الأفكار العامة:
–أمام الهيمنة الصينية على المعادن الحرجة، أصبحت حاجة واشنطن للموارد الإستراتيجية تفوق الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث “الواقعية السياسية” صريحة وتُعيد تشكيل القوى في إفريقيا.
-تأمين المواد الخام الحيوية أولوية أمريكية قصوى للأمن القومي والتنافسية الاقتصادية؛ واشنطن تُبرم صفقات مع أنظمة استبدادية متجاهلةً الانتهاكات الديمقراطية.
-عقيدة “معادن نادرة مقابل ديكتاتورية”: براغماتية ساخرة في أقصى صورها.
-جمهورية الكونغو الديمقراطية حليف مُهِمّ وحاسم للمعادن الإستراتيجية (كوبالت، نحاس، تربة نادرة)، عصب الاقتصاد الرقمي والطاقي.
-تحوُّل جذري عن النظام العالمي 1945م: واشنطن كانت حارسة الديمقراطية؛ اليوم، قِيَم ثانوية تحكم المصالح.
-يتمثّل أبرز أدلة تحوّل واشنطن في تهنئتها لتواديرا، يناير 2026م، بولاية ثالثة مثيرة للشكوك في إفريقيا الوسطى؛ السفارة الأمريكية تُرحّب وتؤكد التعاون.
-شركاء السياسة يطالبون بإصلاحات تشريعية/دستورية، ربما تتجاوز حد الولايات؛ بينما تشيسيكيدي يُفكر في تعديل لـ2028 رغم القيود الدستورية.
-واشنطن تقبل التعديل مقابل تدفق كوبالت (70% عالمي من RCD) ونحاس؛ روبيو يؤكد الالتزام في قمة 4 فبراير دون مخاوف ديمقراطية.
-المنافسة الأمريكية-الصينية في إفريقيا تُثير تساؤلات مصيرية للقارة.
بقلم: أدريان بوسو
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
في سياق المواجهة مع النفوذ الصيني المتنامي على المعادن الحيوية؛ تبدو الولايات المتحدة منخرطة في إعادة ترتيب أولوياتها الجيوسياسية، معلنةً تأمين الموارد الإستراتيجية هدفًا أسمى يتقدم أحيانًا على المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. إنها ممارسة صريحة لـ”الواقعية السياسية” (Realpolitik) تُعيد تشكيل موازين القوى في القارة الإفريقية.
وفي هذا السياق، يُسلِّط وزير سابق في جمهورية إفريقيا الوسطى تحوّل إلى خبير في الشؤون الجيوسياسية، ومُحلّل للتحركات الاستبدادية في القارة السمراء، الضوء على هذه التحولات. وبعد أن وثَّق في كتابه “فوستان-أرشانج تواديرا، الرجل الذي دمَّر بلاده” (2023م) تعقيدات الأزمة في بلاده، نشر في نوفمبر 2025م مؤلفًا بعنوان “إفريقيا في مواجهة فرنسا”، وهو مقال سياسي يَغُوص في عمق القطيعة الدبلوماسية الراهنة بين باريس والقارة الإفريقية.
لقد بات تأمين سلاسل الإمداد من المواد الخام الحرجة، التي تُعدّ ركيزة الأمن القومي وتنافسية الاقتصاد الأمريكي، هو المُحرّك الرئيسي للسياسة الخارجية لواشنطن. ولبلوغ هذه الغاية، لم تتردّد الولايات المتحدة في إبرام تحالفات إستراتيجية مع الأنظمة السلطوية، متجاوزةً الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتراجع الديمقراطي. هذه العقيدة الجديدة، التي يمكن إجمالها بمعادلة “المعادن النادرة مقابل شرعنة الديكتاتورية”، تُجسِّد البراغماتية السياسية في أقصى درجاتها.
