إعداد: دعاء جبر
باحثة سياسية متخصصة في المؤشرات الدولية
تؤدي الحكومات في جميع دول العالم دوراً مهماً في مجال الذكاء الاصطناعي، غير أن الطبيعة الدقيقة لهذا الدور تختلف من دولةٍ إلى أخرى ومن نظامٍ سياسي إلى آخر. فبعض الحكومات قد تعطي أولوية أكبر لدورها كمحفّز ومُمكِّن لتطوير الذكاء الاصطناعي، بينما تركّز حكومات أخرى على دورها كضامن للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي، في حين تسعى حكومات ثالثة إلى تمكين المشاركة المجتمعية والتفاعل العام مع تقنيات الذكاء الاصطناعي. وتزداد أهمية هذا الدور في ظل التحوّل المتسارع نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في السياسات العامة وتقديم الخدمات الحكومية، بما يفرض على الدول تحديات متزايدة تتعلق بالحوكمة، وبناء القدرات المؤسسية، وضمان الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.
وقد جاءت نسخة مؤشر «جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي» لعام 2025م لتقف على حجم التقدم المُحرَز في هذا السياق؛ من خلال تقييم مدى استعداد الحكومات لتبنّي الذكاء الاصطناعي على نحوٍ فعّال ومسؤول[1]. وانطلاقاً من ذلك؛ تتناول هذه المقالة بالتحليل موقع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء من هذا التوجه؛ إذ يشمل المؤشر 46 دولةً من دول الإقليم، وذلك من خلال المحاور الآتية:
أولاً: مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2025: التعريف والمنهجية.
ثانياً: أبرز نتائج مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025م.
ثالثاً: موقع إقليم إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي وركائزه الفرعية.
رابعاً: مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025م في المنطقة على المستوى القطري.
خامساً: أهم التطورات في مجال جاهزية الذكاء الاصطناعي في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء خلال عام 2025م.
سادساً: مزايا وعيوب مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2025.
أولاً: مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2025: التعريف والمنهجية:
يصدر مؤشر «جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي» منذ عام 2017م، عن مؤسسة
Oxford Insights، وهي منظمة بحثية عالمية متخصصة في تحليل سياسات التكنولوجيا والحوكمة الرقمية، ويُعدُّ إصدار عام 2025م الأكثر تفصيلاً حتى الآن، حيث يقيّم جاهزية نحو
195 حكومةً حول العالم من حيث قدرتها على تسخير الذكاء الاصطناعي لخدمة الصالح العام.
يعكس إصدار عام 2025م تطوراً ملحوظاً في الإشكالية البحثية للمؤشر؛ فبينما انصبت الإصدارات السابقة على قياس جاهزية الحكومات لتبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات العامة؛ يتجه مؤشر 2025م إلى طرح تساؤل أوسع يتمحور حول: مدى قدرة الحكومات على توظيف الذكاء الاصطناعي بما يحقق مصلحة المواطنين. ويتيح هذا التحول إطاراً تحليلياً أكثر شمولاً لرصد مختلف المسارات التي تعتمدها الحكومات في استخدام الذكاء الاصطناعي لخدمة المجتمع، سواءٌ عبر تحسين الخدمات العامة، أو من خلال التطبيقات القطاعية في مجالي التعليم والصحة، فضلاً عن دورها المحوري في بناء وتنمية المهارات والخبرات اللازمة لدعم اقتصاد رقمي حديث يتواءم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين[2].
يتم حساب القيمة النهائية لكل دولة في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025م من خلال المتوسط المرجح لركائز المؤشر المختلفة؛ حيث يُخصص لكل ركيزة وزن محدد يعكس أهميتها النسبية في قياس الجاهزية.
وتتوزع الأوزان على النحو الآتي:
القدرة على صياغة السياسات (10%)، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي (25%)، والحوكمة (15%)، وتبنّي القطاع العام (15%)، والتطوير والنشر (25%)، والمرونة (10%)[3].
تتراوح قيمة مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025م بين (0-100)، وكلما اقتربت إلى (100) كان ذلك أفضل.
