African Business
ترجمة : د.مجدي آدم
ساهمت النظم البيئية الغنية والحساسة المحيطة بسواحل إفريقيا في استدامة التجمعات البشرية منذ فجر التاريخ. ومع ذلك، لا يُنكر أحد أن الأنشطة الاقتصادية الحرفية حول المياه الإفريقية لم تحظَ بالأولوية الكافية لدى معظم الحكومات منذ الاستقلال. لطالما اشتكت مجتمعات الصيد الصغيرة، التي يصعب فرض الضرائب عليها، من الإهمال.
لكنّ ثمة بعض المؤشرات على أن الأمور بدأت تتغير. فعلى الصعيد الدولي، برزت الحاجة إلى حماية المحيطات والاستخدام المستدام لمواردها على رأس الأولويات. وقد بدأ صُناع السياسات الأفارقة في إيلاء الاهتمام لمفهوم “الاقتصاد الأزرق”.
تتفاءل ليندا أمورنغور-أوجي إيتا Linda Amornghor-Oje Etta كبيرة مستشاري الاقتصاد الأزرق في الاتحاد الإفريقي. وتقول لمجلة “أفريكان بيزنس”: إن المزيد من الحكومات تدرك فوائد الاقتصاد الأزرق المزدهر، مشيرة إلى أن الاتحاد الإفريقي ساعد أكثر من 30 حكومة إفريقية على تطوير إستراتيجيات الاقتصاد الأزرق. “يتسع نطاق الاقتصاد الأزرق، ولهذا السبب نرى المزيد من الدول تنخرط فيه”.
والاقتصاد الأزرق مفهوم واسع. فهو يشمل جميع الأنشطة الاقتصادية التي تَستخدم الموارد من البحار والبحيرات والأنهار، ويشمل كل شيء من مصايد الأسماك، وتربية الأحياء المائية، إلى السياحة والطاقة البحرية، وعزل الكربون والتكنولوجيا الحيوية.
ربما أدرك القادة الأفارقة أيضًا أن الاقتصاد الأزرق يُمثّل قطاعًا تجاريًّا ضخمًا. وينفذ الاتحاد الإفريقي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي برنامجًا على مدى السنوات الأربع المقبلة، بهدف توليد 405 مليارات دولار أمريكي وخلق 57 مليون وظيفة.
وتُعدّ الاستدامة خيطًا مشتركًا يربط جميع الأنشطة المتعلقة بالاقتصاد الأزرق، وهي سمة غالبًا ما غابت عن مناطق أخرى من العالم. فقد طوّرت بعض الدول قطاعات صيد صناعية وصناعات تربية الأحياء المائية المتقدّمة، ولكن على حساب أضرار بيئية جسيمة. والآن، أمام إفريقيا فرصة لاتباع مسار مختلف.
السياسات والقرصنة:
لا يوجد نقص في السياسات والخطط المتعلقة بالاقتصاد الأزرق، وتحديدًا قطاع الصيد، في إفريقيا. فالاقتصاد الأزرق جزء لا يتجزأ من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، ومن أجندة الاتحاد الإفريقي لعام 2063. وقد أنشأت دول كبرى، من بينها كينيا ونيجيريا، وزارات متخصصة في الاقتصاد الأزرق. كما أُضيفت فعاليات منتظمة تُعنَى بهذا الاقتصاد إلى الحوار الدبلوماسي. ومع ذلك، تفتقر العديد من الدول الإفريقية الساحلية إلى السيطرة الكاملة على مناطقها الاقتصادية الخالصة. ووفقًا لتقرير صادر عن تحالف الشفافية المالية عام 2022م؛ فإن نصف السفن الصناعية المتورّطة في “الصيد غير القانوني وغير المُبلّغ عنه وغير المنظم” حول العالم تعمل في المياه الإفريقية.
