أحمد رمضان عبدالجليل
باحث دكتوراه في الدراسات الإفريقية
تحظى فكرة «التبادلات الشعبية» بمكانةٍ راسخة في التقاليد الدبلوماسية الصينية لِمَا لها من أهميةٍ إستراتيجية بعيدة المدى، بالإضافة إلى الدور المحوري في دعم السياسة الخارجية للبلاد، وفي خدمة المهام الوطنية طويلة ومتوسطة المدى وفي مقدمتها مبادرة «الحزام والطريق». كما تُدرك الصين قيمة التواصل بين الشعوب في العلاقات الدولية في توسيع الآفاق وفهم طبيعة السياسة العالمية المتزايدة التعقيد، وتجاوز التصورات السائدة الضيقة التي تركز بشكلٍ كبير على توزيع القدرات المادية بين الدول وتُهمل العناصر الثقافية باعتبارها عوامل ثانوية في العلاقات الدولية؛ حيث تتبنّى الصين منظوراً اجتماعياً ثقافياً وليس مادياً فقط في العلاقات الدولية، يهدف إلى تسليط الضوء على الطبيعة الإنسانية والتفاعلات الاجتماعية في السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين.
وفي مسار العلاقات الصينية الإفريقية مثّل عام 2026م محطةً فارقة في العلاقات، حيث أعلنت الصين في منتصف عام 2025م على الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية التابعة لها: أنها ستبدأ في عام 2026م فصلاً جديداً في العلاقات مع إفريقيا يعتمد على التبادلات الشعبية. وبالفعل جاء الإعلان عن عام 2026م ليكون «عام التبادل الشعبي الصيني الإفريقي»[1]، ويُعدّ هذا الإعلان من أهم النتائج التي ترتبت على قمة منتدى التعاون الصيني الإفريقي FOCAC في عام 2024م، والتي جاءت لتعيد تنظيم علاقات الصين مع القارة الإفريقية من النواحي السياسية والاقتصادية[2]. ووفقاً لهذا الإعلان؛ سيستضيف الجانبان سلسلةً من فعاليات التبادل الشعبي تحت شعار «تعزيز الصداقة في جميع الظروف، والسعي لتحقيق حلم التحديث المشترك»، وذلك احتفالاً بالذكرى السبعين لبدء العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول الإفريقية في عام 2026م[3].
ويمكن القول: إن هذا التوجه الصيني الجديد في العلاقات مع إفريقيا يؤسس لمرحلة جديدة من استخدام القوة الناعمة في إفريقيا، وهو ما يعكس القناعة الإستراتيجية لدى القيادة الصينية بأن العلاقات بين الدول لا تقوم على العلاقات التجارية فقط، بل تعتمد أيضاً على الروابط الاجتماعية من خلال التبادلات الشعبية التي تُحدِث آثاراً طويلة الأمد على العلاقات بين الدول، وتغرس بذور حسن النية والتفاهم والتسامح المتبادل بين الدول ورعايتها في قلوب الشعوب، ويتمثل الأثر الأبرز في إسهامها في تكوين قوى إيجابية في المجتمعات المحلية، تنتقل تدريجياً إلى المستويات العليا لتؤثر في نهاية المطاف في عملية صنع القرار على المستويات الحكومية.
وسيعرض المقال مفهوم فكرة «التبادلات الشعبية» وجذورها ومحاورها ومعوقاتها فيما يأتي.
أولاً: مفهوم التبادلات الشعبية:
حتى يتم فهم مفهوم التبادل الشعبي الذي وضعته الصين؛ فلابد من تجاوز التعريفات الليبرالية التي وضعها جوزيف ناي للقوة الناعمة، والتي تعتمد على ثلاثة مصادر، وهي: (القيم السياسية، والثقافة، والسياسة الخارجية)؛ فالقيم السياسية كالديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان لم تكن حاضرةً في توجهات الدول الغربية نحو إفريقيا، وهو ما تركز عليه الصين، حيث تستخدم قوة جذب ثقافية تقوم على مبدأ الاحترام والتقدير بدلاً من الإغراء والتبعية، وتستخدم قوة الجذب الثقافية للدفاع عن نظرية الصعود السلمي ودحض نظرية التهديد الصيني التي يروّج لها الغرب في كتاباته وإعلامه؛ لذا تسعى الصين إلى غرس جذور الثقة السياسية والعاطفية لبناء جسور تواصل مع دول الجنوب، وبخاصة الدول الإفريقية جنوب الصحراء[4].
