تعتبر العلاقات الدولية في منطقة القرن الإفريقي متعددة الأبعاد، حيث تشهد تفاعلات متباينة بين الدول والكيانات السياسية؛ كنتجية للموقع الجيوسراتيجي المُطلّ على مضيق باب المندب، والذي يعد أحد أهم الممرات المائية التجارية والعسكرية في العالم، ويعتبر مسرحًا للتنافس الدولي والإقليمي.
وفي خضمّ هذه الديناميكيات المعقدة برز حدث دبلوماسي تمثل في إعلان إسرائيل رسميًا اعترافها بجمهورية أرض الصومال، الكيان الذي أعلن انفصاله عن الصومال عام 1991 ولا يزال رغم استقراره النسبي وإدارة حكومة الأمر الواقع إلا أنه محرومًا من الاعتراف الدولي الواسع بموقف ثابت من المجتمع الدولي وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي الذي يكرّس مبدأ “حرمة الحدود الموروثة عن الاستعمار”.
يُطرح هذا القرار الإسرائيلي الذي يُعتبر خروجًا على الإجماع الدولي السائد مفارقة سياسية تستدعي التحليل العميق، إذ لا يمكن فهم هذه الخطوة بمعزل عن السياقين التاريخي والاستراتيجي الأوسع حيث كانت علاقات إسرائيل مع الصومال الموحَّد شبه منعدمة في ظل التزام الصومال بدعم القضية الفلسطينية.
ومع ذلك شهد العقد الماضي تحولاً جوهريًا في السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إفريقيا تمثل في “عودة إسرائيل إلى إفريقيا” تحت قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سعيًا لكسر العزلة الدبلوماسية، ومواجهة النفوذ الإيراني والتركي، وبناء تحالفات اقتصادية وأمنية.
من جهة أخرى، تواجه أرض الصومال، برغم استقرارها النسبي وإجراءها انتخابات دورية، حالة من عدم الإستقرار الدبلوماسي والاقتصادي، حيث يمنعها عدم الاعتراف العالمي من الوصول إلى التمويل الدولي وتنمية مواردها؛ مما يدفعها للبحث عن شركاء استراتيجيين خارج الأطر التقليدية.
بناءً على هذا السياق يهدف هذا المقال إلى تحليل الدوافع المتعددة والمتداخلة التي تقف وراء قرار إسرائيل الاعتراف بأرض الصومال ليفكك الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية الكامنة وراء تلك الخطوة.
موقف القانون الدولي من اعتراف إسرائيل بأرض الصومال:
يؤكد ميثاق الأمم الأمم المتحدة على مبدأ السلامة والسيادة الإقليمية وعدم التدخل في شئون البلاد الداخلية. وجاءت المادة 2 (1) والمادة 2 (4) لتحظر على الدول الأعضاء استخدام القوة للمساس بوحدة وسلامة الدول واستقلالها السياسي والتدخل في شؤونها الداخلية، إلا أن تلك المواد تستهدف التدخل القسري فقط، أما التدخل الدبلوماسي -كما في حالة الصومال وإسرائيل- فلم يرد في ميثاق الأمم المتحدة، إلا أنها تعكس مدى انتهاك إسرائيل لحقوق الصومال السياسية والتدخل في شئونها الداخلية.
ومع ذلك يتبني الإتحاد الإفريقي مبدأ حرمة الحدود الموروثة عن الإستعمار بما يجعل من اعتراف إسرائيل بأرض الصومال هو اعتراف من جانب واحد، حيث رفض الاتحاد الإفريقي الإعتراف بأرض الصومال للحفاظ على سلامة الصومال ووحدة أراضيه وكذا جامعة الدول العربية.
وبناءً على هذا لا يرى القانون الدولي حق لأرض الصومال في وضع سياسي مستقل، إذ يتمسك المجتمع الدولي بوحدة وسلامة الصومال وعدم السماح بانفصال أرض الصومال للحد من الدعوات الإنفصالية في إفريقيا نتيجة للحدود الإستعمارية ومنع تفكك الدول الهشة [1].
