بقلم: محمد أغ محمدن
باحث في شؤون دول الساحل.
المقدمة:
بدأ الاستكشاف الأوروبي لإفريقيا منذ العصور القديمة، حين عرف الإغريق والرومان شمال القارة وأقاموا فيها مستعمرات، ما تزال شواهدها قائمةً حتى اليوم. ثم في القرن الخامس عشر، ومع بداية عصر الاكتشافات الجغرافية، أصبحت البرتغال أوّل من قاد استكشاف سواحل إفريقيا الغربية، خاصةً تحت رعاية الأمير هنري الملاح[1].
وفي سنة 1488م وصل بارتولوميو دياز[2] Bartolomeu Dias إلى أقصى جنوب القارة (رأس الرجاء الصالح)، مما فتح الطريق البحري نحو الهند والشرق الأقصى. في البداية، كانت دوافعهم الفضول العلمي ونشر المسيحية، لكن هذه الدوافع سرعان ما تراجعت أمام المصالح التجارية، خصوصاً تجارة الرقيق. ومع الوقت، شاركت دول أوروبية أخرى- مثل هولندا وإسبانيا وفرنسا وإنجليز- في هذه التجارة على طول السواحل الإفريقية. ورغم ذلك؛ ظل الأوروبيون لا يعرفون إلا القليل عن داخل إفريقيا خلال قرون. وكانت أجزاء واسعة من القارة تُرسم كمساحات بيضاء على خرائطهم، إلى أن جاءت رحلات استكشافية صعبة وخطيرة لكشف هذه المناطق.
ومع بداية القرن التاسع عشر، تغيرت نظرة بعض الأوروبيين إلى إفريقيا، فقد أصبحوا يهتمون بدراسة جغرافيتها ومواردها والتعرّف على شعوبها عن قرب. ومع أن رواياتهم لم تكن خالية من العنصرية والتحيز؛ إلا أنها أظهرت أحياناً نوعاً من الاحترام والتقدير. وفي البداية عبّرت هذه الرحلات عن لقاءات إنسانية حقيقية بين قلة من الأوروبيين وشعوب إفريقية عديدة من أصول متنوعة. وهو ما يتناقض تماماً مع الغطرسة الاستعمارية التي ظهرت لاحقا.ً
وفي هذا السياق التاريخي؛ برزت مدينة تنبكتو في بدايات القرن السادس عشر بوصفها واحدةً من أعظم مراكز إفريقيا الثقافية والعلمية، فقد شهدت تلك الفترة ذروة ازدهارها، حتى أصبحت تُوصف بأنّها «أسطورة الصحراء» و«جوهرتها». وانتشرت شهرتها في كتابات الرحّالة الأوروبيين الذين نسجوا حولها صوراً خيالية، معتبرين إيّاها أهم نقطة يمكن بلوغها وأغنى مدن الصحراء علماً وثقافةً وثروة.[3]
ولذلك؛ أصبحت تمبكتو قِبلة للمكتشفين المغامرين في القرن التاسع عشر، فكان أوّل من وصلها البريطاني ألكسندر غوردون لينغ[4] Gordon Laing سنة 1826م، ثم الفرنسي رينيه كاييه[5] René Caillié سنة 1828م، غير أن أهم من درسها ووصفها بتفصيل كامل هو الألماني هاينريش بارث عام 1853م، الذي قدّم إحدى أدق الشهادات الأوروبية عن هذه المدينة وثقافتها وحياتها العلمية والاجتماعية.
وفي حق بارث يقول المستكشف النمساوي أوسكار لينز[6] Oskar Lenz: «يُعدّ بارث من أعظم الرحّالة العلماء على مر العصور، ولم يظهر قبله ولا بعده أيُّ مستكشفٍ فتح مثل هذا الجزء الشاسع من إفريقيا أمام العلم. لم تُسفر رحلات ليفينغستون[7] Livingstone، على مدى سنواتٍ طويلة، عبر بلدان جنوب إفريقيا، أو مسيرة ستانلي[8] Stanley الجريئة على طول نهري لوالابا والكونغو، عن نتائجَ علميةٍ قيّمةٍ بقدر ما أثمرت عنه رحلة بارث في إفريقيا، التي استغلها ببراعةٍ فائقة.. ولم يكن بوسع الحكومة البريطانية أن تجد رجلاً أكثر جدارةً منه، حين قرّرت في سنة 1849م إرسال بعثة كبرى لاستكشاف شمال إفريقيا»[9].
1) هاينريش بارث المكتشف:
وُلد هاينريش بارث Heinrich Barth في مدينة هامبورغ الألمانية، في 16 فبراير 1821م. وهو ابن لتاجر ثري، بدأ دراسته في مسقط رأسه ثم أتمّها في برلين. منذ شبابه ظهر ميله إلى الدراسات الجغرافية، وكان حوض البحر الأبيض المتوسط يجذبه بشكلٍ خاص، في عام 1840م سافر إلى إيطاليا وصقلية في رحلة أثرية لإعداد أطروحته الدكتوراه، التي تمكن من مناقشتها في عام 1844م في جامعة برلين بعنوان: Corinthiorum commercii et mercaturae historiae particula[10].
في العام التالي، انطلق بارث في رحلة استمرت ثلاث سنوات حول البحر المتوسط، وهي بعثة كان قد وضع خطتها منذ عدة سنوات. وتوجّه إلى المغرب مروراً بفرنسا وإسبانيا، ثم سواحل شمال إفريقيا، عبر تونس وطرابلس وبرقة القديمة ومصر وفلسطين وسوريا، وعاد إلى ألمانيا بعد أن زار قبرص وإسطنبول واليونان.
يقول بارث: «كان هدفي، حين شرعتُ في هذه الرحلة، أن أبحث في بلدان الساحل المتوسطي عن بقايا العصور القديمة، وأن أدرس أوضاع الشعوب التي يمكن أن تُلقي بعض الضوء على أحداث تلك الأزمنة السحيقة. غير أنّ حبّي للماضي لم يجعلني أغفل بتاتاً المواضيع الراهنة، فقد كنتُ دائماً أوجّه نظري نحو تلك المناطق، سواء أكانت شبه معروفة أم مجهولة تماماً»[11].
تُظهر هذه السطور جانباً جوهرياً من الدوافع المعرفية التي وجّهت بارث في رحلته الأولى إلى شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وهي ذاتها الدوافع التي ستُحدد مسار مغامرته اللاحقة في إفريقيا جنوب الصحراء.
فقد كان الغرض الأساسي من رحلته، كما صرّح، هو البحث في فضاءات الساحل المتوسطي عن الشواهد الأثرية للعصور القديمة، وتحليل أوضاع الجماعات التي يمكن أن تُسهم معارفها وموروثاتها في توضيح وقائع تلك الحقب التاريخية البعيدة. ومع ذلك؛ فإن التركيز على الماضي لم يُلغِ لدى بارث اهتمامه بالبُنى الاجتماعية والسياسية المعاصرة، إذ ظلّ- على حدّ قوله- يوجّه اهتمامه باستمرار نحو المناطق التي كانت آنذاك مجهولة جزئياً أو كلياً بالنسبة للمعرفة الأوروبية.
وبذلك؛ يتضح أنّ مشروع بارث الاستكشافي لم يكن مجرد بحث أثري محدود بزمنٍ منقضٍ، بل كان أيضاً محاولة لربط المعطيات التاريخية بالواقع القائم، واستكشاف مجال جغرافي واسع بوصفه فضاءً معرفياً ما يزال خارج نطاق الدراسات العلمية المنظمة آنذاك.

صورة: هاينريش بارث

رسم: لشخص كونتي من قبل بارث، (ربما الشيخ البكاي)
2) الرحلة إلى السودان (غرب إفريقيا):
تُعطي رحلة بارث انطباعاً بأنها قد تم التخطيط لها مسبقاً، لكن في الواقع حتى الرحلة إلى مدينة تمبكتو لم تكن مخططاً لها. في الأصل؛ كان بارث يريد عبور القارة والتوجّه إلى موزمبيق مروراً ببحيرة تشاد، لكنه أثناء الطريق غيّر أهدافه. ومن المرجّح أنه خلال إقامته في مدينة أغاديز بدأ يهتمّ بتمبكتو وعلاقاتها مع أغاديز نفسها[12].
