جسَّد إعلان إريتريا انسحابها من كتلة “الهيئة الحكومية للتنمية” إيجاد Intergovernmental Authority on Development في منتصف ديسمبر 2025م توجهًا إريتريًّا متزايدًا للعزلة في إقليم القرن الإفريقي، لا سيما أن الحيثيات التي أعلنتها “أسمرا” -ضمن هذا القرار- شملت اتهام الهيئة بأنها باتت “أداة ضد الدول” مثل إثيوبيا، وأن الهيئة حادت عن المبادئ المُؤسِّسة لها، وفشلت في الإسهام في الاستقرار الإقليمي.
كما لفت المراقبون إلى أن قرار “أسمرا” جاء على خلفية التصعيد الخطير بينها وبين أديس أبابا وسط مخاوف حقيقية بتجدُّد الصراع العسكري بين الجانبين.
ويعني قرار “أسمرا” توجُّهها نحو مزيد من العُزْلة عن محيطها على الصعيدين الدبلوماسي والسياسي، أخذًا في الاعتبار توقُّف ديناميات التعاون الإقليمي الاقتصادي، والرد الذي أفادت به الهيئة على قرار “أسمرا” والذي تضمَّن أن الأخيرة لم تنخرطْ –بالأساس- بجدية في أنشطة الهيئة أو تُقدّم أيّ مقترحات لإصلاح عملها.
وجاءت خطوة إريتريا وسط متغيرات إقليمية متسارعة، ليس أقلها التوتُّر السعودي الإماراتي وتداعياته في البحر الأحمر، وما يَعنيه من تأثير مباشر على إريتريا، والاضطراب المرتقب في الصومال، وضوابط المواقف الإقليمية من الأزمة في السودان التي تُعدّ إريتريا من أهمّ الفاعلين في اتجاه ضمان وحدة السودان وسيادته على أراضيه، وتوسُّع ارتباطات إثيوبيا الخارجية مع إسرائيل والإمارات على نحوٍ يُهدِّد بفرض مزيد من العزلة على إريتريا وتوجهاتها الإقليمية تلك.
إريتريا وخيار المواجهة مع إثيوبيا: خسائر بالجملة!
يُمثّل خيار مواجهة إريتريا لإثيوبيا (أو توجُّهها الاضطراري لهذا المسار في واقع الأمر) خسارة كبرى لنظام أسياس أفورقي، مع توقُّع أن تقود مثل هذه المواجهة إلى وضع نهاية لهذا النظام حال رفع قوى إقليمية ودولية دعمها لنظام آبي أحمد في أي مواجهة من هذا القبيل.
ويؤشر على ذلك مبادرة إثيوبيا طوال العام 2025م، وخلال أوائل العام الجاري بتهديد إريتريا تلميحًا وتصريحًا في مناسبات عدة، على نحو يمكن اعتباره استفزازًا منهجيًّا مِن قِبَل أديس أبابا لأسمرا لدفع الأخيرة لاتخاذ خطوات غير محسوبة نحو مثل هذه المواجهة، وضمن حدود متوقعة في إقليم التيجراي، مما سيمنح نظام آبي أحمد رافعة سياسية مهمة في هذه المرحلة الدقيقة؛ واكتفت “أسمرا” في واقع الأمر بالرد من حين لآخر على تهديدات أديس أبابا، والتأكيد على أن الأخيرة تسعى لإشعال حرب “غير مبررة” على حد وصف وزير الإعلام الإريتري يمين جبريمايكل في شهر يناير 2026م لهذه المساعي الإثيوبية.
وللمفارقة فقد حضرت تهديدات آبي أحمد -غير المباشرة هذه المرة- لإريتريا في خطابه أمام قمة الاتحاد الإفريقي (14 فبراير الجاري)؛ إذ أكّد “أن أمن واستقرار القرن الإفريقي يَعتمدان على حصول إثيوبيا على منفذ بحري”؛ قبل إضافته “أن على إفريقيا إعادة تعريف كيفية تقييمها وإدارتها لثرواتها الطبيعية، والانتقال من مجرد الاستخراج إلى التصميم والحوكمة والاستخدام المستدام”.
وقال مخاطبًا رؤساء الدول والحكومات المجتمعين في مقر الاتحاد الإفريقي: “تكمن قوة إفريقيا ليس فقط فيما تستخرجه، بل فيما تُصمّمه وتبنيه وتديره”. وتكمن المفارقة هنا في أن خطابه بضرورة الحصول على “منفذ بحري آمِن”، بغض النظر عن مواقف الدول التي تقع بها مثل هذه المنافذ المرتقبة ومدى انتهاك هذا المطلب لسيادتها، جاء في قمة الاتحاد الذي يَعتبر التدخل في شؤون الدول الداخلية خطًا أحمر لا يجب تجاوزه منذ انطلاق العمل الجماعي الإفريقي في شكل منظمة الوحدة الإفريقية قبل أكثر من ستة عقود.