دوافع إسرائيل للاعتراف بأرض الصومال:
بالنظر في السياسية الخارجية الإسرائيلية نجد أن الكيان الصهيوني لا يُقبل على أية خطوة إلا بعد التأكيد على المصالح التي تجنيها إسرائيل ذات الميول التوسعية، ويأتي اعتراف إسرائيل بأرض الصومال خطوة بعيدة تمامًا عن الإنسانية أو حق الشعوب في تقرير المصير، لكنها تسعى للعديد من المصالح، ومنها:
1- الدوافع السياسية:
تعاني إسرائيل من عزلة سياسية نتيجة للإنتهاكات التي ترتكبها ضد الفلسطينين، وقد دفع ذلك العديد من الدول لقطع العلاقات مع إسرائيل نتيجة للضغوط الشعبية، وكان ذلك دافعًا لإسرائيل لمحاولة كسر تلك العزلة بالتوسع في إقامة علاقات مع دول إفريقية؛ سعيًا لكسر العزلة السياسية وأيضًا يحقق الإعتراف مصلحة متبادلة لأرض الصومال التي تفتقر إلى اعتراف دولي.
على جانب آخر، تسعى إسرائيل للتواجد في القرن الإفريقي في محاولة لتقييد النفوذ التركي الذي تربطة بالصومال شراكات أمنية وسياسية، حيث تمكن تلك الإتفاقات تركيا من الحفاظ على مصالحها في البحر الأحمر بالإضافة إلى النفوذ المصري المتزايد والمتثل في اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والصومال التى تم توقيعها في أغسطس 2024، وعزز تلك العلاقات التواجد العسكري من خلال قوات الإتحاد الإفريقي. وقد دفعت تلك العوامل إسرائيل لتعزيز نفوذها في أرض الصومال للحد من النفوذ التركي المصري المتزايد في القرن الإفريقي.
وتسعى إسرائيل من الإعتراف بأرض الصومال وإقامة التحالفات معها من التواجد بالقرب من حليف إسرائيلي أخر بالمنطقة، حيث تربط أثيوبيا وأرض الصومال حدود برية، وترتبط أثيوبيا وإسرائيل بعلاقات سياسية قوية. وقد تسعى إسرائيل وأرض الصومال وأثيوبيا لإقامة تحالف بحري يمكن أثيوبيا من استغلال ميناء على خليج عدن، ومن الممكن تشكيل قوى عسكرية بحرية ثلاثية تضمن حماية مصالح إسرئيل في البحر الأحمر[2].
2- الدوافع الأمنية:
تتعرض مصالح إسرائيل في البحر الأحمر للعديد من المخاطر نتيجة هجمات الحوثيين المدعومين بشكل كبير من إيران، ويؤثر ذلك على السفن الإسرائيلية من خلال خطوط الملاحة بالبحر الأحمر؛ لذا تسعى إسرائيل للتواجد في أرض الصومال التي تسيطر على 460 ميلاً من الساحل على طول خليج عدن مما يجعلها البوابة الجنوبية لمضيق باب المندب، الذي يمر عبره ما يقرب من ثُلث التجارة البحرية العالمية سنوياً، بما في ذلك شحنات الطاقة الحيوية من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا، حيث تسعى إسرائيل إلى أن تصبح مركزًا لإسالة الغاز وتصديرة إلى أوربا.
وتسعى أيضا إسرائيل لتحويل أرض الصومال إلى مركز للإنذار المبكر ومنصة جمع معلومات إستخباراتية وتنسيق لأعمال العسكرية ضد إيران أو الحوثيين من خلال نقاط مراقبة على طول سواحل أرض الصومال بما يمكنها من تنفيذ هجمات إستباقية وتوفير حماية لطرق الملاحة في البحر الأحمر، خاصة أن الواردات والصادرات من وإلى آسيا تُمثل نحو ربع إجمالي حجم التجارة الخارجية لإسرائيل [3].
3- الدوافع الإقتصادية:
تسعى إسرائيل للسيطرة على ميناء بربرة الذي يطل على خليج عدن باعتباره من أهم موانئ المنطقة ويمكنه السيطرة على حركة التجارة، خاصة الغاز الذي تسعي إسرائيل إلى تصديره.