في ذلك الوقت، كانت بدايات الحقبة الاستعمارية، وكان الهدف الأول من الحملة هو دراسة الإمكانيات الاقتصادية للمنطقة، لكن سرعان ما رأى القائمون عليها إمكانية تحويلها في الوقت نفسه إلى مشروع يخدم العلم أيضاً. كانت البعثة ممولة من وزارة الخارجية البريطانية، ويقودها جيمس ريتشاردسون[13] James Richardson؛ وقد شارك فيها أيضاً باحث ألماني آخر هو أدولف أوفرويج[14] Adolf Overwig. وبعد وفاة جيمس ريتشاردسون تولى بارث قيادة الحملة.
غادرت البعثة طرابلس في 2 أبريل 1850م، وعبرت الصحراء الكبرى للوصول إلى السودان الغربي، مارةً بمدينة غات[15]، ثم عبرت سلسلة جبال طاسيلي ناجِر[16]. وفي الطريق؛ تاه بارث، الذي تخلف عن بقية البعثة، وكاد أن يموت. في سبتمبر، وصلوا إلى منطقة آير[17]، حيث درس شعب الطوارق.
انفصل أعضاء البعثة الثلاثة، الذين كانت علاقاتهم متوترة. وفي أكتوبر 1850م، اغتنم بارث أول فرصة لمغادرة البعثة فتوجه نحو مدينة أغاديز. لكنه تخلى عن جميع المعدات والمساعدة الشخصية من البعثة. سافر برفقة عدد من طوارق «كل إيوي»[18] Kel Ewey تحت قيادة حَمّا Hamma، صهر أَنُّور Annur، زعيم «كل إيوي». وصف بارث الليلة الأولى بعد رحيلهم على النحو التالي: «لكي أتجنب قدر الإمكان لفت انتباه السكان المحليين، لم آخذ معي خيمة، وفي الليل استلقي تحت النجوم٬ فيما كان أصدقائي من طوارق «كل إيوي» ينامون حولي»[19]. هذه الجملة التي تبدو عادية، مكتوبة دون أي قصد خاص، تكشف في الحقيقة الكثير عن شخصية بارث كمستكشف، فهو لا يشعر بالأمان إلا عندما ينسجم مع البيئة الطبيعية والبشرية حوله[20].
تكيّف بارث قدر الإمكان مع السكان المحليين، متبعاً أسلوبهم في السفر واللباس والطعام. وبهذه الطريقة جمع معلومات قيّمة عن رفاقه في السفر، والمسافرين الذين قابلوهم، والاقتصاد الرعوي، وجودة الملابس والطعام. وأدرك تدريجياً، من خلال تجاربه الشخصية، أن الثقافة المحلية أنسب للسفر من معدات الرحلات الاستكشافية، بما في ذلك ما يتعلق بالمناخ. وفيما يلي التفاصيل التي قدمها بارث في 3 مايو 1853م، بشأن نظامه الغذائي ونمط حياته:
«إنّ المسافر الذي يريد اكتساب معرفة كاملة بهذه المنطقة من العالم لا ينبغي أن يخشى الأمطار، لأنها في هذا الفصل وحده تتجلّى ثروة البلاد وروعتها، بينما تكون في بقية فصول السنة يابسة جرداء. في هذا الوقت ترتفع الحرارة في منتصف النهار إلى 108 أو 111 فهرنهايت (ما بين 41° و44° مئوية).
إن فريقي الصغير مزود بقبعات من القش، وهي ممتازة، ولكن فقط إذا لُبست فوق الشاشية وفوق عمامة عريضة. صحتي ممتازة. والقهوة، التي ما زلت– بحمد الله– متزوّداً بها، تُقدّم لي عوناً كبيراً. وماء التمر الهندي أيضاً شراب ممتاز، وهو أفضل ألف مرة من عصير الليمون أو أي شراب آخر قد نحصل عليه هنا. عندما أشعر ببعض الوعكة، أُضيف إلى شراب التمر الهندي بصلة وجرعة قوية من الفلفل الأسود، وإذا استطعت الحصول عليه، قليلاً من العسل؛ فهذا المزيج هو أفضل شراب طبي في هذه البلاد، ولا أستطيع أن أُوصي به بما يكفي للمسافرين الذين سيأتون بعدي»[21].
في مدينة أغاديز؛ استفاد بارث من مساعدة صديقه الجديد حَمّا، وهو من رجال قبيلة «كل إيوي» ذوي النفوذ، الذي يقوم بدور الدليل، وعرّفه على أصدقائه ومعارفه. وفي اليوم الثاني من وصوله؛ تمكن حَمّا من ترتيب مقابلة له مع سلطان أغاديز[22]. أما إقامته؛ فكانت في منزل الزعيم الطارقي أنُور.[23] وصف بارث المدينة بأنها في حالة تدهور، حيث انخفض عدد سكانها من 50 ألف نسمة إلى 7 آلاف نسمة، بعد أن تلاشت بوضوح مظاهر الازدهار التي تمتعت بها في منتصف القرن التاسع عشر.
وكانت النتائج العلمية لإقامته في هذه المدينة- التي لم تدم إلا ثلاثة أسابيع- مهمة للغاية. كان بارث أول أوروبي يكتب عن تاريخ أغاديز وشعبها وحياتها اليومية والسياسية، وهي معلومات لا تزال مرجعاً أساسياً حتى يومنا هذا. كانت هذه الرحلة والإقامة تجربة فارقة في حياته. بعد عامين، في أبريل 1853م في سوكوتو، أشار إلى أغاديز بأنها المكان الذي «بدأتُ فيه أؤمن بنجاح مشروعي»[24].

مسار رحلة هاينريش بارث
3) من مدينة أغاديز إلى تمبكتو:
انطلق بارث نحو مدينة كانو[25] Kano، عاصمة الهَوْسا[26]، التي وصل إليها في فبراير 1851م. يقول: «كانت كانو، مركزاً تجارياً يقع على مفترق طرق رئيسية عديدة، ومصدراً قيّماً للمعلومات ونقطة انطلاق ممتازة لاستكشاف أراضٍ أبعد، محطةً مهمة بالنسبة لنا، ليس فقط من الناحية العلمية لبعثتنا، بل أيضاً من الناحية المادية»[27].
بعد مغادرته تلك المدينة، في طريقه إلى كوكا[28] Kuka، عاصمة بورنو[29]، علم بوفاة ريتشاردسون. يقول: «اقتربت منّي مجموعة من الفرسان، غريبي المظهر وخلّابي المنظر في نفس الوقت. كان في وسطهم رجل وسيم، أبيض البشرة، ذو ملامح عربية، يرتدي ثياباً فاخرة، ويحمل أسلحة نارية مزخرفة؛ وكان يسير بجانبه ثلاثة فرسان آخرين، مسلحين بنفس السلاح لكن بملابس أقل فخامة. بمجرد أن رآني؛ توقف وسألني إن كنتُ المسيحي المتوقع من كانو. بعد إجابتي بنعم، أخبرني، دون مقدمات، أن رفيق رحلتي، يعقوب (ريتشاردسون)، قد توفي قبل وصوله إلى كوكا، وأن جميع ممتلكاته قد بُعثرت. في البداية؛ كنتُ ميالاً إلى عدم تصديق هذا الخبر المروع، ولكن بعد أن أخبرني العربي ببعض التفاصيل، لم يعد لديّ أي شك في صحته»[30].
في كوكا؛ توطّدت صداقة بارث مع الشيخ عمر محمد الكانمي[31]، الذي قدّم له الحماية ووافق على توقيع معاهدة تجارية مع إنجلترا. وخلال ذلك؛ كان بارث قد التقى مجدداً أوفرويج، الذي كان قد استكشف ضفاف بحيرة تشاد؛ لكن الأخير توفي في سبتمبر 1852م، صريع المرض.
وقد عبّر بارث عن حزنه الشديد، وخلّد ذكرى رفيقه بكلمات مُؤثرة: «هكذا مات صديقي ورفيقي الوحيد، في سنّ الثلاثين، في ريعان شبابه. لم يُكتب له أن يتمّ رحلاته أو أن يعود سعيداً إلى وطنه؛ لكنه قضى ميتة مجيدة في خدمة العلم… لقد رثاه كثيرٌ من سكان القرية، الذين كانوا يعرفونه جيداً بسبب إقاماته المتكررة بينهم؛ ولا شك أنهم سيتذكرونه طويلاً، ذلك الذي كانوا يُسمّونه الطبيب»[32].