وبينما تمثل أي مواجهة بين إثيوبيا وإريتريا خسارة مؤكدة (وبنِسَب متفاوتة) لكل منهما، فإن جهات بحثية نافذة (من بينها كريسيس جروب) تراهن على وقوع هذه المواجهة في العام 2026م على نحوٍ يتوقع معه إضرام النار في كافة أرجاء القرن الإفريقي. وتعززت هذه التوقعات منتصف يناير الفائت مع إعلان الشرطة الإثيوبية استيلاءها على شاحنة كبيرة مُحمَّلة بذخيرة “تم نقلها من إريتريا إلى متمردي حركة فانو Fano الإثيوبية في ولاية أمهرا التي تشهد أعمال عنف مِن قِبَل الحركة ضد الجيش الإثيوبي منذ العام 2023م، ورد جبريمايكل باقتضاب أن “حزب الازدهار بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد يسعى لاختلاق ذريعة لمهاجمة إريتريا”، وأن هذا النظام يُروّج لادّعاءات من أجل “تبرير الحرب التي يرغب في إشعالها طوال العامين الماضيين”.
ولا يخفى أن الاستفزازات الإثيوبية لإريتريا تأتي مدعومة بمواقف أطراف إقليمية (ربما في مقدمتها الضغوط الإماراتية ثم الإسرائيلية)، والتي تسعى إلى تحجيم الحركة الإريترية في دوائر البحر الأحمر والأزمة في السودان، والتي باتت أكثر قربًا من السياسات السعودية والمصرية، إما بشنّ حرب مباشرة توفر غطاءً لمزيد من العزلة الدولية على إريتريا، أو باستدامة هذه الاستفزازات والضغوط كعصا في وجه أيّ تحركات إريترية خارج ضغوط التحالف الإثيوبي- الإماراتي- الإسرائيلي، وتقاطعاته في البحر الأحمر والقرن الإفريقي والسودان، وربما وصولًا لدول حوض النيل المختلفة.
وربما تسعى إثيوبيا إلى التذرع بالحرب مع إريتريا لفرض سيطرة واقعية (بدعم عسكري من أهم شركائها) على ميناء عصب الذي يقع على بعد 75 كيلو مترًا فقط من الحدود الإثيوبية-الإريترية، وهو الأمر الذي لم يُخْفيه الرئيس أفورقي خلال منتصف يناير الماضي عندما أعلن “أن حزب الإزدهار الإثيوبي (بقيادة آبي أحمد) قد أعلن الحرب (بالفعل) على بلاده”، وأن إريتريا لا تريد هذه الحرب قبل أن يستدرك “لكننا نعرف كيف ندافع عن أُمتنا”. ويدرك أفورقي جيدًا ما ستُضيفه مثل تلك الحرب من أعباء اقتصادية وجيوسياسية خطيرة للغاية على بلاده على المدى البعيد، وعلى نظامه بشكل آنيّ للغاية للأسباب التي طرحناها هنا.
إريتريا والتمدد الإسرائيلي في “أرض الصومال”: حلفاء الأمس، منافسو اليوم!
تمتعت إريتريا منذ استقلالها في العام 1993م بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، تجلت في زيارات هامة أجراها أفورقي لإسرائيل في أكثر من مناسبة، فيما كانت “أسمرا” بمطالبها الإقليمية في جزر البحر الأحمر (أبرزها جزر حنيش اليمنية) أداة هامة في يد إسرائيل للتحكُّم في الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر في السنوات التي تلت نهاية الحرب الباردة، وحتى العام 2020م تقريبًا؛ حيث فترت هذه العلاقات بشكل ملموس (كما اتضح رمزيًّا في ترك إسرائيل سفارتها خالية تقريبًا من الموظفين بعد سحبهم على خلفية جائحة كوفيد-19)؛ بينما روَّجت الميديا الإسرائيلية والخليجية في فترات متفرقة سردية تحالف أفورقي مع النظام الإيراني في البحر الأحمر في السنوات الأخيرة، وأنه يتعاون بشكلٍ مُكثّف مع طهران في التدخل في الأزمة في السودان (حيث تملك إريتريا ميزة جيوسياسية خطيرة في هذا الملف مثل قرب الطريق الذي يربط الخرطوم ببورسودان من الحدود الإريترية بشكل لافت للغاية)، ونظيرتها في اليمن والصومال وجيبوتي.
وبغضّ النظر عن هذه القراءة الخاطئة لصلة إريتريا بالسودان وأزمته، الأمر الذي يخرج عن سياق المقال الحالي، فإن التأثير الإسرائيلي في عزلة إريتريا -التي يُتوقَّع تزايدها- جاء من بوابة إقليم أرض الصومال؛ فقد بادرت إسرائيل بالاعتراف بالإقليم “دولة مستقلة ذات سيادة” في 26 ديسمبر 2025م، الأمر الذي أحدث اضطرابًا جيوسياسيًّا هائلًا في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وقاد إلى توتر إقليمي غير مسبوق اصطفت فيه إريتريا خلف المواقف السعودية والمصرية تجاه هذا التطور.
