في يوم 12 من شهر نوفمبر الجاري أعلنت الحكومة النيجيرية عن إلغاء سياسة التدريس باللغة الأم في مدارسها الابتدائية، والعودة كليًّا إلى التدريس فقط بالإنجليزية (اللغة الاستعمارية التي أصبحت رسمية في نيجيريا، وتُستخدَم في الحكومة والتعليم والإعلام والتجارة، وتعمل كلغة مشتركة لمجموعاتها الإثنية المتنوعة)([1]).
وقد كشف عن هذا القرار وزير التعليم النيجيري الدكتور “تونجي ألاوسا”، واصفًا إياه بأنه “مبنيّ على الأدلة”، بالرغم من أنه يتعارض مع العديد من الأبحاث العالمية والدراسات الإفريقية، بما في ذلك تلك التي رعتها الحكومة النيجيرية، والتي أظهرت أن الأطفال يتعلمون بشكل أسرع وأفضل عند تدريسهم باللغة الأم التي يتحدثونها في المنزل.
فما هي سياسة التدريس باللغة الأم في نيجيريا؟ وما دوافع الحكومة لإلغائها؟ وكيف يمكن تقييم طريقة التنفيذ الحكومي لها؟ وما تداعيات إلغائها؟
أولًا: سياسة التدريس باللغة الأم في نيجيريا
يُعدّ التدريس باللغة الأم في نيجيريا ضمن الخطوة الطموحة باسم “السياسة اللغوية الوطنية” (National Language Policy) بصيغتها المنقحة والمعتمدة عام 2022م([2]). وهذه “السياسة اللغوية الوطنية” إطار شامل وضعه “المجلس النيجيري للبحث والتطوير التربوي” (Nigerian Educational Research and Development Council) لتنظيم استخدام جميع لغات نيجيريا وتطويرها. وكان هدفها الرئيسي تسخير التنوع اللغوي الكبير في البلاد لتحقيق تنمية وطنية مستدامة، وتعزيز الهوية الثقافية، وتحقيق نتائج تعليمية مُنصِفَة لجميع الطلاب. وقد اعتُبرت أول إطار عمل شامل في نيجيريا؛ حيث وسَّع نطاق أحكام السياسة إلى ما يتجاوز قطاع التعليم، لتشمل مجالات مثل الحوكمة والإعلام والتكنولوجيا والصحة، وذلك إيمانًا من الحكومة النيجيرية آنذاك بأن جميع اللغات النيجيرية موارد متساوية وضرورية للنمو الوطني.
وقد كان العنصر الأكثر محورية في “السياسة اللغوية الوطنية” هو البند المتعلق بوسيلة التدريس في التعليم الأساسي (وهو ما ألغيت مؤخرًا)؛ إذ نصّت السياسة على أن تكون اللغة الأم (mother tongue) أو لغة المجتمع المحلي (Language of the Immediate Community) هي اللغة المستخدَمة لتدريس جميع المواد الدراسية من مرحلة الطفولة المبكرة (Early Childhood Education) وحتى الصف السادس الابتدائي. وهذا يتجاوز “سياسة التعليم الوطنية” (National Policy on Education) السابقة لعام 2013م، والتي كانت تُلِزم فقط بتدريس اللغة الأم من الصف الأول الابتدائي إلى الصف الثالث الابتدائي([3]).
وقد استندت سياسة عام 2022م إلى عقود من البحث التربوي، بما في ذلك دراسات نيجيرية بارزة، مثل مشروع “إيفي للمرحلة الابتدائية” (بين عامي 1970 و1978م) الذي أظهر تفوّق التلاميذ الذين تعلموا بالكامل بلغتهم الأم (يوروبا) لمدة ست سنوات على أقرانهم الذين تعلموا بالإنجليزية فقط في جميع المواد، بما في ذلك مادة اللغة الإنجليزية نفسها، مع تحسّنات في مهارات القراءة والكتابة والحساب الأساسية([4]). وحدَّدت هذه السياسة (لعام 2022م) أن تكون اللغة الإنجليزية مجرد مادة أساسية تُدرَّس خلال المرحلة الابتدائية، وتصبح لغة التدريس الرئيسية فقط على مستوى المدرسة الإعدادية والثانوية.
