المجتمع الصومالي مجتمع متديّن بطبعه، ويُمثّل الإسلام دينه وعقيدته بلا مُنازع، وهو الإطار المعياري الذي يُوجِّه أنماط السلوك اليومي، وأنظمة الأحوال الشخصية، والعلاقات الاجتماعية، إلى قواعد العدالة وممارسات فضّ النزاعات، والطقوس اليومية، والأدوار الجنسانية، وحتى الصراع السياسي.
ولا غرو، فليس في الصومال دين له وجود معتبر، سوى الإسلام. وتُظهر البيانات الديموغرافية الدولية أن الصومال يُعد من أكثر المجتمعات تجانسًا دينيًّا في العالم؛ حيث تشير بعض المصادر الدولية والوصفية والتقارير إلى أن جميع السكان مسلمون عمليًّا بنسبة 100%([1])، مع انتماء الغالبية الساحقة إلى المذهب السني. ويُستخدم هذا التوصيف للدلالة على الغياب شبه التام لأقليات دينية منظّمة أو ذات حضور اجتماعي مؤثر، بما يجعل الإسلام المرجعية الدينية الوحيدة في المجال العام والخاص داخل المجتمع الصومالي، ويجعل هذا المجتمع قاعدة مغلقة للإسلام في إفريقيا.
وقد ارتبط الإسلام تاريخيًّا بنشوء الدولة الصومالية التقليدية، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وإدارة الحياة الاقتصادية، وظل كذلك حتى عند نشوء الدولة الحديثة، فيما عدا فترة حكم محمد سياد برّي التي استندت إلى مبادئ الاشتراكية العلمية وأهداف الثورة، بوصفها الإطار الأيديولوجي، ومع ذلك حافظت، في دستور 1979م، على النص على أن الإسلام هو دين الدولة([2]).
وفي الوقت الحاضر، ينصّ الدستور الصومالي المؤقت ([3]) صراحةً على أن الإسلام هو دين الدولة، ويؤكد على الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية بوصفها مصدرًا أساسيًّا للتشريع. كما يحظر الدستور أيّ نشاط دعوي علني يهدف إلى نشر ديانات أخرى داخل المجتمع الصومالي، الأمر الذي يعكس المكانة الحصرية للإسلام في المجال العام، ويؤكد الطابع الإسلامي للدولة والمجتمع على السواء([4]).
وتشير الأدبيات إلى أنّ الدين في الصومال “ليس مجرد منظومة اعتقادية، بل مؤسسة اجتماعية تُنظّم السلوك الفردي والجماعي”([5]). لذلك فإن فهم المجتمع الصومالي دون تحليل الدور المركزي للدين يبقى فهمًا ناقصًا.
الخلفية التاريخية للدين في الصومال:
دخل الإسلام إلى الصومال منذ القرن السابع الميلادي عبر التجار العرب القادمين من الجزيرة العربية، مستفيدين من الروابط التجارية القديمة عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي، هذا بجانب الهجرات المتتالية لمجموعات قَبَلِيَّة وأُسَرية أو دينية.
ويشير لوبان ([6]) إلى أنّ “الصوماليين من أوائل المجتمعات الإفريقية التي اعتنقت الإسلام بشكل شامل”، وأنّ انتشار الزوايا والطرق الصوفية مؤخرًا، في القرن 18 والقرن 19، لعب دورًا محوريًّا في تعميق الانتماء الديني.
وقد لعبت الهجرة المبكرة لبعض المسلمين إلى الحبشة دورًا غير مباشر في ترسيخ العلاقات الدينية والثقافية بين شبه الجزيرة العربية وساحل القرن الإفريقي، الأمر الذي مهَّد لانتشار الإسلام تدريجيًّا بين المجتمعات الصومالية الساحلية، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى الداخل عبر شبكات التجارة والدعوة([7]).