كما تسعى إلى فتح أسواق جديدة بعد تراجع التبادل التجاري مع العديد من الدول نتيجة لإنتهاك إسرائيل المستمر في حق الفلسطينين، وتسعى أيضا للإستثمار في البنية التحتية في أرض الصومال من خلال إنشاء الطرق والسكك الحديدة لتعزيز الإقتصاد الإسرائيلي .
وتتمتع أرض الصومال بكونها غنية بالموارد الطبيعية لكنها تعاني مشاكل مالية كبيرة تحول دون استخراج المعادن؛ لذا تسعى إسرائيل لتعزيز التعاون مع أرض الصومال في مجال التعدين والموارد الطبيعية [4].
ردود الفعل الدولية تجاه إعتراف إسرائيل بأرض الصومال:
اتفقت ردود الفعل الدولية على الإعتراض على نهج إسرائيل وسياستها الخارجية التي تهدد الإستقرار في القرن الإفريقي، كما اجتمعت ردود الفعل على الحفاظ على أهمية وضرورة الحفاظ على سلامة وسيادة الصومال.
1- رد الفعل الصومالي:
ترفض حكومة الصومال اعتراف إسرائيل بأرض الصومال وتعتبر ذلك تعديًا صريحًا على وحدة واستقلال أراضيها، وتؤكد أن الصومال دولة واحدة لا يمكن تجزئتها، وأن الصومال لن يسمح بإقامة أية قواعد عسكرية على أرضه أو أي ترتيبات عسكرية من شأنها أن تورط البلاد في أي أعمال عسكرية.
كما أكدت الصومال أن تلك الممارسات من شأنها زيادة وتيرة الإرهاب على أرضها، كما أنها تناقض المسؤولية الدولية في مكافحة الإرهاب، وتسمح للتنظيمات الإرهابية، لاسيما تنظيم داعش و تنظيم شباب المجهدين استغلال الخلافات السياسية للسيطرة على أجزاء من الصومال .
وقد جددت الصومال دعمها للشعب الفلسطيني، وأكدت على حق الفلسطينين في تقرير المصير، ورفضت تهجير الفلسطينين قسريًا وتصفية القضية الفلسطينية[5].
2- رد الفعل الأمريكي:
جاء رد الفعل الأمريكي على غير المتوقع، فالولايات المتحدة هي الداعم الأكبر للكيان الصهيوني إلا أنها لم تؤيد قرار إسرائيل بالإعتراف بأرض الصومال بما يفقده قوة التأثير عالميًا.
وقد رفض ترامب عرضًا لأرض الصومال بإقامة قاعدة عسكرية على أراضيها وذلك لعدم أهمية إنشاء قواعد عسكرية بها وأعلنت أن ذلك القرار مازال قيد الدراسة لكنه لم يتم البت في أمر ذلك حتي الآن. وبالرغم عدم تأييد الولايات المتحدة للقرار الإسرائيلي إلا أن موقفها ربما ينتظر ردود الفعل الإفريقية والعربية تجاه ذلك القرار[6].
3- رد فعل الإتحاد الإفريقي :
رفض الاتحاد الإفريقي بشكل قاطع القرار الإسرائيلي بالاعتراف بأرض الصومال، وأكد أن الصومال كيان سياسي فيدرالي موحد. وقد دعا رئيس مفوضية الإتحاد الإفريقي إلى إحترام سيادة الدول الإفريقية وحدودها وعدم التدخل في الشئون الداخلية لتلك الدول تحت أي مسمي سواء كان التدخل قسريًا أو دبلوماسيًا، حيث أكد الإتحاد الإفريقي أن الصومال كيانًا واحدًا، وأنه لن يتم التعامل مع أي من أقاليم الصومال المنفصلة [7].
4- رد فعل الإتحاد الأوربي :
لم يختلف رد فعل الإتحاد الأوربي عن ردود الفعل العالمية والتي جاءت مستنكرة للاعتراف الإسرائيلي الذي يعد إنتهاكًا لسلامة ووحدة الصومال. وقد أكد الإتحاد الأوربي على أهمية الحفاظ على سيادة الصومال واحترام سيادته وأن هذا يعتبر أمرًا ضروريًا لحفظ السلام واستقرار منطقة القرن الإفريقي بأكملة والتي تتعرض لصراع نفوذ قد يهدد سلامتها[8].
