د. أسماء نوير
دكتوراه في الذكاء الاصطناعي
المقدمة:
شهدت القارة الإفريقية في العقدين الأخيرين تحولات جوهرية في بنيتها السياسية، حيث لم تعد الأحزاب السياسية Political Parties تقتصر على كونها كيانات انتخابية تقليدية، بل غدت فاعلاً مركزياً في إعادة تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي. وقد تفاقمت هذه التحولات بفعل تداخل العوامل الداخلية، مثل التغيرات الديموغرافية Demographic Changes وصعود الأجيال الشابة. وكذلك بفعل العوامل الخارجية، مثل العولمة السياسية Political Globalization، وتنامي التنافس الجيوسياسي Geopolitical Competition بين القوى الكبرى.
في هذا السياق؛ أتت قمة أكرا 2025 Accra Summit 2025، التي تم عقدها في العاصمة الغانية أكرا، خلال الفترة من 12 إلى 14 أغسطس 2025م، كمنصةٍ قارية لاستشراف آفاق الحياة الحزبية في إفريقيا، ومناقشة سبل تعزيز دورها في ترسيخ الديمقراطية Democracy Consolidation، وتحقيق التنمية المستدامة Sustainable Development.
واكتسبت هذه القمة أهميةً خاصةً كونها جمعت قيادات حزبية، وصانعي سياسات، وخبراء أكاديميين، في حوارٍ متعدد المستويات حول التحديات البنيوية التي تواجه الأحزاب، من ضعف الديمقراطية الداخلية Internal Party Democracy؛ إلى أزمة الشرعية والتمثيل الشعبي Legitimacy and Representation Crisis.
تشير المؤشرات الحديثة، مثل مؤشر الحوكمة الإفريقية Mo Ibrahim Index of African Governance 2024، إلى أن الثقة الشعبية في الأحزاب السياسية لا تتجاوز 28% في المتوسط القاري، وأن 42% من تمويل الأحزاب الكبرى في إفريقيا جنوب الصحراء يأتي من مصادر خارجية، وهو ما يثير تساؤلات حول استقلالية القرار الحزبي. كما أن نسبة الأحزاب التي تبنت التحول الرقمي Digital Transformation بشكلٍ كامل لا تتعدى 34%، ما يُبرز فجوةً تكنولوجية تهدد قدرتها على التواصل مع جيل الألفية والجيل الرقمي.
أولاً: التحولات البنيوية في الأحزاب السياسية الإفريقية:
تُعدّ الأحزاب السياسية الإفريقية African Political Parties في الوقت الراهن حالةً من التحول البنيوي العميق، مدفوعةً بجملة من العوامل المتشابكة التي تعيد صياغة دورها في الحياة العامة، وتفرض عليها أنماطاً جديدة من العمل السياسي والتنظيمي. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، تميزت الحياة الحزبية في إفريقيا بسماتٍ ارتبطت إلى حدٍّ كبير بإرث ما بعد الاستقلال Post-Independence Legacy، حيث سيطر على المشهد نمطان أساسيان: الأحزاب الحاكمة ذات الامتداد التاريخي المرتبط بحركات التحرر الوطني، والأحزاب المعارضة التي غالباً ما وُلدت من رحم الانشقاقات أو الحركات الاحتجاجية. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، إلى جانب الانفتاح النسبي في بعض الأنظمة السياسية، جعلت من الصعب استمرار هذه البنية التقليدية بالصيغة نفسها[1].
تُظهر الإحصائيات الحديثة أن متوسط عمر القيادات الحزبية في إفريقيا جنوب الصحراء يبلغ 61 عاماً، في حين أن 65% من سكان القارة تحت سن الخامسة والثلاثين. هذه الفجوة العمرية Generational Gap تُنتج توتراً بين القيادات التقليدية التي تتمسك بنماذج سياسية تعود لحقبة ما قبل التحول الديمقراطي Pre-Democratic Transition؛ والشباب الذين يسعون إلى إدماج قضايا جديدة مثل التحول الرقمي Digital Transformation، التغير المناخي Climate Change، وريادة الأعمال الاجتماعية Social Entrepreneurship ضمن الأجندات الحزبية. ويلاحظ أن نسبة الأحزاب التي تمتلك أذرع شبابية فاعلة لا تتجاوز 37%، وهو مؤشر على ضعف القدرة المؤسسية على تجديد النخب الحزبية[2].