وتنبثق فكرة التبادل الشعبي من اعتقاد صيني مؤداه: أن العلاقات الدولية لا يمكن أن تستقر إلا إذا استندت إلى علاقات وثيقة بين الشعوب. لذا؛ توظف الصين السرديات الإستراتيجية لتصويرها كدولة نامية ضخمة تتقاسم مع إفريقيا نفس الآلام التاريخية وذات الآمال المستقبلية؛ مما يخلق هويةً مشتركة تُسهل قبول السياسات الصينية في القارة[5].
وفي هذا السياق؛ يمكن تعريف التبادل الشعبي بأنه: أحد ركائز مبادرة الحزام والطريق، وهو مجموعة من الأنشطة المنظمة والتفاعلات غير الرسمية التي تهدف إلى تعزيز التفاهم المشترك والثقة المتبادلة بين المواطنين الصينيين والأفارقة، وتحويل العلاقة من «شراكة مشاريع وبنية تحتية» إلى «شراكة مصير ورؤية ثقافية»، من خلال كسر الحاجز اللغوي وتقريب القيم الاجتماعية والتقليدية بين الطرفين[6]. وتسعى مبادرة 2026 إلى توسيع نطاق هذه التفاعلات ومنحها مزيداً من الوضوح والدعم السياسي.
ثانياً: الجذور التاريخية لفكرة التبادلات الشعبية في السياسة الصينية:
إن الحديث عن التبادلات الشعبية في العلاقات الصينية مع دول العالم بشكلٍ عام وإفريقيا بشكلٍ خاصّ لا يُعدّ وليد اللحظة، فمنذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام ١٩٤٩م أَوْلى القادة الصينيون أهميةً بالغة لدور الشعب في الدبلوماسية، وطرحوا عدداً من الأفكار والمفاهيم المتعلقة بالدبلوماسية الشعبية في سياقاتٍ واسعة النطاق شهدتها السياسة العالمية. ويمكن تتبع وتصنيف هذه المراحل إلى أربع مراحل رئيسية على النحو الآتي:
1- المرحلة الأولى: (1949-1979م):
في السنوات الأولى التي أعقبت تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وفي ظل النظام العالمي ثنائي القطبية خلال فترة الحرب الباردة، واجهت الحكومة الصينية الوليدة تحدياتٍ كبيرةٍ في كسب اعترافٍ أوسع بشرعيتها من عدة دول حول العالم؛ وهو ما دفع الجيل الأول من القادة الصينيين بقيادة «ماو تسي تونغ» إلى تبنّي سياسة «الشعب يتقدم ويدفع الحكومة» في الدبلوماسية، والتي عُرفت لاحقاً باسم «الدبلوماسية الشعبية»، إيماناً منهم بأن السعي لنيل اعتراف الدول الأخرى يمكن أن يبدأ بالتواصل المباشر بين الشعوب، وقد يُسهّل المزيد من التواصل بين حكوماتهم. كما استُخدمت الدبلوماسية الشعبية آنذاك أيضاً لتشكيل جبهة دولية واسعة مناهضة للإمبريالية[7].
2- المرحلة الثانية (1978-1989م):
أدرك الجيل الثاني من القادة الصينيين، بقيادة «دينغ شياو بينغ»، أنه إذا اقتصرت العلاقات بين الدول على الحكومات فقط، مع إهمال دور الشعوب، فلن تتقدم هذه العلاقات، لافتقارها إلى أُسس اجتماعية وثقافية متينة. واتفق الجميع على أن انفتاح الصين على العالم الخارجي يتطلب كسب تأييد الشعوب الأجنبية ودعمها عبر القنوات المدنية، والاستفادة القصوى من الأسواق والموارد المحلية والدولية، واستيعاب جميع المنتجات الثقافية للحضارات العالمية والتعلم منها. وأشار «دينغ شياو بينغ» مراراً وتكراراً إلى أن المهمة الأساسية للصين وأولويتها هي التركيز على التنمية الاقتصادية للبلاد، وأن تكون جميع المهام الأخرى بما في ذلك الدبلوماسية في خدمة هذه المهمة الأساسية. بدأت الدبلوماسية الصينية تشهد تحولاً حاسماً من «الاقتصاد في خدمة الدبلوماسية» إلى «الدبلوماسية في خدمة الاقتصاد»[8].
