تكليهيمانوت ج. ويلديميشيل([1]) – برهان مزغبو([2])
ذي كونفرسيشن([3])
ترجمة: قراءات إفريقية
دمَّرت المجاعة –والتي تُعرّف بأنها الندرة الشديدة في الغذاء–، منطقة تيغراي في إثيوبيا في أثناء وبعد حرب استمرت عامين بدأت في نوفمبر 2020م. ومع ذلك، فإن تأثير المجاعة هو أحد أقل التأثيرات توثيقًا في خضم الأزمات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.
وعلى الرغم من الحجم الهائل لـلمعاناة والعواقب بعيدة المدى لحرب 2020- 2022م؛ لم يتم إيلاء الاهتمام الكافي لجميع جوانب الكارثة، أو ما يساعد على تمكين المنطقة من التعافي بعد الحروب الأهلية.
إن البُعد المتعلق بالمجاعة في الصراع، وما يرتبط به من كيفية استخدام المجاعة كسلاح في الحرب، وكيف تستمر في تشكيل المنطقة حتى اليوم قد فشل إلى حدّ كبير في جذب الاهتمام العالمي والمحلي الذي كان يجب أن يتلقَّاه، ولكن كباحثين وشهود مباشرين للحدث لدينا ما تم متابعته عن كثب وبوثائق مكتوبة على نطاق واسع حول أزمة تيغراي منذ عام 2020م.
ففي مقالة حديثة نشرتها مؤسسة السلام العالمي، –وهي مؤسسة بحثية تركّز على فهم ومنع الصراعات، وخاصة في إفريقيا–، جادلنا بأن المجاعة في تيغراي تم إنتاجها عمدًا وتم حجبها عمدًا، وفي مقالة صحفية أخرى حديثة درس أحد كاتبي هذه المقالة كيف أنشأت الحكومة الإثيوبية وحلفاؤها منطقة مظلمة ومجهولة حول حرب تيغراي.
ومن وجهة نظرنا، فقد تم استخدام المجاعة كسلاح في حملة التدمير في تيغراي؛ حيث لدينا بحث ورسومات حول التقارير الإنسانية والشهادات وصور الأقمار الصناعية وبيانات الصراع يمكن من خلالها إعادة بناء كيفية تطور الحرمان والجوع؛ لقد درسنا مَن تأثر بها، ولماذا فشلت أنظمة الكشف عن المجاعة العالمية في التعرف على حجم الأزمة.
إن الافتقار إلى البيانات الموثوقة الناجمة عن القيود الحكومية والتقاعس الدولي والنقاط العمياء الهيكلية في أنظمة مراقبة المجاعة العالمية أخفى حجم المجاعة في واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين.
فقد كانت تلك المجاعة في تيغراي ليست نتيجة مباشرة للحرب، ولكنها كانت نتيجة لسياسات حصار عسكري وحصار اقتصادي وعرقلة المساعدات كانت تهدف عمدًا إلى تدمير حياة المدنيين. إن الفشل في توثيق المجاعة له آثار وتداعيات خطيرة، فهو يُشوِّه الفهم العالمي لما حدث في تيغراي، ويَحُدّ من المساءلة عن جرائم الحرب، ويترك المجتمع الدولي غير مستعدّ لأيّ استجابة مستقبلية للمجاعات الناجمة عن الإجراءات السياسية.
فعندما لا يتم تسجيل المجاعة، فإن معاناة شعوب بأكملها تُمْحَى من الخريطة الأخلاقية والسياسية للعالم، كما أن ذلك يُضْعِف الآليات المُصمَّمة لمنع تكرار مثل هذه الفظائع في أماكن أخرى.
ونتيجة لذلك، فإن المجاعات الحديثة الناجمة عن العنف السياسي في أماكن مثل تيغراي والسودان وغزة كان يتم تجاهلها أو التقليل من أهميتها أو حتى رفضها بالكلية، حتى فوات الأوان.
الخلفية: الحرب والحصار
لقد اندلعت حرب تيغراي في نوفمبر 2020م بين القيادة المركزية لجبهة تحرير شعب تيغراي والحكومة المركزية. وقد اتسمت منذ الأيام الأولى بالتدمير والنهب المنهجي وواسع النطاق للبنى التحتية الاجتماعية والاقتصادية. وتعرَّضت الصناعات والمزارع وأنظمة الري ومخزونات الأغذية وحقول المحاصيل والبساتين ومرافق تخزين الأغذية والشركات في جميع أنحاء تيغراي للنهب والتدمير.
وإلى جانب الأضرار المادية؛ عملت قوات الحكومة بشكلٍ نَشِط على منع المزارعين من حرث أراضيهم وزراعتها، وفي غضون ستة أشهر، أدَّى هذا إلى دَفْع تيغراي، -المنطقة التي تؤوي حوالي ستة ملايين شخص في ذلك الوقت-، إلى المجاعة الجماعية.
وفي المجاعات الناجمة عن الكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية، غالبًا ما تكون المجتمعات الفقيرة أو تلك الموجودة في المناطق النائية هي الأكثر تضررًا، وفي تيغراي، تعرَّضت الأماكن الواقعة على طول الطرق للدمار؛ لأنها كانت في متناول القوات الغازية. وأعقب تدمير ونهب البنية التحتية حصار استمر أكثر من عامين؛ حيث فرضت الحكومة الإثيوبية وحلفاؤها حصارًا واسع النطاق على تيغراي. فلقد تم إغلاق البنوك وتجميد الحسابات المصرفية للمواطنين من أصل تيغراي سواء داخل المنطقة أو على مستوى البلاد، كما توقفت حركة الأشخاص والبضائع والمساعدات الإنسانية من وإلى المنطقة وداخل تيغراي بشكل شبه كامل.