ومع مرور الوقت، أسهم تأسيس المدن الساحلية الإسلامية مثل زيلع، وبربرة، ومقديشو في تعزيز الحضور الإسلامي؛ حيث أصبحت هذه المدن مراكز للتعليم الديني والفقه الشافعي، ونقاط انطلاق لنشر الإسلام بين القبائل الصومالية.
وبحلول القرون الوسطى، كان الإسلام قد أصبح الدين السائد في الصومال، ومكوّنًا أساسيًّا في تشكيل الهوية الثقافية والسياسية للمجتمع الصومالي؛ حيث اندمج مع الأعراف القبلية وأسهم في تنظيم العلاقات الاجتماعية والقانونية([8]).
دور الطرق الصوفية:
أسهمت الطرق الصوفية إسهامًا محوريًّا في ترسيخ الهوية الإسلامية في المجتمع الصومالي، فقد مثَّلت إطارًا تربويًّا واجتماعيًّا مرنًا مَكَّن الإسلام من الاندماج السَّلِس في البِنى القبلية والثقافية المحلية، وأسهمت في ترسيخه في منظومة القيم والسلوك اليومي.
بدأ انتشار التصوف في الصومال بصورة واضحة منذ القرن الخامس عشر الميلادي، متزامنًا مع توسُّع شبكات العلماء والتجار القادمين من اليمن والحجاز وشرق إفريقيا. وتُعدّ الطريقة القادرية أقدم الطرق الصوفية وأكثرها انتشارًا؛ حيث دخلت إلى الصومال في القرن الخامس عشر عبر العلماء الوافدين من الجزيرة العربية، وسرعان ما انتشرت في المدن الساحلية ثم في الأقاليم الداخلية([9]).
وفي القرن التاسع عشر، شهد الصومال توسّعًا ملحوظًا للطرق الصوفية، خاصةً الطريقة الأحمدية (الإدريسية)، التي لعبت دورًا بارزًا في تعزيز التعليم الشرعي، ثم الطريقة الصالحية التي ارتبطت لاحقًا بالحركات الإصلاحية والمقاومة ضد الاستعمار الأوروبي([10]).
أهم الطرق الصوفية في الصومال:
1-الطريقة القادرية: شكّلت العمود الفقري للتدين الشعبي، واعتمدت على الزوايا وحلقات الذكر والتعليم القرآني، وأسهمت في نشر الفقه الشافعي وترسيخ القيم الأخلاقية الإسلامية.
2-الطريقة الأحمدية (الإدريسية): انتشرت في أواخر القرن التاسع عشر، وركَّزت على الإصلاح الديني والتعليم المنهجي.
2-الطريقة الصالحية: اكتسبت طابعًا حركيًّا وجهاديًّا، وارتبطت بقيادة الشيخ محمد عبد الله حسن في مقاومة الاستعمار، خاصةً في الصومال البريطاني، مما منَح التصوف بُعدًا سياسيًّا في الوعي الصومالي([11]).
التأثير الاجتماعي والهُوياتي للطرق الصوفية:
اعتمدت الطرق الصوفية على شبكات الزوايا والمساجد بوصفها مؤسسات تعليمية واجتماعية؛ حيث قامت بدور المدارس غير النظامية التي تولَّت تعليم القرآن والفقه، إضافة إلى تعزيز التضامن الاجتماعي بين القبائل المختلفة. وقد أشار بعض الباحثين([12]) إلى أن التصوف في شرق إفريقيا مثّل “الأداة الأساسية لنشر الإسلام في المجتمعات الريفية”.
كما لعب شيوخ الطرق دورًا محوريًّا في حل النزاعات القبلية، مستندين إلى مكانتهم الروحية والاجتماعية، وهو ما عزّز الثقة الشعبية بالمؤسسات الدينية، وأسهم في تثبيت الهوية الإسلامية باعتبارها مرجعية جامعة([13]).
