تتطلع القارة الإفريقية جديًا لتحقيق شراكات باتت ضرورية مع القطاع الخاص من أجل تحقيق نقلة في اقتصادات دولها؛ وتعزيز ما يتردد عن ثورة صناعية في إفريقيا يقودها تطور الذكاء الاصطناعي.
يتناول المقال الأول فكرة الثورة الصناعية الجديدة في إفريقيا وفي القلب منها انتشار ما تعرف بالشراكات الذكية (غير التقليدية) بين الحكومات الإفريقية وشركات القطاع الخاص في تجارب محددة يرصدها المقال.
ويتناول المقال الثاني أهم ملامح ما يسميه “عصر الذكاء الاصصطناعي في إفريقيا.
بينما ركز المقال الثالث على فرص الاقتصاد الإبداعي والثقافي في إفريقيا في ظل هذه التحولات.
أما المقال الرابع والأخير فقد لفت الانتباه إلى اهتمام القادة الأفارقة بتحقيق معادلة الشراكة بين القطاع الخاص والحكومات بكل السبل الممكنة، فيما يبدو كخيار أخير مطروح أمام هذه الاقتصادات المنهكة.
الثورة الصناعية في إفريقيا: قوة الشراكات الذكية في بناء المناطق الصناعية([1])
اتسم التاريخ الاقتصادي لإفريقيا طوال عقود بسيناريو متكرر: تصدير المواد الخام، واستيراد السلع تامة الصنع، مما يؤدي إلى اختلال دائم في الميزان التجاري. لكن مؤخرًا يسهم البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد (African Export- Import Bank -Afreximank)، وشريكه الصناعي Arise IIP، بالتعاون مع السلطات العامة في العديد من الدول الإفريقية في تطوير المناطق الصناعية التي تعزز تدفق منتجات القيمة المضافة التي تحول طبيعة إسهام إفريقيا في التجارة الدولية.
ويقوم تطوير مثل هذه المناطق الصناعية على توفر المواد الخام والتطورات التكنولوجية الكبيرة التي يمكن أن تفيد القارة الإفريقية في الإسراع بتحولها الصناعي وتكوين تجربة اقتصادية مختلفة.
وأحد أبرز هذه الأمثلة الهامة هو المنطقة الصناعية جلو-جيبي Glo-Djibe Industrial Zone (GDIZ) الواقعة على بعد 45 كيلو متر فقط من مدينة كوتونو في بنين. وتقع هذه المنطقة الصناعية على مساحة 1640 هكتارًا (16.4 كيلو متر مربع)، وهي نتيجة لشراكة جريئة بين البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، وشريكه Arise IIP، وحكومة بنين، مما ميز انطلاقة من المقاربة لاتقليدية إلى تطوير مشروعات من طبيعة مغايرة عبر مقاربة الشراكة الحكومية- الخاصة.
وبالفعل فإن آلية تطوير هذا المشروع قد سمحت لحكومة بنين بتكوين نظام بيئي ecosystem متكامل حيث تمتزج فيه خبرات السياسة الحكومية، ورأس المال الخاص، والخبرة الصناعية، وليس مجرد توفير أرض بأسعار تفاوضية وفرض حصص ضرائبية محددة من أجل المالية العامة.
ويمكن النظر للأثر الاقتصادي لهذه الشراكة الحكومية- الخاصة في بنين من خلال عائدات الصادرات المتزايدة من المنتجات عالية القيمة، وزيادات عائدات الدولة من الضرائب، وخلق فرص العمل (تم خلق أكثر من 12 ألف فرصة عمل حتى اليوم، مع توقع زيادة عدد هذه الفرص إلى 60 ألف فرصة عمل بحلول العام 2030).
إن تقييمنا للاختلاف بين نموذج الشراكة العامة- الخاصة وغيره من النماذج يتجاوز حجم المشروعات التي تتيحها، بل يكمن في مقاربة المجازفة بالتخصيص:
- ينظر التطور الصناعي التقليدي عادة للحكومات بأن دورها تحمل تكاليف البنية الأساسية فيما تحصد الشركات الخاصة المكاسب.
- تعكس الشراكة العامة- الخاصة هذا التوجه، مما يخلق مصالح مشتركة في النجاح على المدى البعيد.
- إن شركات عاملة في قطاعات مثل تصنيع المنسوجات ومعالجة الكاجو ليست مجرد شركات مستأجرة، بل إنها شركاء في تطوير القدرات الصناعية التي تعزز التوظيف المحلي وتنافسية الصادرات.