ويُترجم هذا التوجُّه عمليًّا من خلال الدعوة الموجهة للرئيس الكونغولي لزيارة العاصمة الأمريكية مجددًا، وذلك بعد شهرين فقط من توقيع “اتفاقيات واشنطن” الهادفة لاستقرار شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية وتهدئة التوترات مع جارتها رواندا. هذا التحرّك يؤكد أن فيليكس تشيسيكيدي يُعدّ “لاعبًا محوريًّا” -إن لم يكن الركيزة الأبرز- في الإستراتيجية الأمريكية الجديدة. فبالنسبة لواشنطن، لم تَعُد جمهورية الكونغو الديمقراطية مجرد حليف تاريخي، بل أصبحت “محور الارتكاز” في السباق المحموم على السيطرة على المعادن الإستراتيجية (الكوبالت، النحاس، الأتربة النادرة)، التي تُشكّل العصب الحيوي للاقتصاد الرقمي والتحول الطاقي العالمي.
واشنطن تُطلق حملة المعادن الإستراتيجية:
تكشف هذه الديناميكية الجديدة عن قطيعة جذرية مع البنية التقليدية للعلاقات الدولية التي رسَّختها النُّظُم العالمية ما بعد عام 1945م. فحتى إعادة انتخاب دونالد ترامب، كانت الولايات المتحدة تتبنَّى موقع “الشرطي الأخلاقي” للنظام الليبرالي، مدافعةً عن التعددية السياسية وحقوق الإنسان في مُواجهة الأنظمة الشمولية. أما اليوم، فقد باتت هذه القِيَم تُصنَّف ضمن “الاعتبارات الهامشية” أمام تضخُّم المصالح الإستراتيجية.
براغماتية بلا قيود:
يُجسِّد هذا التحوُّل بوضوح الموقف الأمريكي من الانتخابات الأخيرة في جمهورية إفريقيا الوسطى؛ حيث سارعت الإدارة الأمريكية في يناير الماضي إلى تهنئة الرئيس فوستان-أرشانج تواديرا على فوزه بولاية ثالثة، وسط أزمة شرعية وتشكيك دولي في نزاهة العملية.
وقد عبَّرت السفارة الأمريكية في بانغي عن الترحيب بهذه النتيجة، وتأكيدها على استمرار التعاون، وهذا يشير إلى تهميش المعايير الديمقراطية لصالح المكاسب المادية.
ويمكن قراءة هذا التساهل مع زعيم يُنظَر إليه على أنه ناقض للدستور، من خلال عدستين:
أولاهما، كنز إفريقيا الوسطى من المعادن الإستراتيجية (الذهب، الماس، ومحتملات المعادن النادرة).
وثانيهما، التحول الجيوسياسي للبلاد إلى ساحة لنفوذ مرتزقة “فاغنر” الروس.
وبالتالي، فإن واشنطن، بتأييدها لتواديرا، تسعى إلى “موازنة القوى” مع المنافسين الروس والصينيين، مقدمةً أمن الموارد على أيّ التزامات ديمقراطية.
ولم يقتصر هذا النهج على إفريقيا الوسطى، بل امتد ليشمل منطقة الساحل. فالولايات المتحدة تنخرط حاليًّا في مفاوضات نَشِطة مع المجالس العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي الدول الثلاث التي أجبرت القوات الغربية (الفرنسية والأمريكية) على الانسحاب، مُوجِّهة بوصلة تحالفاتها نحو موسكو.
وفي هذا السياق، أعلن مكتب الشؤون الإفريقية في إدارة ترامب عن نية واضحة لـ”إعادة ضبط” (Recalibrating) العلاقات مع هذه الأنظمة. وتتركز هذه الإستراتيجية الجديدة على البُعْد الأمني والاقتصادي المشترك، مع التخلّي عن الشرط المسبق للعودة إلى الحكم الدستوري.
وقد تجسَّد هذا التوجُّه في زيارة نيك تشيكر، رئيس المكتب، إلى باماكو؛ حيث التقى وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب لرسم “مسار جديد” في العلاقات الثنائية. كانت الرسالة مفادها أن واشنطن تحترم “السيادة” المعلنة لدول تحالف دول الساحل (AES).
وفي الخلفية، يبقى الدافع واضحًا ووجيهًا: هذه الدول تختزن احتياطيات إستراتيجية هائلة من الليثيوم واليورانيوم ومعادن الطاقة. ومن خلال مقاربة “الجذب الدبلوماسي”، تسعى الولايات المتحدة إلى احتواء التمدد الروسي والصيني في المنطقة، مدفونةً في مقبرة النسيان المبادئ الديمقراطية التي طالما أشادت بها في سياستها الخارجية.