ويعتمد المؤشر في تصنيف الدول على تحليل 69 مؤشراً فرعياً موزعة على 14 بُعداً، تندرج ضمن ست ركائز، كما يوضحه الشكل (1)، وهي:
1- القدرة على صياغة السياسات:
توضح إلى أيّ مدى تستطيع الحكومة تصميم وتنفيذ سياسات ذكاء اصطناعي فعّالة تتماشى مع رؤية وطنية واضحة لكيفية استفادة البلاد من الذكاء الاصطناعي. ويجب على الحكومة إظهار التزام واضح بهذه السياسات من خلال تخصيص الموارد اللازمة لتحقيق هذه الرؤية، والانخراط في التعاون الدولي لمواجهة الطبيعة العالمية للذكاء الاصطناعي.
2- الحوكمة:
تشير هذه الركيزة إلى مدى امتلاك الحكومة لمبادئ حوكمة واضحة تعمل على تعزيز كيفية تطوير واعتماد الذكاء الاصطناعي مع حماية حقوق الأفراد والمصالح المجتمعية. ويتم تعزيز هذه المبادئ من خلال ممارسات الحكومة وهيكلها في القطاع العام، بما يدعم تطبيقها على نطاق أوسع، ويضمن بيئة مرنة للامتثال التنظيمي فيما يخص الذكاء الاصطناعي.
3- البنية التحتية للذكاء الاصطناعي:
تشير هذه الركيزة إلى مدى توفر قدرة حوسبة كافية وبنية تحتية تقنية داعمة يمكن للحكومة والجهات الأخرى الاعتماد عليها على المدى الطويل لتطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي. كما يجب أن تتوافر بيانات عالية الجودة وكافية للعمل على مجموعة واسعة من المشكلات باستخدام الذكاء الاصطناعي، تكون قابلةً للوصول ومتدفقة بأمان داخل البلاد وعبر الحدود.
4- تبنّي القطاع العام:
تشير هذه الركيزة إلى مدى تشجيع الحكومة، من خلال سياساتها الرقمية، لاختبار كيفية استفادة القطاع العام من الذكاء الاصطناعي لحل التحديات المختلفة. وعندما يثبت فعالية الذكاء الاصطناعي، تقوم الحكومة بتوسيع نطاق حلول الذكاء الاصطناعي، ويظهر ذلك من خلال قدراتها على تقديم الخدمات الإلكترونية الحكومية.
5- التطوير والنشر:
تشير هذه الركيزة إلى مدى وجود قطاع ذكاء اصطناعي ناضج قادر على تلبية احتياجات العملاء والمستهلكين المحليين، ودفع الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل، مدعوماً برأس مال بشري كافٍ لتلبية الطلب على نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي بين اللاعبين في الصناعة، والباحثين، والمجتمع المدني، الذين يعملون على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالاتهم المختلفة.
6- المرونة:
تشير هذه الركيزة إلى مدى قدرة الحكومة على إدارة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تنشأ عن الانتقال المجتمعي نحو اعتماد واسع للذكاء الاصطناعي. ويشمل ذلك: المراقبة الفعّالة والاستعداد للمخاطر الجديدة على السلامة والأمن الوطني مع تقدم تطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي.
شكل (1): إطار مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2025:

المصدر: مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2025، الصادر عن مؤسسة Oxford Insights.
ثانياً: أبرز نتائج مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025م:
▪ مشهد عالمي متعدد الأقطاب للذكاء الاصطناعي:
تشير نتائج مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025م إلى أن مشهد القيادة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي يتجه نحو ثنائية قطبية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية والصين، مع احتفاظ الأولى بالمركز الأول مدعومةً بقوة القطاع الخاص والبنية التحتية البحثية والحاسوبية، في حين أن ترتيب الصين قد لا يعكس كامل قدراتها الفعلية بسبب تحديات منهجية تتعلق بالشفافية وتوفر البيانات. ورغم ذلك؛ تُظهر الصين تقدّماً لافتاً؛ إذ يعادل إنتاجها البحثي في الذكاء الاصطناعي مجموع إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين، كما طورت نماذج تنافس الغربية بتكلفة أقل، وتعمل على بناء منظومة سيادية متكاملة مدعومة باستثمارات حكومية ضخمة وهيمنة على سلاسل إمداد إستراتيجية، ما يشير إلى أن الفجوة بين البلدين أضيق مما تعكسه التصنيفات، بل وقد تكون الصين متقدمةً في بعض المجالات.