غيّرت وفاة أوفرويج خطط بارث؛ فبدلاً من استكشاف شمال شرق بحيرة تشاد كما كان ينوي، لم يُثبط عزيمته، بل اتجه غرباً وقرر دراسة نهر النيجر. وصل إليه في قرية ساي[33]. ثم سافر إلى سوكوتو وغاندو[34]، حيث اكتشف مخطوط «تاريخ السودان»[35]. كان هذا الكتاب مفاجأة كبيرة لبارث، حيث قال: «كنتُ محظوظاً باكتشاف تاريخ كامل لمملكة السونغاي حتى عام 1640م. تتكون المخطوطة مجلداً كبيراً من أربعة أجزاء، ولأنه كان من المستحيل بالنسبة لي وللأسف، إحضار نسخة كاملة إلى أوروبا، فقد اكتفيت خلال إقامتي في غاندو باستخراج المقاطع التي اعتبرتها الأهم من منظور التاريخ والجغرافيا»[36].
في عام 1853م، وجد نفسه في منطقة معادية فغيّر هويته، مُدّعياً أنه «مسلم»[37]، مُتخذاً اسم «عبد الكريم»، يقول: «حتى ذلك الحين، كنتُ مُحافظاً على هويتي كمسيحي، لكننا كنا على وشك دخول مقاطعة دالا، الخاضعة لزعيم ماسينا المُتعصب، الذي لم يكن ليسمح أبداً لغير مسلم بعبور أراضيه، فانتحلتُ هوية عربي. كان سكان هذه الأراضي قد منحوني بالفعل لقب موديبو (شريف باللغة الفولانية)، ولذلك اضطررتُ إلى التصرف في جميع النواحي كعربي رفيع المستوى، وأن أُقدّم نفسي باسم: الشريف عبد الكريم الشامي»[38]. ثم مرّ عبر منطقة هومبوري Hombori[39]، ووصل إلى تمبكتو في سبتمبر 1853م.

وصول بارث إلى مدينة تمبكتو العريقة.
4) هاينريش بارث في تمبكتو:
وصل بارث إلى تمبكتو في 7 سبتمبر 1853م، كانت المدينة آنذاك تحت سلطة الفولان في ماسينا[40]. يقول بارث: «لقد وصلتُ أخيراً إلى هدفي من رحلتي الشاقة؛ ولكن منذ الساعات الأولى لوصولي إلى تمبكتو، أيقنتُ أنني لن أتمكن من التمتع براحة بال تامة، جسدياً ونفسياً، بعد الانتصار الذي حققته على صعوبات الطريق الطويل ومخاطره التي قطعتها للتوّ. لقد أثّر بي الحماس المستمر، والقلق الذي كان ينتابني بشأن مستقبل مهمتي، سلباً على صحتي حتى وصلتُ إلى تمبكتو؛ ولكن في اللحظة التي وصلتُ فيها إلى هدفي، وكادت قدماي تطأ منزلي الجديد، أصابتني نوبة حمى شديدة؛ ومع ذلك لم أكن يوماً بحاجة أكثر من تلك اللحظة إلى حضور الذهن والقوة الجسدية».[41]
ويقول بارث عن تأسيس تمبكتو: «حسب مصدرنا في تاريخ منطقة حوض النيجر، أحمد بابا[42]، تأسست هذه المدينة الشهيرة في القرن الخامس الهجري (حوالي 1100 م)، على يد قبيلة إيموشاغ[43] أو قبيلة أخرى من الطوارق، في المكان الذي اعتادوا الاستقرار فيه منذ زمن طويل»[44].
ثم يُقدم لنا لمحة عامة عن المدينة وعدد سكانها[45]: «يبلغ محيط تمبكتو الحالي حوالي فرسخ ونصف فرسخ[46]، إن لم تكن هذه المدينة شاسعة؛ فهي على الأقل تتميز ببنائها المتين مقارنةً عن بقية المدن السودانية. جميع المنازل في حالة جيدة، ويبلغ عدد البيوت الطينية خلال إقامتي 980 بيتاً، بينما يبلغ عدد أكواخ الحصير أيضاً المئات.. ولا يتجاوز عدد السكان المستقرين فيها 13 ألف نسمة تقريباً؛ توجد ثلاث مجموعات عرقية رئيسية في المدينة، السونغاي والطوارق والمُور (العرب(.. وخلال موسم التجارة، أي من نوفمبر إلى يناير، تستقبل تمبكتو ما بين 5 آلاف وأحياناً 10 آلاف أجنبي، يقيمون فيها لفترات متفاوتة. وغالبية هؤلاء التجار من المُور، وعرب الشمال، والماندينغ والمُوسي من الجنوب والشرق»[47].
ويقول عن المسجد الكبير: «يبدو أن أقدم مسجد في تمبكتو هو مسجد سانكوري[48] Sankoré، الذي بُني على نفقة امرأة ثرية من السونغاي. إنه ضخم، ويُمثل بشكل رائع نهاية الحي الشمالي من المدينة، والذي يُسمّى أيضاً سانكوري. ولهذا المسجد أهمية وطنية معينة في نظر السكان المحليين، لذلك؛ تركه الفولاني، الذين غزوا المدينة، عمداً للخراب والهجر. ولم يُستعَد له بهاؤه القديم إلا في الفترة التي أقمت فيها في تمبكتو، حين قام الشيخ البكاي بإعادة ترميمه وإرجاعه إلى سابق مجده.. يبلغ طول المسجد 120 قدماً، وعرضه 80 قدماً[49]، ويحتوي على خمسة بلاطات (أروقة). إنه يمنح المدينة بأكملها مظهراً مهيباً للغاية، لأنه لا يعلوها فقط، كونه المسجد الرئيسي، مع مئذنته الضخمة المربّعة الشكل، ولكنه يحتل أيضاً مكانةً خاصة بسبب الارتفاع الكبير لحي سانكوري بأكمله»[50].
وفي اليوم التالي، 8 سبتمبر، بعد وصول بارث إلى تمبكتو، كتب حمادي- ابن الشقيق الأكبر للشيخ أحمد البكاي الكونتي-، إلى ملك ماسينا أمادو أمادو[51] لتحريض الفولان ضد المسيحي (بارث). كان حمادي زعيم معارضة قبيلة الكونتة ضد عمه، الذي لم يسامحه أبداً على إزاحته عن السلطة بعد وفاة والده الشيخ سيدي المختار الصغير.
5) الشيخ أحمد البكاي الكونتي:
تزامن صعود الشيخ أحمد البكاي (الباكي) إلى الشهرة[52] مع فترة مضطربة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، والتي شهدت صحوة إسلامية في غرب إفريقيا، بعد صراعات الفولان-التوكولور (التكرور)، ووصول الأوروبيين الأوائل إلى داخل غرب إفريقيا[53].
وهكذا كرّس البكاي حياته كلّها لترسيخ- أو على الأقل للدفاع عن- هيبة عائلته، محافظاً لها على لقبها ومكانتها بصفتها المرشد الروحي للقادرية الصحراوية. ولهذا، سخّر كلّ دبلوماسيته، وكلّ قدراته الفكرية والجسدية، لخدمة هذه الطموح.
كانت مدينة تمبكتو، والطوارق، والفولان في ماسينا، والتوكولور- هؤلاء الوافدون الجدد- محور اهتمامه الدائم، جميعهم في خدمة أهدافه. وقد أثار غضب حلفائه التقليديين الفولان، عندما وضع المستكشف الألماني (بارث) تحت حمايته.
كان رجلا مُفعماً بالنشاط، حاضراً في الميدان كلما اقتضى الأمر ذلك. وقد استخدم القلم كما السيف للدفاع عن مواقفه، وظل على هذا النهج حتى وفاته في فبراير 1865م في ساريدينا Sarédina، على رأس كتيبة خرجت للدفاع عن مبادئه الدينية، وذلك بعد أشهر قليلة فقط من وفاة خصمه الديني والسياسي الحاج عمر تال في سبتمبر 1864م[54].
6) لقاء هاينريش بارث مع الشيخ البكاي:
نترك بارث يروي لنا قصة لقائه الأول بالشيخ البكاي: «في مساء 13 من سبتمبر، تلقيتُ أخيراً رسالة من الشيخ البكاي، تحمل وعوداً رسمية بالحماية، ورغم ضعفي من المرض، بدأتُ على الفور بالرد على هذه الرسالة التي جاءت في وقتها. شرحتُ للشيخ أسباب زيارتي إلى تمبكتو، مُخبراً إياه أنني قمتُ بها فقط انطلاقاً من ثقتي بعدالته وحكمته. وقد حالفني الحظ برؤية رسالتي تُستقبل بحفاوة من قِبل البكاي، مما أصبح أساساً للعلاقات الطيبة التي سادت بيننا منذ ذلك الحين».