جمهورية الكونغو الديمقراطية: المحور الإستراتيجي في مخطط واشنطن
تُشكّل جمهورية الكونغو الديمقراطية (RDC) النموذج الأكثر بيانًا ووضوحًا للإستراتيجية الأمريكية الجديدة. ففي هذا السياق، تأتي “اتفاقيات واشنطن” المُوقَّعة في ديسمبر 2025م لتُرسي شراكة إستراتيجية تمنح الولايات المتحدة نفاذًا مُفضّلًا إلى الثروة المعدنية الكونغولية، مقابل تعهدات بدعم الاستقرار في شرق البلاد. وتشمل هذه الشراكة، تسهيل التدفقات الاستثمارية، إجراءات إصلاحية تشريعية ودستورية قد تمتدّ -وفقًا لتحليلات مراقبين، إلى تعديل الدستور لرفع الحد الأقصى لولايات الرئاسة.
رغم أن الدستور الكونغولي الحالي ينصّ صراحة على منع الولاية الرئاسية الثالثة، إلا أن مؤشرات متزايدة تشير إلى رغبة الرئيس فيليكس تشيسيكيدي المُبيَّتة في مراجعة دستورية تُمهِّد لترشُّحه في 2028. وفي مواجهة الاحتجاجات الشعبية وإدانات المعارضة، تُظْهِر واشنطن استعدادًا واضحًا للتغاضي عن مثل هذا التعديل، شريطة ضمان استمرار تدفق إمدادات الكوبالت (الذي تملك الكونغو حوالي 70% من إنتاجه العالمي) والنحاس إلى الشركات الأمريكية. وفي القمة التي عُقِدَت في 4 فبراير، جدَّد السيناتور ماركو روبيو التزام الولايات المتحدة تجاه الكونغو، مُغفلًا أيّ إشارة إلى المعضلات الديمقراطية أو القِيَم السياسية.
سواء بالخير أو الشر، فإن هذه المقاربة “الصفوية” التي تنتهجها إدارة ترامب في علاقتها مع كينشاسا، باتت تمتد لتشمل دولًا إفريقية أخرى، مثل زامبيا وغينيا؛ حيث تُكثّف واشنطن من عروضها الاستثمارية المغرية.
الهيمنة الصينية والرد الأمريكي:
إلا أن المنافسة المحتدمة بين الولايات المتحدة والصين، والتي نقلتها واشنطن إلى الأراضي الإفريقية، تطرح تساؤلات مصيرية بشأن مستقبل القارة. فبوضوح، تُواجه عدة دول إفريقية خطر التحوُّل إلى مجرد “أدوات” في اللعبة الجيوسياسية الأمريكية، التي تهدف في جوهرها إلى استنزاف الموارد المعدنية دون تحقيق نقل حقيقي للقيمة المضافة محليًّا. فالاتفاقيات الأمريكية، منها تلك المُوقَّعة مع إحدى عشرة دولة عقب القمة الأخيرة، تربط بين الاستثمارات وبين إصلاحات هيكلية تصبّ في مصلحة واشنطن.
وتبدو الولايات المتحدة عازمة تمامًا على احتواء التمدد الصيني؛ فالهدف المُعلَن جزئيًّا هو تجاوز التفوق الهائل لبكين، التي تسيطر على أكثر من نصف الاحتياطيات العالمية من المعادن النادرة (نحو 44 مليون طن، أي 37% من الاحتياطيات المثبتة)، وتستأثر بـ70% من الإنتاج العالمي و90% من عمليات التكرير. هذه الهيمنة منحت الصين أوراقًا رابحة للتلاعب بالأسواق، كما اتضح أيضًا في قيود التصدير التي فرضتها عام 2025م وأدَّت إلى اضطراب الأسواق الغربية.
