الأفكار العامة:
-بدت انتخابات عام 2025م في غينيا والكاميرون وتنزانيا وغيرها وكأنها خدمت المصالح الغربية عبر تفضيل الاستقرار على الديمقراطية، مُشرعنةً عمليات اقتراع تُكرّس الأنظمة الاستبدادية.
-تزامنًا مع الاتحاد الإفريقي، أعلنت “إيكواس” أواخر يناير رفع العقوبات المتبقية عن غينيا، منهيةً العزلة الدبلوماسية لمرحلة ما بعد انقلاب 2021م.
-حَصَد مامادي دوأمبويا فوزًا ساحقًا (86.72%)، ناقضًا عهده بعدم الترشح وتسليم السلطة للمدنيين، بمشاركة رسمية مفاجئة بلغت 82.86%.
-سبقت العواصم الغربية المؤسسات الإفريقية في الترحيب بالنتائج، مُسوّقةً فوز دوأمبويا كـ”عودة للنظام الدستوري” ضمن موازنة بين القِيَم والمصالح الجيوسياسية.
-كشفت استحقاقات 2025م عن نمط “المسرحية الانتخابية” الإفريقية، الهادفة لتضليل الرأي العام ومنح غطاء شرعي للتغيير الشكلي.
-جمعت ثمانية انتخابات رئاسية (بينها الغابون والكاميرون) قواسم مشتركة: تهميش المعارضة (الإقصاء والاعتقالات التعسفية)، هيمنة السلطة على المفوضيات، والعنف الممنهج لضمان فوز النخب الحاكمة أو وكلائها.
بقلم: أدريان بوسو*
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
يثور هذا التساؤل بجدارة، لا سيما في ضوء قراءة متأنية لمخرجات الانتخابات عام 2025م في كلٍّ من غينيا والكاميرون وكوت ديفوار وتنزانيا، التي بدَتْ أنها خدمت بامتياز المصالح الجيوسياسية للقوى الغربية. فضلاً عن أنها تُبيِّن أن مقاربة الدول الغربية، في تعاطيها مع هذه الاستحقاقات، تُفضِّل “الاستقرار” الإستراتيجي على “الديمقراطية”، مما يمنح غطاءً شرعيًّا لعمليات اقتراع تُمهِّد الأرضية لترسيخ الأنظمة السلطوية وتجديد شرعيتها.
وعلى صعيد التطورات الميدانية، قررت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، في أواخر يناير الماضي وبخطوة تلت تزامنًا مع الاتحاد الإفريقي، رفع العقوبات المتبقية المفروضة على غينيا عقب انقلاب سبتمبر 2021م. يأتي هذا القرار، الذي يُشكِّل استهلالًا لمرحلة إعادة الإدماج الكاملة للبلاد في المحافل الإقليمية والقارية، في خضمّ الإجراءات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية التي جرت في 28 ديسمبر 2025م.
وبعد أربع سنوات من المرحلة الانتقالية، تَمكَّن العقيد مامادي دومبويا، الذي آلت إليه السلطة عبر الانقلاب العسكري، من حجز “مشروعية الصناديق” بنسبة ساحقة بلغت 86.72%، وبنسبة مشاركة رسمية قُدِّرَت بنحو 82.86%. وقد مثّلت هذه النتائج، التي أُعلنت في 4 يناير 2026م، عمليّة استفتائية ذات طابع تنصيبي، متجاوزةً بذلك التعهدات المبكرة للزعيم الانقلابي بعدم ترشحه أو ترشح أعضاء المجلس العسكري، والالتزام بالعودة إلى الحكم المدني.
وفي قراءة دقيقة للمواقف الدولية، سبقت العواصم الغربية المؤسسات الإفريقية في إبداء ارتياحها لهذه المخرجات؛ إذ سارعت فرنسا والولايات المتحدة إلى التهنئة “بحرارة” لمامادي دومبويا، معتبرتين أن هذه الانتخابات تُشكِّل عودةً للحكم الدستوري.
