بقلم: ممادو فاي
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– مع حلول الذكرى السنوية الأولى لبداية ولاية دونالد ترامب الثانية؛ لا تزال العلاقات بين واشنطن والقارة الإفريقية أسيرة حالة من الضبابية وعدم اليقين.
– في المقاربة الأمريكية؛ لا تحتل إفريقيا مرتبة الأولويات الدبلوماسية العليا، ولا ترتقي لمستوى الشراكة الإستراتيجية الكونية، بل تُعامل كساحة لخدمة المصالح الانتقائية والضيقة.
– يتسم هذا النهج بالاستمرارية تجاه رؤية الولاية الأولى؛ إذ تتنصل واشنطن من خطاب الشراكات الشاملة لصالح تبنّي «دبلوماسية الصفقات» المتمحورة حصراً حول المكاسب الأمريكية المباشرة.
– على الرغم من حضور البُعد الأمني في الأجندة السياسية الأمريكية؛ فإنه يظل هامشياً مقارنةً بالساحات الجيوسياسية الساخنة كالشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
– على الصعيد الاقتصادي؛ تتعامل الولايات المتحدة مع إفريقيا بوصفها «رافعة» جيو-اقتصادية لتعزيز نفوذها، وليس كوجهة استثمارية وتجارية ذات أولوية قصوى.
– في سياق التنافس الجيوسياسي؛ تسعى واشنطن لمحاصرة «المد الصيني» عبر تكثيف عقود الشراكة الرامية إلى دعم محور واشنطن-إفريقيا، على حساب النفوذ المتزايد لبكين.
– أثار تشديد القيود القنصلية والتأشيرات تجاه دول إفريقية عديدة موجة استياء واسعة في القارة، متسبباً في تداعيات سلبية طالت الحكومات والنخب الثقافية والاقتصادية، فيما يُنظر لتلك الإجراءات باعتبارها ممارسات تمييزية.
– تبنّت بعض الأطراف السياسية، ولا سيما في إطار «تحالف دول الساحل»، إستراتيجية المعاملة بالمثل، مهددةً بفرض قيود مضادة على المواطنين الأمريكيين ردّاً على السياسات الأمريكية الجديدة.
* * *
بعد مرور عام على انطلاق الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب؛ لا تزال العلاقات بين واشنطن والقارة الإفريقية محاطة بهالةٍ من الضبابية. فمن منظور الإدارة الأمريكية؛ لم تعد إفريقيا تتبوأ مكانةً ضمن القائمة القصوى للأولويات الدبلوماسية، ولا تُصنف كشريك إستراتيجي عالمي؛ بقدر ما تُعتبر ساحةً لتفعيل المصالح المباشرة. ويتضح ذلك من خلال وضع ملفات الأمن، والاقتصاد، والحد من تدفقات الهجرة على صدارة الأجندة السياسية للولايات المتحدة.
وتتجلى هذه المقاربة كامتداد لنهج الولاية الأولى، حيث تتراجع خطابات «الشراكة الشاملة» لصالح تبنّي «الدبلوماسية التبادلية» Transactional Diplomacy التي تسترشد بالمكاسب الأمريكية الضيقة. وهذا التحليل يقدّمه البروفيسور بوب كابامبا، أستاذ العلوم السياسة بجامعة لييج في بلجيكا.
ويشير الأكاديمي إلى أن الولاية الثانية لترامب تشهد تحولاً نوعياً مقارنةً بالفترة الرئاسية السابقة التي افتقرت إلى أي ابتكارات جوهرية في ملف التعاطي مع إفريقيا. وفي هذا السياق؛ يقول كابامبا: «عندما نستعرض المشهد في الولاية الراهنة؛ ندرك تحولاً لافتاً في السياسات؛ فاستقراء تصريحات المستشارين، ووزارة الخارجية، والبنتاغون، يؤكد أن إفريقيا لا تزال تدور في فلك «الهامش»، بعيداً عن صلب القضايا والمحاور المركزية للسياسة الخارجية الأمريكية».