بياتريس غوريز Beatrice Gorez هي مُنسِّقة في ائتلاف الترتيبات العادلة لمصايد الأسماك، وهي منظمة غير ربحية تُعنَى بالتوعية بتأثير ترتيبات مصايد الأسماك على مجتمعات الصيد الحرفي. وتشير إلى أن أساطيل الصيد الأجنبية غالبًا ما تتحايل على القانون من خلال استئجار سفن صيد ترفع أعلامًا محلية. ومن الممارسات الشائعة الأخرى: تشكيل “مشاريع مشتركة” مع شركات محلية لإخفاء الملكية الحقيقية لأساطيل الصيد. وتقول: “معظم الإجراءات والعمليات التي تقوم بها السفن ذات الأصل الأجنبي قانونية. إنها غير مستدامة، لكنها قانونية”.
يعكس تقاعس العديد من الحكومات الإفريقية عن حماية سيادتها البحرية تدني مكانة قطاع الصيد في التسلسل الهرمي السياسي. تقول Gorez: “تستمع الحكومات اليوم إلى القطاعات التي ستجلب الأموال”. ويمكن لشركات الصيد الصناعية، سواء كانت محلية أو أجنبية، أن تُسمع أصواتها، لكن الصيادين الحرفيين “مُهمَّشون في عملية صنع القرار”.
أعالي البحار تغرق:
حذَّرت منظمة أوشيانا Oceana، وهي منظمة غير حكومية معنية بحماية البيئة البحرية، في وقت سابق من هذا العام من أن الصيد الجائر قبالة سواحل غرب إفريقيا يُلْحِق “عواقب وخيمة” بالمجتمعات المحلية. وتُرجِع المنظمة هذا التوجُّه إلى استغلال سفن الصيد بشكل مفرط للأسماك السطحية الصغيرة (التي لا تعيش بالقرب من قاع المحيط أو قرب الشاطئ)، والتي يُصدّر معظمها إلى أوروبا وتُستخدم كعلف لسمك السلمون المستزرع.
عرض الفيلم الوثائقي الأخير لديفيد أتينبورو، David Attenborough “المحيط”، قصة جون آدامز John Adams، وهو صياد ليبيري. قال آدامز، متأسفًا على المنافسة الشرسة من سفن الصيد التي تستنزف كميات هائلة من الأسماك من البحار: “كانت شباكنا ممتلئة دائمًا”. وأضاف متذمرًا: أنّ صيد كميات جيدة بات أكثر صعوبة على مجتمعات الصيد الحرفي، قائلًا: “لقد اختفت الأحجام الكبيرة، لم تَعُد موجودة”.
تُبرز تجربته كيف أن الموارد البحرية موارد متجددة، ولكن بشرط أن تُتاح لها فرصة التجدد الذاتي. فالحفاظ على هذه الموارد يسير جنبًا إلى جنب مع استخدامها الاقتصادي.
من التطورات الحديثة التي قد تُفيد صيادي الأسماك الساحلية في إفريقيا: معاهدة أعالي البحار، المعروفة أيضًا باتفاقية التنوع البيولوجي خارج نطاق الولاية الوطنية. وقد اضطلعت الدول الإفريقية بدورٍ بارز في مفاوضات هذه الاتفاقية التاريخية. في سبتمبر، انضمت المغرب إلى قائمة الدول الستين التي تُصادق على المعاهدة، ما يعني دخولها حيّز التنفيذ في يناير. وكانت ست عشرة دولة إفريقية أخرى قد أكملت عملية التصديق حتى 13 نوفمبر.
قد تبدو الأمور التي تحدث في أعالي البحار، والتي تبدأ على بعد 200 ميل بحري من أقرب كتلة أرضية، ذات أهمية بعيدة بالنسبة لسكان إفريقيا وحتى مجتمعات الصيد الساحلية فيها.
لكنّ كارين ساك Karen Sack وهي جنوب إفريقية تقود تحالف العمل من أجل الحد من مخاطر المحيطات وتعزيز قدرتها على الصمود، وهي منظمة تسعى إلى جذب الاستثمارات إلى الاقتصاد الأزرق، تقول: إن أعالي البحار “بالغة الأهمية” للأمن الغذائي والتخفيف من آثار تغيُّر المناخ. وتضيف: “هذه المعاهدة تسدّ ثغرة في الحوكمة الدولية للمحيطات كانت موجودة منذ زمن طويل”.