غير أن هذا التوصيف يبدو بعيدًا عن المصداقية؛ إذ يَصْعُب، بل يستحيل، تصنيف هذا الاستحقاق ضمن الإطار الديمقراطي أو القول بأنه التزم بالمعايير الدولية، نظرًا لانتفاء عناصر الحرية والنزاهة والشفافية. وعلاوة على إدانات منظمات المجتمع المدني وقوى المعارضة التي وصفت المشهد بـ”المسرحية الهزلية”، سجَّلت تقارير المراقبين مخالفات جسيمة تتعلق بتزوير الصناديق وترهيب الناخبين. يُضاف إلى ذلك، الاستبعاد الكلي لرموز معارضة بارزة، أبرزهم زعيم “اتحاد القوى الديمقراطية لغينيا” (UFDG) سيلو دالين ديالو، والرئيس السابق ألفا كوندي من “تجمع شعب غينيا” RPG، وهي خطوة لم تُثنِ القوى الغربية عن موقفها المساند أو تدفعها لإبداء أي تحفُّظ جوهري.
إفريقيا 2025م: حين تتحوَّل المهزلة الانتخابية إلى قاعدة راسخة
بَيْد أن الواجب يُحتّم علينا الجرأة في الاعتراف بأن ما حدث في غينيا لم يكن استثناءً على مستوى القارة الإفريقية، بل على العكس تمامًا؛ فقد شكَّل مؤشرًا صارخًا على اتجاه هيكلي عميق طبع عام 2025م في العديد من الدول الإفريقية. وهو اتّجاه يتجلَّى في هندسة “مهازل انتخابية” بقصد تضليل الرأي العام وتسويق وهم للتغيير السياسي.
هل من حاجة للتذكير؟
ولا غِنَى عن التذكير بأن القارة السمراء شهدت خلال العام الماضي جولة من الاستحقاقات الرئاسية تجاوزت ثمانية انتخابات في الغابون، وكوت ديفوار، والكاميرون، ومالاوي، وتنزانيا، وغينيا، وغينيا بيساو، وجمهورية إفريقيا الوسطى. وفي غالبية هذه الساحات، إن لم يكن في جميعها، تكرّرت الثوابت ذاتها: استبعاد الخصوم السياسيين، هيمنة السلطة التنفيذية على أجهزة الإشراف الانتخابي، ولجان شكلية، وموجات عنف عقب الفرز، تكلّلت جميعها بإعلان فوزات ساحقة للرؤساء الحاليين أو من اختارتهم لخلافتهم.
وفي قراءةٍ للمشهد التفصيلي؛ حسم الرئيس الكاميروني بول بيا (92 عامًا) ولايته الثامنة في 12 أكتوبر 2025م، بنسبة 53.7% بحسب الأرقام الرسمية. في حين ندَّدت المعارضة بوقوع “تزوير جماعي”، مستنكرة إغلاق مراكز الاقتراع في المناطق الناطقة بالإنجليزية، والتلاعب بالصناديق، وقمع الاحتجاجات بعُنْف ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى.
وبعد أسبوعين فقط، تحديدًا في 25 أكتوبر، أُعيد انتخاب الرئيس الإيفواري الحسن واتارا (83 عامًا) لولاية رابعة بنسبة 91% من الأصوات، متجاوزًا السقف الدستوري الذي يُحدّد الولايات المتتالية باثنتين نظريًّا. وقد تم استبعاد أبرز منافسيه، الرئيس السابق لوران غباغو والمصرفي تجيان ثيام، استنادًا إلى مبررات رآها المراقبون المستقلون واهية وزائفة.
أما على جبهة مالاوي، فقد شهد شهر سبتمبر عودة الرئيس السابق بيتر موثاريكا إلى الحكم بنسبة 56.8%، خلفًا لاستحقاق تنافسي لكنّه كان مكتنزًا بالشكوك حول غموض الإجراءات واتهامات بالتلاعب في النتائج.