على الصعيد الأمني: حضور مُركّز، لكنه هامشي:
على الجبهة الأمنية؛ تُواصل الولايات المتحدة الإبقاء على وجود عسكري ملموس في القارة الإفريقية، مُركّزةً جهودها في البؤر الأكثر حساسية. وامتداداً من منطقة الساحل وصولاً إلى القرن الإفريقي؛ تستمر واشنطن في تعزيز التنسيق الأمني مع الدول الحليفة، ولا سيما في سبيل التصدي للتنظيمات الجهادية وتأمين المواقع الإستراتيجية الحيوية.
إلا أن هذا الالتزام يظل محكوماً بسقفٍ محدود. وفي هذا السياق؛ يشير المحلل السياسي البروفيسور كابامبا إلى أنّ «البعد الأمني، رغم حضوره في المعادلة الأمريكية، يظل هامشياً إذا ما قُورِن بمناطق أخرى تتصدر أولويات واشنطن الجيوسياسية، مثل الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا اللاتينية». ووفقاً لهذا الرصد؛ تترسخ صورة إفريقيا بالنسبة لإدارة ترامب باعتبارها مجرد «مسرح عمليات ثانوي»، يتم التعاطي معه وفق منطق الهامش بعيداً عن دائرة الفعل المركزي للسياسة الخارجية الأمريكية.
الاقتصاد: إفريقيا رافعة مفيدة.. لكنها ليست أولوية رئيسية:
على الصعيد الاقتصادي؛ تَعتبر واشنطن القارة الإفريقية في المقام الأول كرافعة جيو-اقتصادية إستراتيجية، وليست أولويةً تجارية رئيسية. يظل الوصول إلى الموارد الحيوية، على غرار الطاقة والمعادن النقدية (المعادن الإستراتيجية)، وتأمين سلاسل التوريد العالمية، محور الاهتمام الأساسي في ظل التنافس المتفاقم مع بكين.
«عندما يتعلق الأمر بالتجارة؛ لا يوجد الكثير على الطاولة»، يؤكد عالم السياسة البروفيسور كابامبا. تسعى الولايات المتحدة تحديداً إلى تنويع مصادر إمداداتها الطاقوية عبر الشراكات مع منتجي النفط الرئيسيين في إفريقيا، مثل أنغولا ونيجيريا، إلى جانب موردين آخرين في القارة.
ورغم ذلك؛ لا يمكن فصل هذه الديناميكية الاقتصادية عن المنافسة الجيوسياسية المتصاعدة مع الصين. يشير كابامبا إلى أنّ «الأمريكيين يرصدون تصاعد النفوذ الصيني في إفريقيا، خاصةً في قطاع المعادن الإستراتيجية، مثل الكوبالت والليثيوم والمعادن الأرضية النادرة».
في مواجهة هذا النفوذ الصيني؛ تعمل واشنطن على مضاعفة الاتفاقيات الثنائية والإقليمية لتعزيز المحور الأمريكي-الإفريقي، بهدف الحد من هيمنة بكين. وهي إستراتيجية تواجه عقبات جوهرية، إذ «تتقدم الصين بخطوة كبيرة على الولايات المتحدة»، حسب تقييم المحلل السياسي.
ويضغط الزمن على إدارة ترامب، حيث يضيف كابامبا: «لا أعتقد أن دونالد ترامب يملك هامشاً كافياً لعكس هذا الاتجاه خلال ثلاث سنوات، بينما تطبق الصين هذه السياسة منذ سنوات أو عقود».
التأشيرات والهجرة: نقطة الانهيار الحقيقية في العلاقات الأمريكية-الإفريقية:
يُعدّ ملف الهجرة والتأشيرات أبرز مصادر التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وإفريقيا. أثارت سياسات تشديد إجراءات الحصول على التأشيرات المستهدفة لبلدان إفريقية عدة ردود فعل حادّة في القارة، أثرت في الحكومات والطلاب ورجال الأعمال والفنانين على حدٍّ سواء، واعتُبرت على نطاقٍ واسع تمييزية.