التداعيات المترتبة على إعتراف إسرائيل بأرض الصومال:
من المنتظر أن يترتب على اعتراف إسرائيل بأرض الصومال العديد من التداعيات سواء السياسية أو الأمنية والتي من شأنها تهديد إستقرار القرن الإفريقي وزيادة الصراع على فرض النفوذ ومن أهم تلك التداعيات:
1- التهجير القسري للفلسطينين:
تسعى إسرائيل لترحيل الفلسطينيين إلى إحدى الدول الإفريقية، حيث سبق أن حاولت الإعلان عن اتفاق لنقل سكان فلسطين إلى جنوب السودان إلا أن الأخيرة رفضت ذلك.
وفي هذا السياق من المتوقع أن تعرض إسرائيل على أرض الصومال استضافة سكان فلسطين على أراضيها، مقابل حصولها على اعتراف دولي، أو منحها مساعدات مالية ولوجستية، ودعمها في الحصول على تأييد دولي أوسع.
ونظرًا لسعي أرض الصومال للحصول على اعتراف دولي منذ عام 1991، فمن المحتمل أن توافق على إقامة مستوطنات للفلسطينيين على أراضيها.
2- زيادة الصراع على النفوذ:
يعزز التوغل الإسرائيلي في القرن الإفريقي عبر التعاون مع أرض الصومال من احتمالية تأجيج صراع نفوذ إقليمي متعدد الأبعاد، يمكن رصد محاوره الرئيسية على النحو التالي:
المحور الأول: التصادم مع المصالح المصرية
يسعى التعاون الإسرائيلي مع أديس أبابا وهَرجيسا إلى خلق واقع جيوسياسي قد يهدد الأمن القومي المصري؛ وذلك من خلال استغلال رغبة إسرائيل في إيجاد بدائل لـ تحويل الفلسطينيين بعيدًا عن قطاع غزة، وهو مسعى تواجهه مصر بصرامة منذ أكتوبر 2023.
كما أن اختراق منطقة ذات حساسية استراتيجية لمصر، خاصة في ظل وجود اتفاقية دفاع مشترك مصرية– صومالية وُقّعت في أغسطس 2024، يجعل أي وجود معاد في الفناء الخلفي للصومال تهديدًا مباشرًا للأمن المصري.
المحور الثاني: مواجهة النفوذ الإيراني ومليشياته
يستهدف الوجود الإسرائيلي تعطيل شبكة النفوذ الإيراني في البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي، عبر محاولة حرمان إيران من أداة ضغط محتملة مما يُضعف قدرة الحوثيين على استهداف السفن.
المحور الثالث: الحد من النفوذ التركي المتنامي
يشكل التعاون مع أرض الصومال تحديًا للاستراتيجية التركية الطموحة في المنطقة، والتي تتجلى في الشراكة الاستراتيجية التركية مع الحكومة الصومالية الفيدرالية والتي تشمل التعاون العسكري والأمني.
وقد سعت تركيا لحماية خطوط تجارتها البحرية الحيوية عبر البحر الأحمر، وقد يدفع هذا التحرك الإسرائيلي تركيا إلى زيادة وجودها العسكري خاصة البحري في المنطقة لموازنة النفوذ الجديد وحماية مصالحه.
3- زيادة وتيرة الهجمات الإرهابية على الصومال:
تشهد الصومال تصاعدًا في حدة الهجمات التي ينفذها تنظيم “شباب المجاهدين”، وهو تصاعد يُعزى جزئيًا إلى التعاون التقني المتطور بين التنظيم والميليشيات الحوثية المدعومة من إيران ويركز هذا التعاون على نقل تكنولوجيا متطورة خاصة في مجال الطائرات المسيرة (بدون طيار) الإيرانية الصنع والتي تم رصد استخدامها بشكل فعال في هجمات التنظيم مؤخرًا.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى أي توغل أو تعاون إسرائيلي محتمل مع إقليم أرض الصومال كعامل مُحرّض رئيسي فقد يدفع مثل هذا التواجد تنظيم “شباب المجاهدين”، وحلفاءه من الحوثيين وإيران، إلى تكثيف هجماتهم بشكل كبير داخل الإقليم.