ردًّا على ذلك، اقترحت واشنطن كتلة تجارية تفضيلية، تستند إلى أسعار تعريفية وتعريفات جمركية مَرِنَة، تهدف إلى حماية الاستثمارات خارج الصين. ويتجلَّى ذلك في إطار العمل المسمى “الالتزام المفتوح والمرن والعالمي” (FORGE)، الذي أُعلن عنه في ختام قمة واشنطن، والهادف إلى خَلْق سوق حصرية تضمن فيها واشنطن قواعد الوصول، على أن يتم عزل بكين عن هذه الدائرة.
مستقبل تعددية الأطراف والمَخاطر الإفريقية:
في المقابل، تثير العقيدة الأمريكية الجديدة تساؤلات عميقة حول مصير النظام متعدّد الأطراف. فمن خلال إنشاء تكتلات حصرية مُوجَّهة ضد الصين، تساهم واشنطن في “تفتيت” سلاسل التوريد العالمية، مما يُهدِّد بتصعيد حادّ في التوترات الجيواقتصادية.
وفقًا لإفريقيا، التحدي مزدوج ومُعقّد: كيف يمكن استثمار هذه المنافسة للتفاوض على شروط أفضل، وتجنّب الذوبان في صراع بالوكالة على الموارد المعدنية؟ فهذا الوضع قد يؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار؛ فبتعزيزها لأنظمة استبدادية لتأمين المعادن، تُخاطر واشنطن بترسيخ النزاعات الداخلية، على غرار الوضع في شرق الكونغو؛ حيث تستمر الميليشيات المتحالفة مع رواندا في استغلال الثروات المعدنية بشكل غير قانوني.
إفريقيا: ساحة الحرب المعدنية
إضافة إلى ذلك، يُعدّ هذا النهج امتدادًا لمنظور الاستعماري الجديد يتجاهل الطموحات التصنيعية العميقة للدول الإفريقية، متجاوزًا التوصيات الإستراتيجية للاتحاد الإفريقي الرامية إلى تعزيز “الاستغلال المسؤول” للموارد كركيزة للازدهار القاري عبر خلق سلاسل قيمة مضافة محليًّا.
وفي الواقع، تظل الشراكات القائمة، سواء مع بكين أو واشنطن، أسيرة نموذج “الاستخراج المحض” دون إدخال تحوُّلات صناعية تُذْكَر، مما يُضيِّق الخناق على فرص التنمية المحلية المستقلة.
علاوة على ذلك، يرتبط الاندفاع المحموم لاستغلال المعادن الحرجة في إفريقيا غالبًا بتدهور بيئي ملحوظ وانتهاكات لحقوق المجتمعات المحلية. ومن خلال أولوية المكاسب الإستراتيجية العاجلة على الاستدامة، تخاطر الولايات المتحدة بإثراء النزاعات الداخلية وتفاقم الاضطرابات، ويتجلى ذلك في النقد المُوجَّه لشراكتها مع الكونغو.
كما أن التنافس المحتدم مع الصين قد يقود إلى “سباق تنازلي” حول اتفاقيات مبهمة، تقايض فيها النخب الإفريقية الموارد الطبيعية مقابل دعم سياسي من القوى العظمى.
وفي الختام، تُمثّل العقيدة الجديدة لإدارة ترامب نهاية الحقبة التي كانت فيها “القِيَم الكونية” تتفوق على “المصالح المادية”.
وفي هذا النظام العالمي الجديد، بات على إفريقيا أن تمارس دبلوماسية واقعية بحذر شديد لتجنُّب أن تكون الضحية الكبرى لهذه الصراعات. يقع على عاتق القادة الأفارقة واجب فرض شروط تعاقدية صارمة تتضمن نقل التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات المحلية، والالتزام بالمعايير البيئية الدقيقة، لتحويل الموارد المعدنية إلى مُحرّك حقيقي للتنمية. فالمسؤولية التاريخية تُلزمهم بضمان أن الثروات الجوفية التي تُشكّل محصّلة الصراع الأمريكي-الصيني، تُوظَّف أولًا وأخيرًا لخدمة المصير والمستقبل القاري لشعوبهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:











