يضاف إلى ما سبق أن “السياسة اللغوية الوطنية”، إلى جانب التدريس، شملت خطة مفصلة حول تقييم حالات جميع اللغات النيجيرية والتخطيط لمحتوياتها، بهدف تعزيز الأدوار الاجتماعية والإستراتيجية للغات الأصلية من خلال تشجيع استخدامها في المجالات ذات المكانة الرفيعة، كالحكومة والنظام القانوني، مع الدعوة إلى تشريعات تُقر بأهميتها الوظيفية. وتضمّنت أيضًا التخطيط لإستراتيجيات مُحدَّدة لتطوير هذه اللغات، وخاصة لغات “الأقليات”، وتدوينها وتوحيدها. إضافةً إلى مساعي إجراء بحوث دقيقة، ووضع مصطلحات حديثة، وتجميع قواميس شاملة، وتطوير كتب مدرسية ومواد تعليمية عالية الجودة؛ لضمان أن تكون جميع اللغات الأصلية وسائط فعَّالة للتعليم والتواصل الحديثين([5]).
وقد استُرشد في تنفيذ السياسة (لعام 2022م) بوثيقة مخصصة، هي “الدليل الإرشادي الوطني لتنفيذ السياسة اللغوية” (National Language Policy Implementation Guideline)، التي حددت إستراتيجيات متعددة القطاعات على مختلف المستويات الحكومية. وشملت تدابير التنفيذ الرئيسية إنشاء مراكز لبحث وتطوير اللغات، وإطلاق برامج مكثَّفة لبناء القدرات وتدريب المعلمين تُركز على أصول تدريس اللغة الأم، وتأمين تمويل كبير لتوفير الموارد.
ثانيًا: دوافع الحكومة النيجيرية لإلغاء التدريس باللغة الأم
من خلال تصريحات وزير التعليم النيجيري الدكتور “ألاوسا”، وتقارير الإعلام المحلي، يمكن تحديد دواعي الحكومة النيجيرية لإلغاء التدريس باللغة الأم في أربع نقاط رئيسية، هي:
1-نتائج ضعيفة منذ بدء اعتماد السياسة:
برّر وزير التعليم قرار إلغاء السياسة بالإشارة إلى ضعف الأداء في الامتحانات الوطنية الرئيسية مؤخرًا. وذكرت الحكومة النيجيرية أن تحليلًا للبيانات الصادرة عن هيئات وطنية، وتحديدًا “مجلس امتحانات غرب إفريقيا” (West African Examinations Council = WAEC)، و”المجلس الوطني للامتحانات” (National Examinations Council = NECO)، و”مجلس القبول والتسجيل المشترك” (Joint Admissions and Matriculation Board = JAMB) المعنيّ بامتحانات القبول في المؤسسات التعليمية العليا النيجيرية؛ قد أظهر “معدلات رسوب جماعية” في بعض الأقاليم الجيوسياسية النيجيرية التي “أفرطت” في تبنّي سياسة اللغة الأم([6]).
وفي حين لم تُفْصِح الحكومة عن نِسَب الرسوب المحددة في تلك الأقاليم، إلا أن وزير التعليم أكَّد بأن هذه السياسة “دمَّرت التعليم حرفيًّا” في تلك الأقاليم على مدار العقد ونصف العقد الماضيين؛ حيث يتقدم الطلاب إلى مستويات أعلى دون مهارات أساسية، ويواجهون صعوبات في فَهْم أساسيات اللغة الإنجليزية، وهي لغة التدريس لجميع الامتحانات الرئيسية عالية الأهمية.
2-التنوع اللغوي:
شكّل التنوع اللغوي العميق في نيجيريا تحديًا لوجستيًّا هائلاً لهذه السياسة باعتبار كثرة اللغات الأصلية في نيجيريا (أكثر من 500 لغة أم، مع انقراض 29 لغة منها). وهذا يعني أن تطبيق التدريس باللغة الأم حتى الصف السادس الابتدائي يتطلب تطوير قواعد الإملاء، وطباعة الكتب المدرسية، وتدريب المعلمين على مئات اللغات المختلفة([7]). وقد صعَّب هذا التعقيد تطبيق السياسة في المراكز الحضرية متعددة اللغات، مثل مدينة لاغوس؛ حيث يمكن أن تتباين “لغة المجتمع المحلي” بشكل كبير داخل المنطقة التعليمية الواحدة. وفي بعض الولايات الشمالية، بينما قد تُعتَمد لغة أغلبية، مثل هوسا، كوسيلة للتعليم والتدريس، إلا أن اللغة الأم الفعلية للعديد من التلاميذ قد تكون “كانوري” أو لغة أقلية شمالية أخرى، مما يُعيق فاعلية هذه السياسة حتى في حال اعتمادها.