ويهدف هذا التصعيد إلى تحقيق هدفين:
الهدف الأول: عرقلة وطرد أي وجود إسرائيلي ناشئ في المنطقة.
الهدف الثاني: استغلال حالة عدم الاستقرار الناتجة لتوسيع رقعة السيطرة على مناطق جديدة مما يوفر موارد مالية ولوجستية إضافية تعزز من قدرات التنظيمات المسلحة، وتزيد من فعالية وتيرة هجماتها في المستقبل.
وبالتالي فإن أي تحرك إسرائيلي في المنطقة لا يهدد الاستقرار المحلي فحسب بل قد يعيد تشكيل تحالفات الجماعات المسلحة ويمنحها زخمًا وخطورة أكبر.
السيناريوهات المحتملة نتيجة إعتراف إسرائيل بأرض الصومال:
1- السيناريو الأول (عدم التغير في حالة أرض الصومال):
بناءً على التحليل الجيوسياسي السابق، يبرز سيناريو مرجح بشدة، ألا وهو عدم قدرة الاعتراف الإسرائيلي وحده على تحويل مسار السياسة الخارجية الدولية تجاه إقليم أرض الصومال.
ويرجع هذا الاستنتاج إلى عاملين حاسمين:
العامل الأول: العزلة السياسية المتزايدة لإسرائيل، حيث تواجه إسرائيل عزلة دولية ملحوظة على خلفية انتهاكاتها المستمرة للقانون الدولي في تعاملها مع الشعب الفلسطيني.
العامل الثاني: ردود الفعل الدولية المضادة والانعكاس السلبي، حيث من المتوقع أن يثير أي اعتراف إسرائيلي بأرض الصومال ردود فعل معارضة وقوية من عدة أطراف مؤثرة وهو ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية على طموحات هرجيسا.
2- السيناريو الثاني (إستغلال إسرائيل ذلك الإعتراف لتحقيق أهدافها):
بناءً على قراءة استراتيجية تعتبر “الكيان الصهيوني” لاعبًا ذكيًا وقادرًا على المناورة لتحقيق مصالحه، يأتي الاعتراف المُحتمل بأرض الصومال كخطوة تكتيكية مدروسة. وتهدف هذه الخطوة إلى تحفيز الإقليم على الدخول في شراكة أوثق، وذلك لتعويض الفشل النسبي لإسرائيل في توسيع نفوذها عبر دول أخرى في القرن الإفريقي.
من هذا المنطلق، يخدم التعاون مع أرض الصومال هدفين إسرائيليين رئيسيين ومترابطين:
الهدف الأول: احتواء النفوذ الإيراني، حيث يسعى الوجود الإسرائيلي إلى إقامة نقطة مراقبة واستباق ضد امتداد النفوذ الإيراني في المنطقة والذي يمر عبر وكلاء مثل الحوثيين في اليمن، ويعتبر كسر هذه الشبكة أو إضعافها أولوية إستراتيجية.
الهدف الثاني: ضمان أمن الملاحة البحرية وتوجيه ضربات استباقية: ويهدف هذا التعاون إلى تأمين خطوط الملاحة الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب التي تتعرض لتهديدات الحوثيين. كما قد يوفر موقعًا إقليميًا يمكن من خلاله تنسيق عمليات استخباراتية، أو حتى شن ضربات استباقية ضد تهديدات الحوثيين مما يمنح إسرائيل عمقًا استراتيجيًا في مواجهة هذه التحديات.
وبهذا، لا يُنظر إلى الاعتراف كغاية في حد ذاته بل كوسيلة استراتيجية لتحقيق أهداف أمنية وسياسية تحوّل أرض الصومال إلى حليف محتمل في معركة إسرائيل الأوسع ضد خصومها في المنطقة.
3- السيناريو الثالث (زيادة وتيرة الإعترافات الدولية بأرض الصومال):
يمثل هذا السيناريو، رغم تصنيفه كخيار أضعف، تحليلاً لآلية قد تعتمد عليها إسرائيل لتحقيق اختراق دبلوماسي، ويرتكز هذا السيناريو على فرضية رئيسية وهي قدرة إسرائيل على ممارسة نفوذ فعال داخل أروقة صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية بهدف حثّ واشنطن على دعم أو حتى تبني الاعتراف الدولي بأرض الصومال، متبنية بذلك الموقف الإسرائيلي.