«وفي 26 من سبتمبر، في الساعة الثالثة صباحاً، وصل الشيخ بنفسه. في الصباح الباكر، أرسل إليّ يطمئنني ألا أقلق مطلقاً على سلامتي الشخصية، وأنني سأعود سالماً إلى وطني إن شاء الله. وبعث إليّ، تأكيداً لحسن نيّته، ثورين، وشاتين، وجرّتين كبيرتين من الزبد، وحمل جمل من الأرز، ومثله من السُّنْبُل؛ ودعاني في الوقت نفسه إلى اختيار الطريق التي أرغب في العودة عبرها».
ثم يروي بارث استعداده للمقابلة: «وهكذا هيّأتُ نفسي على أفضل وجهٍ ممكن لأول لقاء مع الشيخ، ولم أحمل معي- من بين الهدايا التي كنت أنوي تقديمها له- سوى مسدسٍ صغير ذي ست طلقات. وجدتُ الشيخ في غرفته الصغيرة، ومعه ابن أخيه، الشاب محمد بن شطار، واثنان من تلاميذه. وللوهلة الأولى، دُهشت بسرور حين رأيتُ رجلاً تشي ملامحه بـمشاعر إنسانية ونزاهة أخلاقية كنتُ قد افتقدتُها في غيره. وقد زال عني كلّ خوفٍ بفضل هدوئه وسلوكه الودود، فحيّيته بثقةٍ تامة، وهو ينهض لاستقبالي. لم يكن حديثنا فقط حول التحيات المعتادة وبروتوكولات آداب اللقاء، بل كان- منذ اللحظة الأولى- تبادلاً حرًّا للأفكار بين رجلين لم يكونا غريبين أحدهما عن الآخر فحسب، بل كانا يختلفان أيضاً في عاداتهما وجنسيتيهما. سرعان ما قادنا المسدس الذي أعطيته للشيخ إلى موضوع تفوق الأوروبيين في المجالين الصناعي والاجتماعي. من بين الأسئلة الأولى التي طرحها عليّ البكاي: هل صحيح ما قاله الرائد غوردون لينغ – خلال إقامته في أزواد- لوالده سيدي محمد، أن عاصمة المملكة البريطانية[55] تضم عشرين مرّة مائة ألف نسمة[56]؟».
7) دفاع الشيخ البكاي عن المكتشف بارث:
اتسم الشيخ البكاي بتسامح ديني نادر في سياقه التاريخي، إذ استقبل المستكشف البريطاني غوردون لينغ في مخيمه بمنطقة أزواد لأكثر من ستة أشهر، ونشأت بينهما علاقة احترام متبادل استمرت حتى وفاة الشيخ سنة 1826م.
ويبرز موقف البكاي في دفاعه عن المستكشف الألماني هاينريش بارث بعد وصول الأخير إلى تمبكتو، إذ كتب رسالة[57] رداً على موقف ملك ماسينا أمادو أمادو[58]، الذي دعا إلى التعرض لبارث بدعوى كونه نصرانياً دخل المدينة دون إذن رسمي. وينطلق في رسالته من تأصيل شرعي محكم، مؤكداً أن دخول بارث أرض المسلمين بعهد وأمان يجعل دمه وماله مصونين وفق أحكام الشريعة، ويحرم المساس به بأيّ شكلٍ من أشكال الأذى.

الصفحة الأولى والأخيرة من مخطوط رسالة الشيخ البكاي
8) مغادرة هاينريش بارث تمبكتو:
كما رأينا، حظي بارث بدعمٍ كامل من الشيخ البكاي، غير أن الصراعات السياسية داخل تمبكتو كانت كفيلة بتقويض نفوذ هذا الرجل الكريم، وعرّضت حياة بارث للخطر رغم حمايته له.
يقول بارث: «مرّ شهر سبتمبر بهدوء، ولم أكن أنتظر سوى الفرصة المناسبة لتحديد موعد رحيلي، لكن في الأول من أكتوبر وصل فرسان تابعون للحاكم العام، وكانت أوامرهم أن يطردوني من المدينة، وأن يقتلوني إذا أبدَيتُ مقاومة. لم يعد هناك سبيل للمغادرة، فقد كان البكاي يعارض ذلك تماماً، حفاظاً على سلامتي أولاً، وثانياً حتى لا يبدو وكأنه يستسلم للفولان.. وقد قرر حتى أن يخيم خارج أسوار المدينة ليُظهر للجميع أنه لا يعتمد على السكان ولا يخاف معارضيه. وفي 11 من الشهر غادرنا المدينة قبل الظهر بقليل. وبعد يومين عدنا إلى تمبكتو، لكن دبّ الخلاف هذه المرّة داخل أسرة الشيخ نفسها، واستمر الإصرار على طردي. فخرج البكاي من جديد من المدينة وأخذني هذه المرة إلى كاباراKabara[59] ، واستغل الفولان ذلك فأرسلوا قوات جديدة إلى تمبكتو. ثم عدنا إليها مرّةً أخرى، لنعود بعدها إلى مخيم الشيخ خارج المدينة»[60].
ويضيف أيضاً: «في تلك الأثناء اشتدّ التهديد وكثرت الانقسامات الداخلية يوماً بعد يوم، وحين عجز الفولانيون عن انتزاعي بالقوة من الشيخ حاولوا خداعي لإيقاعي في أيديهم. وكان أولاد سليمان، الذين اغتالوا الرائد غوردون لينغ من قبل، قد أقسموا على قتلي. ودخل جنود جدد إلى المدينة لطردي مهما كان الثمن. كنت آمل أن أبدأ العام الجديد قريباً من الساحل، لكن يناير أوشك على الانتهاء وأنا ما زلت في المأزق نفسه»[61].
وفي أواخر فبراير 1854م، أبلغ أمادو أمادو، زعيم الفولان، الشيخ البكاي بشكل صريح رغبته في طرد بارث من المدينة؛ لكن الشيخ رفض رفضاً قاطعاً، فتكررت الطلبات وتجدد الرفض، وازدادت الصراعات، وتعقّدت الأوضاع: تعطلت التجارة، وبدأ القلق في السكان، وهدّد الفولان حتى بمحاصرة المدينة.
«وفي ليلة 17 مارس، قرع سيدي محمد، شقيق الشيخ البكاي، الطبل، وامتطى فرسه وطلب مني أن أتبعه مع اثنين من خدامي، بينما كان الطوارق الذين يساندوننا يقرعون دروعهم ويرددون صيحات الحرب. وجدنا الشيخ على رأس مجموعة كبيرة من العرب والسونغاي وحتى بعض الفولانيين المخلصين له. توسلت إليه ألا يُسفك دماً بسببي؛ فوعد الساخطين بإبعادي عن المدينة، حيث عانينا بشدة من الحشرات وسوء الطعام. وأخيراً، وبعد ثلاثة وثلاثين يوماً من التخييم، قررت أن أغادر نهائياً في 19 أبريل»[62]. وعندما غادر بارث تمبكتو، رافقه الشيخ البكاي عدة أيام حتى مدينة غاوا.
9) هاينريش بارث في مدينة غاوا:
يقول بارث: «عند حلول الليل، وصلنا إلى قرية متواضعة ذات أكواخ من الحصير: إنها غاوا، عاصمة إمبراطورية السونغاي الشهيرة. في الظلام، استقرينا فيما يشبه ساحةً مفتوحة، محاطة بأكواخ نصف كروية. وفي جهة الجنوب، يرتفع بناء شاهق على هيئة برج. ولشدّة رغبتي في رؤية هذه المدينة العريقة، استيقظت مبكراً بعد ليلة نوم هانئة؛ فمنذ أن علمتُ، من مخطوطات أحمد بابا، أن غاوا كانت في يوم من الأيام مركز إمبراطورية السونغاي الشاسعة، غمرتني رغبة عارمة في زيارة هذه المدينة التاريخية، التي خرج منها العديد من الأمراء الأقوياء، والتي كانت عاصمة لدولة عظيمة».
ويزيد: «عند خروجي من خيمتي، وجدت أمامي مباشرة ذلك المبنى المرتفع، الذي ذكرتني هندسته الخشنة، في ظلمة الليلة السابقة، بمباني أغاديز[63]. كان هذا البرج الضخم المُهدم آخرَ آثار المسجد الكبير، والذي يضم أيضاً ضريح محمد الحاج أسكيا[64]؛ هذا كل ما تبقى من ذلك البهاء والمجد الغابر»[65].