ولأن الطرق الصوفية الرئيسة في الصومال كان ذات استمداد سُنّي، فقد أسهمت في صياغة نَمَط تديُّن صومالي يجمع بين الالتزام بالشريعة والمرونة الثقافية، ما مَكَّن الإسلام من التكيُّف مع السياق المحلي دون فقدان جوهره العقدي. ويرى عدد من الباحثين أن هذا النمط من التدين الصوفي شكَّل الأساس التاريخي للهوية الإسلامية الصومالية قبل بروز التيارات السلفية في القرن العشرين([14]).
الدين والهوية الاجتماعية:
يلعب الدين دورًا مركزيًّا في تحديد هوية الفرد داخل المجتمع الصومالي. فالصومالي يرتبط بمستويين متداخلين للهوية: الانتماء القبلي والانتماء الإسلامي. ويرى لويس أن الإسلام “يمثّل الوحدة الرمزية التي تتجاوز الانقسامات العشائرية “([15]).
ويشير باحثون عرب إلى أنّ الفرد الصومالي “يُعرّف ذاته من خلال كونه مسلمًا قبل أيّ انتماء آخر، ويستند في قِيَمه اليومية إلى منظومة الشريعة والعرف الإسلامي”([16]).
رغم مركزية القبيلة في البنية الاجتماعية الصومالية، شكَّل الإسلام هوية “فوق- قبلية” (supra-clan identity)؛ مَكَّنت الصوماليين من الانتماء إلى جماعة دينية واحدة تتجاوز الانقسامات العشائرية. ويشير إيوان ميردين لويس)[17]) إلى أن الإسلام وَفَّر “وحدة رمزية” ظلّت حاضرة حتى في فترات التفكك السياسي؛ حيث حافظت الشعائر الدينية والمؤسسات الإسلامية على حدّ أدنى من التماسك الاجتماعي.
الإسلام وتنظيم الحياة اليومية:
الإسلام مُؤثّر بشكل حاسم في مجالات الحياة اليومية وأنماطها، ويتحكَّم في شبكة العلاقات والمعاملات بشكل واضح، ويمكن نتلمّس هذا التأثير في الآتي:
أ-في الأسرة:
تؤدي المرجعية الدينية دورًا رئيسيًّا في تنظيم العلاقات الأسرية، خاصّةً فيما يتعلق بالزواج والطلاق والميراث. وتؤكد دراسات ميدانية أنّ “الشريعة هي المصدر الأساسي للفصل في النزاعات الأسرية ([18])، وأنّ “الأسرة الصومالية تعتمد على قِيَم إسلامية واضحة في توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة، وفي تربية الأطفال على الانضباط الديني”([19]).
ب- في الاقتصاد والمعاملات:
يتأثَّر النشاط الاقتصادي في الصومال بشكل كبير بالمعايير الدينية، فالعقود التجارية تُبْرَم عادة بعبارات دينية، ويُمْنَع الربا بشكل صارم. ويذكر هاربر([20]) أن “التجار الصوماليين يستندون إلى السمعة الدينية في بناء الثقة الاقتصادية”.
وبصورة عامة، تضبط الأخلاق الإسلامية سلوك الناس المتعلق بالمال، ومن مظاهر ذلك؛ الحساسية المفرطة تجاه التعدي على أموال الغير، الأمر الذي يجعل كثيرًا من الممارسات السالبة التي ترتبط بالأسواق مثل السرقة، والغش والاحتيال، تصبح في حكم المعدوم. فالناس يتعففون عن الحرام، إلى الدرجة التي يتجنبون فيها رفع “اللُّقَطة” من الأرض، ومن مشاهدات كاتب المقال في جمهورية أرض الصومال، في العام 2015م، أن الأطفال الصغار يُحَمِّلون كميات من رُزَم العملة الصومالية على العربات التي تدفع باليد، ويركضون بها وسط الشوارع المزدحمة بالمارّة، دون أن يخشوا تعرُّض تلك العملات للخطف أو الاختلاس!