ووفقًا لهذا المنطق، سيكون للاعتراف الأمريكي تأثيرٌ محوري كـ “كسر للجليد الدولي”، حيث من شأنه أن يغير المعادلة من عدة أوجه:
تحييد المخاطر الدبلوماسية: ستخفف المظلة الأمريكية من وطأة العزلة أو العقوبات الدبلوماسية التي قد تتعرض لها الدول التي تُقدم على هذه الخطوة.
تحفيز القوى الدولية على الإعتراف بأرض الصومال: قد يفتح الباب أمام دول أخرى خاصة القوى الدولية المتوسطة الطامحة إلى توسيع نفوذها الاقتصادي أو الأمني في منطقة القرن الإفريقي الاستراتيجية (مثل بعض دول الخليج أو تركيا أو حتى قوى آسيوية) لتقديم اعترافاتها هي الأخرى متبعين النموذج الأمريكي ومتطلعين إلى تأمين حصة لهم في أي تحول مستقبلي.
فرض منطق المصالح: سيُعيد الاعتراف الأمريكي صياغة الملف ليصبح أقل ارتباطًا بمبدأ وحدة الصومال وأكثر ارتباطًا بمنطق المصالح الاستراتيجية والتحالفات الجديدة مما قد يدفع بعض الدول إلى إعادة حساباتها بناءً على مصالحها الذاتية في المنطقة. وبالتالي، فإن قوة هذا السيناريو لا تنبع من الاعتراف الإسرائيلي بذاته، بل من استغلال القوة الأمريكية التي قد تتمكن إسرائيل من تحريكها.
ويعتبر نجاح هذاالسيناريو مشروطًا بقدرة إسرائيل على جعل هذا الملف أولوية مقنعة لواشنطن في وقت تعاني فيه الأخيرة من انشغالات متعددة، والفشل في كسب الدعم الأمريكي الحاسم سيجعل من الاعتراف الإسرائيلي خطوة رمزية محدودة الأثر.
………………………………
[1] – Horn Review Editorial , Is Israel’s Recognition of Somaliland a Violation of International Law? , hornreview (Addis Ababa, Ethiopia , 28December 2025 ) https://hornreview.org/2025/12/28/is-israels-recognition-of-somaliland-a-violation-of-international-law/ .
[2] – محمود سامح همام ، الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال: قراءة في الدوافع والتداعيات، مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية ( القاهرة ، 27ديسمبر, 2025 ) https://shamscenter.com/%D .
[3] – حمدي عبد الرحمن حسن , دلالات إعتراف إسرائيل بصومالي لاند , مركز الإهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية ( القاهرة , 28 ديسمبر 2025 ) https://acpss.ahram.org.eg/News/21596.aspx
[4] – Marion Ledger , Israel Recognizes Somaliland, Spurring Red Sea Alliances and Strategic Gains , ainvest (United States و, 26,Dec 2025 ) https://www.ainvest.com/news/israel-recognizes-somaliland-spurring-red-sea-alliances-strategic-gains-2512/ .
[5] – الصومال يرد على إسرائيل بعد اعترافها بانفصاليي “صومالي لاند” 26 ديسمبر 2025 https://arabic.rt.com/middle_east/
[6] – محمد محمود، هل يقلل «رفض ترمب» جدوى قرار الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»؟ ، الشرق الأوسط ( القاهرة ، 27 ديسمبر 2025 ) https://aawsat.com .
[7] – الشروق ، الاتحاد الإفريقي يرفض أي اعتراف بأرض الصومال في أعقاب الإعلان الإسرائيلي ، ( القاهرة , 27 ديسمبر 2025 ) https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=27122025&id=a6a6431e-501b-46dc-946b-c5fa932b08a8 .
[8] – Nik Martin , EU backs Somalia after Israel recognizes Somaliland , dw (Germany , 28 December 2025 ) https://www.dw.com/en/eu-backs-somalia-after-israel-recognizes-somaliland/a-75318108 .











