على المستوى التنظيمي؛ تواجه الأحزاب أزمةً في البنية الداخلية، إذ تشير بيانات مؤشر الحوكمة الإفريقية لعام 2024م إلى أن 52% من الأحزاب الكبرى تعاني من ضعف الديمقراطية الداخلية Internal Party Democracy، بما في ذلك غياب الانتخابات التنافسية لقيادة الحزب واعتماد أسلوب التزكية أو التعيين المباشر. ينعكس هذا الخلل سلباً على شرعية هذه الأحزاب أمام قواعدها، ويؤدي إلى انشقاقات متكررة، حيث سجلت القارة في الفترة بين 2015 و2024م أكثر من 120 حالة انقسام حزبي على مستوى وطني أو إقليمي[3].
كما أن التمويل الحزبي Party Financing يُمثل تحدياً بنيوياً يهدد استقلالية القرار السياسي. إذ تفيد تقارير شبكة النزاهة المالية العالمية Global Financial Integrity بأن 42% من تمويل بعض الأحزاب في إفريقيا جنوب الصحراء يأتي من مصادر خارجية، سواءً عبر دعم حكومات أجنبية أو مؤسسات غير حكومية دولية. هذا الاعتماد على الخارج يثير مخاوف بشأن التأثيرات الجيوسياسية Geopolitical Influences على صياغة البرامج والسياسات الحزبية، خصوصاً في سياق التنافس بين القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، على النفوذ السياسي والاقتصادي في القارة[4].
ومن أبرز الديناميكيات الجديدة ظهور ما يمكن تسميته بـ«الأحزاب الشبكية» Networked Parties، وهي تشكيلات سياسية تعتمد على التنظيم الأفقي والتواصل عبر الوسائط الرقمية بدلاً من البنية الهرمية التقليدية. هذه الظاهرة مدفوعةٌ بانتشار الهواتف الذكية بنسبة تفوق 70% في بعض الدول الإفريقية، وارتفاع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي Social Media كمنصات للتعبئة السياسية، وهو ما يمنح هذه الأحزاب الناشئة مرونةً عالية في الوصول إلى فئات شبابية وحضرية لم تكن ضمن جمهور الأحزاب التقليدية. إلا أن هذه المرونة تصطدم بمحدودية الموارد المادية والخبرة التنظيمية، ما يجعل استدامتها موضع تساؤل[5].
كما أن تأثير العوامل الاقتصادية لا يقل أهميةً في إعادة تشكيل المشهد الحزبي، فالتباطؤ الاقتصادي الناتج عن جائحة كوفيد-19 COVID-19 Pandemic، والحرب الروسية الأوكرانية Russia-Ukraine War، أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب إلى 32% في المتوسط القاري، ما دفع بعض الأحزاب إلى إعادة صياغة خطابها الاقتصادي ليشمل برامج موجهة نحو خلق فرص العمل، وتحفيز الاستثمار المحلي، ودعم الاقتصاد غير الرسمي Informal Economy الذي يمثل أكثر من 80% من النشاط الاقتصادي في بعض الدول.
ومن الملاحظ كذلك: أن البيئة القانونية والمؤسسية التي تعمل ضمنها الأحزاب تشهد تفاوتاً كبيراً بين الدول الإفريقية، ففي حين تبنت بعض الدول إصلاحات لتعزيز حرية تكوين الأحزاب وتسهيل تسجيلها؛ لا تزال دولٌ أخرى تفرض قيوداً مشددة، سواءً عبر قوانين تقييدية أو من خلال الممارسات الأمنية.
هذه التباينات تجعل من التجارب الحزبية الإفريقية فسيفساء معقدة يصعب تعميم نتائجها على القارة بأكملها، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن مساحات للتجديد السياسي، خصوصاً عندما يتوافر إطار تشريعي داعم وبيئة انتخابية نزيهة[6].
إن قمة أكرا 2025 أتت في لحظةٍ حاسمة لتسليط الضوء على هذه التحولات البنيوية، ولفتح نقاشٍ حول مستقبل الأحزاب في ظل التحديات والفرص التي تفرضها المرحلة الراهنة. فالتوازن بين تجديد النخب الحزبية، وضمان الديمقراطية الداخلية، وتحقيق الاستقلال المالي، وتعزيز القدرة على استيعاب التكنولوجيا الحديثة، يُشكّل المعادلة الأصعب التي على الأحزاب الإفريقية حلها إذا أرادت أن تبقى فاعلاً رئيساً في تشكيل ملامح القارة خلال العقود المقبلة[7].
كما سلطت القمة الضوء على أجندة 2063، التي تدعو إلى اتخاذ إجراءات عاجلة والالتزام بتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، وتركزت المناقشات والحوارات في قمة أكرا 2025 بشكلٍ خاص على الإطار الإستراتيجي للتنمية في القارة، وأجندة 2063، والتي تدعو إلى اتخاذ إجراءاتٍ عاجلة والتزامٍ أكبر من جانب جميع الجهات الفاعلة لتحقيق وعدها بالتنمية الشاملة والمستدامة بحلول عام 2063م وما بعده[8].
