نشر موقع شبيجل “Spiegel” الألماني مقالًا حصريًّا بقلم “دنيا رمضان”، مُراسِلة الصحيفة لشؤون العالم العربي والمتخصصة في الدراسات اليهودية والإسلامية، حول اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وما يكمن وراء هذا الاعتراف من مصالح عسكرية إستراتيجية، وتحالفات جديدة في القرن الإفريقي، ومقامرة محفوفة بالمخاطر على استقرار المنطقة.
بقلم: دنيا رمضان
ترجمة: شيرين ماهر
ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
أصبحت إسرائيل أول دولة في العالم تعترف بأرض الصومال كدولة ذات سيادة. الأمر الذي تم تحت مظلة “الاتفاقيات الإبراهيمية”، حسبما صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقد طبّعت الاتفاقيات الإبراهيمية العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب.
وبإلقاء نظرة ديمغرافية سريعة عن الخلفية السياسية المحتملة لهذه الخطوة يتضح أن: أرض الصومال تفرض سيطرتها على ما يربو على 700 كيلو متر من الساحل على خليج عدن، عند المدخل الجنوبي لمضيق باب المندب ذي الأهمية الإستراتيجية، وهو مضيق بالغ الأهمية، ويتحكم في قرابة ثلث التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك إمدادات الطاقة الرئيسية من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا.
في مواجهتها، عبر المياه، تقع اليمن؛ حيث يشنّ الحوثيون هجمات على السفن في البحر الأحمر منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر. والنتيجة المترتبة على تلك الهجمات: انهيار سلاسل الإمداد، وابتعاد السفن عن المرور بقناة السويس. وخسائر بمليارات الدولارات لشركات الشحن وشركات الطاقة والدول المُصدِّرة، وفي الوقت نفسه انتصار للحوثيين، الذين تمكنوا من تصوير أنفسهم في المنطقة كمقاتلين إلى جانب الفلسطينيين. وبرَّرت الميليشيا المدعومة من إيران هجماتها في البحر الأحمر بأنها “عمليات تضامن” مع الفلسطينيين في حرب غزة. وبالتالي، ستكون أرض الصومال بمنزلة موقع مثالي تستخدمه إسرائيل من أجل مراقبة الحوثيين المدعومين من إيران، أو حتى ربما دشنت قاعدة لها هناك للقيام بعمليات عسكرية مباشرة ضد الخصوم في المنطقة.
الحوثيون يُهدِّدون بشن هجمات على أيّ وجود إسرائيلي محتمل:
في الوقت الراهن، تخشى دول عديدة في المنطقة من أن تُصبح أرض الصومال مركزًا عسكريًّا إسرائيليًّا في حال إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية فيها. وذكر تقريرٌ نُشِرَ في نوفمبر مِن قِبَل معهد دراسات الأمن القومي، وهو مركز أبحاث إسرائيلي، أن: “أرض الصومال يُمكن أن تُستخدَم كقاعدة عمليات أمامية لمهام مُتعددة، منها: رصد معلومات استخباراتية عن الحوثيين وجهودهم لإعادة التسلح؛ وتقديم الدعم اللوجستي للحكومة اليمنية الشرعية في حربها ضدهم؛ ومنصة لشنّ عمليات مباشرة ضد الحوثيين”.
من جانبهم، يُهدّد الحوثيون إسرائيل بالفعل بشنّ هجمات ضدهم. وصرح زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، في بيان: “إن أيّ وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيُعتبر هدفًا عسكريًّا لقواتنا المسلحة؛ لأنه يُشكّل عدوانًا على الصومال واليمن، فضلًا عن كونه تهديدًا لأمن المنطقة”. وقد يُؤدي ذلك إلى تصعيد الصراع في البحر الأحمر وتعريض أحد أهم طرق التجارة في العالم للخطر. وفي الوقت نفسه، قد تستقطب حركة الشباب الصومالية الإرهابية مجندين جددًا بفضل خطابها المعادي لإسرائيل.
بدوره، يُحذّر الاتحاد الإفريقي دومًا من عواقب وخيمة على استقرار القارة. ويأتي اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في وقتٍ حرج؛ حيث تشهد دول مثل سوريا واليمن والسودان والصومال اضطرابات عميقة.
