سارة عبد السلام
باحثة في العلاقات الدولية
دخلت دول الساحل الثلاث (مالي، بوركينا فاسو، النيجر) عام 2025م، وهي تُعيد تشكيل موقعها في خريطة الأمن الإقليمي، بعد القطيعة المتزايدة مع الشركاء الغربيين، وتآكل الدور الفرنسي التقليدي في الحرب على الإرهاب بالساحل.
وفي الوقت نفسه، تتجه الأنظار إلى الفاعلين القادمين من خارج المنظومة الغربية، وفي مقدمتهم الصين، التي راكمت خلال السنوات الأخيرة حضورًا اقتصاديًّا مهمًّا في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتعدين، وبدأت تُظهر اهتمامًا أوضح بالشقين الأمني والعسكري في المنطقة.
وبينما تُقدَم بكين في كثير من الأدبيات بوصفها المرشح الأبرز لملء الفراغ الذي خلفته باريس؛ تكشف تطورات عام 2025م عن صورة أكثر تعقيدًا؛ إذ تتجاور الاستثمارات وصفقات السلاح مع تدهور مستمر في الوضع الأمني وتوترات متصاعدة حول السيطرة على الموارد وشروط الشراكة. وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الصين فعلًا على ملء هذا الفراغ في فضاء تحالف دول الساحل، وحدود هذا الدور.
مِن تراجع باريس إلى صعود بكين: إعادة رسم توازنات الساحل
بعد سلسلة الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتشكيل تحالف دول الساحل في صورة كونفدرالية جديدة، ثم الخروج الرسمي للدول الثلاث من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس) في يناير 2025م، وجد الإقليم نفسه أمام فراغ أمني واقتصادي تركه تراجع فرنسا وشركائها الغربيين عن الوجود العسكري المباشر وعن أُطر التعاون التقليدية([1]).
في هذا السياق برزت الصين بوصفها المرشح الأبرز لملء جزء من هذا الفراغ؛ ففي النيجر تحديدًا بات حقل “أغاديم” النفطي وخط أنابيب “النيجر–بنين”، الممتد لنحو 1950 كيلو مترًا إلى ميناء سيميه في بنين، جوهر شراكة إستراتيجية مع شركة البترول الوطنية الصينية CNPC لتحويل البلد إلى مُصدِّر رئيسي للخام، مع تحقيق عوائد تجاوزت ملياري دولار في 2025م وحدها([2]). وإلى جانب الطاقة، توسع الحضور الصيني في قطاعات التعدين والبنية التحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق التي تحوَّلت في نسختها الجديدة إلى إطار جامع للاستثمارات الصينية في الجنوب العالمي، بما في ذلك إفريقيا([3]). هذا التمدد يأتي في سياق سياسي محلي صاعد نحو السيادة والموارد؛ إذ أعلنت دول التحالف في سبتمبر 2025م عن نيتها إطلاق بنك تحالف دول الساحل لتمويل التنمية والبنية التحتية، في مسعًى لتقليل الاعتماد على قروض وشروط مؤسسات غربية.
وعلى المستوى الأمني، أخذت بكين منذ 2024– 2025م تكمل هذا الحضور الاقتصادي بصفقات تسليح مباشرة لجيوش دول التحالف، من أبرزها تسليم دفعات من العربات المدرعة CS/VP14 إلى القوات المسلحة المالية عبر ميناء كوناكري في يوليو–أغسطس 2025م، في خطوة رآها مراقبون جزءًا من سعي صيني لإسناد الأنظمة الجديدة بالسلاح في اللحظة نفسها التي كانت فيها القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة تنسحب من خطوط التماس مع الجماعات المسلحة([4]).
وبهذا المعنى لم يكن تمدُّد الصين في الساحل مجرد استغلال لفراغ تركته باريس، بقدر ما كان أيضًا تعبيرًا عن خيار واعٍ من جانب النخب العسكرية الحاكمة التي تبحث عن شريك أقل تشددًا في مشروطية الدعم السياسي، وأكثر استعدادًا للعمل في بيئة عالية المخاطر مهما كانت كلفة ذلك على المدى الطويل.