▪ الذكاء الاصطناعي ينتقل من الإستراتيجية إلى الواقع:
شهد عام 2025م تزايداً ملحوظاً في تبنّي الحكومات والدول لإستراتيجيات وسياسات الذكاء الاصطناعي؛ حيث بدأت الدول المدرجة في المؤشر في استكشاف استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الحكومات، وعبر مجتمعاتها واقتصاداتها، بدءاً من إصدار كندا، والتي تحتل المركز الحادي العشر في المؤشر، لإستراتيجية الذكاء الاصطناعي للخدمة العامة الفيدرالية، وصولاً إلى إطلاق نيجيريا، التي تحتل المركز الـ(72)، لمركز توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي. كما يتم الاعتراف بالدور المهم للذكاء الاصطناعي كأداة ضمن أدوات القطاع العام. وأصبحت المزيد من الدول الآن تحدد بوضوح في الوثائق العامة كيف تستخدم– أو تنوي استخدام– الذكاء الاصطناعي لتحسين نطاق وكفاءة وفعالية الحكومة.
شكل (2): تبني القطاع العام للذكاء الاصطناعي 2025– الأداء الإقليمي:

المصدر: مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2025، الصادر عن مؤسسة Oxford Insights.
▪ تنامي الجهود العابرة للحدود في مجال الذكاء الاصطناعي:
لم يعد المشهد الدولي للذكاء الاصطناعي مقتصراً على التنافس الجيوسياسي أو سباق النفوذ بين الدول، بل أصبح يشهد تنامياً ملحوظاً في الجهود العابرة للحدود بوصفها مساراً عملياً لمواجهة تعقيدات هذه التكنولوجيا وتكاليف تطويرها. ومع التسارع المستمر في تطور الذكاء الاصطناعي، واتساع نطاق تطبيقاته، أدركت الدول والأقاليم صعوبة بناء منظومات وطنية مكتملة بمعزل عن الآخرين، ما دفع إلى تعزيز التعاون الإقليمي والدولي. وقد انتقلت هذه الجهود من مجرد اتفاقيات عامة إلى خطوات تنفيذية ملموسة، شملت تنسيق السياسات، وإطلاق مشروعات مشتركة في البحث والتطوير، وصياغة أطر حوكمة ومعايير إقليمية قابلة للتطبيق، بما يعكس تحول الذكاء الاصطناعي إلى ركيزة أساسية في مسارات التعاون الدولي المعاصر.
شكل (3): القدرة على صياغة سياسات الذكاء الاصطناعي 2025– الأداء الإقليمي:

المصدر: مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2025، الصادر عن مؤسسة Oxford Insights.
ثالثاً: موقع إقليم إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي وركائزه الفرعية:
تحتل منطقة إفريقيا جنوب الصحراء المرتبة التاسعة من بين تسع مناطق عالمياً في مؤشر الجاهزية العالمي للذكاء الاصطناعي بمتوسط 28 نقطة، مقارنةً بالمتوسط العالمي البالغ، 41.4 نقطة، وهو الأدنى بين جميع المناطق. وهو ما يُعتَبر تراجعاً عامّاً سجلته في عام 2024م، والبالغ (32.7) درجة مقارنةً بالمتوسط العالمي البالغ (47.6) نقطة، وأيضاً كانت تحتل المرتبة الأخيرة[4].
شكل (4): مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي في عامي 2024م و2025م* في إفريقيا جنوب الصحراء مقارنةً بالمتوسط العالمي (نقطة):

المصدر: من إعداد الباحثة اعتماداً على مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2025، الصادر عن مؤسسة Oxford Insights.
* الفرق بين المتوسطين في 2024م و2025م قد يتأثر بتغير منهجية المؤشر بين السنتين، ولا يمثل بالضرورة تحسناً أو تراجعاً فعلياً في جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي.
