُعدّ نيجيريا ركيزة الاستقرار في غرب إفريقيا، وسدّاً أمام تمدد التطرّف المسلح. وقد أشارت التقارير الاستخباراتية الأمريكية المتعاقبة إلى أن نواقص الحوكمة، والأهمية الطاقوية، والثقل الديموغرافي لنيجيريا، تمثل جميعها مصادر محتملة لاضطرابات عالمية. وفي ضوء ذلك؛ تُقدّم واشنطن دعماً أمنياً ودبلوماسياً لنيجيريا، لكنها تمارس في الوقت ذاته ضغوطاً على أبوجا لضمان الامتثال لمعايير حقوق الإنسان.
أما الصين؛ فتنتهج مقاربةً مختلفة، ترتكز على التجارة والاستثمار والبنية التحتية، فمنذ إقامة العلاقات الثنائية عام 1971م، موّلت بكين مشروعات كبرى للسكك الحديدية والمواني ومحطات الطاقة في إطار مبادرة الحزام والطريق. وتُهيمن الشركات الصينية اليوم على قطاع التشييد والبناء في نيجيريا، فيما تجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي حاجز 20 مليار دولار سنوياً.
وفي ضوء تحليل ميرشايمر؛ يعكس هذا التنافس المزدوج معضلة الأمن الدولي، حيث تنظر كل قوة عظمى إلى انخراط الأخرى في نيجيريا باعتباره اختراقاً لمجال نفوذها، ما يدفعها إلى اتخاذ إجراءات مضادة. وهكذا؛ تجد نيجيريا نفسها موضع استمالة من الطرفَيْن، ولكنها في الوقت نفسه عرضة لاحتمالات الإكراه السياسي والاقتصادي.
عامل الهشاشة:
تُفاقِم الهشاشة الداخلية في نيجيريا من حدة التنافسات الخارجية، فعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على التجربة الديمقراطية؛ لا يزال الفساد متجذراً في مؤسسات الدولة، فيما تُعيق التبعية المفرطة لعائدات النفط جهود التنويع الاقتصادي، وتستمر التمردات المسلحة في مناطق تمتد من شمال شرق البلاد حتى الحزام الأوسط. وقد حذّر سيناريو «الدولة الفاشلة 2030» من أن استمرار هذه الهشاشة قد يفتح الباب أمام تدخلاتٍ أجنبية مباشرة بهدف تأمين المصالح الطاقوية، واحتواء التداعيات الإنسانية الناتجة عن انهيارٍ محتمل. ومع تزايد المصالح الاقتصادية لكلٍّ من واشنطن وبكين داخل نيجيريا؛ تتعاظم حوافزهما للتدخل المباشر أو غير المباشر. وتكمن الخطورة في أن ضعف نيجيريا البنيوي قد يحوّلها من شريك إستراتيجي إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى- وهي بالضبط «المأساة» التي وصفها جون ميرشايمر في نظريته حول سياسات القوى العظمى.
عدم الانحياز في عالم مستقطَب:
عقب الاستقلال؛ تبنّى القادة النيجيريون سياسةً خارجية قائمة على عدم الانحياز، ترتكز على مبادئ السيادة الوطنية، والتضامن الإفريقي، والابتعاد عن سياسة المحاور. وقد خدم هذا النهج نيجيريا بفعالية خلال حقبة الحرب الباردة الأولى. إلا أن العولمة وتشابك المصالح الاقتصادية في العصر الراهن أدّى إلى تآكل الحدود الأيديولوجية التقليدية، لتتحوّل الدبلوماسية النيجيرية إلى ما يشبه التحوّط الإستراتيجي؛ إذ تُعمّق أبوجا علاقاتها الاقتصادية مع الصين ومجموعة البريكس، في الوقت ذاته الذي تحافظ فيه على التعاون الأمني مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقد مثّل انضمام نيجيريا عام 2025م بصفة «دولة شريكة» في مجموعة البريكس دلالةً واضحة على هذا التنوّع العملي في شراكاتها الدولية. ومن منظور أبوجا؛ فإن تعدد الشراكات يعزز قدرتها على المناورة وكسب النفوذ، أما من وجهة نظر واشنطن وبكين؛ فهو يثير مزيداً من الشكوك والتوجّس. وهكذا؛ فإن محاولة نيجيريا تحقيق التوازن بين القوى الكبرى تمكّنها من الحفاظ على قدرٍ من الاستقلالية، لكنها في الوقت ذاته قد تُسهم في تعميق التنافس الدولي الذي تسعى أساساً إلى تجنّبه.
مجموعة البريكس وإغراء التمويل السهل:
يُوفّر توسّع مجموعة البريكس، بقيادة الصين، أمام نيجيريا مصادر تمويل تنموي بديلة تتميّز بشروط حوكمة أقل صرامة مقارنةً بما تفرضه المؤسسات المالية الغربية. فقد موّل البنك الجديد للتنمية التابع للمجموعة، إلى جانب خطوط الائتمان الصينية، مشروعات واسعة تشمل الطرق السريعة والمواني ومحطات الطاقة. وتمنح هذه الشراكات نيجيريا فوائد ملموسة، أبرزها تسريع وتيرة تنفيذ البنية التحتية، واتباع نهجٍ دبلوماسي غير تدخّلي، غير أنها تنطوي أيضاً على مخاطر محتملة، إذ قد تؤدي العقود غير الشفافة، وضعف نقل التكنولوجيا، واحتمالات التعثّر في سداد الديون، إلى استبدال شكلٍ من أشكال التبعية بأخرى.