كما يمتد برنامج التصنيع التابع للبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، بالشراكة مع Arise IIP، ليشمل مشروعات أخرى في أرجاء القارة عقب نجاح المشروع الرائد في منطقة نكوك الصناعية Nkok Industrial Park في الجابون.
وفي هذه المنطقة الصناعية تظهر عمليات معالجة الأخشاب كيف يمكن تحويل الموارد الخام الوفيرة إلى صادرات مضافة القيمة.
كما أن نهج التوسع في هذا البرنامج على مستوى القارة، وتفضيل التنمية الصناعية في شكل حافظة استثمارات متكاملة بدلًا من المشروعات الفردية قد أسفر حتى الآن عند مبلغ إجمالي يقدر بليوني دولار أمريكي.
لطالما كانت فجوات الأسواق والبنية الأساسية الإفريقية عقبات أمام التحول الصناعي، وتجعله أقل تنافسية وربحية مقارنة بالصناعات الآسيوية التي قامت على بنية أساسية ملائمة (شبكات لوجيستيات، موارد طاقة، عمالة ماهرة) من أجل تطويرها.
علاوة على ذلك فإن نموذج الشراكة العامة- الخاصة يعالج القصور في المهارات التي اعاقت التصنيع الأفريقي. وتقدم مراكز التدريب التي تطورت على أطراف المناطق الصناعية تدريبًا يغطي المهارات العامة والخاصة التي تلائم احتياجات الشركات الواقعة في المنطقة الصناعية. ويخلق ذلك صلة وثيقة إذ يسفر النمو الصناعي عن تحقيق رأس المال البشري الضروري لمزيد من التوسع.
وتشير النتائج الأولية إلى أن هذا النموذج يقدم حلولًا كافية للقيود التي أثرت على التصنيع الإفريقي مثل:
- بات للشركات وصولًا لبنية أساسية يعتمد عليها وعمالة ماهرة دون تحمل جميع أعباء التنمية.
- تحقق الحكومات التنويع الصناعي دون تكبد مشقة جميع المخاطر المالية.
- تستفيد المجتمعات المحلية من فرص العمل التي لم تكن موجودة من قبل.
ويغير هذا النموذج الخاص من المناطق الاقتصادية بشكل جذري الخطاب الدائر حول التنمية بتوفيره ما كان ناقصًا في الاستراتيجيات السابقة، ألا وهو: الحوافز المهمة التي تحول جميع الشركاء إلى فاعلين في نجاح صناعي طويل الأجل وليسوا مجرد مستخرجون للموارد على المدى القصير.
كما أن قوة مقاربة الشراكة تلك تكمن في قدرتها على إظهار تنمية صناعية مستدامة وواسعة النطاق، وكافية على نحو كبير لجذب رأس مال خاص أكبر يتفادى بشكل تقليدي المخاطر التقليدية في الأسواق الناشئة. وتشير بيانات من الجابون وبنين وتوجو وتشاد ورواندا، حيث تعمل تلك المناطق الصناعية المماثلة، إلى أن هذا النموذج يستحق اهتمامًا جادًا من المستثمرين الساعين إلى فرص تتجاوز الاستراتيجيات التقليدية في الأسواق الناشئة.
خطوات رئيسة تقدم علامات على ما سيسفر عنه عصر الذكاء الاصطناعي([2]):
كان العام 1995 من بعض الأوجه عامًا لافتًا بالنسبة لصناعة التكنولوجيا الناشئة- فقد أُطلقت تكنولوجيا مثل PalmPilot واجتاحت ألعاب البلايستيشن أرجاء العالم، وبدأت شركة تحمل اسم غابة (امازون) في بيع الكتب عبر الإنترنت.
وكانت الحواسب الآلية المكتبية وصولًا ثوريًا للحوسبة، وكان نظام ويندوز 95 قد أُطلق للتو، وبات على نحو متسارع برنامج التشغيل الأكثر شعبية في العالم.
وبعد ثلاثون عامًا، يحمل الناس أجهزة كمبيوتر فعالة في جيبوهم- أي الهواتف المحمولة، ويمكن أن يقوم لاعبون gamers في أرجاء العالم باللعب معًا عبر الإنترنت، وتحضر التكنولوجيا في جميع أوجه حياتنا.