ج- في القضاء والعرف:
ويظهر تأثير الإسلام في جانب فضّ النزاعات بوضوح، في النظام القضائي التقليدي المعروف بـ(الحِير Xeer –)، وهو أقدم أنظمة القانون العرفي في المجتمع الصومالي، وقد نشأ قبل قيام الدولة الحديثة، بوصفه إطارًا تنظيميًّا يحكم العلاقات بين الأفراد والقبائل. وهو مزيج من العُرف القبلي والقواعد الإسلامية، وقد أظهرت إحدى الدراسات العربية أنّ “الحِير استعار كثيرًا من أحكام الفقه الشافعي، خصوصًا في الديات والصلح”([21]).
ويقوم هذا النظام على أعراف وقواعد غير مكتوبة، تنتقل شفهيًّا، وتهدف إلى حفظ السلم الاجتماعي، وتنظيم المسؤوليات الجماعية، وتسوية النزاعات، خاصة في المجتمعات الرعوية ([22]).
يرتكز نظام الحِير على مبدأ المسؤولية الجماعية؛ حيث تتحمَّل الجماعة (الديّة) تبعات أفعال أفرادها، لا سيما في قضايا القتل والاعتداءات، وهو ما يُطابق نظام (العاقلة) في الشريعة الإسلامية([23]). كما يعتمد على التفاوض والوساطة بدل العقاب الفردي الصارم، وهو ما يتَّسق مع أحكام (الصلح) في الشريعة الإسلامية([24])، ويُعطي دورًا محوريًّا لشيوخ العشائر بوصفهم حُكّامًا عرفيين([25]).
وهكذا نرى أن نظام الحِير رغم، طابعه العرفي، لا يتعارض في جوهره مع الشريعة الإسلامية، بل تكيَّف معها تاريخيًّا، خاصةً في قضايا الصلح والديات، ما سمح بتعايشه مع القضاء الشرعي. وقد ظل الحِير فاعلًا حتى في فترات انهيار الدولة، مكمّلًا للأدوار الدينية في حفظ النظام الاجتماعي([26]).
د- في المجال السياسي:
يلعب الدين الإسلامي دورًا مركزيًّا في المجال السياسي الصومالي؛ حيث يُشكِّل المرجعية الأساسية للشرعية، ويؤثر في القرارات السياسية، حتى في غياب مؤسسات دولة قوية ومستقرة.
وقد استفادت الحكومات من الإسلام كأداة لتوحيد المجتمع الصومالي متعدد العشائر، وظل عاملًا ضروريًّا لمنح الشرعية للسلطة السياسية في عهود متعددة، حتى عهد نظام محمد سياد بري، الذي تبنَّى الفكر الاشتراكي، لم يستطع أن يتجاوز سطوة الدين، ولم يجد مناصًا من تحديد الإسلام دينًا للدولة، مع اللجوء إلى تقييد نشاط المؤسسات الدينية لصالح الإيديولوجيا الاشتراكية([27]).
كما برز دور الدين في المجال السياسي الحديث من خلال الحركات الإسلامية؛ سواء التقليدية أو المسلحة، مثل الحركة الإسلامية في الصومال (ICU)، التي استندت إلى المرجعية الإسلامية في إدارة مناطقها، وفرض قوانين الشريعة لتثبيت سلطتها، ما يعكس استمرار استخدام الدين كأداة شرعية ووسيلة للسيطرة السياسية([28]).
ولطالما مثّل الدين مرجعية شرعية للحركات السياسية والدعوية في الصومال. ويرى مارشال([29]) أن الحركات الإسلامية “تكتسب شرعية اجتماعية من حضور الدين في الوعي الجمعي الصومالي”.
ولعل من أبرز الأدوار التي لعبها الإسلام في الصومال، إنهاء الفوضى وحقبة أمراء الحرب التي برزت عقب سقوط نظام محمد سياد برّي وانهيار الدولة؛ حيث لعبت المحاكم الإسلامية دورًا مشهودًا في حسم صراع أمراء الحرب، منذ قيامها إلى سقوطها خلال الاجتياح الإثيوبي وما نجم عنه من دخول الصومال حقبة “التطرف العنيف”.