وفي حين يبدو وكأن الحل المناسب يكمن في التدريس بلغة أصلية سائدة في كل إقليم نيجيري (مثلاً: يوروبا في الجنوب، وإيبو في الشرق، وهوسا في الشمال)؛ إلا أن تطبيق ذلك سيفاقم التوترات الإثنية وشعور المظالم السياسية وشكاوى التهميش وهيمنة الإثنيات “الأغلبية” على حساب الإثنيات “الأقلية”. وهو ما تحاول الحكومة تفاديه نظرا للحساسيات المرتبطة به.
3-عامل التنافسية العالمية:
يرى بعض النيجيريين أن إلغاء التدريس باللغة الأم والعودة إلى الانجليزية سيعززان القدرة التنافسية العالمية لنيجيريا من خلال توحيد معايير التعليم باللغة الإنجليزية، وهي اللغة العالمية الأساسية للتجارة والتكنولوجيا والبحوث “المتقدمة”. وقد بررت الحكومة ذلك أيضًا بأن جميع المجالات الأكاديمية والمهنية رفيعة المستوى في نيجيريا تعتمد بشكل شبه حصري على الإنجليزية، وأن تأخير انغماس الطلاب في هذه اللغة حتى المرحلة الثانوية سيُضعف فرصهم الوظيفية والاقتصادية. وقد أكَّد وزير التعليم أن هدف الإصلاحات التعليمية النيجيرية الأخيرة هو تزويد الطلبة بالمهارات اللازمة للنجاح في اقتصاد عالمي سريع التغير، وأنه من خلال إعادة اعتماد الإنجليزية وسيلةً للتعليم من مرحلة ما قبل الابتدائي إلى المرحلة الجامعية، تحاول الحكومة ضمان امتلاك الخريجين النيجيريين لكفاءة قوية في الإنجليزية لكي يتمكّنوا من التنافس الفاعل على الوظائف الدولية والمشاركة في المجتمع الأكاديمي العالمي([8]).
4-صعوبة الانتقال اللغوية:
ترى الحكومة النيجيرية أن السياسة خلقت صعوبة انتقالية شديدة بسبب التحول المفاجئ من التعليم القائم على اللغة الأم (في المراحل الابتدائية) إلى التعليم القائم على الإنجليزية في منتصف أو نهاية مرحلة التعليم الأساسي (من الصف السادس الابتدائي إلى المراحل الثانوية). ويستدل هذا الموقف بأن الطلبة الذين دُرِّسوا موادّ معقدة، كالرياضيات والعلوم، بلغتهم المحلية لست سنوات، يفتقرون إلى الكفاءة اللغوية الأكاديمية المعرفية اللازمة في الإنجليزية للتعامل المفاجئ مع المواد المتقدمة باللغة الجديدة (الانجليزية)، وأنّ هذا قد أدَّى إلى ضعف الأساس التعليمي، وساهم في ضعف الأداء في الامتحانات الوطنية.
ويُوحي تراجع الحكومة ضمنيًّا بأنها ترى أن هذا التحول اللغوي لم يكن “انتقالًا سلسًا”، بل كان خطوةً “مفاجئةً” حرمت المتعلمين من فرصهم، وأدَّت إلى ارتفاع معدلات التسرب الدراسي وعدم اكتساب المهارات الأساسية عند وصولهم إلى المرحلة الثانوية، وبالتالي يواجهون التحديات عند محاولة الالتحاق بالجامعة التي تكون جميع امتحاناتها ودروسها بالإنجليزية.
ثالثًا: تقييم التنفيذ الحكومي للسياسة وتداعيات إلغائها
لقد أتبعت الحكومة النيجيرية إعلان إلغاء التدريس باللغة الأم، بإطلاق سياسة لغوية شاملة أخرى تنصّ على أنه رغم جَعْل الإنجليزية لغة التدريس لجميع المواد الدراسية؛ فإنها تُشجّع المدارس على تدريس اللغات الأصلية النيجيرية كمواد إلزامية في المناهج الدراسية، داعية إلى تركيز الجهود على الحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيز الوحدة الوطنية.
ومع ذلك، فإن قرار إلغاء التدريس باللغة الأم يتعارض مع ما أكَّدته اليونسكو من أن لغة التدريس لا تزال تشكل عائقًا كبيرًا أمام المساواة في التعليم، مما يستدعي إيجاد مواد تعليمية باللغات الأصلية والمحلية([9]).