وعلى المستوى الإستراتيجي؛ تتيح البريكس لنيجيريا غطاءً دبلوماسيّاً يعزّز دورها ضمن الجنوب العالمي، ولا سيما في قضايا إصلاح الأمم المتحدة والتجارة الدولية. ومع ذلك؛ فإن الانحياز المفرط إلى محور تقوده الصين قد يُنفّر المستثمرين الغربيين، ويُعقّد وصول نيجيريا إلى أسواق السندات الدولية (اليوروبوند). وتبقى المعضلة الأساسية هي كيفية تحويل الانخراط في البريكس إلى استقلال فعلي في القرار الاقتصادي، لا إلى تبعيةٍ جديدة تحت مظلة مختلفة.
البديل الأمريكي – الأوروبي:
تُعدّ نجاحات نيجيريا محورية بالنسبة لكلٍّ من واشنطن وبروكسل، إذ تمثل اختباراً لمصداقيتهما في القارة الإفريقية. ومع ذلك؛ فإنّ الانخراط الغربي غالباً ما اتسم بالطابع التفاعلي، حيث ركّز على مكافحة الإرهاب ومراقبة الانتخابات أكثر من تركيزه على إحداث التحولات الهيكلية المطلوبة.
ينبغي أن يركّز الإطار الجديد على المحاور التالية:
- التمويل الممزوج Blended Finance: الجمع بين المساعدات التنموية ورأس المال الخاص، لتوفير تمويل شفاف للبنية التحتية، مدعوم بآليات حوكمة فعّالة.
- الشراكات التقنية: بناء القدرات التنظيمية ومكافحة الفساد في نيجيريا، بدلاً من الاكتفاء بتقديم التمويل المباشر.
- النفاذ إلى الأسواق: توسيع تفضيلات التجارة لصالح الصادرات ذات القيمة المضافة.
- التعاون الأمني المشروط بالمساءلة: الاستمرار في برامج التدريب العسكري ومبيعات المعدات، ضمن أطر رقابة صارمة لاحترام حقوق الإنسان.
إنّ هذا النوع من الانخراط سيُظهر أن الشراكات الليبرالية قادرةٌ على منافسة عروض مجموعة «بريكس» بشكلٍ موثوق، مع الحفاظ على سيادة نيجيريا واحترام استقلال قرارها الوطني.
الضرورات الإستراتيجية لنيجيريا:
من أجل الصمود أمام الضغوط المتزايدة بين القوى الكبرى، يتعيّن على نيجيريا أن تتبنّى مجموعةً من الضرورات الإستراتيجية الخاصة بها، تشمل ما يأتي:
- إعادة بناء الأمن الداخلي: دمج جهود مكافحة التمرد مع إصلاحات الحوكمة والنظام القضائي، بما يعيد للدولة شرعيتها في نظر المواطنين.
- تنويع الاقتصاد: الاستثمار في قطاعات التصنيع والزراعة والخدمات الرقمية، بهدف تقليل الاعتماد المفرط على النفط والقروض الخارجية.
- ضمان شفافية الدين العام: نشر عقود القروض وتعزيز مؤسسات إدارة الدين، لضمان الانضباط المالي والمساءلة.
- الريادة الإقليمية: توظيف أدوار نيجيريا داخل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ECOWAS والاتحاد الإفريقي، لاحتواء بؤر عدم الاستقرار، بما يرفع تكلفة أي تدخل خارجي محتمل.
- تقنين إستراتيجية التحوّط: وضع إطار مؤسسي لفحص الاستثمارات الأجنبية وتطبيق آليات حماية للسيادة الوطنية، في سياق التفاعل مع القوى الكبرى.
وإذا ما تم تنفيذ هذه الإجراءات بفعالية؛ فإنها ستُحوِّل المنافسة الدولية إلى فرصة للتنمية، وتُرسِّخ سيادة نيجيريا في مؤسساتها الوطنية بدلاً من الاكتفاء بالشعارات الخطابية.
السلام عبر القوة – قراءة معاصرة:
يُجسّد مقولة ثيوسيديدس: «الأقوياء يفعلون ما يشاؤون، والضعفاء يعانون ما يجب عليهم احتماله» المعضلة الجوهرية التي تواجهها نيجيريا اليوم. ففي السياق الراهن؛ ينبغي أن يُفهم مفهوم «السلام عبر القوة» على أنه مرادف للصلابة المؤسسية وبناء الشراكات الإستراتيجية، لا التوجه نحو العسكرة أو إعادة إنتاج منطق «حوار الميلانيين»[1] في ظل تنافس القوى الكبرى. فالدولة القوية هي تلك التي تُحسن إدارة شؤونها بشفافية، وتُمكّن مواطنيها، وتُبرم شراكاتها الخارجية على أسس واضحة ومعلنة. أما الدولة التي تعتمد على شبكات المحسوبية والسرية؛ فتبقى ضعيفةً مهما بلغ حجم قوتها العسكرية. إن مأساة السياسة بين القوى الكبرى ليست حتمية، لكنها تتفاقم بفعل الهشاشة الداخلية. ومن ثمّ؛ فإن تعزيز الحوكمة الداخلية والشفافية المؤسسية يمثل خط الدفاع الأول والأقوى لنيجيريا في مواجهة الضغوط والإكراهات الخارجية.