قد يُشكّل ضمان حوكمة أفضل لأعالي البحار خطوةً هامة نحو بناء اقتصاد أزرق مستدام حول سواحل إفريقيا. وتشير “ساك” إلى أن أساطيل الصيد الصناعية غالبًا ما “تصطاد على الخيط”، أي أنها تتربص خارج المناطق الاقتصادية الخالصة لإفريقيا -أو أحيانًا، سرًّا، داخلها- “تنهب الأسماك من تلك المياه”. وهذا يُدمِّر أسراب الأسماك الهائلة التي تهاجر طبيعيًّا من أعالي البحار إلى المياه الساحلية الإفريقية. وبالتالي، تقلّ كمية الأسماك المتاحة للقوارب الصغيرة التي تبقى قريبة من الساحل.
ستُسهّل المعاهدة إنشاء مناطق بحرية محمية ضمن المياه الدولية. فعلى سبيل المثال، تعمل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) على إعداد مقترح لإنشاء منطقة محمية حول منطقة التقاء تياري الكناري وغينيا. من الناحية النظرية، إذا حظي هذا الجزء من أعالي البحار بحماية جيدة، ستزدهر أنواع الأسماك داخل المنطقة المحمية، وتهاجر إلى المياه الساحلية؛ حيث يمكن صيدها بشكل مستدام.
المد التكنولوجي:
تُعدّ مكافحة الصيد الجائر خطوةً حيويةً نحو بناء اقتصاد أزرق مستدام حقًّا. ومع ذلك، لا يعني هذا أن يلتزم الصيادون بالأساليب التقليدية. في الواقع، تُسهم مجموعة من التقنيات في دفع عجلة الابتكار في مجال الصيد على نطاق صغير.
تُعدّ منظمة أبالوبي الاجتماعية الجنوب إفريقية Abalobi رائدةً في استخدام التكنولوجيا لدعم مجتمعات الصيد الصغيرة. ويقول سيرج رايمايكرز Serge Raemaekers، المدير التنفيذي للمؤسسة: إنّ نَهْج أبالوبي “يرتكز على البيانات”. ويشرح لنا أنّ عملها يتمحور حول “دعم الصيادين وجماعات الصيد في توثيق معارفهم البيئية المحلية، وتسجيل صيدهم، ونفقاتهم، ودخلهم، وغيرها من الأمور التي قد يرغبون في رصدها وتسجيلها ومراقبتها”.
هذه البيانات “تخلق الأساس، ليس فقط لإدارة مصايد الأسماك بشكل أكثر استدامة وإدارة مصايد الأسماك التعاونية، ولكن أيضًا لخطة عملك كفرد أو كتعاونية”.
كما توفر أبالوبي تدريبًا لمساعدة الصيادين على اتخاذ قرارات مبنية على البيانات، وتُتيح لهم المشاركة في برنامج الوصول إلى الأسواق. يجمع هذا البرنامج بيانات الصيد التي يصطادها مختلف الصيادين، ويوفّر مرافق تخزين مبردة، ويربط المنتجات بتُجّار التجزئة وغيرهم من المشترين. ويشترط للمشاركة في هذا البرنامج أن يجمع الصيادون بيانات تُثْبت ممارستهم للصيد المستدام.
يقول رايمايكرز: إنه بينما يجد الصيادون الصغار في جنوب إفريقيا أنفسهم في حالة من اليأس، فإن عمل أبالوبي يثبت أن واقعًا أفضل ممكن. ويضيف أن الصيادين يمكنهم الحصول على سعر عادل مع العمل بطريقة مستدامة، شريطة وجود الهياكل المناسبة. “إن إطار إدارة مستدامة لمصايد الأسماك ممكن، وليس مجرد فكرة خيالية، بل هو في الواقع عملي للغاية”.
توسعت منظمة أبالوبي، التي تأسَّست عام ٢٠١٧م، من جنوب إفريقيا لتشمل ١٠ دول أخرى. وقد وصلت المنظمة إلى المرحلة النهائية لجائزة إيرثشوت Earthshot المرموقة عام ٢٠٢٣م لجهودها في تعزيز مصايد الأسماك المستدامة. ويعتقد رايمايكرز أن سر نجاح أبالوبي يكمن في أنها، رغم استخدامها للتكنولوجيا والبيانات، لا تُقدِّم حلولًا مُعقَّدة. فابتكاراتها مبنية على “مواد أساسية متوافرة وبأسعار معقولة وقابلة للتطوير”.