وفي المقابل، قدمت تنزانيا المشهد الأكثر كارثية؛ إذ تحولت الانتخابات العامة في أكتوبر 2025م إلى موجة عنف غير مسبوقة، سُجِّلت فيها مئات الوفيات، وتنفيذ إعدامات خارج نطاق القضاء، وحالات اختفاء قسري، فضلًا عن سرقة الجثث لإخفاء آثار المجازر. لقد تم قمع الاحتجاجات ضد هذا الاستحقاق الذي اعتُبر مزورًا بحمامات من الدم، مصحوبًا بحملات اعتقالات جماعية بتهمة “الخيانة”. ولم تُجدِ البيانات الاستنكارية الصادرة عن الخارجيات الغربية نفعًا في التصدي لتمديد الرئيسة سامية صولوحو حسن لولايتها على رأس السلطة.
احتفاء الغرب بإجراء الانتخابات في إفريقيا:
في ضوء هذه المعطيات، يبرز التساؤل المشروع حول الجدوى الفعلية لهذه الاستحقاقات الانتخابية. وفقًا للمعيار الديمقراطي القياسي، تبدو الجدوى منعدمة؛ أما إذا ما تم التمعن في الوظيفة الجوهرية لهذه الانتخابات، المتمثلة في مَنْح غطاء شرعي للسردية الغربية القائمة على “الشرعية الديمقراطية”، وهو الشرط الحيوي لتفعيل قنوات المساعدات الدولية، وقروض المؤسسات المالية العالمية (مثل صندوق النقد والبنك الدوليين)، والدعم الدبلوماسي الغربي، فإننا نجد أنها طقوس لا غِنَى عنها لتأبيد شرعية السلطة. فهي تمنح بعض القادة الأفارقة فرصة وضع علامة “الامتثال” في خانة الديمقراطية لدى استمارات المانحين، فيما تظل أنظمتهم السلطوية، القائمة على الاقتصاد الريعي والمحاصصة والجمود السياسي، في منأى عن أيّ تغيير حقيقي.
لقد أبدعت النُّخَب الإفريقية في استيعاب آليات التحايل على ما يُصطلح عليه بـ”القواعد العالمية”؛ إنهم يُدركون بعُمْق أن الغرب، وهو يواجه تناقضاته الجيوسياسية، وتنامي حاجته للموارد الطبيعية، ومنافسته الشرسة مع قوى دولية صاعدة مثل الصين وروسيا، غالبًا ما يُميل كفة الميزان نحو “الاستبداد المستقر” بدلًا من المخاطرة بـ “فوضى الديمقراطية”.
واستنادًا إلى هذا الفهم، تنخرط هذه النخب في اللعبة السياسية، وتُدير “المسرحية الانتخابية” عبر السماح بوجود معارضة رمزية، والمبالغة في مؤشرات المشاركة، والإعلان عن نِسَب فوز ساحقة، واثقين من أن الغرب سيبارك إجراء التصويت، وسيقوم برفع العقوبات، وضخّ الأموال اللازمة لإنقاذ الموازنات العامة. وفي جوهره، يعد تنظيم مثل هذه الانتخابات “مناورةً ماكرة” لكنها فعَّالة.
ومن الضروري الاعتراف بأن القادة الأفارقة أصبحوا متمرسين ببراعة في فنّ المناورة والالتفاف على المتطلبات الغربية في الشأن الانتخابي. لقد استوعبوا أن الالتزام الشكلي بطقوس الاقتراع يكفي لشراء الصمت أو نيل الموافقة من الشركاء الخارجيين. بيد أن هذه الآلية التنازلية لها ثمن باهظ؛ فهي تؤدي إلى تآكل الثقة، وتُقوّض النسيج الوطني، وتُمهّد الطريق لاحتمالات الانتفاضة المستقبلية. فشعب يُمارس حقه في التصويت دون إيمان بالسلطة الناتجة عنه، سيؤول حتمًا إلى اللجوء لبدائل أخرى، سواء في صورة تيارات شعبوية، أو العنف المسلح، أو رفض جذري ومناهض كليًّا للنظام القائم.
إفريقيا أسيرة هذه الحلقة المفرغة:
وفي واقع الأمر، فإن هذه “المسرحية الانتخابية” لا تخدع أيّ طرف على أرض الميدان؛ ففي الدول التي تنتهج مثل هذه الممارسات، يظل الحكم محتكرًا بين يدي الفرد أو العشيرة، وتُفرّغ المؤسسات من مضمونها الحقيقي، وتُخضع السلطة القضائية للهيمنة التنفيذية، وتُوضع رقابة مشددة على الإعلام، بينما يستشري الفساد كوباء مستفحل.