وتتحدَّد التداعيات الرئيسية لقرار الحكومة النيجيرية في التالي:
1-انقلاب سياساتي وتجاهل لنتائج دراسات محلية:
يُمثِّل القرار “انقلابًا سياساتيًّا” وتجاهلًا لنتائج الدراسات المحلية؛ حيث إن الحكومة تخلَّت عن عقود من البحث اللغوي الراسخ داخل نيجيريا، والتي منها مشروع “إيفي للمدارس الابتدائية النيجيرية”. وعلى الصعيد الإفريقي، يتناقض القرار مع سياسات ناجحة في دول إفريقية أخرى، مثل دولة إثيوبيا التي أدَّى إدخال التدريس باللغة المحلية في التعليم الابتدائي عام 1994م، إلى زيادة قدرة الطلبة على القراءة بنسبة 40 في المئة([10]).
كما أن إصرار وزير التعليم النيجيري على أن التدريس باللغة الأم يضرّ بنتائج التعلّم ويدمّر التعليم الأساسي، يخالف تمامًا ما كشفته اليونسكو بأن “ضعف نتائج التعلم غالبًا ما يكون ناتجًا عن ضعف أنظمة التنفيذ، وليس عن التوجهات السياساتية الأساسية”. وهناك من خبراء اللغة النيجيريين من يرى أن وصف الحكومة السياسة بالفشل بمثابة تقييم سابق لأوانه؛ لأن الإصلاحات الكبرى تتطلب وقتًا طويلاً واستثمارًا كبيرًا، وخاصةً أن الخبراء النيجيريين اتفقوا على أن نقص الكوادر المؤهلة والمواد التعليمية كان نقطة فشل حرجة للسياسة؛ لأن تنفيذها الناجح تطلّب مجموعة كبيرة من المعلمين المتقنين للغة الأم المحلية والمُدرَّبين على تدريس المواد باستخدام تلك اللغة المحلية([11]).
بل ويبدو القرار كهروب حكومي من القضايا الحقيقية التي أعاقت السياسة، والمتمثلة في نقص تمويل قطاع التعليم (الذي يتلقَّى تمويلًا أقل بكثير من النسبة التي تُوصي بها اليونسكو، والبالغة 15-20% من الميزانية)، والنقص الحاد في المعلمين المدربين على أصول التدريس ثنائية اللغة، ونقص الكتب المدرسية عالية الجودة بلغات “الأقليات الإثنية”، إضافة إلى عدم توافر الكتب المدرسية الأساسية، وغيرها من الأدوات والآليات لتنفيذ السياسة؛ وهو ما يعني أن هذه سياسة التدريس باللغة الأم لم تُمنَح فرصة عادلة من البداية.
2-التأثير على طلبة الريف:
قد يُلحق الانتقال إلى التدريس باللغة الإنجليزية فقط ضررًا بالغًا بطلبة الريف الذين لا يتقنون الإنجليزية بقدر نظرائهم في المناطق الحضرية؛ إذ في المجتمعات الريفية، لا يتعرض معظم الأطفال للغة الإنجليزية في البيئة المنزلية، على عكس المراكز الحضرية التي تسودها وسائل الإعلام والمدارس الخاصة التي تعتمد على الإنجليزية. ويعني فرض الإنجليزية لغةً وحيدةً للتدريس في مرحلة ما قبل الابتدائي أن الطفل الذي يصل إلى المدرسة متحدثًا لغته المحلية فقط سيواجه فورًا “عبئًا معرفيًّا زائدًا”؛ إذ يتعين عليه تعلُّم اللغة ومحتوى المادة في آنٍ واحد. وهذا يُشكِّل عائقًا كبيرًا أمام الالتحاق، ويؤدي إلى الإحباط المبكر وزيادة معدل التسرب في المدارس الحكومية شحيحة الموارد.
ويُهدِّد هذا القرار بتعميق التفاوت التعليمي، وخاصة بين الأقاليم الجنوبية والشمالية النيجيرية، كما قد يُوسِّع الفجوة التعليمية بين المدارس الحكومية والخاصة؛ لأن معظم المدارس الخاصة في المناطق الحضرية تُوظِّف معلمين أفضل تدريبًا، وتبدأ برنامج الانغماس في اللغة الإنجليزية في وقتٍ مبكر، مما يسمح لطلابها بالانتقال بسلاسة أكبر. وفي المقابل، ستواجه المدارس الحكومية الريفية، التي تعاني أصلًا من نقص المعلمين المؤهلين، صعوبة في تقديم تعليم مؤثر باللغة الإنجليزية فقط.
