الأفكار العامة:
-تُثير السياسة الأمريكية في فنزويلا المخاوف في القارة من تدخُّلات غربية ومخاطر استعمار إفريقيا، وفقًا للخبير أدريان بوسو.
-عندما يُنهي مُعلّقو الشاشات تذكيرهم بأن عدوان ترامب على فنزويلا، -الذي بلغ اعتقال مادورو وترحيله لمحاكمته بتُهَم تهريب المخدرات والفساد-، ذو عواقب وخيمة على النظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، سيدركون سريعًا أن هذه التطورات تتناغم تمامًا مع مجرى التاريخ.
– يُعيد هذا التوجُّه السياسي الجديد البشرية إلى عصور الظلام واللاإنسانية، نحو حِقْبة حرب دائمة.
-ينتهك التدخل الأمريكي ميثاق الأمم المتحدة (1945م) بحظر القوة إلا في إطار حق الدفاع عن النفس أو بإذن مجلس الأمن.
-يُبرّر بوتين ضم أوكرانيا بـ”تهديد الناتو”؛ ومودي يدعو لـ”هندوتفا” في كشمير؛ وخامنئي يطلب “محور مقاومة” لتوسيع النفوذ الإيراني.
– القاسم المشترك بين هؤلاء القادة يتمثل في رفض العولمة كخطر على سُلطتهم، وتجاهل شعوبهم، وتوظيفهم في صراعاتهم، مع تقويض سيادة القانون لصالح نزواتهم.
-من اللافت أن ترامب يستهدف نيجيريا وجنوب إفريقيا، وهما أقوى قوتين عسكريتين في إفريقيا، في تلميحٍ لضربات محتملة تؤكّدها تسريبات محاكاة البنتاغون.
بقلم: أدريان بوسو*
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
تحذّر السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا القارة الإفريقية من شبح تدخُّلات غربية متجددة، وتنذر بمخاطر إعادة استعمار القارة، كما يؤكد الباحث السياسي أدريان بوسو. فعندما يفرغ المحللون من التذكير بأن العدوان الذي قاده دونالد ترامب على فنزويلا، والذي بلغ ذروته باعتقال نيكولاس مادورو وترحيله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتُهَم تهريب المخدرات والفساد (يُشكِّل تطورًا ذا تداعيات خطيرة على النظام العالمي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية)، سيدرك المراقبون أن هذه الأحداث لا تُمثِّل استثناءً، بل امتدادًا طبيعيًّا لمجرى التاريخ. فبعيدًا عن الصورة النمطية لرجل القانون في مدينة الغرب الأمريكي، الذي يتصرَّف كراعي بَقر متهوّر يطلق النار على مَن لا يعجبه، يبدو أن البشرية تعود تدريجيًّا إلى عصور قاتمة من اللاإنسانية، وتنزلق مجددًا نحو مرحلة من الحرب الدائمة.
سابقة خطيرة تنذر بانهيار سلطة القانون لحساب منطق القوة:
لا يقتصر هذا التدخل الأمريكي الأحادي على انتهاك روح ميثاق الأمم المتحدة، المبني على احترام سيادة الدول وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية فحسب، بل يخرق أيضًا نصّه الصريح، المعتمَد في سان فرانسيسكو عام 1945م، والذي يمنع استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأيّ دولة، إلا في حالات الدفاع عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن.
العملية التي نفَّذتها القوات الخاصة الأمريكية، بذريعة أن فنزويلا تُشكِّل “تهديدًا للأمن القومي”، تُمثّل تحايلًا واضحًا على هذه المبادئ التأسيسية. والأسوأ أنها تعيد إلى الأذهان ذكريات التدخلات الإمبريالية في القرن التاسع عشر، حين كانت القوى الكبرى تفرض إرادتها بالقوة المسلحة.
الإمبراطوريات الجديدة في الانتعاش:
من الواضح أن الرئيس الأمريكي، الذي أُعيد انتخابه في 2024م وسط مناخ دولي شديد الاستقطاب، يمنح عن غير قصد غطاءً سياسيًّا للإمبراطوريات الصاعدة (روسيا، الصين، تركيا، الهند، وحتى إيران) لتصفية حساباتها مع خصوم حقيقيين أو مُفترضين، مُكرِّسًا من خلال ذلك شرعية خطيرة لفكرة تغيير الأنظمة بالقوة.
وتكفي مراجعة خطابات قادة هذه الدول، شي جين بينغ، فلاديمير بوتين، نارندرا مودي، وعلي خامنئي، لإدراك حجم الانزلاق نحو نظام عالمي يُقْصِي القانون الدولي تحت ذريعة رفض “الإملاءات الليبرالية”.