لقد أصيب بارث بخيبة أمل كبيرة بعد أن قام بجولة في المدينة، فيقول: «غاوا اليوم، ليست سوى قرية صغيرة، تتألف من 300 أو 400 كوخ متناثرة في مجموعات متناثرة[66]. إنها أثر مؤسف لعظمة العاصمة السابقة، التي كانت تمتد فيما مضى إلى ما وراء النهر، ويبدو أن محيطها يصل إلى ثلاثة فراسخ.. عُدت إلى خيمتي، متأملاً بعمق في مصير هذه المدينة العريقة، وعن ذلك التيار الغامض للشعوب التي مرّت بهذه المنطقة من العالم- وهي ما تزال شبه مجهولة- تتتابع بلا انقطاع، ثم تتلاشى واحدةً بعد أخرى، من غير أن تخلّف إلا أثراً ضئيلاً يدلّ على وجودها أو على ما حققته من تقدم اجتماعي»[67].
كلمات قليلة، ولكن عميقة ومؤثرة في الوقت نفسه، تُجسّد تاريخ إفريقيا جنوب الصحراء وواقعها عبر العصور. إن هذه الإمبراطوريات (غانا، مالي، والسونغاي(، التي يُقال إنها كانت عظيمة- وربما وقعت مبالغة في حجمها وأهميتها- والممالك الفولانية والطارقية وغيرها، التي مرّت على منطقة غرب إفريقيا، كلها لم تترك إرثاً عمرانياً ولا حضارياً يُقارن بما خلّفته الحضارات الأوروبية والآسيوية والمصرية.
10) المحاولة الدبلوماسية من زعيم الطوارق:
يقول بارث: «كان كل شيء جاهزاً لمغادرة غاوا في 5 يوليو، إلا أن وصول شخصية طارقية باسم ثَقَفِ، ابن أخ الخُطْبَ[68] Alkhotba، زعيم قبيلة إولمدين Iwellemmedan المشهورة، حال دون سفرنا. ومع ذلك؛ سررتُ بهذه المصادفة، لأن ثَقَف سَلّمني (تصريح أمان( مُوجّهاً إلى جميع التجّار أو المسافرين الإنجليز الذين سيزورون مستقبلاً المناطق التي تحت سيطرة الخُطْبَ. وكلّفني أيضاً بأن أنقل تحيّاته الخاصة إلى الملكة فيكتوريا[69]، التي عرف اسمها من خلالي.. وفي حديث خاص؛ أفصح لي أن أشدّ ما يتمناه عمّه هو أن يرسل الإنجليز ثلاثة قوارب مجهزة عبر نهر النيجر لإقامة علاقات معه. فأجبته بأن تحقيق هذه الرغبة مرتبط بإمكانية تجاوز المنحدرات والصخور الخطرة في بعض مناطق مجرى النهر، وهو أمرٌ لا يسمح، في الوقت الراهن، بتقديم أيّ تعهّد»[70].
11) مغادرة غاوا ورحلة العودة إلى أوروبا:
يقول بارث: «ثم انطلقنا في 8 من يوليو. وقد غمرتني سعادة كبيرة، عند مغادرتنا مخيّم غاوا، حين رأيتُ جمعاً كبيراً من الناس يُسرعون نحوي ليودّعوني بحرارة ويتمنّوا لي سفراً سعيداً[71]».
يروي لنا بارث لحظات فراقه مع الشيخ البكاي: «كان عليّ أن أفارق هذا الرجل النبيل الوقور الذي ألهم في نفسي أعمق مشاعر التقدير من بين جميع من تعرّفتُ إليهم خلال رحلتي الطويلة. فقد عشتُ معه زمناً طويلاً في تواصل يومي، وفي ظروف حرجة، حتى أصبحت لحظة الفراق من أشدّ اللحظات وقعاً على نفسي. وقد أوصى الرجال الذين كان من المقرّر أن يرافقوني بألّا يتخاصموا فيما بينهم، وأن يتّبعوا نصائحي في كلّ أمر، ولا سيّما فيما يتعلّق بسرعة السير، إذ كان يعلم مدى شوقي وحرصي على العودة إلى بلادي. ثم منحني بَركته، وطمأنني بأنني أستطيع من الآن فصاعداً أن أعوّل على عودةٍ سعيدة.. ولمّا وصلتُ إلى الضفة الأخرى من النهر، وبحسب رغبة الشيخ البكاي، أطلقتُ طلقةً من بندقيتي علامةً على الوداع الأخير»[72].
في رحلة العودة، سافر بارث من غاوا عبر أرابندا وعبر نهر النيجر حتى ساي، ثم سوكوتو وكانو في نيجيريا، وصولاً إلى بحيرة تشاد. وفي سلسلة جبال برنو، التقى بفوغل[73] Vogel، وهو مُستكشف ألماني آخر كان قد انطلق للبحث عنه. واصل الأخير عمل بارث، لكنه اغتيل في شمال غرب تشاد.
ثم وصل بارث طرابلس في نهاية أغسطس 1855م، ومكث هناك أربعة أيام، ثم أبحر إلى مالطا، ومنها إلى مرسيليا، ومر بباريس، ووصل لندن في 6 سبتمبر 1855م.
يُلخص بول مارتي Paul Marty، في كتابه (دراسة عن الإسلام وقبائل السودان)، رحلة هاينريش بارث، قائلاً: «في سبتمبر 1853م، استقبل البكاي بارث استقبالاً حاراً، ومن خلال حمايته، ضمن للرحالة الشهير إمكانية الإقامة في تمبكتو لمدة تتراوح بين سبعة وثمانية أشهر. كان عليه أن يتولى مهمة الدفاع عنه ضد مكائد ابن أخيه حمادي، زعيم حزب المعارضة، وضد موجة الحماس المتواصل من جانب ألفا أمادو وعامة سكان تمبكتو. واضطر في أكثر من مرّة إلى إيوائه في معسكره خارج المدينة والدفاع عنه والسلاح في اليدِ. عند رحيله، رافقه لأكثر من 500كلم حتى غاو، وأمر بعض تلاميذه مرافقته، والأهم من ذلك كله، منحه (تصريح أمان( sauf conduit كان مفيداً لبارث طوال الطريق حتى تشاد»[74].
لقد كرّس بارث خمس سنوات من شبابه لهذا المشروع الخارق، وقضى ما مجموعه 625 يوماً على الطريق، قطع خلالها 15000كلم. تحمّل مشقّاتٍ وتعباً لا يُصدَّق، وتحدّى أقسى الظروف المناخية وأشدّها حرارة، وانتصر على قلّة المال في مواجهة ملكٍ جشعٍ متعصّب لا يعرف الرحمة. وقد سافر في بيئةٍ معادية لأهلها، فكيف بإنسانٍ غربيٍّ جاء من وراء البحار؟! ورغم ذلك؛ أظهر بارث صبراً خارقاً وشجاعةً استثنائية.
ومن بين الخمسة الشجعان الذين شاركوا في هذه البعثة؛ كان بارث الوحيد الذي عاد حيًّا، محمَّلاً بمواد علمية ثمينة في شتّى المجالات.
وسيُقال: ما هي إذن مكافأة كل هذه الجرأة والمغامرة؟ وما نتائجها؟
يجيبنا بارث بهذه السطور البسيطة: «لقد تركتُ الكثير ليفعله من سيأتون بعدي، حتى في الطريق نفسه الذي سلكتُه؛ لكنني أشعر بالرضا لأنني فتحتُ أمام العقول النيّرة آفاقاً جديدة حول الأرض الإفريقية، ومهّدتُ لإقامة علاقاتٍ منتظمة بين أوروبا وهذه الأقاليم الخصبة التي كانت مجهولةً أو شبه مجهولة لها»[75].
12) إرث هاينريش بارث:
بعد عودته إلى أوروبا، استقر هاينريش بارث في لندن، حيث بدأ تدوين أحداث رحلته الطويلة. خلال هذه الفترة، سعى دون نجاح إلى دفع بريطانيا للتدخل سياسياً في الصحراء والساحل لمواجهة التوسع الاستعماري الفرنسي. كما كان هدفاً لهجمات من الجمعيات التبشيرية وحركة مناهضة الرق، التي اتهمته زوراً بالتورط في تجارة الرقيق والتعاطف مع الإسلام، على الرغم من كتاباته النقدية عن الرق وموقفه المحايد تجاه الإسلام.