وتُواصِل النُّخَب السياسية تكديس ثرواتها على حساب الشعوب، مع استنزاف الثروات الوطنية وتفاقم التباينات الاجتماعية بشكل مروع. أما الديمقراطية، التي وصفها ونستون تشرشل بأنها “أسوأ الأنظمة باستثناء البقية”، فإنها غائبة تمامًا في هذه الدول، حتى في أدنى صورها.
والأكثر خطورة أن هذه “المسرحيات الانتخابية” تُعزّز النزعات النقدية والازدراء تجاه النموذج الديمقراطي ذاته. فهي تمنح مبررات للخطاب الذي تتبنَّاه المجالس العسكرية، التي تتخذ من النفاق الغربي ذريعة لتبرير سيطرتها المطلقة على مقاليد الدولة. وفضلًا عن ذلك، فإنها تُولّد الإحباط بين المواطنين، الذين باتوا ينظرون إلى ورقة الاقتراع بوصفها أداة لتأبيد “الوضع الراهن” بدلًا من كونها آلية للتغيير، مما يُرسِّخ التبعية للقوى الخارجية. وفي الحقيقة، ما دامت المساعدات، سواء الثنائية أو متعددة الأطراف، ضامنةً لاستمرارية الدول، وما دام القادة يفضّلون التملق في واشنطن وباريس على بناء سيادة وطنية حقيقية، فإن إفريقيا ستظل أسيرة هذه الحلقة المفرغة.
لن تنجو القارة من هذا المأزق إلا إذا تبنّى قادتها نَهْج الديمقراطيين الحقيقيين. فلن يحدث أيّ تغيير جذري ما لم يستوعبوا أن الديمقراطية ليست مجرد “واجهة شكلية” لاسترضاء الأجانب، بل هي ممارسة يومية تقتضي احترام الحريات، وتوسيع رقعة المساءلة، وضمان استقلالية القضاء، وتفعيل التعددية السياسية، والتداول السلمي على السلطة. وما لم يتمكن المواطنون من محاسبة حُكّامهم بشكل مباشر بدلًا من انتظار ردود الفعل الغربية؛ فإن واقع الحال سيبقى على حاله.
ومن البديهي أن الغرب يتحمل قسطًا وافرًا من المسؤولية عن هذا الوضع. فمن خلال الترويج لهذه المهازل الانتخابية، يصبحون شركاء فاعلين في الاستبداد الذي يزعمون محاربته. إنهم يفقدون مصداقيتهم، ويساهمون في تعزيز السردية المعادية للغرب، ويتركون الساحة مفتوحة على مصراعيها للقوى المنافسة التي لا تربط صفقاتها بأيّ شروط ديمقراطية. لقد آن الأوان لكي تتوقف باريس وواشنطن وبروكسل عن ممارسة سياسة غضّ الطرف انتهازيًّا إزاء الانتخابات الشكلية، لتتوافق مواقفهم مع مبادئهم المعلنة؛ فالديمقراطية لا تُقاس بمجرد إجراء عملية اقتراع، بل بمدى الالتزام بمبادئها الجوهرية.
وفي هذا السياق، لا تزال إفريقيا تُواجه تحديات جسيمة. سيظل الواقع الإفريقي رهين كهف التخلف السياسي والاقتصادي الذي يُحكَم شعوبه بالفقر والهوان، ما لم يتخلص فورًا من “الوهم الديمقراطي” الذي يبدو أنه ينعم في ظله. فالتصويت بقصد إرضاء الشركاء الخارجيين، وإن كانوا غربيين، يُعدّ بمثابة خيانة لوعد الحرية الذي يفترض أن يحمله الاقتراع العام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش:
*أدريان بوسو ،هو وزير سابق للاتصالات في جمهورية إفريقيا الوسطى وخبير في الجيوسياسة.
رابط المقال:











