الأمن الغذائي:
بحلول عام 2050م، سيبلغ عدد سكان إفريقيا 2.5 مليار نسمة، بزيادة تتجاوز 900 مليون نسمة عن اليوم. ويؤمن كلينتون أوبورا، Clinton Obura الرئيس التنفيذي لشركة “ساماكينغ” Samaking الكينية الناشئة، بأن الأسماك يجب أن تُشكِّل جزءًا أساسيًّا من حلّ تحدي الأمن الغذائي في القارة. ويقول: إن مهمته هي “جعل الأسماك المصدر الرئيسي للبروتين على موائد الأفارقة”.
ويشير أوبورا إلى أن أمراضًا مثل النقرس آخِذَة في الانتشار في كينيا، مع ازدياد استهلاك اللحوم الحمراء. ويضيف: “من منظور نمط الحياة، تُعدّ اللحوم البيضاء مصدرًا أفضل للبروتين مقارنةً باللحوم الحمراء”. كما أن الأسماك قد تكون أرخص من مصادر البروتين الأخرى.
ومع ذلك، يستشهد أوبورا بتقديرات تُشير إلى أن الكينيين يستهلكون 4.7 كيلو غرامات فقط من الأسماك سنويًّا في المتوسط، مقارنةً بمتوسط عالمي يبلغ 20.5 كيلو غرامًا. والخبر السارّ هو أن الإنتاج المحلي للأسماك آخِذ في الازدياد، بينما تتراجَع الواردات، ويعود ذلك بشكل كبير إلى نمو تربية الأحياء المائية.
يهيمن سمك البلطي على صناعة الاستزراع المائي في كينيا؛ حيث يُربَّى في أقفاص على بحيرة فيكتوريا، وفي آلاف البرك غرب البلاد. وقد ازداد إنتاج الأسماك المستزرعة قرابة ثلاثة أمثال منذ عام ٢٠١٧م، وفقًا للإحصاءات الرسمية. يقول أوبورا: إن شركة “ساماكينغ” بدأت كحلٍّ لتسهيل الوصول إلى الأسواق وتجميع المنتجات. وكان تركيزها الأولي على توفير مرافق سلسلة التبريد، مما يُسهّل نقل الأسماك إلى الأسواق؛ حيث تُباع بأسعار أعلى. ويضيف أوبورا: أن مواجهة تحدّي سلسلة التبريد تتلخص في العرض والطلب.
ويقول: “سلسلة التبريد ليست هي المشكلة؛ لأنها مجرد بنية تحتية تحتاجها الأسماك للتنقل. فإذا كانت كميات الأسماك كافية، فإن سلسلة التوريد قادرة على تحمل تكاليفها. لذا، يكمن التحدي الحقيقي في: هل لديك كمية كافية من المنتجات المتداولة عبر سلسلة التوريد الخاصة بك لتغطية تكاليف سلسلة التبريد؟”
ويؤكد أوبورا أن المفتاح هو دعم مُربّي الأسماك لزيادة إنتاجيتهم؛ يُختَزَل الأمر في ضمان الوصول إلى مدخلات عالية الجودة، لا سيما أعلاف الأسماك وصغارها، الأمر الذي يتطلب بدوره تمويلًا لهذه المدخلات. “تستغرق دورة إنتاج البلطي الطبيعية ستة أشهر. ويتعين على المزارع إطعام الأسماك لمدة ستة أشهر قبل حصادها والحصول على ثمنها. ولا يملك الكثير من المزارعين الأفارقة هذا القدر من المال”.
يقول أوبورا: إنه مع سعي شركة ساماكينغ لتوسيع نطاق خدماتها المتكاملة، فقد تمكنت من الاستفادة من اهتمام المستثمرين والجهات المانحة بقضايا المناخ. ويشير إلى أن مرافق سلسلة التبريد التي تعمل بالطاقة الشمسية تتيح فرصة للاستخدام الأمثل للطاقة المتجددة. وهذا بدوره يساعد المستثمرين ذوي التوجهات المؤثرة على المساهمة في تحقيق مكسب مزدوج في مجالي الأمن الغذائي والمناخ.