أما فيما يتعلق بموقع منطقة إفريقيا جنوب الصحراء في المؤشر مقارنةً بمناطق العالم الأخرى؛ فيعرض الجدول (1) ترتيب المنطقة بين الأقاليم المختلفة.

وبفضل تركيبتها السكانية الشابة؛ تُعدّ إفريقيا من أكثر القارات امتلاكاً لإمكانيات مستقبلية في مجال الذكاء الاصطناعي؛ حيث تشير تقديرات الاتحاد الإفريقي إلى أن نحو 400 مليون من سكانها تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاماً، ما يوفّر قاعدة بشرية واسعة قادرة على تبنّي التقنيات الرقمية ودفع الابتكار. وخلال السنوات الماضية، نجحت القارة في بناء منظومة رائدة للمدفوعات عبر الهاتف المحمول، حيث تجاوزت قيمة المعاملات المنفذة من خلالها في عام 2024م نحو 1.68 تريليون دولار أمريكي، شملت معاملات بين الأفراد، والمشروعات الصغيرة، والشركات الكبرى، والجهات الحكومية.
وعلى الرغم من هذه المقومات؛ فلا تزال منطقة إفريقيا جنوب الصحراء تواجه تحديات هيكلية في مجال الذكاء الاصطناعي، تتمثل في الحاجة إلى تعزيز البنية التحتية الرقمية وبنية الطاقة الأساسية، وتطوير مسارات مستدامة لبناء الكفاءات البشرية تمتد من التعليم والتدريب إلى البحث والتطوير والتطبيق التجاري، إلى جانب وضع أطر تنظيمية وسياسات فعّالة للبيانات والذكاء الاصطناعي تكون داعمةً ومحفِّزةً للنمو والابتكار.
يوضح الشكل (5) اتساع الفجوة بين المتوسط العالمي ومتوسط منطقة إفريقيا جنوب الصحراء عبر جميع ركائز مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي، إذ تسجل المنطقة مستويات أدنى من المتوسط العالمي في كل المحاور دون استثناء، وتظهر الفجوة بشكل أوضح في ركيزتي القدرة على صياغة السياسات وتبنّي القطاع العام للذكاء الاصطناعي. ورغم أن ركيزة الحوكمة تُعدّ الأعلى نسبياً داخل المنطقة مقارنةً ببقية الركائز؛ فإنها لا تزال بعيدة عن المتوسط العالمي بفارق ملحوظ، وهو ما يعكس استمرار التحديات الهيكلية التي تواجه دول الإقليم في بناء بيئة داعمة لتبنّي وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
شكل (5): أداء إفريقيا جنوب الصحراء في ركائز مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025م مقارنةً بالمتوسط العالمي (نقطة):

المصدر: من إعداد الباحثة اعتماداً على مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2025، الصادر عن مؤسسة Oxford Insights.
رابعاً: مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025م في المنطقة على المستوى القُطري:
تتصدّر كينيا مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي على مستوى إفريقيا جنوب الصحراء، محتلة المرتبة الأولى إقليمياً والـ65 عالمياً، بإجمالي 51.1 نقطة. ويعكس أداؤها قوةً ملحوظة في ركيزتي المرونة (69.68) والقدرة على صياغة السياسات (69.00)، إلى جانب أداء متوازن في تبنّي الذكاء الاصطناعي في القطاع العام (62.14) والحوكمة (60.63). في المقابل؛ سجلت كينيا أدنى أداء في ركيزة التطوير والنشر (35.92)، وهو ما يشير إلى تحديات في وتوسيع نطاق الابتكار والبنية التحتية البحثية والصناعية اللازمة لتطوير حلول الذكاء الاصطناعي ونشرها على نطاق واسع.
ورغم ذلك؛ يعكس الأداء المرتفع في بقية الركائز امتلاك كينيا مقومات مؤسسية وتنظيمية قوية؛ يمكن البناء عليها لتسريع تطوير منظومة الذكاء الاصطناعي وتعزيز قدراتها في مجالي البحث والتطبيق خلال المرحلة المقبلة. وتُعدّ كينيا مركزاً راسخاً للابتكار والشركات الناشئة على مستوى القارة الإفريقية منذ فترة طويلة. ووفقاً لشركة الاستشارات Startup Genome؛ نجحت الشركات الناشئة التي تتخذ من كينيا مقراً لها في تأمين تمويلات بقيمة 638 مليون دولار في عام 2024م، وهو ما يمثل نحو 29% من إجمالي رأس المال المُستثمر في القارة الإفريقية.