عاد بارث إلى برلين في 1858م بعد فشل مساعيه الأكاديمية في لندن، وواصل رحلاته في أوروبا وآسيا الصغرى. وتولّى لاحقاً رئاسة الجمعية الجغرافية في برلين، ودعم باحثين شباباً في الدراسات الإفريقية، لكنه لم يحصل على منصب أكاديمي مرموق، واضطر للعيش على معاش ملكي. ولم يحقق كتابه نجاحاً تجارياً بسبب طابعه العلمي وضخامته وارتفاع ثمنه.
توفي هاينريش بارث فجأة عن عمر يناهز 44 عاماً عام 1865م. وسقطت بعضُ كتاباته في طيّ النسيان لمدّة من الزمن، ثم أُعيد اكتشافها في منتصف القرن العشرين على يد العلماء والباحثين. ويُعدّ اليوم واحداً من أعظم المستكشفين الأوروبيين لإفريقيا، بفضل بحوثه العلمية، وقدرته على التحدث والكتابة بالعربية، وتعلم اللغات الإفريقية، فضلاً عن أسلوبه الدقيق في توثيق المعلومات[76].
فقد سجّل- بعنايةٍ نادرة- تفاصيل الحضارات التي زارها، وكان من أوائل الذين أدركوا أهمية التاريخ الشفهي للشعوب الإفريقية، فجمع الكثير منه وأدخله ضمن معارفه، وكان مهتماً أيضاً بالمخطوطات التي اطلع عليها في المدن التاريخية التي زارها، مثل تمبكتو، وكانو، وسوكوتو، وغيرها. وخلال سنوات سفره الخمس (1850-1855م)، أقام صداقات متينة مع بعض زعماء إفريقيا وعلمائها، وفي مقدمتهم الشيخ أحمد البكاي الكونتي.
لقد رجع بارث من رحلته الإفريقية عالماً متعدد التخصصات؛ وبمعرفة لا تُقدّر بثمن: حاملاً مخطوطات تاريخية ورسوم توضيحية ومعلومات مهمة عن التقاليد واللغات المتعددة في المنطقة. وكان قد تعلّم اللغة العربية قبل سفره في الجامعة، ثم عاد من بعثته وهو يمتلك أسساً في عدد من اللغات الإفريقية، مثل تماشقت (الطارقية)، والهوسا، والكانوري، والسونغاي، والفولانية[77].
كانت أبحاثه الإثنولوجية والتاريخية والجغرافية (بما في ذلك المسوحات الخرائطية لمساحة 20,000 كلم2) هي الأولى من نوعها التي اتسمت بالصرامة والدقة العلمية. وقد فنّد بعض النظريات السائدة في عصره، وثبتت صحة العديد من استنتاجاته لاحقاً.
وهذا ما يوضحه البروفيسور كلاوس شنايدر Klaus Schneider، مدير متحف راوتنشتراوخ- يوست Musée Rautenstrauch-Joest في كولونيا وعضو معهد بارث في جامعة كولونيا: «لقد كان بالفعل نوعاً من المقاتل الوحيد في هذا المجال. لم يكن نهجه نهج الباحثين الآخرين، فالتراث الإفريقي والثقافات الإفريقية كانت بالنسبة إليه على قدم المساواة مع أوروبا وثقافتها، كان يُعامل الناس باحترام بالغ، وكان يتلقى منهم الاحترام نفسه، كان أول من قال: «لإفريقيا تاريخ مهم، تماماً مثل أوروبا»، ولم يكن هذا هو المذهب السائد في ذلك الوقت»[78].
وحتى اليوم، يعتبر الخبراء عمله مصدراً لا يُقدّر بثمن لدراسة تاريخ شمال وغرب إفريقيا. ويؤكد ذلك الجغرافي الفرنسي الشهير لويس فيفيان دو سان-مارتان Louis Vivien de Saint-Martin، الذي أعرب عن تقديره الكبير لرحلة بارث: «ستبقى هذه الاستكشافات من بين أهمّ وأروع ما عرفه تاريخ الاكتشافات الإفريقية»[79].
ومن هذه الرحلة الطويلة في شمال وإفريقيا الغربية نشر خمسة مجلدات كبيرة (3500 صفحة) بالألمانية وبالإنجليزية بعنوان:
Reisen und Entdeckungen in Nord- und Central-Afrika 1857.
Travels and Discoveries in North and Central Africa.
وقد تُرجمت الفرنسية تحت عنوان:
Voyages et découvertes dans l’Afrique septentrionale et centrale pendant les années 1849 à 1855.
(رحلات واكتشافات في شمال ووسط إفريقيا خلال السنوات 1849 إلى 1855).

على اليمين منزل بارث في أغاديز، وعلى اليسار منزله في تمبكتو.

خريطة مدينة تمبكتو كما رسمها بارث.
…………………………..
[1] هنري الملاح (1394-1460م Henri le Navigateur (أمير برتغالي، وهو الابن الرابع لجواو الأول Jean I ملك البرتغال آنذاك، لم يكن هنري بحاراً بنفسه، ولكنه حصل على هذا الاسم بسبب تنظيمه للرحلات التي اكتشفت أراضي جديدة. يُنظر إليه كالشخص الذي بدأ التوسع الاستعماري الأوروبي.
[2] بارتولوميو دياز )1450-1500م( Bartolomeu Dias، هو مستكشف برتغالي أبحر حول رأس الرجاء الصالح، القمة الجنوبية لقارة إفريقيا في عام 1488م، فكان أول أوروبي يقوم بهذا الانجاز.
[3] حسب المصادر التاريخية؛ اكتسبت مدينة تمبكتو شهرة كبيرة في أوروبا خلال القرون الوسطى، بفضل كتاب «وصف إفريقيا» لمؤلفه الحسن الوزان المعروف بلقب ليون الإفريقي Léon l’Africain.
[4] ألكسندر غوردون لينغ (1793–1826م)Alexander Gordon Laing مستكشف اسكتلندي كان أول أوروبي يصل إلى تمبكتو عبر الصحراء من الشمال إلى الجنوب بدعم بريطاني سنة 1825م. واجه خلال رحلته عبر ليبيا وجنوب الجزائر وشمال مالي صعوبات كبيرة، منها المرض وهجوم تعرض فيه لإصابات خطيرة حتى فقد يده، لكنه تمكن من بلوغ تمبكتو في أغسطس 1826م. انقطعت أخباره بعد رسالة بعث بها في سبتمبر من تمبكتو، وقد اغتيل لاحقاً أثناء عودته قرب أروان شمال المدينة، لتنتهي رحلته المأساوية التي شكّلت محطة مهمة في تاريخ استكشاف إفريقيا.
للمزيد:
Théodore Monod, de Tripoli à Tombouctou – le dernier voyage de Laing 1825-1826, Harmatan 1978.
[5] رينيه كاييه (1799–1838) René Caillié مستكشف فرنسي عُرف بأنه أول أوروبي يعود حياً من مدينة تمبكتو. غادر كاييه مدينة بوردو Bordeaux الى ساحل السنغال ثم استقر عند قبائل البراكنة، شمال نهر السنغال، – فيما يعرف الآن بجنوب موريتانيا، في 1824م لتعلم اللغة العربية والدين الإسلامي. ثم انطلق سنة 1827 من ساحل غينيا الحالية متجهاً شرقاً عبر فوتا جالون ومنابع نهر السنغال وأعالي نهر النيجر، قبل أن يمرض أشهراً في شمال ساحل العاج، ثم يواصل إلى مدينة جينيه Djenné ومنها بالقارب إلى تمبكتو حيث وصل في 20 أبريل 1828م، ليجدها أقل فخامة مما كان يُشاع. بعد أسبوعين غادر المدينة مع قافلة عبر الصحراء إلى المغرب، فوصل فاس ثم طنجة وعاد إلى فرنسا. نال جائزة قدرها 10000 فرنك لمغامرته الطويلة وخلّد رحلته في كتاب قدّم وصفاً دقيقاً للجغرافيا والثقافات والعادات في المناطق التي عبرها.
كتابه بالفرنسية:
René Caillié, Journal d’un voyage à Temboctou et à Jenné, dans l’Afrique centrale, précédé d’observations faites chez les Maures Braknas, les Nalous et autres peuples ; pendant les années 1824, 1825, 1826, 1827, 1828, Paris 1830.