في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني (أكتوبر 2025)، أعلن “شي” عن الحاجة إلى “نموذج جديد للعلاقات الدولية” يضع السيادة الصينية فوق أي التزامات متعددة الأطراف، ممهدًا لخطط إعادة توحيد تايوان بالقوة.
كذلك، يبرّر بوتين طموحاته في أوكرانيا ومولدوفا بتهديدات مزعومة من الناتو. مودي يدفع بـ”هندوتفا شاملة” لإعادة رسم حدود ما بعد الاستعمار، خصوصًا في كشمير. أما خامنئي، فيروج لـ”محور مقاومة” ضد الغرب، هدفه الحقيقي توسيع الهيمنة الإيرانية إقليميًّا دون رادع دولي.
القواسم المشتركة:
في الواقع، إن جميع هؤلاء القادة لديهم قاسم مشترك مع دونالد ترامب، فلا يخفي جميعهم كراهيتهم للعولمة التي يعتبرونها تهديدًا لسلطتهم المطلقة. لا أحد منهم يُعير اهتمامًا حقيقيًّا لشعوبهم، بل يتعاملون مع المواطنين كأدوات في صراعاتهم الجيوسياسية. يستخفّون بسيادة القانون، ويحتقرون القانون الدولي وحقوق الإنسان.
يعادون الإعلام الحر: من إغلاق الصحف في تركيا، إلى الرقابة المشددة في الصين، مرورًا باغتيال الصحفيين في روسيا، وقمع الاحتجاجات في الهند وإيران.
هدفهم المشترك: فرض سيطرة استبدادية داخلية استعدادًا لتوسعات إقليمية مبيّتة. ترامب، بشعار “أمريكا أولًا”، انسحب من اتفاقيات دولية مهمة، مثل اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي مع إيران، في انسجام واضح مع نهج بوتين، الذي يرى في انهيار الاتحاد السوفييتي “أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين”.
القارة الإفريقية محل الطموحات العالمية:
إفريقيا، في خضم هذه التحولات الجيوسياسية العميقة، تطرح سؤالًا مباشرًا يبدو بسيطًا في ظاهره: أين موقع القارة في هذه التحولات؟ من الوهم أن تعتقد إفريقيا أنّ هذه الإمبراطوريات الصاعدة ستكتفي بتحقيق طموحاتها الإقليمية المباشرة داخل نطاقها الجغرافي الضيق. فمن السذاجة، تصوُّر أن الصين ستكتفي، في ذروة صعودها، باستعادة تايوان بالقوة. فبكين، عبر مبادرة “الحزام والطريق”، راكمت نفوذًا واسعًا في عدد كبير من الدول الإفريقية من خلال قروض مبهمة وغير شفافة، وضعت بموجبها يدها على أصول إستراتيجية في كينيا وزامبيا، بالتوازي مع إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي، ما يُرسِّخ حضورًا أمنيًّا واقتصاديًّا طويل الأمد في القارة.
أما روسيا، فلن يتوقف طموحها عند حدود أوكرانيا أو مولدوفا. فعلى الرغم من العقوبات الغربية، تعمل موسكو على تثبيت مكاسبها وتوسيع نفوذها في قلب إفريقيا، معتمدة على مجموعات شبه عسكرية مثل “فاغنر”، التي أُعيدت تسميتها بـ”فيلق إفريقيا”. هذه المجموعات تقدّم خدمات أمنية وحماية للأنظمة مقابل الحصول على امتيازات واسعة في مجالات التعدين في مالي وإفريقيا الوسطى والسودان، ما يمنح الكرملين موطئ قدم قوي في البنى الاقتصادية والأمنية لتلك الدول.
الهند بدورها لن تكتفي بتسوية ملف كشمير. فنيودلهي تستثمر بقوة في المحيط الهندي وشرق إفريقيا، عبر شراكات عسكرية وإستراتيجية مع دول مثل كينيا وتنزانيا، في سياق تنافس محتدم مع الصين على طرق التجارة البحرية ومنافذ النفوذ البحري والبري.
وفي السياق ذاته، لا تقتصر طموحات دونالد ترامب، أو ما يمثله من توجهات أمريكية توسُّعية على إيران، التي هدَّد مرارًا بتوجيه ضربات وقائية لها، ولا على قناة بنما، التي وصفها بأنها أصل إستراتيجي ينبغي “استعادته”، ولا حتى على غرينلاند التي حاول شراءها بأيّ ثمن. فاهتمامه يمتد عمليًّا إلى الثروات الهائلة في جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ حيث تتقاطع مصالح شركات أمريكية وغربية مع إعادة رسم خريطة النفوذ في وسط إفريقيا.