اتصالاً؛ احتلت جنوب إفريقيا المرتبة الثانية على مستوى إفريقيا جنوب الصحراء والـ67 عالمياً، محققةً 50.4 نقطة. وأظهر المؤشر أداءً متوازناً نسبياً عبر معظم الركائز، ولا سيما في تبنّي الذكاء الاصطناعي في القطاع العام (64.93) والحوكمة (64.08)، في المقابل؛ جاءت درجاتها أقل في ركيزتي القدرة على صياغة السياسات (43.00) والتطوير والنشر (33.45)، ما يعكس تفاوتاً في الجاهزية المؤسسية والتقنية للذكاء الاصطناعي.
هذا، وجاءت موريشيوس في المرتبة الثالثة إقليمياً والـ71 عالمياً بإجمالي 48.3 نقطة. وسجلت الدولة أداءً جيداً في تبنّي الذكاء الاصطناعي في القطاع العام (65.63) والقدرة على صياغة السياسات (65.50)، ما يعكس توجهاً داعماً للسياسات الرقمية. في المقابل؛ ظل الأداء أقل في ركيزتي المرونة (38.58) والتطوير والنشر (36.11).
احتلت نيجيريا المرتبة الرابعة على مستوى إفريقيا جنوب الصحراء والـ72 عالمياً، مسجلةً 47.9 نقطة. ويبرز أداؤها القوي في ركيزة القدرة على صياغة السياسات (80.50)، ويعكس ذلك زيادة الاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي المحلي، وإطلاق وثائق سياسات تفصيلية للذكاء الاصطناعي، إلى جانب إعلان نية واضحة لتعزيز جهود التعاون الدولي في هذا المجال.
أما رواندا؛ فقد احتلت المركز الخامس على مستوى إقليم إفريقيا جنوب الصحراء، و75 عالمياً مسجلةً 47.3 نقطة، مع أداء قوي في القدرة على صياغة السياسات (73.00) والحوكمة (68.75)، بينما سجلت قيماً منخفضة نسبياً في ركيزتي النشر والتطوير (31.27) والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي (33.15). وفي أبريل 2025م، استضافت البلاد القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في إفريقيا، والتي شهدت كلمات ومشاركات من قادة ووزراء رقميين من مختلف أنحاء القارة، إلى جانب «سام ألتمان» (الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI) و«بيل غيتس».
هذا، وقد نجحت عشر دول من دول الإقليم في دخول قائمة أفضل 100 دولة على مستوى العالم في إصدارة المؤشر لعام 2025م، من بينها رواندا وإثيوبيا، اللتان أنشأتا مراكز متخصصة للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي بهدف جذب الاستثمارات وتطوير مبادرات جديدة في هذا المجال.
على الجانب الآخر؛ جاءت كلٌّ من جنوب السودان، وغينيا بيساو، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وإريتريا، وغينيا الاستوائية، بوصفها الدول الأسوأ أداءً في المنطقة، إذ جاءت في المراكز 195، و194، و193، و192، و190 على التوالي في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2025، مسجلةً مستويات منخفضة في ركائز متعددة، مما يعكس فجوات واضحة في التنمية والجاهزية المؤسسية مقارنةً بالمستويات الإقليمية والعالمية، ويشير إلى الحاجة الملحّة لوضع سياسات وإستراتيجيات لتعزيز القدرات الوطنية ومعالجة أوجه القصور في مختلف المجالات.
شكل (6): مقارنة أداء دول إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025م– أفضل وأسوأ الدول (نقطة)*:

المصدر: من إعداد الباحثة اعتماداً على مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2025، الصادر عن مؤسسة Oxford Insights.
* الترتيب من بين 195 دولة، وتتراوح قيمة المؤشر بين (0-100)، وكلما اقتربت إلى 100، كان ذلك أفضل.