3- المرحلة الثالثة (1990-2011م):
بعد انتهاء الحرب الباردة، واصلت الصين تطورها، وشهدت تحولات هائلة كقوة سلمية صاعدة. وورث الجيلان الثالث والرابع من القادة الصينيين ممارسة الدبلوماسية الشعبية من خلال تبنّي مفاهيم مثل «وضع الشعب أولاً» و«عالم متناغم»، مما يشير إلى استمرارية أفكار وممارسات الدبلوماسية الشعبية في السياسة الصينية[9].
وتشمل هذه المرحلة تحوّلاً جذرياً في التوجه نحو إفريقيا، حيث شهدت في أكتوبر من عام 2000م نشأة منتدى التعاون الصيني الإفريقي FOCAC، والذي جاء استجابةً للتغيرات الإستراتيجية والاقتصادية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، والتي فرضتها متغيرات الدخول في الألفية الجديدة، فحرصت الصين على حضورها في القارة الإفريقية بشكلٍ مغاير للوجود الغربي بعيداً عن السياسات والمشروطيات التقليدية التي تفرضها المؤسسات الدولية الغربية. وتوصل المنتدى إلى توافقٍ في الآراء بشأن مجموعة واسعة من القضايا، واعتمد وثيقتَين سياسيتَين هامتَين، هما «إعلان بكين» و«برنامج التعاون في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية». كما قرر عقد مؤتمر وزاري كل ثلاث سنوات بالتناوب بين الصين وإفريقيا[10].
4- المرحلة الرابعة (2012م- وما بعدها):
في أعقاب النجاح الذي حققته الصين في استضافة دورة الألعاب الأولمبية في بكين، ثم معرض إكسبو العالمي في شنغهاي، أكدت الصين مجدداً على جهودها لتعزيز العلاقات بين الشعوب في علاقاتها مع الدول الأخرى، باعتبارها امتداداً وتطوراً للدبلوماسية الشعبية في القرن الحادي والعشرين. وفي عام 2013م، أطلقت مبادرة الحزام والطريق التي كانت التبادلات الشعبية أحد ركائزها[11].
وعلى الرغم من أن الصين أطلقت عدة آليات للتبادل الشعبي مع عدد من الدول تباعاً، بدءاً من تأسيس لجنة التعاون للتبادل الشعبي والثقافي بين الصين وروسيا عام 2007م، وتأسيس المشاورات رفيعة المستوى بين الصين والولايات المتحدة بشأن التبادل الشعبي عام 2010م، وغيرها من المبادرات[12]، فإن فكرة التبادلات الشعبية مع إفريقيا لم تتبلور في شكلها النهائي سوى عام 2026م، والذي أعلنت عنه الصين ليكون «عام التبادل الشعبي الصيني-الإفريقي».
ثالثاً: محاور التبادل الشعبي الصيني-الإفريقي:
تتعدد محاور التبادل الشعبي الصيني الإفريقي، نذكر منها على سبيل المثال:
1- التعليم والبحث العلمي لبناء جسور المعرفة:
يُعدّ التعليم وتنمية المهارات من أبرز المجالات ذات الأثر المباشر، فقد أصبحت الصين وجهةً رئيسيةً للطلاب الأفارقة، حيث تُقدّم منحاً دراسيةً وتدريباً تقنياً في مجالاتٍ كالهندسة والطب والزراعة وتكنولوجيا المعلومات. ومن المتوقع أن يُساهم عام التبادل الشعبي في توسيع هذه الفرص، مع تشجيع تبادلٍ أكثر توازناً، بما في ذلك شراكات بحثية بقيادة إفريقية، وطلاب صينيين يدرسون المجتمعات واللغات ونماذج التنمية الإفريقية. ويُساعد هذا التعلّم المتبادل على إعداد كوادر مهنية قادرة على العمل بفعالية عبر الحدود الثقافية والمؤسسية[13].