انطلاقًا من ذلك، لا حاجة إلى كبير عناء لإدراك أن كل هؤلاء الفاعلين الدوليين، في سعيهم لإعادة تشكيل خرائط النفوذ الإقليمي والعالمي، سينظرون إلى إفريقيا باعتبارها مجالًا حيويًّا ينبغي إخضاعه أو على الأقل التحكم بمساراته. فالقارة غنية بالمعادن الإستراتيجية والحرجة، مثل الكوبالت والليثيوم وعناصر الأتربة النادرة، التي تُشكّل العمود الفقري للانتقال الطاقي العالمي وللتقنيات المتقدمة، من السيارات الكهربائية إلى الصناعات العسكرية والرقمية، ما يجعلها في قلب التنافس الإمبراطوري الجديد.
الأيديولوجية كذريعة لإظهار العضلات:
فضلًا عن ذلك، فإن نزعتهم إلى تقديس الحرب ترتكز على توظيف الدين كأداة تعبئة جماهيرية ووسيلة لإضفاء الشرعية على العدوان. فلاديمير بوتين، على سبيل المثال، يُعيد إحياء الرمزية الأرثوذكسية من خلال ترميم الكاتدرائيات والترويج لفكرة “روسيا المقدسة”، مقدِّمًا نفسه كمنفّذ لمهمة إلهية في مواجهة “الانحطاط” الغربي، الأمر الذي قد يُبرِّر مستقبلًا توسيع تدخلاته في إفريقيا تحت ذريعة “حماية” الجماعات الأرثوذكسية في بلدان مثل إثيوبيا أو مصر.
في الهند، يعمل ناريندرا مودي على تكريس هوية هندوسية للدولة عبر تشريعات مُقيِّدة لاعتناق الإسلام وتصاعد أعمال العنف ضد المسلمين، بما يمنح غطاءً أيديولوجيًّا للتطلع إلى توسيع النفوذ في مناطق ذات كثافة من الجاليات ذات الأصول الهندية في شرق إفريقيا، مثل أوغندا وجنوب إفريقيا.
وفي إيران، يُقدّم علي خامنئي نفسه حاميًا للهوية الشيعية، ومصدِّرًا لـ”الثورة الإسلامية” إلى لبنان وسوريا، لكنه في الوقت نفسه ينسج خيوط نفوذ متزايد في إفريقيا، كما يظهر في حالة نيجيريا؛ حيث بدأت تتبلور ميليشيات موالية لإيران.
وفي المقابل، يقدم دونالد ترامب نفسه حاميًا للمسيحيين في العالم، مستخدمًا خطاب “حملة صليبية” ضد ما يسميه “الإسلام المتطرف”.
تحت ذريعة حماية المسيحيين الذين يُصوَّرون كضحايا للمسلمين، أمر ترامب في ديسمبر 2025 بقصف ولاية سوكوتو في شمال غرب نيجيريا، في إطار عملية أُعلن أنها تستهدف الإرهاب وترتبط بنشاط جماعة بوكو حرام. غير أن هذه الضربات أسفرت عن مئات الضحايا من المدنيين، وسط تقارير تفيد بأن واشنطن لم تُخطر السلطات النيجيرية مسبقًا، فيما يشكل تدخلًا مباشرًا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة في غرب إفريقيا.
الردع الضائع والضعف المتزايد: الفخ الإفريقي
في وثيقة “إستراتيجية الدفاع الوطني” التي نشرتها إدارته في ديسمبر الماضي؛ اتهم الرئيس الأمريكي ترامب الأوروبيين بالتشجيع على ما سماه “الاستبدال الكبير”، وهي أطروحة تآمرية رَوَّج لها مُنَظِّرو اليمين المتطرف. غير أنّ خطابه انطوى ضمنًا على أن الأفارقة أنفسهم يشكّلون، عبر موجات الهجرة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء، تهديدًا ديموغرافيًّا للغرب. ويتضح هذا المنحى من خلال هجماته اللاحقة على الجالية الصومالية المقيمة في الولايات المتحدة، وعلى جنوب إفريقيا التي انتقد فيها علنًا حكومة الرئيس سيريل رامافوزا بدعوى “الإدارة الفوضوية”، متهمًا بريتوريا باضطهاد المزارعين البيض، في إطار سردية تفوّق عرقي زائف.