لقد تغيرت الحياة التي كنا نعهدها بسبب الابتكارات الهامة في لحظات مفصلية، وعلى نحو مكن بلايين البشر من الوصول لهذه التكنولوجيا، وفتح آفاق نحو اقتصاد رقمي عالمي هام.
ولقد غيرت مثل هذه الابتكارات التكنولوجيا من شيء نستخدمه –المعدات hardware- إلى شيء يمكن استخدامه من قنوات عديدة.
يقف العالم اليوم على حافة عصر جديد. إن دعم سلطة الذكاء الاصطناعي لن تمكن الشركات والمؤسسات فحسب من إدخال كفاءات جديدة وسرعة عمليات، لكن أصبح بمقدور أي فرد لديه فكرة عن بناء شيء ما أن يفتح الباب للأفراد غير الفنيين للانخراط في العالم التكنولوجي من أي مكان في العالم. وبفضل دعم المهارات المحلية والأفكار والابتكار والمعرفة يمكن لرواد الأعمال والشركات أن تشعل جذوة اقتصاد الذكاء الاقتصادي العالمي.
وهكذا، يظل السؤال الهام يدور حول:
ما الذي يمكن أن نتعلمه من الابتكارات الكبرى السابقة التي غيرت هذه البيئة؟
يستمر وجود تطوير للنظام البيئي في البيئة الأساسية التكنولوجية هامًا للغاية لتحقيق النمو الاقتصادي، مع وجود خطط مستقبلية لإقامة مزيد من مراكز البيانات والنقاط الطرفية edge nodes في أرجاء القارة لرفع مقدرة البيئة الأساسية لتحقق الاقتصاد الرقمي بالذكاء الاصطناعي.
إن تكنولوجيا الهواتف المحمول mobile technology تمثل الابتكار التالي الذي زاد من الوصول للخدمات الرقمية، والتي كانت واضحة للغاية في إفريقيا على وجه الخصوص، حيث كانت المواقع النائية والبنية الأساسية المتخلفة عوائق أمام مثل هذا الدخول .
ومع توفر الهواتف المحمولة بشكل متزايد وأكبر بكثير عن ذي قبل ومقارنة بالحواسب التقليدية، فإنه يمكن للملايين من الأفراد الآن أن يجدوا معلومات، وتعليمًا، وخدمات كانت في السابق بعيدة عن المتناول.
كما طور رواد الأعمال الأفارقة خدمات تغير حياة الأفراد باستخدام تكنولوجيا الهواتف المحمولة، مع وجود شركات رائدة تقوم بتثوير طريقة قيام الأفراد بالمبادلات المالية، ويسمح لهم ذلك دون الوصول لعمليات مصرفية تقليدية للادخار أو التحويل أو الدفع مقابل السلع والخدمات.
مجموعة العشرون واقتصاد إفريقيا الإبداعي- فرصة جديدة؟([3]) :
كانت استضافة جنوب إفريقيا لقمة مجموعة العشرين عن العام 2025 حدثًا تاريخيًا للكثير من الأسباب، لكن أحد اهم هذه الأسباب الأمر الذي تعنيه القمة بالنسبة للصناعات الإبادعية والثقافية الأفريقية. وللمرة الأولى تجتمع المسارات السياسية والثقافية والعملية حول رسالة مشتركة: الإبداع، والثقافة والابتكار الرقمي أمور محورية لتحقيق النمو الشامل والتنمية المستدامة.
ومن إعلان قادة المجموعة إلى إعلان كوادوكوزا لوزراء الثقافة KwaDukuza Culture Ministers’ Declaration وبيان B20 نرى التزامات واضحة بما يلي:
- مكافآت عادبة وحماية أكبر للفنانين
- الاستثمار في القدرات الرقمية والمتعلقة بالذكاء الاصطناعي (بما في ذلك مبادرة “الذكاء الاصطناعي من أجل إفريقيا”).
- توظيف الشباب وتطوير المهارات.
- نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وشراكات القطاع الخاص، وتمويل مختلط.
- الاعتراف بالثقافة كأولوية تنموية.
وتتسق هذه الإشارات بقوة مع جوهر ما تم التوصل له في منصة Creative Futures Africa، وهي منصة جديدة لتشكيل مستقبل الصناعات الإبداعية في القارة، ورعتها Basa بالشراكة مع شركات أخرى مثل Jozi My Jozi وأنداني أفريكا وكريتيف كابيتال. وخلال المناقشات المستمرة في القمة فإن الرسالة لم تكن خاطئة بشكل واضح: أن اقتصاد إفريقيا الإبداعي جاهز للانتقال، لكنه يحتاج إلى عمل تنسيقي، وتمويل محفز، وأطر عمل لسياسات أقوى.