دعا رئيس جبهة المستقبل، الدكتور فاتح بوطبيق، خلال القمة الإفريقية للأحزاب السياسية، إلى «تحالف سياسي إفريقي» يسعى لتحويل السياسة من صراعٍ على السلطة إلى أداة فعل وإنجاز اقتصادي وتنموي. وفي مستهل كلمته؛ قدّم بوطبيق تعازيه لحكومة وشعب غانا إثر حادث الطائرة المأساوي، ثم أكد على أهمية شعار القمة: «من السياسة إلى الازدهار»، داعياً الأحزاب الإفريقية إلى تجاوز دورها الانتخابي التقليدي، والتحول إلى «قاطرة للتغيير» و«وسيط بين تطلعات الشعوب وصناع القرار».
واقترح ثلاث مبادرات ملموسة[9]:
1- تأسيس مجلس اقتصادي للأحزاب الإفريقية CEPA لتنسيق السياسات التنموية.
2- إقامة مناطق اقتصادية عابرة للحدود، تشمل مشروع ممر الطاقات المتجددة بين الجزائر وتونس والنيجر.
3- إطلاق صندوق إفريقي للإصلاحات التضامنية لدعم تنفيذ إصلاحات مشتركة.
أكد إعلان ختام القمة على اعتماد مبادرة الأحزاب السياسية الإفريقية APPI كأساس دينامي لإعادة البناء البنيوي للأحزاب، من خلال تأسيس آليات دائمة للحوار والتعاون، ونظم للتحكيم بين الأحزاب المختلفة بهدف تعزيز العمل السياسي الجماعي والديمقراطي. كما شهدت القمة نقاشات مكثفة حول ضرورة تبنّي التحول الرقمي كرافعة أساسية، حيث دعا القادة السياسيون إلى استخدام التكنولوجيا لتعزيز التواصل مع الشباب وتحفيز المشاركة السياسية كثمرة لمخرجات القمة[10].
تُمثل مبادرة APPI مدخلاً جوهرياً لاعتماد شراكات مؤسسية بين الأحزاب الإفريقية، بما يساعد على تجاوز الأنماط التقليدية للأحزاب المرتبطة بالقيادات الزعامية أو الهويات الإثنية. كما أن التوصية المتمثلة في الرقمنة الحزبية ترسخ توجهاً لإصلاح البنية التنظيمية للأحزاب وتحديث أساليب التعبئة والتواصل، مما يسهم في ضم الشباب وملء الفجوة بين النخب الشعبية. ومع ذلك؛ يبقى التحدي في تحويل هذه المبادرات إلى برمجة فعلية قابلة للتطبيق داخل الأحزاب الوطنية، الأمر الذي يتطلب تنظيماً مالياً داخلياً مؤسسياً مستداماً.
ثانياً: التأثيرات الخارجية في ديناميكيات الأحزاب الإفريقية:
تُعدّ التأثيرات الخارجية External Influences عاملاً حاسماً في تشكيل المشهد الحزبي الإفريقي، إذ لم تعد الأحزاب السياسية Political Parties تعمل في بيئة داخلية مغلقة، بل أصبحت منخرطةً في شبكة معقدة من التدخلات والعلاقات العابرة للحدود، تشمل التمويل الأجنبي Foreign Funding، والدعم الفني والمؤسسي Technical and Institutional Support، وتبادل الخبرات مع الأحزاب الدولية International Party Exchanges، فضلاً عن التأثر بالنماذج السياسية العالمية Global Political Models. ويُظهر تحليل الاتجاهات الراهنة أن هذه التأثيرات تتراوح بين محفزة للتطوير ومعرقلة للاستقلالية، الأمر الذي يضع الأحزاب الإفريقية أمام معادلة صعبة في موازنة الانفتاح مع الحفاظ على السيادة السياسية Political Sovereignty[11].
تشير البيانات الواردة في تقرير الديمقراطية الإفريقية 2024 إلى أن نحو 42% من تمويل الأحزاب الكبرى في إفريقيا جنوب الصحراء مصدره خارجي، سواءً عبر المنظمات الدولية International Organizations، أو عبر الوكالات الحكومية المانحة Governmental Aid Agencies، أو عبر المبادرات الحزبية الثنائية Bilateral Party Initiatives. وعلى الرغم من أن هذا التمويل يُسهم في سدّ فجوة الموارد التي تعاني منها معظم الأحزاب؛ فإنه في الوقت ذاته يفتح المجال أمام فرض أجندات سياسية وأيديولوجية لا تنبع من السياق المحلي، وهو ما أثار جدلاً واسعاً خلال قمة أكرا 2025 حول مدى قدرة هذه الأحزاب على صياغة برامج تُمثل المصالح الوطنية National Interests بصورةٍ خالصة[12].