هذا، ويشمل مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025م نحو 46 دولةً من دول إقليم إفريقيا جنوب الصحراء، جرى تصنيفها على النحو التالي:


خامساً: أهم التطورات في مجال جاهزية الذكاء الاصطناعي في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء خلال عام 2025م:
▪ تتبلور إستراتيجيات الذكاء الاصطناعي في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء بشكل متزايد:
إذ أصبح لدى 29 دولة حتى الآن إستراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، سواءٌ كانت معتمدة أو قيد الإعداد، من بينها نيجيريا وكينيا وكوت ديفوار. وتتميّز جميع الإستراتيجيات الجديدة باحتوائها على أهداف تنفيذية قابلة للتطبيق، حيث نشرت نيجيريا خريطة طريق تفصيلية تتضمن أهدافاً قصيرة وطويلة الأجل. إضافةً إلى ذلك؛ تجاوزت زامبيا وموريشيوس مرحلة صياغة الإستراتيجيات، حيث وضعتا خططاً تنفيذية ملموسة إلى جانب أطر عملهما الحالية. فعلى سبيل المثال: خصصت موريشيوس قسماً محدداً للذكاء الاصطناعي في خطتها للتحول الرقمي التي نُشرت مؤخراً، مع الإشارة إلى نيتها تطوير إستراتيجية منقحة وأكثر شمولاً للذكاء الاصطناعي في المستقبل.
▪ يمكن أن يُشكّل التعاون العابر للحدود محفّزاً مهماً لتطوير الذكاء الاصطناعي في المنطقة:
تشهد منطقة إفريقيا جنوب الصحراء اهتماماً متزايداً بأهمية التعاون الدولي، سواءٌ من حيث الحوكمة أو بناء القدرات. ففي عام 2024م، اعتمد الاتحاد الإفريقي رسمياً إستراتيجية قارية للذكاء الاصطناعي، تهدف إلى تقديم إرشادات مرتكزة على إفريقيا بشأن تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما اعترف الاتحاد الإفريقي بالذكاء الاصطناعي كأداة مهمة لتحقيق إستراتيجيته القارية «أجندة 2063»، فضلاً عن أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة. ويُنظر إلى الاتحاد الإفريقي أيضاً بوصفه فاعلاً رئيسياً في مجال الذكاء الاصطناعي من قِبل الدول. وتشير إستراتيجية كينيا للذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص إلى إستراتيجية الاتحاد الإفريقي، وتؤكد أهميتها باعتبارها إطاراً قوياً يضمن الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي على مستوى القارة.
▪ تُعدّ الموارد المخصّصة للذكاء الاصطناعي من قِبل دول المنطقة عاملاً حاسماً في تعزيز مستويات الجاهزية الوطنية لهذا المجال:
وخلال عام 2025م، برزت كلٌّ من إثيوبيا ورواندا كنموذجين لالتزام متزايد بالاستثمار المكثّف في الذكاء الاصطناعي. ففي رواندا، وقّعت الحكومة مذكرة تفاهم مع مؤسسة «بيل ومليندا غيتس» لإنشاء مركز رواندا لتوسيع نطاق الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً نحو دعم الابتكار وبناء القدرات المؤسسية. وفي المقابل؛ خصّصت إثيوبيا نحو 1.13 مليار بير إثيوبي (ما يعادل قرابة 7.7 ملايين دولار أمريكي) للاستثمار المباشر في الذكاء الاصطناعي، كما يعمل المعهد الإثيوبي للذكاء الاصطناعي على استكشاف وتطوير تطبيقات هذا المجال في عدد من القطاعات الحيوية؛ من بينها الزراعة والرعاية الصحية والعدالة، بما يعكس سعياً لتوظيف الذكاء الاصطناعي في دعم التنمية القطاعية الشاملة.