غير أن هامش المناورة الإفريقية أمام هذه القيود محدودٌ للغاية. يؤكد المحلل السياسي بوب كابامبا أنّ «هامش الرد شبه معدوم»، مشيراً إلى أن معظم الدول المعنية «لا تمتلك علاقات تجارية جوهرية أو تبادلات جيوسياسية ذات قيمة إستراتيجية حقيقية للولايات المتحدة».
بعض الاستجابات السياسية، خاصةً في دول «تحالف دول الساحل»، تطالب بالمعاملة بالمثل من خلال فرض قيود متبادلة على مواطني الولايات المتحدة. ردٌّ رمزي في جوهره، حسب الأكاديمي، إذ «لن يكون له أيّ تأثير ملموس، حيث يتوجه عددٌ قليل جداً من الأمريكيين إلى هذه الدول».
خارج الاحتجاجات الشعبية؛ تفتقر الدول الإفريقية إلى نفوذٍ ملموس يُمكّنها من تغيير سياسة الهجرة الأمريكية. هذا الاختلال في التوازن يُبرز، أكثر من أيّ ملفٍ آخر، الطبيعة غير المتكافئة للعلاقة بين واشنطن والقارة.
المنافسة الجيوسياسية: واقعٌ مفروغ منه:
تتزايد المنافسة الدولية على القارة الإفريقية بوتيرةٍ ملحوظة. من جانبها؛ تعزز الصين مواقعها الاقتصادية، وتُوسّع روسيا نفوذها الأمني، بينما تُضاعف تركيا ودول الخليج مبادراتها الدبلوماسية والتجارية.
أمام هذا التموضع الجيوسياسي؛ لم تعد الولايات المتحدة ملتزمةً بلعب دور القوة المهيمنة في كل ميدان. توافق واشنطن ضمنياً على تراجع هيمنتها في إفريقيا، مفضلةً توجيه جهودها نحو المصالح الإستراتيجية الأساسية. هذا التحول يمنح الدول الإفريقية فرصةً لتنويع شراكاتها الدولية.
تتفاقم ديناميكية إعادة التوازن هذه بفعل تراجع الالتزام الأمريكي في مجال التنمية. يلاحظ المحلل السياسي بوب كابامبا أنّ «القطيعة مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، الركيزة التاريخية للسياسة الأمريكية في إفريقيا، خلقت فراغاً إستراتيجياً». ويضيف: «لم يعد أمام الدول الإفريقية خيارٌ سوى اللجوء إلى أقطاب نفوذ بديلة».
في هذا السياق؛ يبرز ضعف أوروبا المستمر، «التي فقدت أدوات سياستها الإفريقية منذ سنوات»، حسب كابامبا. وبالتالي؛ تبرز مراكز جاذبية جديدة: «في المجال الأمني، يتجه الجذب نحو روسيا بشكلٍ متزايد، بينما تهيمن الصين اقتصادياً».
يأتي ذلك مع صعود اللاعبين الناشئين. يشير كابامبا إلى أنّ «تركيا، إلى جانب دول مثل الهند، تسعى لإعادة التموضع التجاري للاستحواذ على حصص سوقية في قطاعات إفريقية متعددة».
مع نهاية السنة الأولى من ولاية دونالد ترامب الثانية؛ تتسم العلاقة بين واشنطن وإفريقيا ببرودٍ أكبر ولكن بوضوحٍ أعمق. لم تعد الولايات المتحدة تروّج لشراكة عالمية شاملة، بل تُقدّم تعاوناً «حسب الطلب». بالنسبة للدول الإفريقية؛ يفرض هذا الواقع قيوداً جديدة، مع فتح آفاقٍ في عالمٍ متعدد الأقطاب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:
https://www.bbc.com/afrique/articles/cn9z8n1r5rqo.lite











