[6] أوسكار لينز (1848-1925) Oskar Lenz جيولوجي ومستكشف نمساوي .بين عامي 1879 و1880م، قام بأول رحلة استكشافية له عبر الصحراء الكبرى، من المغرب إلى غرب إفريقيا مرورا بالسنغال، بهدف رئيسي هو دراسة جيولوجيا المنطقة والبحث عن مناجم الحديد. وصل تمبكتو عام 1880م، 15 سنة بعد الألماني بارث٬ لذا يُعد رابع أوروبي يزور هذه مدينة العريقة.
[7] ديفيد ليفينغستون (1813-1873) David Livingstone كان مستكشفاً اسكتلندياً في جنوب ووسط إفريقيا. كان أول أوروبي يرى شلالات فيكتوريا، وهو الذي أطلق عليها هذا الاسم.
[8] هنري مورتون ستانلي (1841-1904م) Henry Morton Stanley، كان صحافياً ومستكشفاً ويلزياً، عُرف باستكشافاته في وسط إفريقيا ونهر الكونغو.
[9] Oskar Lenz, Timbouctou, voyage au Maroc, au Sahara et au Soudan; traduit par Pierre Lehaucourt, T2, Hachette, Paris 1887. P.122 .
[10] ترجمة العنوان من اللاتينية: فصل من تاريخ التجارة والتبادل التجاري في كورنثوس (إقليم في اليونان القديم).
[11] Heinrich Barth, Voyages et découvertes dans l’Afrique septentrionale et centrale pendant les années 1849 à 1855, trad. de l’allemand par Paul Ithier, Paris, A. Bohné, Libraire, 1861, مجلد 1, ص 7.
[12] أغاديز هي أكبر مدينة في شمال النيجر، يأتي اسم أغاديز من كلمة egadaz التي تعني «الزيارة» في لغة الطوارق. أسسها قبائل الطوارق في القرن الحادي عشر في موقع إستراتيجي على مفترق الطرق الرئيسية عبر الصحراء الكبرى، وتطور اقتصادها بفضل تجارة القوافل بشكل رئيسي منذ القرن السادس عشر.
[13] جيمس ريتشاردسون (1806-1851) James Richardson، مستكشف بريطاني.
[14] أدولف أوفرويج (1822-1852م) Adolf Overweg، كان جيولوجياً وعالم نبات وفلكي ومستكشفاً ألمانياً.
[15] غات، أهم مدينة في الغرب الليبي على مشارف الحدود مع الجزائر، تُعد عاصمة طوارق ليبيا.
[16] طاسيلي ناجر (باللغة الطارقية تاسيلي ن أزْجِر يعني هضبة الثور)، هي سلسلة جبلية تقع في وسط الصحراء في الجنوب الشرقي للجزائر بإليزي، وقليلاً على الأراضي الليبية. يوجد فيها واحدة من أهم التشكيلات للرسومات الكهفية لما قبل التاريخ في العالم.
[17] إقليم شمال النيجر.
[18] كل إيوي، من أهم وأعرق القبائل الطارقية في منطقة آير (شمال النيجر) وأكثرها عدداً.
Djibo Hamani, Au carrefour du Soudan et de la Berbérie: le Sultanat Touareg de l’Aya, études nigériennes, IRSH, Niamey 1989. P.116.
[19] Heinrich Barth, Voyages et découvertes dans l’Afrique septentrionale et centrale pendant les années 1849 à 1855, trad. de l’allemand par Paul Ithier, Paris, A. Bohné, Libraire, 1861. مجلد1, ص1210.
[20] Mamadou Diawara, Paulo Fernando de Moraes Farias et Gerd Spittler, Heinrich Barth et l’Afrique, Köppe, Köln, 2006. ص 39.
[21] المصدر السابق، مجلد3، ص237.
[22] Suzanne Bernus, Henri Barth chez les Touaregs de l’Aïr: extraits du journal de Barth dans l’Aïr, juillet-décembre 1850; CNRS, Études nigériennes N28, Niamey 1972. ص 107.
[23] لا يزال هذا المنزل موجوداً، ويمكن زيارته في مدينة أغاديز.
[24] المصدر السابق، ص187.
[25] كانو، هي ثاني أكبر مدينة في نيجيريا، وتقع في شمال البلاد.
[26] شعب الهوسا هو من أحد أكبر المجموعات الإثنية في إفريقيا، يقدر تعدادهم بما يقارب 70 مليون نسمة، وأغلبهم مسلمون، ولغتهم ثاني أكبر انتشاراً في إفريقيا جنوب الصحراء بعد السواحلية.
[27] Heinrich Barth, Voyages et découvertes dans l’Afrique septentrionale et centrale pendant les années 1849 à 1855, trad. de l’allemand par Paul Ithier, Paris, A. Bohné, Libraire, 1861, مجلد2, ص10.
[28] كوكاوا، هي عاصمة ولاية بورنو شمال شرق نيجيريا اليوم، بالقرب من بحيرة تشاد، وكانت تُعرف سابقاً باسم كوكا. وكانت المدينة عاصمة إمبراطورية كانم-بورنو بين عامي 1846–1893م.
[29] مملكة كانم بورنو، أو إمبراطورية كانم بورنو، دولة تأسست حوالي القرن الثامن الميلادي في المنطقة المحيطة ببحيرة تشاد. يُعرف التاريخ المبكر للإمبراطورية بشكل أساسي من خلال Royal Chronicle أو Girgam التي اكتشفها هاينريش بارث في عام 1851م.
[30] المصدر السابق، مجلد 2، ص10.
[31] عمر محمد الكانمي (1835-1880م) شيخ وملك كانم وبرنو.
[32] Heinrich Barth, Voyages et découvertes dans l’Afrique septentrionale et centrale pendant les années 1849 à 1855, trad. de l’allemand par Paul Ithier, Paris, A. Bohné, Libraire, 1861, م3, ص153,154.
[33] ساي Say بلدة صغيرة في جنوب غرب النيجر٬ حوالي 35 كلم من العاصمة نيامي، تقع على نهر النيجر.
[34] مدينة تقع في شمال دولة نيجريا اليوم. كلمة غاندو في لغة الهوسا تعني الأرض الزراعية الملكية. وفي القرن التاسع عشر، كانت هذه المدينة مركزا مهماً في سلطنة سوكوتو.
[35] تاريخ السودان، كتبه عبد الرحمن السعدي حوالي عام 1650م. يتناول هذا الكتاب الإمبراطوريات الكبرى في غرب إفريقيا: إمبراطورية غانا، ومالي، وسونغاي. ويعد من أهم المصادر العربية في تاريخ إفريقيا، إلى جانب تاريخ الفتاش.
[36] Heinrich Barth, Voyages et découvertes dans l’Afrique septentrionale et centrale pendant les années 1849 à 1855, trad. de l’allemand par Paul Ithier, Paris, A. Bohné, Libraire, 1861, مجلد4, ص7.
[37] غيّر بارث هويته مؤقتاً كما أكد في كتابه (المجلد 4، صفحة 42): «الحقيقة أنني لم أكن أنوي مطلقاً أن أظهر بمظهر المسلم في نظر سكان تمبكتو، لأنني لم ألعب دور العربي إلا في الجزء الأخير من رحلتي».
[38] Heinrich Barth, Voyage et découvertes au centre de l’Afrique, éditions decoopman, 2013. ص121.
[39] منطقة هومبوري في وسط دولة مالي حالياً. يوجد فيها أعلى جبل في مالي )1155 متر (يُسمى هومبوري توندو Hombori Tondo، يعني جبل الخوف في لغة السونغاي.
[40] السلطنة الفلانية في ماسينا، هي مملكة ثيوقراطية أسّسها في القرن التاسع عشر الفولاني سيكو أحمدو (الشيخ أحمد).
[41] Heinrich Barth, Voyages et découvertes dans l’Afrique septentrionale et centrale pendant les années 1849 à 1855, trad. de l’allemand par Paul Ithier, Paris, A. Bohné, Libraire, 1861, مجلد 4, ص 41.
[42] أحمد بابا الصنهاجي التمبكتي (1556-1627مAhmed Baba (، فقيه مالكي ومن مؤرخي السودان الغربي، ومن أعلام منطقة تمبكتو.
[43] القبيلة الأرستقراطية بين قبائل الطوارق.
[44] Heinrich Barth, Voyages et découvertes dans l’Afrique septentrionale et centrale pendant les années 1849 à 1855, trad. de l’allemand par Paul Ithier, Paris, A. Bohné, Libraire, 1861, مجلد 4, ص.5.
[45] لقد أعطى بارث وصفاً عاماً وطويلاً للمدينة، ولا يمكننا هنا نقل كل ذلك.