▪ تتزايد الحاجة إلى بناء أطر حوكمة وضمانات أساسية تنظّم تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه في المنطقة:
وقد بدأت دول إفريقيا جنوب الصحراء في التفاعل مع التداعيات الأخلاقية والأمنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي؛ إذ شدّد الاتحاد الإفريقي، في إستراتيجيته القارية، على ضرورة توخّي الحذر، وشرعت عدة دول في استكشاف سبل إدارة تطوير الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته. ويجري حالياً إعداد مبادئ لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في 14 دولةً بالإقليم، غير أنّ ناميبيا تُعدّ الدولة الوحيدة التي نشرت مجموعة رسمية من الإرشادات في هذا الشأن. وبينما تتضمن إستراتيجيات 13 دولةً التزاماً عاماً برصد المخاطر؛ فلا تُدرج سوى أربع دول منهجية تفصيلية لتقييم هذه المخاطر. وتُعدّ كينيا الدولة الوحيدة في الإقليم التي تتمتع بعضوية الشبكة الدولية لمعاهد سلامة الذكاء الاصطناعي.
سادساً: مزايا وعيوب مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2025م:
1) مزايا مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي:
يُستخدم هذا المؤشر كمعيار مرجعي من قِبل الدول حول العالم، حيث يتم إدراجه ضمن العديد من إستراتيجيات الذكاء الاصطناعي الوطنية، ويُسهم بشكل مباشر في صياغة السياسات واتخاذ القرارات على أعلى المستويات الحكومية. كما تستمر الحكومات الوطنية والمنظمات والمنصات الدولية، بما في ذلك اليونسكو ومجموعة العشرين، في الاعتماد عليه كمعيار رئيسي لتقييم التقدم على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية في مجال الذكاء الاصطناعي. وبناءً على هذا الدور المحوري؛ يوفر المؤشر مجموعة من المزايا التي تساعد الحكومات على تعزيز جاهزيتها للذكاء الاصطناعي، وتشمل ما يأتي:
▪ تقييم شامل لقدرة الحكومة على قيادة التحول إلى الذكاء الاصطناعي:
المؤشر يقيّم القدرة على صياغة السياسات وتنفيذها، وكيف تستخدم الحكومات الذكاء الاصطناعي لصالح المواطنين من خلال تحسين الخدمات العامة وتحقيق منافع للمجتمع.
▪ دعم اتخاذ القرار وصياغة السياسيات:
يُعدّ المؤشر أداة لتحديد الفجوات والسياسات المطلوب تطويرها؛ حيث يستخدم مجموعة من المؤشرات عبر ست ركائز، وهي:
القدرة على صياغة السياسات، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وتبنّي القطاع العام لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والحوكمة، والتطوير والنشر، والمرونة؛ لمساعدة الحكومات على معرفة أين تحتاج إلى تعزيز القدرات.
▪ تحفيز تطوير الإستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي:
المؤشر يشجع الحكومات على وضع رؤية وإستراتيجية واضحة للذكاء الاصطناعي، ما يؤدي إلى تحسين التخطيط طويل المدى، وتحديد أولويات الاستثمار، وتعزيز إطار تشريعي وتنظيمي متكامل.
▪ تعزيز التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص:
من خلال قياس جاهزية الحكومات؛ يستطيع القطاع الخاص والبحثي تحديد بيئات مواتية للاستثمار والتعاون في مشروعات الذكاء الاصطناعي، مما يزيد من الابتكار ويقوي منظومة التكنولوجيا الوطنية.
▪ تحسين جودة الخدمات العامة:
جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعي تمكّنها من استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات العامة (كالخدمات الصحية، التعليم، النقل، الأمن وغيرها) بشكلٍ أكثر كفاءة واستجابة لاحتياجات المواطنين.
▪ التقييم الدوري والتتبع عبر الزمن:
كونه مؤشراً سنوياً؛ فإنه يسمح بتحليل التقدم عبر السنوات، مما يُمكّن الحكومات من تتبع أثر السياسات والإصلاحات، ومعرفة ما تحقق من تحسينات، وما يحتاج إلى تعزيز[5].
2) عيوب مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي:
على الرغم من أهمية مؤشر جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعي في تقديم صورة عامة عن استعداد الدول؛ فإن هناك بعض العيوب التي تحد من دقته وقدرته على عكس الواقع الفعلي. هذه العيوب تتعلق بشفافية البيانات، والعلاقة بين الترتيب والأثر الاجتماعي، وطبيعة القياس نفسه.