كما تم قطع الاتصالات والوصول إلى وسائل الإعلام؛ حيث أدَّى الحصار متعدد الطبقات إلى عزل تيغراي عن العالم بشكل شبه كامل، وتم عرقلة الإمدادات التجارية والإنسانية عمدًا طوال معظم الفترة. وقد أدَّى ذلك إلى انتشار الحرمان والمعاناة والموت على نطاق واسع، ولم يَحْظَ الكثير منها إلا بالقليل من التوثيق أو الاعتراف. وتصف بعض الدراسات الصراع الآن بأنه الإبادة الجماعية الأكبر والصراع الأكثر دموية في القرن الحادي والعشرين؛ حيث يقدر عدد الضحايا بنحو 800 ألف شخص قُتلوا بسبب المجازر والاختفاء القسري والمجاعة.
حتى بعد وقف إطلاق النار بوساطة الاتحاد الإفريقي في 2022م فإن الجوع والحرمان استمرا خاصةً في المناطق الغربية والمناطق المتاخمة لإريتريا، كما لم يتمكّن السكان الحضريون الذين دُمِّرت سبل عيشهم وأماكن عملهم من إعادة البناء حتى الآن.
الآثار المترتبة:
تكشف مجاعة تيغراي عن عيوب عميقة في كيفية قيام المؤسسات العالمية –بما في ذلك الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية الدولية–، بقياس وتصنيف المجاعة؛ فقد أدَّى الحصار إلى منع وصول المساعدات الإنسانية وجمع البيانات، وهذا جعل من الصعب قياس المجاعة وتعريفها، كما كان من الأسهل على الحكومة المركزية إنكارها.
وتعتمد أُطُر تعريف “المجاعة” الدولية على مؤشرات مثل أسعار المواد الغذائية في السوق ومعدلات سوء التغذية بين النازحين، كما يتم الأخذ في الاعتبار مدى فشل المحاصيل، وفقدان الثروة الحيوانية، وتعطل سُبُل العيش في المناطق الريفية، وليس فقط في الأُسَر الحضرية أو موظفي الخدمة المدنية أو صغار التجار الذين غالبًا ما لا يُضارون من المجاعة، ولكنّ قياس أثرها على المجموعات التي كانت من بين الأكثر تضررًا في تيغراي، وكل ذلك لا يشمل أشكال الحرمان الحضرية، مثل الاستبعاد المصرفي أو الخسارة المفاجئة للرواتب أو الأصول. وقد أدَّى اعتماد الوكالات الدولية على البيانات الحكومية الرسمية إلى فشل عملية التقييم، كما كان غياب البيانات يتم التعامل معه على أنه لا توجد معاناة.
فقد كانت المجاعة في تيغراي محاولة متعمدة لإضعاف وإذلال السكان، كما أن التداعيات تجاوزت إثيوبيا؛ حيث إنها تكشف كيف تظل الأنظمة العالمية غير مُجْدية في عملية توثيق المجاعة الناجمة عن أسباب سياسية أو الاستجابة لها بسبب التعتيم الحكومي في أغلب الأحيان.
ما الذي يجب أن يتغيَّر؟
لمنع التعتيم الحكومي على المجاعات في المستقبل، لا بد من إحداث تحوُّل في أنظمة الكشف عن المجاعات والاستجابة الإنسانية على مستوى العالم.
أولًا: يتعين على الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية إصلاح مقاييس وأنظمة تقييم المجاعة؛ بحيث تأخذ في الاعتبار المجاعة الناجمة عن أسباب سياسية. ويجب عليهم أن يُدْرِجوا الفئات الحضرية ومتوسطة الدخل في تحليلاتهم؛ حيث سيساعد ذلك في تحديد وكشف إستراتيجيات المجاعة المتعمدة في وقت مبكر.
ثانيًا: ينبغي لهيئات حقوق الإنسان أن تُحقّق في المجاعة باعتبارها عملًا متعمدًا من أعمال الحرب وليس باعتبارها نتيجة ثانوية مؤسفة لبعض الأحداث العارضة؛ حيث ستعتبر هذه خطوة مهمة في اتجاه محاسبة مرتكبي هذه الجرائم على سياسات قمعية وممنهجة مثل الحصار والعزل وعرقلة المساعدات.
ثالثًا: يتعين على الحكومات المانحة والمنظمات الإنسانية أن تُصِرّ على المساءَلة والشفافية في تعاملها مع الدول التي تُعرقل وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المحتاجين.
وأخيرًا، ينبغي للباحثين ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان أن يستمروا في توثيق كيفية عمل المجاعة كأداة للإبادة الجماعية؛ فهذا من شأنه أن يضمن أن عدم وجود معلومات أو تعتيم لا يحمي الجناة من التدقيق، ففي عصر الاتصال العالمي، فإن غياب البيانات يجب أن يؤدي إلى إجراء تحقيقات.
إنّ الفشل في التعلم من حصار تيغراي من شأنه أن يترك العالم أعمى تمامًا عن المجاعة المحتملة المقبلة.
……………………………………………………………………………………………………
[1]– محاضر في البيئة والتنمية، جامعة مانشستر.
[2]– باحث أكاديمي، جامعة تافتس.
[3]– نشر في 2 نوفمبر 2025، على: http://bit.ly/4nA5CyO










