كما يلعب الإسلام دورًا بارزًا في تشكيل هوية وبرامج الأحزاب السياسية السلمية في الصومال؛ حيث تعتمد العديد من الأحزاب على المرجعية الدينية لتبرير سياساتها وكسب الشرعية الشعبية.
الدين والتعليم وبناء المعرفة:
التعليم الديني يُشكِّل العمود الفقري للمعرفة التقليدية. فالكتاتيب (الدُّكسي) تُعدّ المؤسسة الأولى التي يتلقّى فيها الأطفال القراءة والكتابة وحفظ القرآن.
الدُّكسي:
ويُقصد بـالدُّكسي (Dugsi أو Duksi) نظام التعليم الديني التقليدي في الصومال، وهو يتشابه بصورة كبيرة مع نظام (الخلاوي) في السودان، ونظام الكتاتيب في مصر، وإلى حدٍّ ما، المحاظر في موريتانيا والمغرب العربي.
ويُعنى الدُّكسي أساسًا بتعليم القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة، إلى جانب أساسيات العقيدة والفقه والأخلاق الإسلامية. ويُعدّ الدُّكسي أولى مراحل التنشئة التعليمية للأطفال؛ إذ يُشكّل مؤسسة اجتماعية–دينية راسخة سبقت ظهور التعليم النظامي الحديث([30]).
يعتمد هذا النظام على الحفظ والتلقين الشفهي، باستخدام الألواح الخشبية (لوح)، ويشرف عليه المعلّم (الشيخ أو المعلم القرآني) داخل المسجد أو في أماكن مخصصة داخل الأحياء. وقد أسهم الدُّكسي تاريخيًّا في نشر الإسلام واللغة العربية، وترسيخ القِيَم الدينية المشتركة، ما جعله عنصرًا أساسيًّا في بناء الهوية الإسلامية للمجتمع الصومالي([31]).
ورغم بساطة بنيته، ظل الدُّكسي فاعلًا في فترات ضعف الدولة أو غيابها، بوصفه آلية مجتمعية لنقل المعرفة الدينية والحفاظ على التماسك الثقافي، مع تكاملٍ نسبي مع أنماط التعليم الأخرى([32]).
وتشير دراسة عربية إلى أن “الكتاتيب ليست مجرد فضاء تربوي، بل مؤسسة اجتماعية تُسهم في بناء الانضباط والمسؤولية”([33]).
أما التعليم الحديث فقد ظلّ مرتبطًا بالمؤسسات الإسلامية الخاصة وبالمنظمات الطوعية، ويلاحظ الباحث([34]) أنّ “التعليم الديني ظلّ أكثر رسوخًا من التعليم الرسمي في فترات عدم الاستقرار”.
الإسلام بوصفه عامل وحدة في المجتمع الصومالي:
تتمثل فاعلية الإسلام في ترسيخ الوحدة في المجتمع الصومالي، في العديد من الجوانب، التي تُعد ممسكات لا غِنَى عنها لأيّ مجتمع متجانس، ويمكن إجمالها في الآتي:
1-الهوية الجامعة: شكَّل الإسلام هوية (فوق- قبلية) في المجتمع الصومالي، أسهمت في تجاوز الانقسامات العشائرية، ووفَّرت وحدة رمزية حافظت على حدّ أدنى من التماسك الاجتماعي حتى في فترات التفكك السياسي([35]).
2-اللغة والقِيَم المشتركة: وحَّد الإسلام منظومة القِيَم الأخلاقية واللغة الدينية المشتركة، من خلال التعليم الديني والقرآن الكريم، ما جعل المرجعية الإسلامية إطارًا مقبولًا لتنظيم العلاقات الاجتماعية وتسوية الخلافات([36]).
3-مرجعية حل النزاعات: برز الإسلام كمرجعية جامعة لفضّ النزاعات القبلية عبر العلماء والمحاكم الشرعية وآليات الصلح، لما يتمتع به من شرعية أخلاقية تتجاوز الانتماءات القبلية([37]).