▪ ضعف الشفافية وتفاوت إتاحة البيانات بين الدول:
وهو ما يظهر بوضوح في حالة الصين؛ إذ يقر التقرير بأن ترتيب الصين في المؤشر قد يكون أقل من مستوى قدراتها الفعلية في مجال الذكاء الاصطناعي، ويرجع ذلك أساساً إلى صعوبة الوصول إلى البيانات والمعلومات الرسمية، وليس بالضرورة إلى ضعف الجاهزية المؤسسية أو التقنية. ويؤدي هذا الأمر إلى تحيز غير مقصود في نتائج المؤشر لصالح الدول الأكثر انفتاحاً من حيث إتاحة البيانات؛ بغض النظر عن قدراتها الحقيقية على أرض الواقع.
▪ ضعف العلاقة بين الترتيب والأثر الاجتماعي الفعلي:
رغم تركيز المؤشر على تحقيق «المنفعة العامة»؛ فإنه لا يربط ترتيب الدول بشكل واضح بمؤشرات اجتماعية ملموسة، مثل تحسين جودة الخدمات العامة أو تقليص الفجوات الاجتماعية. وبالتالي؛ قد تحصل دولة على ترتيب متقدم دون وجود دليل واضح على أن استخدام الذكاء الاصطناعي فيها أسهم فعلياً في تحسين حياة المواطنين.
▪ المؤشر يقيس قابلية العرض أكثر مما يقيس الجاهزية الفعلية:
يعتمد مؤشر جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعي بدرجة كبيرة على توافر الوثائق الرسمية، والإستراتيجيات المعلنة، والأطر التنظيمية المنشورة. هذا النهج يجعل الدول الأكثر قدرةً على إنتاج الخطاب والسياسات المكتوبة تبدو أكثر جاهزية، حتى لو كان التنفيذ العملي محدوداً. وبذلك؛ لا يقيس المؤشر بالضرورة القدرة الفعلية على توظيف الذكاء الاصطناعي؛ بقدر ما يقيس قدرة الدولة على عرض نفسها كدولة جاهزة وفق معايير المؤشر.
ختاماً:
يوضح مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025م: أن منطقة إفريقيا جنوب الصحراء تواجه تحديات كبيرة في هذا المجال؛ حيث تحتل المرتبة الأخيرة عالمياً بين تسع مناطق، مع مستويات جاهزية عامة أدنى من المتوسط العالمي، على الرغم من امتلاكها مقومات ديموغرافية واعدة وتجارب رقمية ناجحة في بعض القطاعات. ورغم هذه الفجوة؛ تبرز نماذج واعدة في بعض الدول مثل كينيا ونيجيريا ورواندا، التي بدأت في وضع إستراتيجيات وطنية واضحة، وتعزيز الابتكار، وتخصيص موارد للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، مع الانخراط في التعاون الإقليمي والدولي. ويُشكل هذا مؤشراً على أن تعزيز البنية التحتية الرقمية، وبناء القدرات البشرية، وتوسيع تبنّي القطاع العام للتقنيات، ووضع أطر تنظيمية مستدامة، يمكن أن يحول الإمكانيات الواعدة للإقليم إلى واقع عملي ملموس، ويضع إفريقيا جنوب الصحراء على مسار تنافسي في المشهد الرقمي العالمي.
………………………………………..
المراجع:
[1] Oxford Insights, The Government AI Readiness Index 2025, available at:
[2] Oxford Insights, The Government AI Readiness Index 2025, available at:
https://oxfordinsights.com/ai-readiness/government-ai-readiness-index-2025/
[3] Oxford Insights, The Government AI Readiness Index 2025, available at:
https://oxfordinsights.com/wp-content/uploads/2026/01/Methodology-Report-2025-1.pdf
[4] Oxford Insights, The Government AI Readiness Index 2024, available at:
https://oxfordinsights.com/wp-content/uploads/2024/12/2024-Government-AI-Readiness-Index-2.pdf
[5] Civil Society Alliances for Digital Empowerment (CADE), https://cadeproject.org/updates/oxfords-government-ai-readiness-index-2025-released/











