اللافت أنّ ترامب يستهدف بالخطاب والتحريض دولتين إفريقيتين تُعدّان من أبرز القوى العسكرية في القارة: نيجيريا، بجيش يفوق تعداده 200 ألف جندي وموارد نفطية ضخمة، وجنوب إفريقيا، التي تمتلك صناعة دفاعية متطورة موروثة من الحقبة العنصرية. وتشير محاكاة عسكرية نسبتها التسريبات إلى البنتاغون إلى أن الولايات المتحدة لن تتردد في توجيه ضربات عسكرية إلى هذه الدول إذا اعتُبِرَ ذلك ضروريًّا لمصالحها الإستراتيجية.
في هذا السياق، لم يعد الحديث عن إعادة استعمار إفريقيا مجرّد افتراض نظري أو سيناريو بعيد الاحتمال، بل تحوّل إلى إمكانية واقعية، في ضوء عجز القارة عن توفير قدرات عسكرية كافية للدفاع عن نفسها، وافتقارها الواضح إلى إرادة قوة جماعية. فما يزال الاتحاد الإفريقي إطارًا دبلوماسيًّا بالدرجة الأولى، من دون ذراع عسكرية موحدة وفاعلة؛ وتعتمد بعثاته لحفظ السلام، كما في الصومال ومنطقة الساحل، على التمويل الخارجي وعلى قوات الأمم المتحدة.
كانت جنوب إفريقيا الدولة الإفريقية الوحيدة التي امتلكت قدرة ردع نووي، بعد تطوير برنامج نووي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تتخلَّى عنه عام 1991م تحت ضغط دولي، وتفكك ستة رؤوس نووية وتنضم إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
في مواجهة قوى كبرى مثل الصين، التي تنشر قواعد عسكرية في إفريقيا (كما في جيبوتي)، وتستثمر بكثافة في البنية التحتية لضمان تدفق إمداداتها من المعادن، وروسيا، التي تعقد شراكات مع أنظمة استبدادية لاستغلال الذهب والماس، تجد إفريقيا نفسها مجددًا، وقد تحوّلت إلى ساحة مفتوحة أمام تنافس إمبريالي متجدّد.
بعبارة أخرى، التعويل على أنّ دونالد ترامب لن يكون في سُدة الحكم بحلول عام 2029، وأن الأمور ستعود تلقائيًّا إلى نصابها، موقف يفتقر إلى الحسّ بالمسؤولية الإستراتيجية. فكما فعل فلاديمير بوتين، الذي عدّل الدستور الروسي عام 2020م بما يتيح له البقاء في السلطة حتى 2036، وشي جين بينغ، الذي ألغى في 2018م القيود على عدد الولايات ليفتح الباب أمام حكم مفتوح زمنيًّا، فإن الرئيس الأمريكي بدوره قادر، إذا ما لوّح بما يسميه “تهديدات وجودية”، على الدفع في اتجاه مراجعة الدستور الأمريكي بما يمنحه سلطة شبه مطلقة ويتيح له البقاء في الحكم لمدى أطول بكثير من المعتاد.
إن عدوان فنزويلا ليس سوى تجلٍّ من تجليات حقبة بات فيها الأقوياء يفرضون قانونهم على الضعفاء. وتتمثل الحاجة العاجلة أمام إفريقيا في بناء قدرات حقيقية للدفاع عن النفس، والاستثمار في منظومة دفاع قارية، وتطوير صناعات تسليحية محلية. ومن البدهي أنه في غياب مشروع سياسي إفريقي جامع، ستجد إفريقيا الحديثة نفسها خاضعة لهيمنة قوى أخرى. وكما يُذكِّر البروفيسور ثيوفيل أوبينغا، فإن عهود الشقاء قد تعود مجددًا؛ فالقوى المهيمنة في الأمريكيتين وأوروبا وآسيا لا تحكمها اعتبارات الإحسان بقدر ما يحكمها منطق المصلحة والقوة. القانون الفعلي الذي يسود هو قانون الأقوى، بينما يظل الطرف الأضعف ضيفًا غير مرحّب به على مائدة الإمبراطوريات الجديدة الآخذة في التصلب والتغوّل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أدريان بوسو، وزير سابق للإعلام في جمهورية إفريقيا الوسطى وخبير في الجيوسياسة.
رابط المقال:











































