ميشيك موتيز([1])
ذي كونفرسيشن([2])
ترجمة: قراءات إفريقية
تدور الآن منافسة صامتة، ولكنها سيكون لها تداعيات مهمة على البنية المالية العالمية، وهو ما يمكن أن يُحدِّد قدرة إفريقيا على تمويل تنميتها بنفسها دون تدخُّلات خارجية؛ ففي الأشهر الأخيرة، ظهرت أصوات قوية من صندوق النقد الدولي ونادي باريس وبنك الاستثمار الأمريكي (جي بي مورجان)، تساءلت عن قيمة مكانة ووضعية “الدائن المفضل” لمؤسسات تمويل التنمية المالية الإفريقية متعددة الأطراف؛ [وهي مؤسّسات مالية تنموية مملوكة جماعيًّا لدول إفريقية (وأحيانًا شركاء دوليين)، هدفها تمويل التنمية الاقتصادية في إفريقيا عبر القروض، الضمانات، المِنَح، والاستثمارات، وتتكون من مجموعة من البنوك التنموية الإقليمية التي تعمل عبر حدود الدول لتمويل البنية التحتية، الطاقة، التجارة، الزراعة، والصناعة]، وتشمل هذه المؤسسات بنك التصدير والاستيراد الإفريقي (Afreximbank) وبنك التجارة والتنمية (TDB).
وحالة “الدائن المفضل” هي ممارسة طويلة الأمد في التمويل العالمي؛ فهي تُعطي مؤسسات تمويل التنمية متعددة الأطراف (الإفريقية في هذه الحالة) الأولوية في السداد عندما يُواجه بلدٌ ما ضائقةً مالية. فالفكرة ببساطة أن تعمل هذه المؤسسات على تعزيز التنمية، وفي أثناء الأزمات، يتدخلون من خلال الإقراض المضاد للتقلبات الدورية، مما يزيد الدعم المالي عندما ينسحب الدائنون التجاريون العاديون مخافة المخاطر الناجمة عن تلك التقلبات.
وتعتمد هذه الموثوقية على تصنيفاتها الائتمانية القوية، والتي تعتمد بدورها على ضمان سدادها حتى عندما لا يتم سدادها للآخرين، وهذا الضمان هو ما يضمنه وضع “الدائن المفضل”. ويتمتع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنوك التنمية الإقليمية في آسيا وأمريكا اللاتينية بهذه الحماية من الناحية العملية، وبذلك فإن المقترضين يحترمون هذه الاتفاقية؛ لأن انتهاكها من شأنه أن يُهدِّد قدرتهم على الوصول إلى القروض الميسرة في المستقبل؛ وهي: القروض المقدَّمة بأسعار فائدة أقل بكثير وشروط أخرى.
وتزعم الأصوات المناهضة للمؤسسات المالية الإفريقية متعددة الأطراف أن اقتصادها صغير جدًّا لكي يستحق وضع الدائن المفضل. أو أنهم، على النقيض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لا يُقدّمون القروض بأسعار ميسَّرة. حتى بنك “جي بي مورجان” حذَّر من أن بنوك التنمية في إفريقيا قد تفقد مكانتها تمامًا.
قد يبدو النقاش حول وضع الدائن المفضَّل لمؤسسات تمويل التنمية متعددة الأطراف في إفريقيا فنيًّا. ولكنه ليس كذلك، وإذا تركت هذه الرواية دون مُواجهة، فإنها يمكن أن تبرّر استمرار ارتفاع أسعار الفائدة التي تواجهها إفريقيا في الأسواق الدولية. وبالاعتماد على عقود من باحث أسواق رأس المال في إفريقيا والمؤسسات التي تحكمها، يُوصي كاتب هذه المقالة الحكومات الإفريقية بإعادة التأكيد على وضع الدائن المُفضَّل لبنوك التنمية متعددة الأطراف والدفاع عنه.
ويتعيّن على بنوك التنمية الإفريقية متعددة الأطراف أيضًا أن تعمل بشكل جماعي للدفاع عن مصداقيتها. ويتعيّن على الاتحاد الإفريقي أن يدمج وضع الدائن المفضل لبنوك التنمية في القارة في سياساته، من خلال “أجندة السيادة المالية”.
الامتياز غير المكتوب مقابل القانون:
بالنسبة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ونادي باريس، فإن وضع الدائن المفضل هو امتياز غير مكتوب، أما بالنسبة لبنوك التنمية الإفريقية متعددة الأطراف، فهذا قانون، ومِن ثَم فإنّ المعاهدات التأسيسية لكل من: أفريكسيم بنك Afreximbank، وبنك التنمية الإفريقي وتي دي بيTDB ؛ تُكرِّس هذه الحالة صراحةً، فهذه المعاهدات تم تسجيلها بموجب المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة، مما يجعلها ملزِمة بموجب القانون الدولي. وقد صادقت الدول الأعضاء الإفريقية أيضًا على هذه الاتفاقيات كقانون محلي.
وهذا يجعل وضع بنوك التنمية الإفريقية متعددة الأطراف أكثر أمنًا من الناحية القانونية من نظيرتها التي أُنشئت طبقًا لمؤسسات اتفاقية بريتون وودز. ومع ذلك، فإن البنوك الإفريقية هي التي يوصف وضعها الآن بأنه “غير مؤكد” أو “جدلي”. ومِن ثَمَّ يتعين على الحكومات الإفريقية أن تُصحّح هذا التصور. وقد فعل الاتحاد الإفريقي وأعضاؤه ذلك بالفعل بتأييد هذا المبدأ، ولكن هناك حاجة إلى بيانات عامة أقوى ومنسَّقة، وخاصةً من جانب وزراء المالية والبنوك المركزية. وسيكون الهدف هو طمأنة المستثمرين بأن هذه الحماية حقيقية وقابلة للتنفيذ ومدعومة بالإرادة السياسية.