على المستوى الجيوسياسي Geopolitical Level؛ تشهد القارة تنافساً متزايداً بين القوى الكبرى– مثل الولايات المتحدة، والصين، وروسيا– التي ترى في الأحزاب الإفريقية قنوات للتأثير في السياسات الداخلية للدول. ويتم ذلك من خلال تقديم برامج تدريب Training Programs، وتمويل الحملات الانتخابية Election Campaign Funding، أو دعم مبادرات السياسة العامة Public Policy Initiatives التي تتماشى مع مصالح هذه القوى. وقد سلطت قمة أكرا الضوء على أن بعض الأحزاب تحولت، دون وعي أو بوعيٍ تام، إلى أدوات لوكلاء خارجيين Proxies ضمن صراعات النفوذ الإقليمي والعالمي، ما يهدد تماسك الفضاء السياسي الإفريقي[13].
أما على صعيد النماذج التنظيمية؛ فإن كثيراً من الأحزاب الإفريقية تحاول استنساخ أشكال وهياكل مستمدة من التجارب الغربية، مثل الأحزاب الأوروبية أو الأمريكية، اعتقاداً أن تبنّي هذه النماذج سيعزز من شرعيتها داخلياً وخارجياً. غير أن هذا النقل غير النقدي للنماذج Uncritical Model Transfer يؤدي في حالاتٍ كثيرة إلى تشوهات مؤسسية Institutional Distortions، حيث تُفرض أطر تنظيمية لا تتلاءم مع السياق الثقافي والاجتماعي المحلي. وأكدت قمة أكرا أن هذا الميل نحو الاستيراد المؤسسي Institutional Importing يجب أن يُستبدل بنهج التكييف المحلي Local Adaptation الذي يدمج أفضل الممارسات العالمية ضمن الإطار الإفريقي[14].
جانبٌ آخر من التأثيرات الخارجية يتمثل في دور المنظمات غير الحكومية Non-Governmental Organizations – NGOs، وشبكات المجتمع المدني الدولية International Civil Society Networks، التي تقدم برامج دعم وتدريب وتوعية، خصوصاً في مجالاتٍ مثل الديمقراطية الداخلية للأحزاب Internal Party Democracy، وتمكين المرأة Women Empowerment، والتحول الرقمي Digital Transformation. وعلى الرغم من أهمية هذه البرامج؛ فإن اعتماد بعض الأحزاب عليها بشكلٍ شبه كامل يخلق تبعية معرفية Knowledge Dependency قد تحد من قدرتها على تطوير إستراتيجيات ذاتية مستقلة[15].
تؤدي وسائل الإعلام العالمية Global Media أيضاً دوراً غير مباشر في التأثير في اتجاهات الأحزاب، إذ تعمل على تشكيل صورة معيّنة عن الممارسة السياسية في إفريقيا، مما قد يضغط على الأحزاب لتبنّي مواقف أو خطابات تتماشى مع الرأي العام الدولي International Public Opinion، حتى وإن كانت هذه المواقف لا تجد سنداً قوياً في البيئة المحلية. وأظهرت بيانات مركز أبحاث الإعلام الإفريقي 2024 أن نحو 37% من التغطية الإعلامية الدولية للأحزاب الإفريقية تركز على قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان Human Rights، بينما تقل التغطية المتعلقة بالقضايا الاقتصادية والتنموية إلى 18% فقط، وهو ما يخلق انحيازاً في الأولويات[16].
خلال قمة أكرا 2025؛ تم التأكيد على أن التأثيرات الخارجية ليست بالضرورة سلبية، بل يمكن أن تكون محفزاً للإصلاح إذا ما أُديرت بذكاء سياسي Political Smart Management. فهناك أمثلة لأحزاب استطاعت توظيف الدعم الدولي لتعزيز بنيتها المؤسسية وتطوير برامجها السياسية، مع الحفاظ على استقلالية قرارها الوطني، مثل بعض التجارب في غانا ورواندا وناميبيا. ومع ذلك؛ فإن القاعدة العامة التي أجمعت عليها توصيات القمة هي ضرورة تطوير آليات شفافية Transparency Mechanisms واضحة لإدارة التمويل الأجنبي، وتبنّي إستراتيجيات تواصل دبلوماسية حزبية Party Diplomatic Strategies تحفظ للأحزاب استقلالها، وتتيح لها الاستفادة من الخبرات الدولية دون الخضوع لإملاءات خارجية[17].