3-التداعيات الثقافية:
ينفي فرض التدريس باللغة الإنجليزية فقط ثقافة الطفل النيجيري ويحرمه من لغته الأم، ويضع عبء التعلم بالكامل على قدرة المدرسة على تدريس لغة ثانية بكفاءة، وهي مهمة صعبة باعتبار أوضاع المدارس النيجيرية الحالية. ومن خلال عدم استخدام اللغة الأم المألوفة كـ”جسر”، تُخاطر هذه السياسة الجديدة بتخريج طلبة قد لا يُجيدون الإنجليزية للأغراض الأكاديمية، ولا يمتلكون فهمًا واضحًا للمادة الدراسية. ويتناقض هذا بشكل مباشر مع النماذج الناجحة الموجودة في مختلف أنحاء إفريقيا وأمريكا اللاتينية؛ حيث يُشكّل التعليم الأولي باللغة الأم العامل الرئيسي في تحسين نتائج القراءة والكتابة والحساب في مرحلة مبكرة، وخاصة الأطفال من المجموعات اللغوية “الأقلية” أو “غير المهيمنة”.
يضاف إلى ما سبق أن هذا القرار يمثّل ضربةً موجعة للهوية الوطنية وجهود نيجيريا للحفاظ على ثقافاتها، ويُسرّع من تراجع اللغات الأصلية؛ إذ اللغة وسيلة أساسية لنقل الثقافة؛ لأنها تُجسِّد تاريخ المجتمع، وتراثه الشعبي، ونُظُم معارفه الأصلية، ورؤيته الخاصة للعالم. وبإبعاد اللغة الأم عن الفصول الدراسية الرسمية -وهي أعلى مؤسسة اجتماعية- تُوحي الحكومة النيجيرية بأن هذه اللغات غير صالحة للمعرفة الحديثة، وهي بذلك تعزز عقلية “الإمبريالية اللغوية” التي خلّفها الاستعمار. وهذا قد يُثني الأجيال الشَّابَّة عن إتقان لغاتها الأم، ويُسهم بشكل مباشر في التحول اللغوي واندثارها.
وباعتبار أن من مميزات نيجيريا الثقافية تعدُّد لغاتها الواسع والمعقّد، فإن هذا القرار بمثابة تخلٍّ عن الاستثمار الثقافي الإستراتيجي، كما أن السياسة الجديدة التي تُحيل اللغات الأصلية إلى مجرد مادة تعليمية، غير كافيةٍ لمنع التآكل الثقافي المستمر الناتج عن الاعتماد الفكري على لغةٍ أجنبيةٍ في جميع الخطابات الفكرية الجادة. ويعترض مع دراسة عن اللغة السواحيلية في شرق إفريقيا التي أظهرت أن استخدام لغةٍ أصليةٍ رئيسيةٍ يُعزز الهوية الإفريقية بشكلٍ كبير ويصون التراث الثقافي([12]).
خاتمة:
إن التراجع المفاجئ للحكومة النيجيرية عن التدريس باللغة المحلية في مدارسها يُمثِّل محاولة إستراتيجية لتحقيق أهداف قصيرة المدى على حساب الأهداف التعليمية والثقافية والفكرية طويلة المدى. وفي حين أن سياسة التدريس باللغة الأم التي اعتمدتها البلاد عام 2022م، كانت تهدف إلى الاستفادة من البحث اللغوي وتعزيز التعلم الأساسي والحفاظ على الهوية الثقافية، إلا أنها أشبه -عند التنفيذ العملي- بسيارة أُلقيت في الطريق السريع بدون وقود أو محرك أو إطارات؛ حيث قُوِّضت بسبب ضعف التمويل الحكومي وضآلة الكوادر المؤهلة وقلة مخصصات الميزانية للتعليم.
ومن خلال العودة إلى اللغة الإنجليزية، ترى الحكومة النيجيرية أنها ستعالج سريعًا أزمة الأداء الأكاديمي الضعيف، وتحسين وضع الخريجين للمنافسة العالمية. ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تُهدّد بتوسيع الفجوة التعليمية بين المناطق الحضرية والريفية، وتسريع التآكل الثقافي للتراث اللغوي الثمين في البلاد.