4-المؤسسات الدينية ودورها الوحدوي: أسهمت المساجد والزوايا الصوفية والمدارس القرآنية في خلق فضاءات اجتماعية عابرة للقبائل، ولعب العلماء دور وسطاء محايدين عزّزوا التماسك الاجتماعي([38]).
5-المناسبات والطقوس الدينية والاجتماعية: تنتشر الطقوس الدينية في كل تفاصيل الحياة اليومية، مثل؛ الصلوات الجماعية، والأعياد الشرعية، وموسم رمضان، وحلقات الذكر الصوفي، والاحتفال بالمولد النبوي، المناسبات الاجتماعية (الأعراس، الجنازات)، والعطايا والزكاة والصدقات. ويؤكد ([39])أنّ هذه الطقوس تمثّل “مرجعًا للتماسك الاجتماعي في ظل غياب مؤسسات الدولة الحديثة”.
الخاتمة:
يُظهر تحليل الدور الديني في المجتمع الصومالي أنّ الإسلام ليس مجرد نَسق اعتقادي، بل بنية اجتماعية وثقافية وسياسية تُنظّم الحياة اليومية. ويظلّ الدين عاملًا أساسيًّا في تفسير الاستمرارية الثقافية والانسجام الاجتماعي، رغم التحولات السياسية العنيفة والعميقة التي شهدها الصومال خلال العقود الأخيرة. وتشير الأدبيات إلى أن أيّ فَهْم للوضع الصومالي المعاصر لا بدّ أن ينطلق من مركزية الدين في تشكيل الهوية والبنية الاجتماعية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
[1] – Lewis, I. M. (2002). A Modern History of the Somali. Eastern African Studies.
Central Intelligence Agency. (2023). Somalia. In The World Factbook.
[2] – Samatar, A. I. (1988). Socialist Somalia: Rhetoric and reality. Zed Books.
See again:( Lewis, 2002)
[3] – صدر الدستور الصومالي المؤقت في 1 أغسطس 2012م، بعد موافقة الجمعية الوطنية الدستورية في مقديشو، وهو يعتبر القانون الأعلى للدولة الفيدرالية الصومالية، ويشكل الإطار القانوني للحكومة والهيئات الفيدرالية منذ ذلك التاريخ (Provisional Constitution of the Federal Republic of Somalia, 2012). ورغم محاولات التعديل والمراجعة الجارية منذ عدة سنوات، لا يزال هذا الدستور المؤقت هو المرجعية الدستورية السارية في الصومال حتى الوقت الحالي.
[4] – Federal Republic of Somalia. (2012). Provisional Constitution of the Federal Republic of Somalia. Mogadishu.
See again: (Central CIA, 2023)
[5] – الزنكي، محمود. (2010). الدين والمجتمع في إفريقيا شرق الصحراء. بيروت: دار المدار الإسلامي.
[6] – Lewis, I. M. (1999). A Pastoral Democracy: A Study of Pastoralism and Politics Among the Northern Somali. James Currey.
[7] – Trimingham, J. S. (1964). Islam in East Africa. Oxford University Press.
[8] – Abdullahi, M. D. (2001). Culture and customs of Somalia. Greenwood Press.
[9] – See again(Trimingham, 1964)
[10] – See again: (Lewis, 1999)
[11] – See again (Lewis, 2002)
[12] – See again(Trimingham, 1964)
[13] – See Again (Abdullahi, 2001)
[14] – Lewis, I. M. (1998). Saints and Somalis: Popular Islam in a Clan-Based Society. Red Sea Press.
[15] – See again (Lewis, 2002)
[16] – الحسيني، محمد عبد الله. (2012م). الصومال: الدين، القبيلة، وإشكاليات بناء الدولة. القاهرة: مركز دراسات العالم الإسلامي.
[17] – See again (Lewis, 2002)
[18] – Gundel, J. (2006). The Xeer of Somalia: Traditional Responsibilities & Rights. Danish Refugee Council.