حدود التجربة الصينية في الساحل: بوادر التعثر
تكشف العديد من المؤشرات أن هذا الرهان لم يتحوَّل إلى قصة نجاح مستقرة. فوفق “مؤشر الإرهاب العالمي 2025م”، أصبحت منطقة الساحل مسؤولة عن 51% من الوفيات الناجمة عن الإرهاب في العالم خلال عام 2024م، ما كرَّسها بوصفها مركز الإرهاب العالمي([5])، وهو توصيف أعادت تأكيده جلسة مجلس الأمن حول غرب إفريقيا والساحل في نوفمبر 2025م حين وصفت المنطقة بأنها “البؤرة العالمية للتطرف العنيف” رغم إعادة تشكيل الشراكات الأمنية([6]).
في هذا السياق لم تُحصّن المشروعات المرتبطة بالصين من العنف؛ إذ شهد عام 2025م هجمات على خط أنابيب النيجر–بنين، وخطف مهندسين صينيين قرب حقل أغاديم، مع استهداف مرافق نفطية وبنى تحتية تموّلها أو تشغلها شركة البترول الوطنية الصينية CNPC، الأمر الذي فرض تعزيز الحماية العسكرية حول الأصول الصينية وحوَّلها إلى جزء من معادلة الصراع نفسها([7]).
اقتصاديًّا، واصلت الشركة الصينية تصدير النفط عبر الخط الجديد بإيرادات تجاوزت ملياري دولار حتى أكتوبر 2025م، لكنها دخلت في نزاع واضح مع المجلس العسكري في نيامي حول فجوة الأجور بين العمالة المحلية والأجنبية ونِسَب تشغيل النيجريين، وصل إلى حد طرد ثلاثة مديرين صينيين في مارس 2025م والتلويح بإعادة التفاوض على شروط التعاون([8]). وفي قطاع اليورانيوم ذهبت السلطات أبعد في اتجاه قومية الموارد، فقررت في يونيو 2025م تأميم حصة شركة “أورانو” الفرنسية في شركة “سومير”، وبدأت بيع الإنتاج منفردة، متجاهلة قرارًا تحكيميًّا دوليًّا يطالب بتجميد التصرف في الخام([9]).
سياسيًّا، عمَّق تحالف دول الساحل قطيعته مع المنظومة الغربية بإعلانه المشترك في سبتمبر 2025م الانسحاب من نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يُرسِّخ انتقاله إلى فضاء قانوني وأمني بديل يعتمد بصورة أكبر على شراكات مع روسيا والصين، لكنّه في الوقت ذاته يكشف أن هذه الشراكات تُدار من موقع تفاوضي صلب لدى العواصم الثلاث، لا من موقع اصطفاف كامل خلف بكين؛ وهو ما يجعل محاولة الصين ملء الفراغ الفرنسي عملية متعثرة ومحفوفة بكلفة أمنية وسياسية متزايدة.
وتَشِي هذه التطورات بأن المعادلة التي طالما روَّجت لها بكين، والقائمة على أن الاستثمار في البنية التحتية والطاقة كفيل وحده بإنتاج قدر أعلى من الاستقرار السياسي والأمني، تصطدم في حالة الساحل بواقع أكثر تعقيدًا؛ واقع تتداخل فيه هشاشة الدولة مع تعدد الفاعلين المسلحين، ما يجعل العائد السياسي من الإنفاق والاستثمار أقل بكثير من التكلفة والمخاطر التي تتحملها الصين وشركاؤها المحليون حتى الآن.