وتبلور ذلك في دخول إريتريا في اتفاق دفاعي مع مصر، هو الأول من نوعه بين البلدين (وهو جزء من التحرك المصري الأخير في القرن الإفريقي الذي شمل الصومال وجيبوتي بترتيبات مماثلة). وهكذا يبدو أن إسرائيل والإمارات تقودان حاليًّا ما يُطلق عليه خبراء في القرن الإفريقي “محور الانفصاليين” Axis of Secessionists (من جنوبي اليمن وثيق الصلة بالأمن في الإقليم، إلى أرض الصومال، والسودان)، وهو الأمر الذي تُناهضه إريتريا بشكل كبير (كما اتضح في دعمها 2021- 2022م لحكومة آبي أحمد وحربها ضد إقليم التيجراي، وإن كان لاعتبارات متعددة في واقع الأمر)، ومِن ثَمَّ فإن مواقف إريتريا ضد هذا “المحور” تعني نهاية عهد قدرات إريتريا الفائقة على لعب أدوار تحالفية مع قوى متعارضة (مثل إيران وإسرائيل والإمارات والسعودية ومصر) في وقت واحد، ومِن ثَمَّ خسارة وضع مثالي كان يُفيد نظام أفورقي، وبقائه رغم “عزلته” الدولية في قلب التفاعلات الإقليمية والدولية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وكونه رقمًا مهمًّا لا يمكن تهميشه.
كما كشفت دوائر إسرائيلية وثيقة الصلة بصنع القرار في بلادها عن أن خطوة تطبيع العلاقات مع “صوماليلاند” تعني تعويضًا مثاليًّا عن العلاقات الفاترة مع إريتريا بشكل أساسي، لا سيما أن أرض الصومال ستُوفّر حاضنة أمنية وعسكرية واقتصادية مهمة للوجود الإسرائيلي في القرن الإفريقي الكبير. ومِن ثَم فإنّ إسرائيل، حليفة إريتريا التقليدية في الفترة 1993- 2020م، ستمثل الأداة الأبرز في تعزيز عزلة إريتريا في الفترة المقبلة، وتردّي علاقاتها مع إثيوبيا التي تظل تاريخيًّا نقطة ارتكاز جميع التغيرات الهامة في القرن الإفريقي، وقاعدة النفوذ الأمريكي في الإقليم.
خيارات إريتريا الإقليمية:
يبدو أن خيارات إريتريا الإقليمية في الوقت الحالي، والتي يأتي في مقدمتها التعاون مع دول من داخل إقليم البحر الأحمر أبرزها السعودية ومصر والصومال، ورفض سياسات تكوين كيانات “سياسية” انفصالية أو موازية في الصومال والسودان على حد سواء، وبمستويات تمكين مختلفة، ورفض “دبلوماسية الموانئ” الإثيوبية؛ ستظل ثابتة على المدى المتوسط خلافًا لسياسات “أسمرا” في السنوات السابقة على العام 2022م تحديدًا.
ويبدو خيار ارتباط إريتريا بعلاقات أوثق مع السعودية ومصر (وربما تركيا) مثاليًّا في الوقت الحالي لاعتبارات اتساق مواقف هذه الدول مجتمعة في رؤية حالة استقرار تام في حوض البحر الأحمر، وعدم السماح باستخدام دولة غير مشاطئة كحصان طروادة لدخول قوى فوضى واضطراب في الإقليم. وترجع مثالية هذا الخيار إلى حقائق الاقتصاد الإريتري؛ إذ تظل إريتريا واحدة من أكثر الاقتصادات الإفريقية هشاشة، مع إمكانية ضرب قطاع الزراعة في مقتل لعام أو أكثر جراء موجات جفاف (تبلغ مساحة الأراضي القابلة للزراعة في إريتريا 6% فقط من مساحة البلاد). كما تُوفّر العمالة الإريترية في الخارج، والتي يوجد قطاع مهم منها في السعودية وعدد من دول الخليج العربي، جزءًا كبيرًا من عائدات الاقتصاد الإريتري عبر تحويلاتها المالية، الأمر الذي يكشف أهمية تحقق استقرار إقليمي مستدام في حوض البحر الأحمر.
على أيّ حال؛ فإن إريتريا تظل دولة بالغة الأهمية في قلب التفاعلات الإقليمية الجارية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وأنه رغم النجاح اللافت لحسابات نظام أفورقي الخاصة بموازنة علاقاته مع قوى إقليمية ودولية ذات مصالح متعارضة في الإقليم اللصيق بإريتريا، فإن التطورات الأخيرة التي أشرنا لبعضها تُعزّز فرضية مواجهة إريتريا عُزلة مشروطة هذه المرة بحسابات القوى الإقليمية والدولية تلك أكثر من حسابات “أسمرا”، ونظامها القوي، مما يشير إلى تغيرات سياسية واقتصادية مرتقبة في إريتريا وتوقعات جادة هذه المرة بوقوعها في المدى المنظور، في شكل إصلاحات ربما أكثر من وضع نهاية لنظام أفورقي الذي يُحْكم سيطرته على البلاد منذ أكثر من ثلاثة عقود.











