2- المجال الثقافي:
تهدف الصين في عام 2026م إلى تعزيز الفهم المتبادل مع الجانب الإفريقي من خلال الفعاليات الثقافية، والتي من شأنها إبراز الجوانب المشتركة بين الصينيين والأفارقة، فعلى الرغم من أن خطابات وتصريحات السياسيين والدبلوماسيين تكتسب أهميةً بالغة؛ فإن عرض فيلم على شاشة السينما في بلد آخر لا يقل أهميةً، بل هو التعبير الأكثر قبولاً لدى الجمهور الدولي. وفي مجال السينما والتلفزيون؛ حققت الدراما الصينية المترجمة إلى اللغات المحلية (مثل السواحيلية والفرنسية) نجاحاً كبيراً؛ فنجد منتجات ثقافية، مثل مسلسل «مدينة التعدين» Minning Town، الذي يحكي عن الفقر والتخفيف من حدته في الصين، و«مرحباً بك في مليل» Welcome to Milele، الذي يسلط الضوء على جهود الأطباء الصينيين في إفريقيا، قد أحدثت صدى واسعاً لدى الجمهور الإفريقي، لأنها تحكي قصصاً تشبه واقعهم وتطلعاتهم[14]. كما أطلقت الصين برنامج طريق الحرير الثقافي، والذي يتضمن التعاون في مجال الابتكار في برامج الإذاعة والتلفزيون والوسائط السمعية والبصرية، بالإضافة إلى التعاون في مجالات النشر والسينما وحماية التراث العالمي[15].
3- التعليم المهني: ورش عمل لوبان نموذجاً:
تدرك الصين مدى احتياج الدول الإفريقية إلى التعليم المهني، وتعمل في هذا الإطار على توفير المعدات التقنية ونقل المعرفة والمهارات التقنية إلى الدول الإفريقية، وكذلك غرس روح التعاون والانتماء لدى طلاب الورش في إفريقيا. وقد اختارت الصين اسم «لوبان» للورش نسبةً إلى الحرفي الصيني الذي عاش قبل 2500 عام، أي في القرن الخامس قبل الميلاد، وهو رمز إلى الاحترافية والتميز وروح الابتكار لدى الصينين. وقد تأسست أول ورشة عمل لوبان في إفريقيا في دولة كينيا عام 2018م، وقد لاقت استحسان الدول الإفريقية بسبب ما توفره من تدريب مهني للشباب الكيني، وإلى جانب كينيا عُقدت ورش عمل في تسع دول إفريقية أخرى[16].
ويمكن القول: إن الصين تسعى في استغلال هذه الورش وجعلها أحد المحاور الرئيسية في التبادلات الشعبية الصينية، لأنها تعتمد على مزيج تعليمي يجمع بين التعلم المهني وتعلم اللغة الصينية، وهو ما يعزز قدرة الشركات الصينية العاملة في إفريقيا على توظيف كوادر مهنية مؤهلة بدلاً من استقدام عمالة صينية ورفع نسب التوظيف المحلية، مما يساعد على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للدول الإفريقية، بالإضافة إلى كسب ثقة هذه العمالة وضمان ولائها، وبالتالي تعزيز المواقف السياسية الصينية في إفريقيا.
4- تمكين الشباب:
تزخر القارة الإفريقية بشباب ديناميكي يجعلها في مقدمة قارات العالم من حيث امتلاك الموارد البشرية، بينما تمتلك الصين خبرةً واسعة في التنمية السريعة وتبنّي التكنولوجيا والتحول الصناعي. وتساهم منتديات الشباب وبرامج التطوع ومنصات التعاون الرقمي في تحويل التعاون إلى فرص لتمكين الشباب، وبناء شبكات ستؤثر في العلاقات الصينية الإفريقية لعقود قادمة[17].