وإلى جانب التوتر بين التحالف والمنظومة الغربية، بدأت ترتسم منذ منتصف 2025م ملامحُ هندسةٍ أمنية جديدة في غرب إفريقيا، مع تراجع الحضور العسكري الغربي وتزايد الانخراط الصيني في ملفات الأمن والتسليح في الإقليم([10]). ويتجلى ذلك في توسع صادرات السلاح الصينية إلى دول الساحل وغرب إفريقيا حتى أصبحت الصين أكبر مُورِّد للسلاح إلى إفريقيا جنوب الصحراء، وفي اتساع نشاط شركات مثل “نورينكو” التي فتحت مكاتب مبيعات في نيجيريا والسنغال لخدمة أسواق السلاح في المنطقة([11]). وتُظهِر تحليلاتٌ غربية وإقليمية أن هذا التمدد الأمني والعسكري يصبح جزءًا من سباق نفوذ أوسع حول الساحل وخليج غينيا، ويضع دولًا مثل نيجيريا وغانا والسنغال أمام أسئلة جديدة بشأن كيفية موازنة علاقاتها الأمنية بين الصين من جهة، والقوى الغربية وروسيا من جهة أخرى([12]).
آفاق النفوذ الصيني في دول تحالف الساحل: بين الترسخ والاستنزاف
مع نهاية 2025م يظهر النفوذ الصيني في دول تحالف الساحل كنفوذ آخِذ في التشكل، لم يستقرّ بعدُ على مسار صاعد بوضوح، ولم يتراجَع إلى مستوى الانكماش، بل يتحرَّك في مساحة رمادية تتداخل فيها الفرص والتحديات. من ناحية أخرى، من الصعب على بكين الخروج من مشروعات طاقة وبنية تحتية ضخمة، ومن الصعب على الأنظمة الحاكمة الاستغناء عن التمويل والسلاح الصينين في ظل علاقات متوترة مع الشركاء الغربيين. وهذا يعني أن الحضور الصيني مرشح للبقاء وربما التوسع عددًا وحجمًا.
في المقابل، هذا الحضور محاط بثلاثة أنواع من القيود: بيئة أمنية تجعل الأصول الصينية نفسها هدفًا للعنف، ونزعة سيادية متصاعدة عند النظم العسكرية تدفعها للتشدد في شروط الشراكة وإعادة التفاوض كلما سنحت الفرصة، وتزاحم قوى أخرى غير غربية –خاصة روسيا وبعض الفاعلين الإقليميين–، على المساحة نفسها. في هذه الظروف تميل الصين إلى الحفاظ على ما يمكن تسميته بـ”النفوذ المحسوب عالي المخاطر”: أي الاستمرار في المشروعات الأساسية مع محاولة تقليل الانكشاف، عبر حماية أكبر للأصول، واستيعاب أكبر للعمالة والمصالح المحلية، وتسويات هادئة مع السلطات كلما ظهرت أزمة.
كما يكشف عام 2025م عن حد واضح لا يزال يُقيّد النفوذ الصيني، وهو أن العواصم الثلاث في الساحل تتعامل مع الشراكة مع بكين باعتبارها ورقة تفاوضية أكثر منها علاقة تحالف إستراتيجي ثابت. فالصين، على عكس فرنسا سابقًا، لا تمتلك قنوات تأثير داخل مؤسسات الحكم ولا شبكات نفوذ داخل النخب البيروقراطية والعسكرية. وهذا يجعل قدرتها على التأثير في القرارات الداخلية محدودة، ويجعل حضورها مُعرَّضًا للتقلبات التي قد تنتج عن تغيُّر موازين القوة داخل كل دولة، أو عن الانقسامات داخل المجالس العسكرية نفسها.
على المدى المتوسط يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية: تعميق انتقائي للحضور في ممرات ومشروعات بعينها أقل كلفة أمنيًّا وأكثر قابلية للاستمرار، أو استمرار نفوذ اقتصادي وعسكري يتضخم في الأرقام لكنه يظل عُرضة للاستنزاف ولا يتحول إلى نفوذ سياسي حقيقي، أو تراجُع نِسْبي إذا ارتفعت كلفة المخاطرة أو ظهرت عروض أمنية منافسة أكثر إغراءً للأنظمة القائمة. ما يرجح أيًّا من هذه المسارات لن يكون حجم الأموال وحده، بل قدرة الصين –ومعها حكومات دول التحالف– على تحويل الاستثمار والسلاح إلى ترتيبات أمنية وسياسية قابلة للحياة، لا إلى عبء إضافي في منطقة تعيد تعريف علاقتها بكل من الغرب والشرق في آن واحد.