مصر وتركيا يعتبران تحرُّك إسرائيل تهديدًا لمصالحهما:
تَعتبر مصر الوجود الإسرائيلي في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر تهديدًا مباشرًا لإحدى أهم شرايينها الحيوية، وهي قناة السويس. كما تربط تركيا علاقات وثيقة بالصومال، ولديها قاعدة عسكرية في مقديشو. وقد صرّحت وزارة الخارجية التركية بأن هذه الخطوة تتماشى مع “سياسات إسرائيل التوسعية ومساعيها لمنع الاعتراف بدولة فلسطينية”.
من جهتها، أدانت جامعة الدول العربية، في اجتماع طارئ بالقاهرة، يوم الأحد الماضي، اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، واصفةً إياه بأنه “غير قانوني” و”مخالف للقانون الدولي”. وأكَّدت الجامعة أن أرض الصومال “جزء لا يتجزأ” من جمهورية الصومال الفيدرالية، ورفضت أيّ إجراء من شأنه تشجيع طرد الفلسطينيين أو السماح بإنشاء قواعد عسكرية أجنبية في الموانئ الصومالية. وتربط الجامعة العربية اعتراف إسرائيل بأرض الصومال بخطط طرد الفلسطينيين من غزة، والتي نُوقِشَت لأول مرة قبل عدة أشهر. ودعت الجامعة الأمم المتحدة والدول إلى اعتبار هذا الاعتراف لاغيًا وباطلًا، وتعهدت بدعمها الكامل للصومال.
الصراع الأساسي بين الصومال وأرض الصومال حول الاعتراف والموارد والوصول إلى البحر
زعمت إسرائيل، في أعقاب الاعترافات المؤخرة بدولة فلسطين، أن هذه الخطوة تُكافئ الإرهاب دون إظهار أي رغبة منها في السلام. والآن، يتهمها المنتقدون بتجاهل مطالبة الصومال بالوحدة الإقليمية ومكافأة الدولة القائمة بحكم الأمر الواقع.
إن الصراع الأساسي بين الصومال وأرض الصومال يدور حول الاعتراف المتبادل والموارد والوصول إلى البحر. وقد يؤدي الإجراء الأحادي الأخير الذي اتخذته إسرائيل إلى إشعال فتيل هذا الصراع مجددًا. لقد انفصلت أرض الصومال عن بقية الصومال عام 1991م بعد الإطاحة بالدكتاتور سياد بري، وأعلنت انفصالها كدولة مستقلة، وهو إعلان لا يزال غير مُعْتَرَف به دوليًّا.
في الوقت الذي يعاني فيه جنوب الصومال من حروب قَبَلية وعدم استقرار؛ شهدت أرض الصومال، التي يزيد عدد سكانها عن ستة ملايين نسمة، تطورًا مطردًا نسبيًّا، مع حكومتها وعُملتها وانتخاباتها الخاصة. ومع ذلك، أفادت منظمات غير حكومية في السنوات الأخيرة عن قمع السلطات لأعضاء المعارضة والصحفيين. لذلك دعا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى اجتماع طارئ يوم الاثنين، بمبادرة من الصومال وبدعم من 21 دولة ذات أغلبية مسلمة.
ولكن، يبقى السؤال مطروحًا حول كيفية ردّ فِعْل الولايات المتحدة، بصفتها الحليف الأهم لإسرائيل، على هذه الخطوة. وفي مقابلة مع صحيفة نيويورك بوست، تساءل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: “هل يعرف أحد ما هي أرض الصومال؟”، وحتى تلك اللحظة، مازال من المستبعد اعتراف الولايات المتحدة بها كدولة.
ومع ذلك، هناك مؤيدون أقوياء في الولايات المتحدة لهذا التوجه: ففي أغسطس 2025م، وجَّه السيناتور الجمهوري “تيد كروز” رسالة إلى “ترامب” يدعو فيها صراحةً إلى الاعتراف بأرض الصومال. وشدَّد “كروز” على دور أرض الصومال باعتبارها شريكًا دبلوماسيًّا وأمنيًّا مهمًّا لإسرائيل، ودعمها للاتفاقيات الإبراهيمية، فضلًا عن أفضليتها ومزاياها في مواجهة النفوذ الصيني في القرن الإفريقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:










