5- مجال السياحة:
شهد التعاون السياحي توسعاً ملحوظاً، حيث وقّعت الصين اتفاقيات سياحية مع أكثر من 30 دولةً إفريقية، وفتحت 34 وجهةً سياحية إفريقية أمام الرحلات الجماعية الصينية، وعززت التبادل الثقافي، ودعمت اقتصادات السياحة المحلية. وعلى سبيل المثال: في جنوب إفريقيا استضافت السفارة الصينية احتفالاً بعام التبادل الشعبي، مُسلطةً الضوء على السياحة والروابط الثقافية والعلاقات الدبلوماسية التاريخية كأساسٍ لتعزيز التعاون في السنوات المقبلة[18].
6- البعد السياسي في التبادل الشعبي:
لا يقتصر التبادل الشعبي على الجوانب الثقافية والاجتماعية، بل يمتد ليشمل تبادل الخبرات في «الحوكمة والإدارة». وقد تعهدت الصين في وقت سابق، بعد مؤتمر فوكاك 2024، بدعوة 1,000 كادر من الأحزاب السياسية الإفريقية لتعميق تبادل الخبرات في بناء الدولة والحياة الحزبية. ويعكس هذا التوجه رغبةً صينية في تعزيز استقرار النظم السياسية الصديقة وضمان بيئة آمنة للاستثمارات[19]. ويأتي عام 2026م لتأكيد هذه الرغبة في تبادل الخبرات.
رابعاً: معوقات التبادل الشعبي الصيني-الإفريقي:
تبذل الصين جهوداً حثيثة في القرن الحادي والعشرين لتقديم نموذج تعاون فريد في العلاقات مع الدول الإفريقية، يستند إلى روابط أيديولوجية بسيطة خلال فترات التحرر الاستعماري ليتحول إلى شراكة إستراتيجية على جميع المستويات. وعلى الرغم من التقدم في مسار هذه العلاقات فإن هناك بعض المعوقات التي تحول دون وصول هذه العلاقات إلى الحد المنشود. وتتمثل هذه القيود والعقبات في الآتي:
1- هيمنة السرديات الغربية والسينوفوبيا:
لا تزال الكتابات الغربية ووسائل الإعلام الغربية تبث سرديتها التي تصور الوجود الصيني في إفريقيا على أنه نوعٌ من الاستعمار الجديد، وأنها تستغل الدول الإفريقية للوقوع في فخ الديون واستغلال الموارد. ولأن المواطن الإفريقي يستقي جل معلوماته من هذه السرديات فإنه يكون في توجس دائم من المبادرات الإفريقية، ويضعها في إطارٍ محتمل لرهن الموارد الطبيعية الإفريقية[20].
2- التمييز ضد الأفارقة في الصين:
يواجه المواطنون الأفارقة قيوداً على التأشيرات، ومضايقات من الشرطة، وتمييزاً في السكن، وحواجز ثقافية ولغوية، وهي جميعها حالات موثقة جيداً من قِبَل منظمة «الحياة السوداء في الصين» Black Livity China المعنية بشؤون الشتات الإفريقي. وعلى سبيل المثال: نجد في إعلان مسحوق الغسيل الشهير «كيوبي» عام 2016م، يدخل رجل إفريقي شقة امرأة صينية ذات بشرة فاتحة، وبعد أن تصد محاولاته للتقرب منها، تدفعه إلى داخل غسالة ملابس، ليخرج منها رجلاً صينياً ذا بشرة فاتحة. وفي عام 2020م، بلغت الأمور ذروتها مع انتشار كوفيد-19 في ووهان، حيث تم إجلاء المواطنين الأفارقة في قوانغتشو بشكل ممنهج من منازلهم وإجبارهم على الحجر الصحي، وهو استهدافٌ ندد به القادة الأفارقة والمنظمات غير الحكومية، ووصفوه بأنه كراهية للأجانب وعنصرية. وعلى تويتر، دعا المستخدمون إلى مقاطعة الشركات الصينية ومعاملة مماثلة للمواطنين الصينيين في الدول الإفريقية. بحلول عام ٢٠٢٠م، باتت العنصرية ضد السود في الصين تُوصف بأسماء شائعة على تويتر، مثل:
#العنصرية_في_الصين، #يجب_على_الصين_أن_تُفسر، #يجب_إسقاط_الصين (وهو مصطلح مُشتق من #يجب_إسقاط_رودس)، و#حياة_السود_مهمة_في_الصين[21].