تجنب سيناريو الانهيار بحلول عام 2030م:
لا تزال أمام نيجيريا فرصة حقيقية لتجنّب الانزلاق إلى ما يُعرف بـ«سيناريو الدولة الفاشلة»، شريطة أن تتحرك بحزمٍ في الوقت الراهن. وتتمثل الأولويات الأساسية فيما يأتي:
- استعادة الشرعية: من خلال تطبيق منصات رقمية لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية المالية، بما يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
- الاستثمار في رأس المال البشري: عبر توسيع نطاق التعليم وخلق فرص العمل، لمنع تفشي التطرف والحد من موجات الهجرة.
- إرساء دبلوماسية متوازنة مؤسسياً: من خلال التعامل المتكافئ مع كلٍّ من شركاء مجموعة «بريكس» والدول الغربية، ضمن أطرٍ رقابية برلمانية وإفصاحٍ عام.
إن ترسيخ هذه الإصلاحات سيُبقي نيجيريا عنصر استقرار إقليمي؛ لا بؤرة توتر في سياق التنافس بين القوى الكبرى.
بالنسبة للولايات المتحدة: «التنافس لا الاحتواء» قد يكون الإستراتيجية الأجدى:
تُمثّل مسيرة نيجيريا اختباراً لقدرة السياسة الأمريكية في إفريقيا على الانتقال من نهج الاحتواء إلى نهج المنافسة البنّاءة. فنيجيريا المنهارة ستكشف عن ضعف النفوذ الأمريكي، بينما نيجيريا القادرة على الازدهار من خلال انخراطٍ متوازن ستُثبت متانة النظام الدولي القائم على القواعد.
وعليه؛ ينبغي للولايات المتحدة أن:
- تدعم الدور القيادي لنيجيريا إقليمياً، من خلال المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ECOWAS؛
- تستثمر في الطاقة الخضراء وحوكمة التحول الرقمي؛
- تحترم حق نيجيريا في الانخراط مع مجموعة بريكس، بما يخدم مصالحها الوطنية.
وفي عالمٍ تحكمه الواقعية السياسية، يُعدّ الاستقرار- لا الهيمنة- هو الانتصار الحقيقي.
الخاتمة: تحويل المأساة إلى إستراتيجية:
لا يمكن إلغاء ما أسماه ميرشايمر بـ«مأساة السياسة الواقعية»، لكن يمكن إدارة تكلفتها والحد من تداعياتها. فبالنسبة لنيجيريا؛ لن يتوقف البقاء في خضم تنافس القوى الكبرى على حسن نيات الخارج، بل على تماسكها الداخلي وكفاءة مؤسساتها الوطنية. فنيجيريا القادرة، الشفافة، والمتجذّرة إقليمياً يمكنها تحويل التنافس الدولي من صراعٍ على الهيمنة إلى تنافسٍ على الشراكة.
أما بالنسبة للغرب؛ فإن الاعتراف بوكالة نيجيريا ودعم صلابتها المؤسسية سيؤدي إلى نفوذ أكثر استدامة من أي محاولاتٍ للإكراه أو الوصاية.
وبالنسبة للصين ومجموعة «بريكس»؛ فإن تحقيق شراكة حقيقية يقتضي الانتقال من مجرد الإقراض إلى نقل التكنولوجيا وبناء القدرات الصناعية.
وبحلول عام 2030م، ستكون إفريقيا موطناً لربع سكان العالم، فيما ستُمثّل نيجيريا قلبها الديموغرافي النابض. غير أن ما إذا كان هذا القلب سينبض بالاستقرار أم بالأزمات؛ فسيعتمد على كيفية إدارة نيجيريا- والقوى الكبرى المحيطة بها- لقواعد اللعبة الواقعية. في هذا المعنى، «المأساة» ليست قدراً محتوماً، بل إنذاراً إستراتيجياً ينبغي الإصغاء إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:
Okolieaboh, A. (2025, November 4). Nigeria’s Strategic Crossroads: Navigating U.S.–China tensions and the BRICS shift in Africa. PRNigeria. https://prnigeria.com/2025/11/04/nigeria-strategic-crossroads/
[1] حوار الميلانيين: يبدأ الحوار بمبعوثين من أثينا يجادلون الميلانيين: بأن الخيار الوحيد أمامهم هو إما الموت أو الاستسلام.










