هناك العديد من الفرص الأخرى لاستخدام التكنولوجيا في قطاع الاستزراع المائي المزدهر. ومرة أخرى، لا يشترط أن تكون التكنولوجيا مُعقَّدة.
وتعمل شركة WAVU، وهي شركة ناشئة كينية أخرى، على ترسيخ مكانتها كوسيط رقمي من خلال “منصة واتساب بسيطة للغاية”، كما تقول لورنا موديغو، Lorna Mudegu المؤسسة المشاركة للشركة. يستطيع مُربّو الأسماك استخدام خدمة واتساب، المدعومة بروبوت ذكاء اصطناعي، لطلب مستلزمات الإنتاج. وبصفتها جهةً مُجمِّعة، تستطيع WAVU توفير هذه المستلزمات بخصم كبير، ما يُساعد المزارعين على توفير 15% في المتوسط. وأضافت أن الشركة استقبلت بالفعل 1500 مزارع في كينيا. كما تُقدِّم خدمات استشارية عبر منصتها، وتبحث عن شركاء للمساعدة في توفير تمويل مستلزمات الإنتاج.
الاستزراع المائي المستدام:
كما هو الحال في صيد الأسماك، يُواجه الاستزراع المائي تحديات تتعلق بالاستدامة قد تُهدّد قدرته على ضمان استدامة الإنتاج في المستقبل.
تُسلّط البروفيسورة روزاموند نايلور Rosamond Naylor، من جامعة ستانفورد، الضوء على كيف أن الاستزراع بكثافة عالية للغاية يجعل الأسماك أكثر عُرضة للأمراض، مما قد يؤدي إلى الإفراط في استخدام المضادات الحيوية. وتؤكد على ضرورة وجود تنظيم فعَّال لمساعدة هذا القطاع على النمو بشكلٍ مستدام. فالبديل قد يكون تفشّي الأمراض، كما حدَث في تشيلي بين عامي 2007 و2009م مع فيروس فقر الدم المُعْدي في سمك السلمون، والذي تسبَّب في انهيار إنتاج سمك السلمون بنسبة 60% في البلاد.
وتشير نايلور إلى أن مستويات الاستدامة تختلف داخل قطاع الاستزراع المائي الكيني. ففي مقاطعة سيايا Siaya؛ حيث يهيمن صغار المزارعين على الإنتاج، “يبدو الأمر وكأن كل شيء متكدّس فوق بعضه البعض، وقد ينفجر في أيّ لحظة بسبب مرض أو ظاهرة صعود المياه السطحية”، كما تقول نايلور. ولكن في منطقة خليج هوما Homa في بحيرة فيكتوريا؛ حيث تُستزرع الأسماك ذات القيمة الأعلى، تبدو معايير الاستدامة أعلى بكثير، بحسب ما ذكرت.
تشير نايلور عمليًّا إلى أن الشركات الكبيرة والمتكاملة رأسيًّا قد تكون في وضع أفضل لتربية الأسماك بشكل مستدام، نظرًا لامتلاكها رأس المال اللازم لتوفير أعلاف عالية الجودة تُنتج بطرق مستدامة.
اليوم، لا تمثل إفريقيا سوى 2% إلى 3% من الإنتاج العالمي للاستزراع المائي؛ إذ تُنتج آسيا أكثر من 90% منه. ومع ذلك، يرى عصام ياسين محمد، المدير العام لمنظمة وورلدفيش WorldFish، وهي منظمة بحثية غير ربحية، أن أمام إفريقيا فرصةً سانحةً لتحقيق قفزة نوعية في هذا القطاع. ويعتقد أن بإمكان إفريقيا اللحاق بالركب، مع الاستفادة من أخطاء آسيا.
يقول محمد: “إفريقيا اليوم في نفس وضع آسيا قبل حوالي 40 أو 50 عامًا”. فبينما حققت دول آسيوية مثل الصين وفيتنام وبنغلاديش نموًّا سريعًا في الاستزراع المائي، إلا أن هذا النمو ترافق مع فقدان أشجار المانغروف الساحلية والإفراط في استخدام المضادات الحيوية.