3- الإقصاء الإداري للأفارقة في الإدارات العليا في الشركات الصينية العاملة في إفريقيا:
تسعى العديد من الشركات الصينية من الاستفادة من التنوع المعدني والثروات الهائلة في إفريقيا من خلال الاستثمار في العديد من القطاعات، وتأتي هذه الفرص مصحوبةً بزيادة في فرص العمل والطلب على رأس المال البشري في إفريقيا، وعلى الرغم من أن غالبية الموظفين الأفارقة المحليين استفادوا من الوجود الصيني في إفريقيا؛ فإن نسبة كبار المديرين والمهندسين وغيرهم من المهنيين الأفارقة أقل بكثير مقارنةً بنظرائهم الصينيين، ولا يزال هناك استياءٌ مستمر بين النخب الإفريقية التي تشعر بالإقصاء من الإدارة الصينية[22].
4- الأثر التدميري على الصناعات المحلية الناشئة:
أدى تدفق السلع الصينية الرخيصة إلى الأسواق الإفريقية إلى إغلاق العديد من المصانع المحلية في بعض الدول الإفريقية ومن ثَمّ القضاء على الصناعات الناشئة، فعلى سبيل المثال: يجد مُصدّرو الأثاث والملابس الغانيّون صعوبةً متزايدة في منافسة الواردات الصينية، وكذلك المُصنّعون في جنوب إفريقيا، بالإضافة إلى تضرر قطاع المنسوجات الكيني، وصناعة الأحذية في إثيوبيا[23].
ويمكن القول: إن هذا الأثر الاقتصادي على الصناعات المحلية يخلق تياراً مناهضاً من العداء الشعبي تجاه التجار الصينين الذين يُنظر إليهم على أنهم منافسون غير عادلين، يستغلون قدراتهم في الوصول غير المحدود إلى الموارد واستغلالها في القضاء على الصناعات المحلية الناشئة.
5- المعوقات الأكاديمية والفجوة المعرفية:
على الرغم من تزايد عدد المنح الدراسية؛ فإن التبادل العلمي الأكاديمي لا يزال يفتقر إلى التوازن والعمق المطلوبَين لتحقيق أثر شعبي مستدام يمكن الاستناد إليه بالشكل المنشود في التبادلات الشعبية. كما أن الجامعات ومراكز البحوث الإفريقية تواجه مشكلاتٍ تُعيق قدرتها على إنتاج بحوث رصينة حول الصين. وتشمل هذه المشكلات: النقص في أعداد الباحثين في جميع المجالات، وخاصةً في الدراسات الصينية، ونقص التمويل، وقلة عدد المؤسسات البحثية الإفريقية المتخصصة في الشؤون الصينية[24].
خاتمة:
إن إطلاق عام 2026م باعتباره «عام التبادل الشعبي» سيُمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الجانبَين على تحويل الالتزامات السياسية في القمم والمؤتمرات والمنتديات السابقة إلى واقع ملموس يعود بالنفع على الجانبَين الصيني والإفريقي. ومع تزايد التنافس الجيوسياسي على القارة الإفريقية؛ ستظل «الروابط الإنسانية» هي الحصن المنيع الذي سيحمي هذه الشراكة، ويحولها من مجرد صفقات تجارية إلى الإحساس بأن هناك مصيراً مشتركاً في عصرٍ يتسم بالتقلبات.
…………………………………………………….
[1] Concept Paper of 2026 China- Africa Year of People- to- People Exchanges, Ministry of Foreign Affairs People’s Republic of China, June 11, 2025, Available at: https://www.fmprc.gov.cn/eng/zy/gb/202506/t20250611_11646062.html
[2] مخرجات منتدى التعاون الصيني- الإفريقي: التحول والآفاق، مركز الإمارات للدراسات، متاح على الرابط: https://ecssr.ae/ar/research- products/reports/2/198603
[3] Concept Paper of 2026 China- Africa Year of People- to- People Exchanges, op.cit.
[4] Abdelhamid Mimoune, China’s Soft Power Strategies in Africa: Challenges and Obstacles, Journal of Political Orbits, (Algeria: the Knowledge Orbits Center for Research and Policy Dimensions, Volume 09, No.01, 2025), PP.9-10.