[19] – عبد الرحمن، يوسف. (2014م). البنية الاجتماعية للأسرة الصومالية. بيروت: المركز العربي للبحوث. ص54.
[20] – Harper, M. (2012). Getting Somalia Wrong? Faith, War and Hope in a Shattered State. Zed Books.
-[21] الرفاعي، سليم. (2009م). القضاء العرفي في شرق إفريقيا. عمان: دار الفرقد. ص 98.
[22] – See again (Lewis, 2002)
[23] – العاقلة في الشريعة الإسلامية هي الجماعة التي تتحمّل دية القتل الخطأ (وأشباهه) عن الجاني، ولا تُلزم بدية القتل العمد. وتتمثل العاقلة – في الأصل – في عصبة الجاني من جهة الأب (كالآباء، والإخوة، والأعمام وأبنائهم)، ويكون تحمّل الدية على سبيل التعاون والتكافل الاجتماعي، وتُقسَّط عادةً على ثلاث سنوات. ويستند هذا الحكم إلى السنة النبوية وإجماع الفقهاء، لما فيه من تخفيف عن الفرد وتحقيق لمبدأ المسؤولية الجماعية في المجتمع الإسلامي. راجع:
– الطبري، محمد بن جرير. (1987م). جامع البيان في تفسير القرآن (ج. 2، ص. 312). بيروت: دار الفكر.
– ابن قدامة، محمد بن أحمد. (2002م). المغني (ج. 10، ص. 245). بيروت: دار الكتب العلمية.
– ابن عبد السلام، جمال الدين. (1991م). روضة الطالبين في الفقه الحنفي (ص132). بيروت: دار الفكر.
– مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، قرار رقم: 145 (16/3)، في اجتماعه بمدينة (دبي)، بتاريخ 30 صفر إلى 5 ربيع الأول 1426هـ، الموافق 9-14 نيسان (أبريل) 2005م.
[24] – ويُعد الصلح في الدية أكثر شيوعًا في حالات القتل الخطأ أو الإصابات البدنية؛ حيث يجوز لأولياء الدم التنازل عن القصاص إلى الدية، أو المصالحة على عوض أقل أو أكثر من الدية الشرعية، وتتولى العاقلة أو ولي الدم التفاوض على مقدار الدية وتوزيعها، بما يحقق العدالة الاجتماعية والرضا بين الأطراف دون اللجوء إلى العقوبات التأديبية الصارمة، راجع:
– ابن قدامة، عبد الله بن أحمد. (1997). المغني (ج 8، ص 267-275). القاهرة: دار هجر.
– القرشي، محمد عبد السلام. (2001). الفقه الإسلامي وأدلته: أحكام الديات والقصاص (ص 112-130). القاهرة: دار الفكر العربي.
[25] – See again (Gundel, J. 2006).
[26] – See Again (Abdullahi, 2001)
[27] –See again (Samatar, A. I. 1988)
See again (Lewis, 2002)
[28] – Marchal, R. (2007). Islamic political dynamics in the Somali territories: The rise of the ICU. Journal of Eastern African Studies, 1(2), 177–199.
[29] – Marchal, R. (2004). Islamic Political Dynamics in Somalia. Review of African Political Economy.
[30] – See again (Lewis, 1998)
[31] – See Again (Abdullahi, 2001)
[32] – See again (Trimingham, 1964)
[33] – محمد، فاطمة. (2011م). الكتاتيب ودورها في التعليم التقليدي في الصومال. الخرطوم: معهد الدراسات الإفريقية. ص 133.
[34] – Mukhtar, M. H. (2003). Islam in Somali History and Politics. University of Wisconsin Press.
[35] – See again (Lewis, 2002)
[36] – See Again (Abdullahi, 2001)
[37] – See again (Gundel, J. 2006)
[38] – See again (Lewis, 1998)
[39] – See above











