ويعتقد محمد أن التحسين الوراثي لمخزونات الأسماك سيكون عنصرًا أساسيًّا في حل مشكلة إفريقيا. يستمد التحسين الوراثي أصوله من ممارسة التربية الانتقائية القديمة، ولكن يمكن الآن تسريعه باستخدام أساليب التحليل الجيني عالية التقنية، مما يسمح بتربية سلالات محسّنة بوتيرة أسرع.
ومن الأمثلة على ذلك سمك البلطي المُحسَّن وراثيًّا والمُستزرع، والمعروف باسم GIFT، والذي طوّرته منظمة WorldFish. وقد زادت معدلات نمو هذه السلالات بنحو 10% لكل جيل على مدار أكثر من 30 عامًا. ويتطلب سمك GIFT، الأسرع نموًّا، كميات أقل من العلف، الذي يُمثِّل عادةً حوالي 70% من تكاليف تربية الأسماك. يقول محمد: “يُمكن لهذا أن يُقلِّل التكلفة ويُعظّم الربحية للمزارع”. ويضيف: “علاوة على ذلك، ينخفض الأثر البيئي بشكل كبير”.
ويؤكد محمد أن سمك البلطي عباسا Abbassa tilapia، وهو سلالة محسّنة أخرى طورتها WorldFish للسوق المصرية، يتميز بأثر بيئي أقل بنسبة 36% من نظيره البري، مما يعكس سرعة نموّه. كما هو الحال في العديد من المجالات، فإن تحقيق الإمكانات الهائلة للاقتصاد الأزرق في إفريقيا، وتحديدًا في قطاعَي مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، يَعتمد بشكلٍ كبير على التمويل.
وقد كانت القارة في طليعة الدول التي تبنَّت آليات تمويل مُبتكَرة. فعلى سبيل المثال، أصبحت سيشل أول دولة تُصدر سندات سيادية زرقاء في عام ٢٠١٨م. وقد أتاحت هذه الأداة للبلاد استبدال جزء من ديونها ذات الفائدة المرتفعة، مقابل استثمار جزء من المُدّخرات في حماية البيئة البحرية ومصايد الأسماك المستدامة.
البحث عن التمويل:
لا تزال فجوة تمويلية هائلة قائمة. ففي مجال الاستزراع المائي وحده، تُقدِّر منظمة وورلدفيش WorldFish أن إفريقيا بحاجة إلى 12 مليار دولار إضافية سنويًّا. لا تكمن المشكلة في نقص التمويل عالميًّا، إذ يُشير “محمد” إلى أن العالم يُنفق 40 مليار دولار سنويًّا على “إعانات ضارة” للصيد غير المستدام. لكن إفريقيا، كما يقول “محمد”، بحاجة إلى آليات تحفيز أفضل وبيئة سياساتية أقوى لجذب الاستثمارات.
ويضيف: إن الحكومات والجهات المعنية الرئيسية الأخرى لا تزال بحاجة إلى إدراك الإمكانات الحقيقية للاقتصاد الأزرق إذا أرادت ضخ رؤوس الأموال في هذا المجال؛ و”هناك نقصٌ كبير في الوعي بإمكانات هذا القطاع في المنطقة، حتى مِن قِبَل سُكّانها أنفسهم. هناك فجوة في المعرفة”.
إن بناء اقتصاد أزرق مستدام حقًّا لن يكون بالأمر الهيِّن. سيستغرق الأمر وقتًا حتى تُترجَم الأهداف السياسية العامة إلى إجراءات ملموسة. لكنّ حقيقة أن ازدهار الاقتصاد الأزرق الإفريقي أمرٌ حيوي للحفاظ على البيئة وسُبُل العيش والأمن الغذائي باتت أكثر صعوبة في تجاهلها.
…………………….
رابط التقرير:
African Business, Coastal Africa aims to net billions from neglected fishing industry.12/12/2025.at:
https://african.business/2025/12/long-reads/coastal-africa-aims-to-net-billions-from-neglected-fishing-industry










