العمل الجماعي:
وقد شهدت مؤسسات مثل بنك أفريكسيم بنك، AfDB، وبنك التنمية الإفريقي، وبنك شيلتر أفريك للتنمية، ومؤسسة التمويل الإفريقية نموًّا سريعًا. فهم، في المجمل، يستحوذون على أكثر من 640 مليار دولار أمريكي من الأصول، بتوسع قدره نحو 15% سنويًّا. لقد قاموا بحشد المليارات من أسواق رأس المال العالمية، وكثَّفوا الإقراض عندما انسحب التمويل العالمي، كما قاموا بتنويع أصولهم بالاستثمار في سندات الباندا في الصين [وهي: سندات تُصْدرها الحكومة الصينية باليوان]، مما يُثبت مرونتها وقدرتها على الاستفادة من أسواق رأس المال غير التقليدية.
لكنّ نجاحهم أثار ردود فِعْل عكسية؛ فقد بدأ الدائنون الدوليون ووكالات التصنيف في التشكيك في وضعهم كدائن مُفضَّل، ووصفوه بأنه “ضعيف” أو “هشّ”. وهذا له عواقب حقيقية؛ لأنه يُضْعِف ثقة المستثمرين. ويطالب المستثمرون بعوائد أعلى، مما يرفع تكلفة الاقتراض بالنسبة للبنوك، وبالتالي بالنسبة للدول الإفريقية، استنادًا إلى عامل خطر غير موجود.
ولمواجهة ذلك، يتعيّن على بنوك التنمية الإفريقية متعددة الأطراف أن تنسّق استجاباتها، فحديثًا تم تشكيل رابطة المؤسسات المالية الإفريقية متعددة الأطراف، وهي منصة واعدة، وينبغي لها أن تكون أكثر نشاطًا، وأن تصبح الصوت المُوحَّد الذي يدافع عن وضع الدائن المفضَّل، وينبغي استخدامه لإصدار آراء قانونية مشتركة، والتعامل مباشرة مع وكالات التصنيف الائتماني وأعضاء نادي باريس، وإدارة حملات تثقيفية عالمية للمستثمرين تُوضّح الوضع القانوني والأداء القوي لبنوك التنمية الإفريقية متعددة الأطراف. ويتعين على بنوك التنمية في القارة أن تتحدَّث بصوت واحد، فالصمت يسمح للآخرين بتحديد مصداقيتهم.
السيادة المالية للقارة:
إنّ حماية وضع الدائن المفضَّل لا تتعلق بالتمويل الفني فحسب، بل إن الأمر يتعلق بالسيادة؛ حيث تعمل إفريقيا على بناء نظامها المالي الخاص من خلال وكالة التصنيف الائتماني الإفريقية. أما المؤسسات المالية الأخرى في النظام –والتي لم تعمل بعدُ– فهي البنك المركزي الإفريقي، بنك الاستثمار الإفريقي وصندوق النقد الإفريقي. وسيكون هدفهم هو تقليل الاعتماد على الجهات الفاعلة الخارجية وإبقاء أجندة التنمية في إفريقيا في أيدي الأفارقة.
معركة الوعي:
يعتمد التمويل العالمي على الوعي والإدراك الذي تُشكّله التقييمات المختلفة، وأولئك الذين يتحكمون في الروايات يتحكمون في تكلفة المال، وإذا استمر تحريف وضع الدائن المفضَّل لمصارف التنمية الإفريقية متعددة الأطراف، فإن قدرة إفريقيا على الوصول إلى التمويل ميسور التكلفة ستظل رهينة للرأي الخارجي وليس للواقع القانوني.
كما أنه من شأنه أن يُضْعِف بنوك التنمية الإفريقية في الوقت الذي أصبحت فيه أكثر فعالية، وتعتمد قدرتهم على الاقتراض بسعر رخيص وبشروط مُواتية على تصنيفاتهم الائتمانية، التي تعتمد على افتراض أنه سيتم سدادها أولًا في حالة الضائقة، وإذا اهتزَّ هذا الافتراض، فإن تكاليف الاقتراض سوف ترتفع.
ومن خلال إعادة التأكيد على الأساس القانوني لوضع الدائن المفضل لبنوك التنمية الإفريقية متعددة الأطراف، وتنسيق استجابتها، ودمج هذا الوضع في إطار السيادة المالية للاتحاد الإفريقي، تستطيع الحكومات الإفريقية ومُقرضي التنمية متعددي الأطراف حماية واحدة من أهم الأدوات لتمويل التنمية بأسعار معقولة. ولا يتعلق الأمر بالدفاع عن المؤسسات فحسب، بل يتعلق بالدفاع عن حق إفريقيا في تمويل مستقبلها بشروط عادلة.
…………………………………..
[1]– باحث ما بعد الدكتوراه، كلية الدراسات العليا في إدارة الأعمال (GSB)، جامعة كيب تاون.
[2]– نشر بتاريخ 3 نوفمبر 2025م، على الرابط التالي: https://bit.ly/47DPbLR.










