في ختام القمة؛ تم إطلاق ما عُرف بـ«إعلان أكرا من أجل الوحدة والتنمية»، حيث تعهدت الأحزاب بالتعاون معاً بغض النظر عن الانتماءات الحزبية التقليدية أو التنافس الانتخابي، من أجل تعزيز التمثيل الجماعي وتحقيق أهداف الاتحاد الإفريقي 2063. كما عبّر عددٌ من المتحدثين، وعلى رأسهم نائب رئيس جنوب إفريقيا، عن تطلعاتٍ صادقة لدور الأحزاب كفاعل داخلي وليس مجرد متلقٍ للتمويل الخارجي، مع دعوة إلى فتح قنوات سياسية شفافة بين الأحزاب الإفريقية وشركائها الدوليين لاستهداف قضايا التنمية الحقيقية[18].
تحليلياً؛ يشير «إعلان أكرا» إلى مرحلةٍ جديدة من توجيه التأثيرات الخارجية نحو تسهيل التجاوب مع البرامج التنموية بدلاً من الهيمنة السياسية. أما التصريحات التي دعت إلى حوار حزبي دبلوماسي؛ فهي تمثل انفصالاً عن التعويل على روابط التمويل أو النفوذ الخارجي، نحو ارتباط ربحي قائم على بناء قدرات حزبية فعلية، وعلاقة شفافة مع الشركاء. يبقى التحدي في المحافظة على هذه الاستقلالية، خصوصاً مع استمرار الحاجة إلى الموارد الخارجية في عمليات التنظيم الحزبي، مما يستوجب صياغة قوانين شفافة لحوكمة التمويل وتنفيذ المشاريع المشتركة.
في النهاية، يمكن القول إن التأثيرات الخارجية باتت مكوّناً ثابتاً في ديناميكيات الأحزاب السياسية الإفريقية، لكن التحدي يكمن في تحويل هذه التأثيرات من مصدر تبعية إلى رافعة للتطوير. وهذا يتطلب من الأحزاب الإفريقية وعياً مؤسسياً عميقاً Institutional Awareness بالبيئة الدولية، وقدرة على التفاوض السياسي Political Negotiation Skills مع الشركاء الخارجيين، فضلاً عن بناء قاعدة تمويل محلية مستدامة تقلل من الاعتماد على الخارج. وإذا كانت قمة أكرا 2025 قد أظهرت شيئاً؛ فهو أن معادلة الانفتاح والاستقلالية ليست خياراً ثانوياً، بل هي جوهر الصراع على هوية ومستقبل الحياة الحزبية في القارة الإفريقية.
ثالثاً: أزمات الشرعية والتمثيل في الأحزاب الإفريقية:
تواجه الأحزاب السياسية الإفريقية African Political Parties أزمةً مركبة تتعلق بشرعيتها Legitimacy وقدرتها على تمثيل القواعد الشعبية Popular Representation بصورة فعّالة. فعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على تأسيس أغلب الأنظمة الحزبية في القارة؛ فما زالت فجوة الثقة بين المواطنين وهذه الأحزاب تتسع، مدفوعةً بجملة من العوامل الهيكلية والتنظيمية والسياسية. وتشير بيانات مؤشر الحوكمة الإفريقية 2024 African Governance 2024 إلى أن نسبة الثقة العامة في الأحزاب لا تتجاوز 28% على المستوى القاري، وهي نسبة تعكس ضعف المصداقية السياسية Political Credibility، وتراجع الدور التمثيلي للأحزاب كمؤسسات وسيطة بين المجتمع والدولة[19].
إحدى أبرز مظاهر هذه الأزمة تكمن في غياب الممارسات الديمقراطية الداخلية Internal Party Democracy، إذ تسيطر النخب الحزبية التقليدية Traditional Party Elites على الهياكل القيادية لفترات طويلة، مع محدودية تداول السلطة داخل الحزب Intra-Party Leadership Rotation. ووفقاً لتقرير African Leadership Dynamics 2024؛ فإن متوسط فترة بقاء زعيم الحزب في منصبه تتجاوز 12 عاماً في كثيرٍ من الدول، ما يُضعف فرص تجديد الرؤى السياسية واستيعاب المتغيرات الاجتماعية. وقد أجمعت مداولات قمة أكرا 2025 على أن هذا الجمود القيادي ينعكس سلباً على شرعية الأحزاب، ويجعلها عرضةً لفقدان الاتصال مع الجيل الشاب، الذي يُمثل غالبية سكان القارة بنسبة 60% دون سن 25 عاماً[20].