وتعمل شركة باسا Basa مع بقية شركاء مبادرة Creative Futures Africa على الاستفادة من حوارات الخبراء والموائد المستديرة لتحويل ما تم التوصل له في قمة مجموعة العشرين ووجهات نظرها القيمة إلى برامج ملموسة.
وستضع مثل هذه الجهود الأساس لتحقيق قناعة أكبر ستعزز بدورها دعم الاستراتيديات لاتي يمكن تطبيقها واشلراكات الجديدة لرفعة اقتصاد إفريقيا الإبداعي.
الرئيس الغاني يدعو القطاع الخاص للاستثمار في التحول الصناعي لقطاع الصحة في إفريقيا([4]) :
دعا الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما في 9 ديسمبر الجاري القطاع الخاص واهم اللاعبين فيه إلى التعاون مع الحكومات الإفريقية في الاستثمار المشترك في مسار التحول الصناعي لقطاع الصحة في إفريقيا من أجل تحسين الرعاية الصحية وتقديم الخدمات.
وجاء ذلك خلال افتتاح قمة معرض الصحة العالمية لقادة إفريقيا World Health Expo Leaders Africa Summit (المنعقدة في العاصمة الغانية أكرا 9-10 ديسمبر الجاري)، إذ اكد ماهاما على أن إفريقيا تسعى للتوصل لنهج شراكات جديد، لا تحدده التبعية فحسب، بل يكون نهجًا تعاونيًا ومبتكرًا ويقوم على قيم مشتركة، وقال “لذا فإننا ندعو مصنعي الأمصال بالتشارك معنا من أجل بناء مناطق غنتاج أمصال أفريقية. كما ندعو شركات الأدوية للتوسع في تصنيع الدوية في إفريقيا بمختلف أنواعها بما فيها البيولوجية والجينية.
وقال ماهاما أن إفريقيا قد تعلمت دروسًا قيمة من جائحة كوفيد-19 عندما كانت القارة في المرتبة الأخيرة عالميًا من جهة تلقي الدعم خلال حالات الطوارئ الصحية العالمية ، وتدرك إفريقيا الآن الحاجة إلى تغير منهجي.
وأبرز ماهاما أهمية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية باعتبارها سوقًا موحدة لحوالي 1.3 بليون نسمة، بالتزامن مع نظام بيئة ابتكاري نام ودور وكالة الأدوية الإفريقية في تقوية الإجراءات التنظيمية.
كما عبر ماهاما عن ثقته في مخيلة وأصالة المبتكرون الأفارقة الشباب، ومطوري الذكاء الاصطناعي، ومخترعوا أجهزة التكنولوجيا الطبية، ورواد أعمال قطاع الصحة الرقمية في تشكيل مستقبل الرعاية الصحية في إفريقيا وبناء نظام صحي جديد.
وقد حضر هذه القمة مسئولن صحيون من العديد من الدول الإفريقية وممثلون من هيئات ومنظمات أفريقية معنية ومنها المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها Africa Centers for Disease Control and Prevention.
……………………………………………
[1] The Industrial Revolution in Africa: The Power of Smart Partnerships in Building Industrial Hubs, Financial Afrik, December 9, 2025 https://www.financialafrik.com/en/2025/12/09/the-industrial-revolution-in-africa-the-power-of-smart-partnerships-in-building-industrial-hubs/
[2] Phyliss Migwi, Key Milestones Offer Markers For What Is To Come In The AI Era, CIO Africa, December 10, 2025 https://cioafrica.co/key-milestones-offer-markers-for-what-is-to-come-in-the-ai-era/
[3] Beth Arendse, The G20 and Africa’s creative economy – a new window of opportunity, Bizcommunity, December 10, 2025 https://www.bizcommunity.com/article/the-g20-and-africas-creative-economy-a-new-window-of-opportunity-405449a
[4] Ghanaian president urges private sector to co-invest in Africa’s health industrialization, Xinhua, December 10, 2025 https://english.news.cn/20251210/3ae2747a726148deb3cf9c53f4ac3063/c.html











