ختامًا، هناك سؤال محوري يظل مطروحًا: هل ستبقى الصين فاعلًا اقتصاديًّا–أمنيًّا ذا نفوذ محدود سياسيًّا، أم ستتجه تدريجيًّا إلى لعب أدوار سياسية أعلى، مثل الوساطة بين دول التحالف وجيرانها، أو المشاركة في ترتيبات أمنية إقليمية مشتركة؟
حتى الآن، لا تشير المعطيات إلى استعداد صيني لتحمُّل كلفة هذا الدور؛ لكنّ استمرار الانسحاب الغربي قد يدفع بكين، في مرحلة لاحقة، إلى اختبار نمط جديد من الانخراط السياسي إذا رأت أن مصالحها الإستراتيجية في الطاقة والممرات اللوجستية تتطلب بنية أمنية أكثر استقرارًا.
…………………….
[1] Ope Adetayo, West Africa bloc announces formal exit of three junta-led states, Reuters, January 29, 2025, https://www.reuters.com/world/africa/west-africa-bloc-announces-formal-exit-three-junta-led-states-2025-01-29
[2] “CNPC Keeps Oil Exports Flowing Through Niger Pipeline Amid Labor Disputes”, Pipeline & Gas Journal, Oct 17, 2025, https://pgjonline.com/news/2025/october/cnpc-keeps-oil-exports-flowing-through-niger-pipeline-amid-labor-disputes
[3] Waltraut Urban, China’s Belt and Road Initiative revisited, FIW Research Center, Policy Brief No.66, March 2025, https://www.fiw.ac.at/wp-content/uploads/2025/03/66_FIW_PB_Chinas-BRI-revisited_final.pdf
[4] Guy Martin, Mali receives CS/VP14 armoured vehicles from China, DefenceWeb, August 5, 2025, https://defenceweb.co.za/african-news/mali-receives-cs-vp14-armoured-vehicles-from-china
[5] Global Terrorism Index 2025, March 2025, https://reliefweb.int/report/world/global-terrorism-index-2025
[6] “Sahel Now Accounts for Half of Global Terror Deaths, Secretary-General Tells Security Council, Urging Coordinated Action”, UN Press, November 18, 2025, https://press.un.org/en/2025/sc16226.doc.htm
[7] “Kidnapping of two foreigners in Niger”, African Security Analysis, Feb 2, 2025, https://www.africansecurityanalysis.org/updates/kidnapping-of-two-foreigners-in-niger
[8] Niger expelled Chinese oil execs over local-expatriate pay gap, minister says, Reuters, March 20, 2025, https://www.reuters.com/business/energy/niger-expelled-chinese-oil-execs-over-local-expatriate-pay-gap-minister-says-2025-03-20
[9] “Niger Begins Uranium Sales After Seizing Orano Mine”, Ecofin Agency, Dec 1, 2025, https://www.ecofinagency.com/news-industry/0112-51003-niger-begins-uranium-sales-after-seizing-orano-mine
[10] Tressa Guenov, Addressing China’s Military Expansion in West Africa and Beyond, Atlantic Council Issue Brief, August 2025, https://www.atlanticcouncil.org/wp-content/uploads/2025/08/Addressing-Chinas-military-expansion-in-West-Africa-and-beyond.pdf
[11] Jevans Nyabiage, How China is filling a weapons supply gap in Africa’s Sahel left by France and Russia, South China Morning Post, April 19, 2025, https://www.scmp.com/news/china/diplomacy/article/3307155/how-china-filling-weapons-supply-gap-africas-sahel-left-france-and-russia
[12] “Chinese arms sales in Sub-Saharan Africa”, International Institute for Strategic Studies (IISS), December 2024, https://www.iiss.org/publications/strategic-comments/2024/12/chinese-arms-sales-in-sub-saharan-africa










