إلى جانب ذلك؛ تتفاقم أزمة الشرعية بسبب الفجوة بين الخطاب السياسي Political Discourse والممارسة الفعلية Political Practice. فكثيرُ من الأحزاب تطرح برامج انتخابية واسعة الطموح، لكنها تعجز عن تنفيذها بعد الوصول إلى السلطة، ما يُرسّخ انطباعاً لدى الناخبين بأن العمل الحزبي مجرد وسيلة للوصول إلى المناصب، لا لتحقيق تغييرٍ ملموس. ويظهر هذا بوضوح في استطلاع Afrobarometer 2024، الذي بيّن أن 64% من المستجيبين يرون أن الأحزاب في بلدانهم لا تهتم إلا بالفوز في الانتخابات Only Interested in Winning Elections أكثر من اهتمامها بخدمة المجتمع[21].
من جانبٍ آخر؛ تتأثر أزمة التمثيل بضعف انخراط الفئات المهمشة Marginalized Groups في الحياة الحزبية، مثل سكان الأرياف، والأقليات العرقية. فعلى الرغم من بعض التقدم في سياسات الكوتا Quota Systems؛ فإن النساء لا يشغلن سوى 22% من المواقع القيادية في الأحزاب، فيما تقل هذه النسبة عن 10% في المناطق الريفية وفق إحصاءات UN Women Africa 2024. كما أن التوزيع الجغرافي للأنشطة الحزبية يميل إلى التمركز في المدن الكبرى، ما يخلق فجوةً تمثيلية واضحة، ويؤدي إلى إقصاء شرائح واسعة من النقاش السياسي الفعّال[22].
وتساهم طبيعة النظم الانتخابية Electoral Systems في بعض الدول في تعزيز هذه الأزمات، إذ تميل النظم القائمة على الأغلبية البسيطة First-Past-the-Post Systems إلى إضعاف فرص الأحزاب الصغيرة أو الناشئة في الوصول إلى البرلمان، مما يقلل من تنوع التمثيل السياسي Political Representation Diversity. وقد حذرت قمة أكرا 2025 من أن استمرار هذا النمط قد يُكرّس احتكار المشهد السياسي من قِبَل قلة من الأحزاب الكبرى، ويحد من إمكانيات التجديد الديمقراطي Democratic Renewal في القارة[23].
العامل الاقتصادي يؤدي أيضاً دوراً في تكريس أزمة الشرعية والتمثيل، فالأحزاب التي تعتمد على التمويل الخارجي أو دعم رجال الأعمال المحليين غالباً ما تجد نفسها ملزمةً بخدمة مصالح الممولين على حساب القاعدة الشعبية. هذا النمط من السياسة الممولة Financed Politics يؤدي إلى تآكل ثقة المواطنين، ويجعلهم ينظرون إلى الأحزاب كمؤسسات انتفاعية لا كمؤسسات خدمة عامة. وتشير دراسة African Party Finance Report 2024 إلى أن 57% من المواطنين في عشر دول إفريقية يعتقدون أن الفساد المالي Financial Corruption منتشر داخل الأحزاب بدرجاتٍ متفاوتة[24].
أما على مستوى العلاقة بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة Ruling vs Opposition Parties؛ فإن الصراع السياسي في كثيرٍ من الحالات يأخذ طابعاً صفرياً Zero-Sum Politics، حيث تُستخدم أجهزة الدولة لتعزيز الهيمنة الحزبية، فيما تعاني المعارضة من الانقسام الداخلي Internal Fragmentation وضعف التنسيق Coordination Deficit. وقد أظهرت تجارب دول- مثل مالي وإثيوبيا- أن هذا النمط من الاستقطاب السياسي Political Polarization يؤدي إلى عجزٍ تشريعي Legislative Paralysis، ويُضعف القدرة على إنتاج سياسات عامة فعّالة[25].
في ظل هذه التحديات؛ شددت قمة أكرا 2025 على أن معالجة أزمة الشرعية والتمثيل تتطلب حزمة إصلاحات متكاملة، تبدأ من داخل الأحزاب نفسها، عبر إرساء آليات شفافة لاختيار القيادات Transparent Leadership Selection Mechanisms، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء، فضلاً عن مراجعة النظم الانتخابية لضمان تمثيلٍ أوسع وأعدل للمجتمع. كما أوصت القمة بضرورة إطلاق برامج تثقيف سياسي Political Education Programs، تهدف إلى رفع وعي المواطنين بدور الأحزاب، وتبديد الصورة النمطية السلبية عنها، بما يسهم في إعادة بناء الثقة بين الطرفين[26].