[46] الفرسخ يعادل ما بين أربعة وستة كيلومترات في النظام الدولي الحالي.
[47] المصدر السابق، صفحة 40.
[48] سانكوري، هو جامع ومدرسة، ويعد من أقدم المراكز التعليمية في العالم، تم بنائه في 1325م.
[49] أي ما يعادل 37 متراً طولاً و25 متراً عرضاً تقريباً.
[50] المصدر السابق، صفحة 39.
[51] يعني )أحمد أحمد( بالنطق المحلي.
[52] وُلد أحمد البكاي نحو 1803م في أزواد قرب تمبكتو، من أسرة كونتية عربية حافظت على السلسلة القادرية، وسُمّي تيمّناً بجده المدفون في ولاتة. تلقّى تعليمه الأول على يد جده ووالده، فحفظ القرآن مبكراً ودرس الحديث واللغة والأدب والتصوف، وتميّز بالذكاء والنبوغ. ارتحل لطلب العلم وزار أقاليم ماسينا وسوكوتو وهقار وتوات، متتلمذاً على كبار العلماء. تولّى مهام الوساطة وحل النزاعات بين القبائل، وساهم في منع صدامات بين الكنتة وجيرانهم. مثّل أخاه سياسياً، ونجح سنة 1846م في عقد صلح بين الفلان والطوارق في تمبكتو مما أنقذ المدينة من الدمار. بعد وفاة أخيه عام 1847م خلفه دينياً وسياسياً، فصار فقيهاً صوفياً وزعيماً للكنتة وتكاثر مريدوه. وصفه بول مارتي بالوقار والحكمة وسعة العلم والكرم، مؤكّداً مكانته العلمية والخلقية البارزة. ترك الشيخ البكاي الكثير من المؤلفات والمصنفات في شتى المجالات شملت علوم اللغة وآدابها والفقه والتصوف٬ فضلاً عن العديد من الأعمال الشعرية، كما كانت له مراسلات دبلوماسية مع زعماء بلاد السودان الغربي والعالم الإسلامي. انظر: أحمد شيخي، الطريقة القادرية الكنتية البكائية، أطروحة لنيل الدكتوراه في الآداب، جامعة محمد الخامس، 2012-2013، ص200.
Paul Marty, Études sur l’islam et les tribus du soudan, Ernest Leroux Paris, Tome I, 1920, p.77.
[53] Aziz A Batran, The Qadiryya Brotherhood In West Africa and The Western Sahara ; publication de L’Institut des Etudes Africaines , Rabat, 2001, ص 270.
[54] د. حسن أحمد محمود، الإصلاح والثقافة العربية في إفريقيا الغربية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1986. ص23.
[55] يعني: 20 × 100,000 = 2 مليون نسمة. في عام 1825م، يُقدر عدد سكان لندن مليون ونصف المليون نسمة، وفي عام 1850م، أكثر من المليونين.
[56] المصدر السابق٬ ص 44-46.
[57] يمكن تحميل مخطوط الرسالة على هذا الرابط:
https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/5/5a/The_Response_of_Ahmad_al-Bakayi_to_the_Letter_of_Amir_Ahmad%2C_Ruler_of_Massinah_WDL9673.pdf
[58] في الحقيقة؛ نشأ صراع بين أحمد البكاي وأمادو أمادو قبل وصول بارث، إذ رفض البكاي الخضوع لسلطة ملك ماسينا معتبراً نفسه المرجع الروحي للفُلان. اعترض أمادو على نفوذ البكاي في تمبكتو عبر ممثله ساني شرفي، وتفاقم الخلاف بسبب قضايا ثانوية مثل التبغ وشكاوى الأعيان والطوارق. اتهم البكاي الملك بالظلم ودعم خصومه، بينما اتهمه أمادو بإثارة الفتن والتدخل في شؤون المدينة. كان الصراع أساسه تنافس بين سلطة دينية نافذة وسلطة سياسية مركزية، ما خلق توتراً وانقساماً، مع حفاظ البكاي على دعواته للصلح واستقلاليته. رغم الخلاف، توحد الطرفان لاحقاً لمواجهة العدو المشترك: الحاج عمر تال الفوتي، زعيم الطريقة التجانية وقائد التكرور (1796-1864م)، وهو عالم ومجاهد وشيخ من رموز الدعوة الإصلاحية في السنغال، حارب الوجود الفرنسي في غرب إفريقيا، وأسس إمبراطورية التكرور، أو «دولة التيجانيين» التي كانت في صراع مع الطرق الأخرى مثل القادرية، وحارب الوثنيين الأفارقة. دامت دولته قرابة 50 عاماً.
[59] كابارا، هو ميناء تمبكتو على نهر النيجر، ويقع على بعد 12 كم شرق المدينة.
[60] Heinrich Barth, Voyage et découvertes au centre de l’Afrique, éditions Decoopman, 2013, ص137.
[61] المصدر السابق، صفحة 138.
[62] المصدر السابق، صفحة 139.
[63] طبعاً هناك، أوجه تشابه معمارية بين المدينتين، خاصة بين مسجد غاوا القديم ومسجد أغاديز التاريخي. لقد بُنيا من الطوب الطيني، مع عوارض خشبية كبيرة، على طراز العمارة السودانية الساحلية.
[64] أسكيا محمد الأول، المعروف باسم «أسكيا الكبير»، 1443-1538م، كان أول ملك من سلالة أسكيا، وهو من أصل سونغاي، وأشهر ملوكهم. ولا يزال ضريح أسكيا موجود في مدينة غاوا، وهو الآن أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو.
[65] Heinrich Barth, Voyages et découvertes dans l’Afrique septentrionale et centrale pendant les années 1849 à 1855, trad. de l’allemand par Paul Ithier, Paris, A. Bohné, Libraire, 1861, مجلد 4, ص 159.
[66] من الملاحظ هنا، حسب معلومات بارث، أن مدينة تمبكتو أكبر مرتين أو ثلاثة مرات من مدينة غاوا آنذاك. أما اليوم فالعكس تماماً: غاوا أكبر مرات من تمبكتو.
[67] المصدر السابق، صفحة 161.
[68] الخُطبَ أغ كاوا Alkhotba Ag Kawa أمنوكال، )الزعيم( العام لكونفدرالية أويلمدين من سنة 1852م إلى 1859م. وخلفه الزعيم ألنصار )1860-1890م) والد المجاهد ضد الاستعمار الفرنسي )فهرون(.
[69] الملكة فيكتوريا )1819-1901( Queen Victoria، أصبحت ملكة لبريطانيا وأيرلندا في عام 1837م. استمر حكمها لمدة 63 عاماً. شكلت فترة حكمها ما يسمى بالعصر الفيكتوري، والتي كانت فترة من التغيير الصناعي والسياسي والعلمي والعسكري داخل المملكة المتحدة، وتميزت بتوسع كبير في الإمبراطورية البريطانية.
[70] Heinrich Barth, Voyages et découvertes dans l’Afrique septentrionale et centrale pendant les années 1849 à 1855, trad. de l’allemand par Paul Ithier, Paris, A. Bohné, Libraire, 1861, مجلد 4, ص 166.
[71] المصدر السابق، صفحة 168.
[72] المصدر السابق، صفحة 169.
[73] إدوارد فوجل (1829-1856م) Eduard Vogel، مستكشف وفلكي ألماني. في عام 1853م، كلفته الحكومة البريطانية بمهمة العثور على هاينرش بارث ونقل الإمدادات له.
[74] Paul Marty, Étude sur l’islam et les tribus du soudan. Ernest Leroux Paris, Tome II, 1920. P.237.
[75]Heinrich Barth, Voyage et découvertes au centre de l’Afrique, éditions Decoopman, 2013. P.141.
[76] Mamadou Diawara, Paulo Fernando de Moraes Farias et Gerd Spittler, Heinrich Barth et l’Afrique, Köppe, Köln, 2006. P.55.
[77] المصدر السابق، ص63.
[78] http://www.dw.com/fr/sur-les-traces-de-heinrich-barth/a-18976514
[79] https://essentiels.bnf.fr/fr/histoire/19e-siecle/c3f9f946-1d01-4ebd-bcb1-ba8b0a6f31d5-visages-et-images-lexploration-19e-siecle/article/d83aa120-7fb9-43b0-a1f8-bf3e86cb4870-explorer-afrique-la-curiosite-scientifique-la-domination-coloniale











