وعليه، وبدلاً من الإلغاء الكامل، قد يكون الحل الأمثل عملية الدمج بين التدريس باللغة الأم والتدريس باللغة الإنجليزية؛ بحيث يُكمِّل بعضهما البعض. ويمكن أيضًا التعلّم من تجربة دولة غانا([13])؛ حيث لم تتبنَّ البلاد النموذج النيجيري الملغى (سياسة التعليم الكامل باللغة الأم من رياض الأطفال إلى الصف السادس الابتدائي)؛ بل اختارت نهجًا مدروسًا بالتدريس باللغة الأم من رياض الأطفال إلى الصف الثالث الابتدائي (وهو السياسة السابقة في نيجيريا قبل إطلاق سياسة عام 2022م)، بينما تُدرَّس باللغة الإنجليزية من الصف الرابع الابتدائي فصاعدًا. وتتوافق الإستراتيجية الغانية مع تركيز اليونسكو على محو الأمية الأساسية؛ إذ من خلال حصر هذه السياسة في السنوات الأولى، تُعزّز غانا فَهْم الطلبة، وتُقلِّل من أوجه عدم المساواة لدى المتعلمين في المناطق الريفية، وتُسهّل انتقالهم إلى اللغة الإنجليزية لاحقًا.
………………………………..
[1] – Africa News (2025). “Nigeria dumps mother-tongue education – just as Ghana embraces it.” Qiraat Africa, retrieved from https://qiraatafrican.com/en/18602/nigeria-dumps-mother-tongue-education-just-as-ghana-embraces-it/ (اطلع عليه في 23 نوفمبر 2025)
[2] – NERDC (2022). “National Language Policy.” Nigerian Educational Research and Development Council, retrieved from https://nerdc.gov.ng/content_manager/pdf_files/national_language_policy.pdf (اطلع عليه في 23 نوفمبر 2025)
[3] – المصدر السابق.
[4] – Fafunwa, A. B. (1989). “Education in Mother Tongue: The Ife Primary Education Research Project (1970-1978).” University Press Limited Ibadan, Nigeria, retrieved from https://files.eric.ed.gov/fulltext/ED350120.pdf (اطلع عليه في 23 نوفمبر 2025)
[5] – المصدر سابق: NERDC (2022). “National Language Policy.” Nigerian Educational Research and Development Council.
[6] – Vanguard News (2025). “FG cancels mother tongue policy, declares English sole medium of instruction”. Retrieved from https://www.vanguardngr.com/2025/11/fg-cancels-mother-tongue-policy-declares-english-sole-medium-of-instruction/ (اطلع عليه في 23 نوفمبر 2025)
[7] – Wale Akinselure, Olugbenga Ige, & Emem Julius (2025). “Experts knock FG for reversing mother-tongue policy in schools”. Punch Newspaper, retrieved from https://punchng.com/experts-knock-fg-for-reversing-mother-tongue-policy-in-schools/ (اطلع عليه في 23 نوفمبر 2025)
[8] – Joseph Erunke (2025). “FG reverses mother-tongue teaching policy, reinstates English as sole language of instruction.” Vanguard Newspaper, retrieved from https://www.vanguardngr.com/2025/11/fg-reverses-mother-tongue-teaching-policy-reinstates-english-as-sole-language-of-instruction/ (اطلع عليه في 23 نوفمبر 2025)
[9] – UNESCO (2025). “What you need to know about multilingual education.” Retrieved from https://www.unesco.org/en/languages-education/need-know (اطلع عليه في 23 نوفمبر 2025)
[10] – UNICEF (2016). “Ethiopia The impact of language policy and practice on children’s learning: Evidence from Eastern and Southern Africa 2016.” Retrieved from https://www.unicef.org/esa/sites/unicef.org.esa/files/2018-09/UNICEF-2016-Language-and-Learning-Ethiopia.pdf (اطلع عليه في 23 نوفمبر 2025)
[11] – المصدر سابق: Wale Akinselure, Olugbenga Ige, & Emem Julius (2025). “Experts knock FG for reversing mother-tongue policy in schools”.
[12] – Haonga, E. D. (2025). “Language, Identity, and Cultural Preservation: The Role of Kiswahili in Shaping African Narratives in a Globalised World.” Journal of Linguistics, Literary and Communication Studies, 4(2), 147-159.
[13] – Davis, E., & Agbenyega, J. S. (2012). “Language policy and instructional practice dichotomy: The case of primary schools in Ghana.” International Journal of Educational Research, 53, 341-347.











