إن أزمة الشرعية والتمثيل في الأحزاب الإفريقية ليست مسألةً تنظيمية بحتة، بل هي انعكاس لعلاقة معقدة بين الثقافة السياسية Political Culture، والهياكل المؤسسية Institutional Structures، والسياقات الاقتصادية والاجتماعية. وإذا كانت قمة أكرا 2025 قد أظهرت أن هناك وعياً متزايداً بهذه الأزمة؛ فإن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذا الوعي إلى إصلاحات عملية، تضمن للأحزاب أن تصبح منصات تمثيلية حقيقية، قادرة على صياغة برامج تعكس أولويات المواطن الإفريقي، وتستجيب لتحديات القرن الحادي والعشرين.
اكتسبت مسألة الشرعية الحزبية زخماً جديداً في ختام القمة، حيث شدّد الأمين العام لمركز الحوكمة الإفريقية على أن الأحزاب ليست أدوات انتخابية فحسب، بل منصات مؤسساتية للمشاركة الوطنية، داعياً إلى إصلاحات داخلية تركز على الديمقراطية والتمثيل الحقيقي. كذلك؛ قال وزير الحقوق والتنمية بأن «السياسة هي خدمة، لا سلطة»، في تأكيدٍ واضح على أن الأحزاب يجب أن تلتزم بورقة العمل للمواطن، لا بالمصلحة الحزبية الضيقة.
من زاويةٍ تحليلية؛ يُمثل هذا التصريح لحظة تحوّل رمزية، تعيد تأطير دور الأحزاب من كيانات تنافسية إلى مؤسسات خدمة، مما يعزز ثقة الجمهور في دورها. أما التوصيات بالإصلاح الداخلي؛ فهي خطوةٌ واعدة نحو بناء شرعية حقيقية من خلال تفعيل الديمقراطية الداخلية وإدماج النساء والشباب.
التحدي الآن يكمن في ترجمة هذه الخطابات إلى إصلاحات فعلية في اللوائح الحزبية والتدريب المؤسسي، لضمان أن تستعيد الأحزاب موقعها ككيانات تمثل المجتمع وتعزز التنمية.
الخاتمة:
تكشف قراءة الديناميكيات الجديدة للأحزاب السياسية الإفريقية African Political Parties، في ضوء مداولات قمة أكرا 2025 Accra Summit 2025، عن مشهدٍ معقد تتقاطع فيه التحولات البنيوية الداخلية مع التأثيرات الجيوسياسية الخارجية، ضمن بيئة إقليمية تتسم بالتقلب وعدم الاستقرار، فقد أظهرت النقاشات، المدعومة بالمؤشرات الإحصائية والتحليلات المقارنة، أن الأحزاب الإفريقية باتت أمام تحديات وجودية تتجاوز مسألة المنافسة الانتخابية، لتشمل إعادة تعريف أدوارها في سياق تنامي المطالب الشعبية بالشفافية Transparency، والمساءلة Accountability، وتعزيز الديمقراطية الداخلية Internal Democracy.
لقد بيّنت البيانات أن ضعف الثقة الشعبية، وتزايد الاعتماد على التمويل الخارجي، والقصور في التبنّي الشامل للتحول الرقمي Digital Transformation، كلها عوامل تؤثر سلباً في فعالية هذه الأحزاب وقدرتها على الاستجابة لمتغيرات المشهد السياسي. كما أبرزت القمة الحاجة الملحة إلى تطوير أطر تنظيمية توازن بين الانفتاح على الشراكات الدولية وحماية الاستقلالية السياسية، بما يضمن عدم ارتهان القرار الحزبي لإملاءات خارجية.
من جهةٍ أخرى؛ فإن النقاشات حول الإصلاح المؤسسي Institutional Reform أكدت أهمية إدماج الأجيال الشابة في مواقع صنع القرار الحزبي، باعتبار ذلك ركيزةً أساسية لتجديد الشرعية السياسية وضمان استدامة العمل الحزبي. وقد أشار المتحدثون في القمة إلى أن الاستثمار في القدرات التنظيمية للأحزاب، واعتماد آليات رقمية متقدمة للتواصل السياسي، يمثلان مدخلاً جوهرياً لتعزيز التفاعل مع القاعدة الشعبية، وتحقيق التكامل بين الأهداف التنموية والديمقراطية.
ختاماً؛ فإن قمة أكرا 2025 تُشكّل نقطة تحوُّل في مسار التفكير الجماعي حول مستقبل الأحزاب السياسية في إفريقيا، ليس فقط من حيث تشخيص التحديات، بل من حيث صياغة مسارات إصلاحية قابلة للتنفيذ، قائمة على الشفافية، والابتكار السياسي Political Innovation، والانفتاح المسؤول على العالم. إن نجاح هذه المسارات سيُحدد مدى قدرة الأحزاب الإفريقية على القيام بدورٍ محوري في بناء أنظمةٍ سياسية أكثر استقراراً وتمثيلاً لفئات المجتمع في العقود المقبلة.
……………………………….