[5] Jessica Huang, The Study of Soft Power: China’s Presence in African Region, (Master thesis, The City University of New York, 2018), P.24.
[6] Office of the Leading Group for Promoting the Belt and Road Initiative, The Belt and Road Initiative: Progress, Contributions and Prospects, (Beijing: Foreign Languages Press, 2019), P.26.
[7] Liu Yongtao, People- to- People Exchanges in Chinese Diplomacy: Evolutions, Strategies, and Social Practice, Stosunki Międzynarodowe – International Relations, (Warsaw: Faculty of Political Science and International Relations, University of Warsaw, vol 51, Issue 4, 2015), P.243.
[8] Ibid, PP.244-245.
[9] Idem.
[10] Wenping He, Chris Alden and others (eds), “China’s perspective on contemporary China- Africa relations”, In China Returns to Africa: A Rising Power and a Continent Embrace (New York: Columbia University Press, 2008), PP.147-148.
[11] Liu Yongtao, OP. cit. P.246.
[12] Ibid, P.237.
[13] Gerald Mbanda , China–Africa Cooperation in 2026: Why the Year of People- to- People Exchanges Matters, AfricaChinaReview, 9 January, 2026, Available at: https://africachinareview.com/2026/01/09/china- africa- cooperation- in- 2026- why- the- year- of- people- to- people- exchanges- matters/
[14] Wang Yi: China- Africa People- to- People and Cultural Exchanges Have Flourished and Delivered Fruitful Results, Ministry of Foreign Affairs People’s Republic of China, 09 January 2026, available at: https://www.fmprc.gov.cn/eng/wjbzhd/202601/t20260109_11810254.html
[15] Joining Hands to Advance Modernization and Build a Community with a Shared Future, The 2024 Summit of the Forum on China- Africa Cooperation, September 6, 2024, Available at: http://www.focac.org/eng/gdtp/202501/t20250115_11534944.htm
[16] Tingting Yuan and Ning Ma, Tingting Yuan، Catherine A. Simon (eds), “From Confucius Institute to Luban Workshop: China’s evolving education policies in Africa“, In Chinese Education in a Changing Global Landscape: Projects, Policies and Practices from Schools to Universities, (New York: Routledge, first edition, 2026), P.46.
[17] Gerald Mbanda, OP.Cit.
[18] China- Africa Year of People- to- People Exchanges Launched at African Union Headquarters, Sino- Africa Insider, 13 January 2026, Available at: https://sinoafricainsider.com/china- africa- year- of- people- to- people- exchanges- launched- at- african- union- headquarters/
[19] غادة كمال، بعد «منتدى فوكاك 2024».. مسار العلاقات بين الصين وأفريقيا (دراسة)، مركز فاروس للدراسات، 11 سبتمبر 2024، متاح على الرابط: https://pharostudies.com/
[20] Michael lisle, The Dragon Shapes Its Image: A Study of Chinese Media Influence Strategies in Africa, African Studies Quarterly, (Florida: University of Florida, Center for African Studies, Volume 16, Issue 3- 4, December 2016), P.161.
[21] Mingwei Huang, The Globality of Antiblackness, Made in China Journal, June 2024, Available at: https://madeinchinajournal.com/2024/01/10/the- globality- of- antiblackness/
[22] Samuel Muiruri Muriithi, The Chinese- African management and cultural relevancy, challenges and the future of Chinese businesses in Africa, European Journal of Research and Reflection in Management Sciences, (National Centre for the UK, Progressive Academic Publishing, Vol.5 No.2, 2017), PP.2-3.
[23] Raphael Kaplinsky and others, China and Sub-Saharan Africa: Impacts and Challenges of a Growing Relationship,) The Johns Hopkins University, African Studies Program, Working Papers in African Studies, 2008), P.18.
[24] C. M.Kabwete, On Cultural and Academic Exchanges Between China and African Countries, Rwanda Journal of Social Science, (Kigali: University of Rwanda, Volume 2 No.1, 2015), P.8.











