[1] Felix Kumah-Abiwu. Ghana’s Foreign Policy in the Fourth Republic: Trends, Complexities, and Future Implications. Palgrave Macmillan, Cham, 2025, p.25.
[2] Ibid, p.30.
[3] Ibid, p.35.
[4] Jeetendra Khadan and Inder Jit Ruprah. Political Development: Parliament and Political Parties. In: Unraveling Race, Politics, and Gender in Trinidad and Tobago’s Economic Development. Palgrave Macmillan, Cham, 2024. https://doi.org/10.1007/978-3-031-54656-3_2
[5] Babayo Sule. A Conceptualisation of Political Parties. In: Nigerian Political Parties in the Fourth Republic. Palgrave Macmillan, Cham, 2024, p.45.
[6] Charlotte K. Mafumbo. African Solutions to African Problems: Political Sloganeering or African Renaissance?. In: Mushomi, J., Wielenga, C. (eds) Mobility, Identity and Conflict Resolution in Africa. Palgrave Macmillan, Cham, 2024, p.65.
[7] Ghana News Agency. Ghana to Host African Political Parties Summit. May 20, 2025. https://gna.org.gh/2025/05/ghana-to-host-african-political-parties-summit/.
[8] 2025 Africa Impact Summit, Transforming Systems: Redefining Impact for Real Change in Africa. https://africaimpactsummit.org/
[9] كريم معمري. رئيس جبهة المستقبل يدعو إلى تحالف سياسي إفريقي، 2025/08/13، على الرابط:
[10] Ghana Business News. 2025. African Political Parties Urged to Prioritise Development over Electoral Gains. Ghana Business News, August 13, 2025. https://www.ghanabusinessnews.com/2025/08/13/african-political-parties-urged-to-prioritise-development-over-electoral-gains/.
[11] Babayo Sule. A Conceptualisation of Political Parties, p.50.
[12] Ethiopian News Agency ENA. 2025. African Political Parties Summit Focuses on Building Inclusive, Accountable Institutions. ENA, August 14, 2025. https://www.ena.et/web/eng/w/eng_7119221.
[13] International IDEA. Political Finance in the Digital Age: Towards Evidence-Based Reforms. Stockholm: International IDEA. 2025
[14] Emmanuel Saffa Abdulai. Codes of Conduct for Political Parties. In: Electoral Politics, Laws and Ethnicity in Africa. Palgrave Macmillan, Cham, 2024, p.117. https://doi.org/10.1007/978-3-031-34136-6_7
[15] Chinasa T. Okolo. African Democracy in the Era of Generative Disinformation: Challenges and Countermeasures against AI-Generated Propaganda. arXiv, July 10, 2024.
[16] Emmanuel Saffa Abdulai. Codes of Conduct for Political Parties. In: Electoral Politics, Laws and Ethnicity in Africa, p.120.
[17] GBC Ghana Online. 2025. African Political Parties Summit 2025: Veep Calls for Unity, Action beyond Manifestos. GBC Ghana Online, August 13, 2025. https://www.gbcghanaonline.com/news/politics/government/african-political-parties-summit-2025-veep-calls-for-unity-action-beyond-manifestos/2025/.
[18] GhanaWeb. 2025. African Political Parties Sign Accra Declaration for Unity and Development. GhanaWeb, August 13, 2025. https://www.ghanaweb.com/GhanaHomePage/NewsArchive/African-political-parties-sign-Accra-declaration-for-unity-and-development-1996187.
[19] Babayo Sule. A Conceptualisation of Political Parties, p.50.
[20] Ethiopian News Agency ENA. 2025. African Political Parties Summit Focuses on Building Inclusive, Accountable Institutions. ENA, August 14, 2025. https://www.ena.et/web/eng/w/eng_7119221.
[21] Afrobarometer. Round 9 Survey: Public Attitudes towards Democracy and Governance in Africa. Accra: Afrobarometer, 2024.
[22] UN Women Africa. Women’s Political Participation Report 2024. Nairobi: UN Women, 2024.
[23] International IDEA. Electoral Systems and Political Representation in Africa. Stockholm: International IDEA, 2024.
[24] African Party Finance Observatory. African Party Finance Report 2024. Lagos: APFO, 2024.
[25] Patrick Chabal and Jean-Pascal Daloz. Africa Works: Disorder as Political Instrument. Oxford: James Currey, 2024, p.122.
[26] MyJoyOnline. 2025. African Political Parties Summit 2025 Opens Today in Accra. MyJoyOnline, August 14, 2025. https://www.myjoyonline.com/african-political-parties-summit-2025-opens-today-in-accra/.










































