وليم بيتر
صحفي -جنوب السودان
تظل الدولة الإفريقية معضلة مستمرة في فَهْم السياسة والتنمية على القارة؛ فهي ليست مجرد هيئة حكم أو جهاز إداري، بل فضاء متقاطع تتصارع فيه الديناميات التاريخية والاجتماعية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية المحلية والدولية.
في هذا السياق، يُقدّم كتاب “الدولة المستحيلة في إفريقيا: مسارات متناقضة” للأستاذ الدكتور حمدي عبدالرحمن حسن قراءة نقدية جريئة، تُسلِّط الضوء على طبيعة الدولة الإفريقية المعاصرة وهشاشتها البنيوية والسياسية، مستندة إلى تراكمات تاريخية تتجاوز مرحلة الاستقلال، وتستمر حتى اليوم.
يمتاز الكتاب بقدرته على الجمع بين التحليل التاريخي والاجتماعي والسياسي، مع رَصْد دقيق للتناقضات بين المركزية والمجتمع المحلي، بين الحداثة والتقاليد، وبين السيادة الوطنية والاعتماد على القوى الخارجية. فالدولة، كما يرى المؤلف، ليست كيانًا ثابتًا أو متجانسًا، بل مشروع مستمر من الصراعات والتحديات التي تَفْرض على النُّخَب السياسية والمجتمع المحلي إعادة تفكير مستمرة في دور الدولة وفعاليتها.
تكتسب قراءة الكتاب أهمية خاصة؛ لأنها لا تكتفي بتحليل الشكل الرسمي للدولة، بل تتعداه لتفكيك العلاقات المعقدة بين المؤسسات، النخب، الجماعات التقليدية، والمجتمع المدني، مع إدراك التأثير العميق للسياسات الدولية والمساعدات الاقتصادية على استقلال القرار الوطني. هذا المنهج يجعل الكتاب مرجعًا فريدًا لفهم الديناميات الداخلية والخارجية التي تُحدّد فاعلية الدولة الإفريقية، ويطرح سؤالًا أساسيًّا حول إمكانية تجاوز حالة “الدولة المستحيلة”.
في هذا المقال، سنعرض قراءة تحليلية لمفاهيم الكتاب ومحاوره الرئيسة، ونُسلّط الضوء على الإرث الاستعماري، التناقضات البنيوية والسياسية، وصراع التقاليد مع الحداثة، مع محاولة استكشاف الطرق الممكنة لتعزيز شرعية الدولة وفعاليتها على أرض الواقع، بعيدًا عن النظرة السطحية التي تُركّز على المظاهر الشكلية للمؤسسات والسيادة.
أولًا: الدولة الإفريقية بين الإرث الاستعماري والتحديات الحديثة
يُعدّ الإرث الاستعماري أحد الركائز الأساسية لفَهْم هشاشة الدولة الإفريقية المعاصرة؛ إذ يُؤكّد المؤلف أن الدولة في القارة لم تُبْنَ على أُسُس عضوية أو تراكمية تنطلق من المجتمع المحلي، بل وُضعت على قواعد خارجية مفروضة فرضًا، لتخدم مصالح القوى الاستعمارية. الحدود التي رسمت خلال الحقبة الاستعمارية لم تكن مجرد خطوط جغرافية، بل كانت أدوات لتقسيم المجتمعات القبلية والإثنية، وخلق كيانات سياسية اصطناعية غالبًا ما افتقرت إلى الانسجام الداخلي، مما أدَّى إلى غياب الهوية الوطنية الجامعة. هذه الحالة تركت الدولة الجديدة بعد الاستقلال في مواجهة صراعات شرعية مستمرة؛ حيث تشكك الجماعات المحلية في سلطتها وتنتقد قدرتها على إدارة الموارد وتحقيق العدالة الاجتماعية.
تتعمق التحليلات في الكتاب لتبين كيف أن الهياكل البيروقراطية الاستعمارية، التي صُمِّمت أصلًا لتسهيل السيطرة على الموارد واحتواء التمرد، لم تكن مجهزة لدعم بناء دولة وطنية فعَّالة بعد الاستقلال. إذ كانت هذه الهياكل إدارية ضيّقة ومركزية بشكل مفرط، تعتمد على موظفين أجانب أو نُخَب محلية محدودة، دون أي آليات مشاركة حقيقية للمجتمعات المحلية في صُنع القرار. عند انتقال السلطة إلى الحكومات المستقلة، واجهت هذه الدول فجوة كبيرة بين الدولة الرسمية والمجتمع، ما أوجَد بيئة خصبة لظهور الفساد الإداري، واستمرار ضعف المؤسسات، وعدم القدرة على فرض القانون بفعالية.
كما يشير المؤلف إلى أن التحديات الحديثة تتشابك مع هذا الإرث التاريخي، فتفاقم هشاشة الدولة الإفريقية من خلال الصراعات الداخلية المستمرة، والتي غالبًا ما تكون مرتبطة بمنافسة على السلطة والموارد بين النخب السياسية والقبائل أو الجماعات الإثنية. إضافةً إلى ذلك، يلفت الكتاب الانتباه إلى الدور المزدوج للمساعدات الخارجية، التي بينما تهدف إلى دعم التنمية، فإنها في الواقع تعزز تبعية الدولة وتَحُدّ من قدرتها على صنع سياسات مستقلة، بما يجعل الدولة عرضة لتأثيرات القوى الدولية ومؤسسات التمويل الكبرى، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
ويبرز الكتاب أيضًا نقطة جوهرية تتعلق بالاقتصاد؛ إذ إن الدول الإفريقية غالبًا ما ورثت اقتصاديات أحادية تعتمد على تصدير المواد الخام، دون تطوير قاعدة صناعية أو بنية اقتصادية متكاملة، ما يُضْعِف قدرتها على تحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي. هذا الواقع يجعل الدولة عاجزة عن تقديم الخدمات الأساسية، ويزيد من شعور المواطنين بالاغتراب عن الدولة، وهو ما ينعكس بدوره على شرعية الدولة وفعاليتها.
من منظور المؤلف هذا المزج بين الإرث الاستعماري والهياكل الضعيفة والتدخلات الخارجية تجعل الدولة الإفريقية “مستحيلة” بالمعنى العملي؛ فهي على الورق قوية، لكنّها في الواقع عاجزة عن حماية مصالح مواطنيها وإدارة التوازن بين المركز والمجتمع المحلي. وعليه، لا يُنظَر إلى الدولة في إفريقيا ككيان ثابت أو مكتمل، بل كمشروع مستمر من التحديات التي تحتاج إلى إعادة تفكير جذرية في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ثانيًا: التناقضات البنيوية والسياسية
يبرز كتاب الدكتور حمدي عبد الرحمن أن الدولة الإفريقية المعاصرة تعيش حالة دائمة من التناقض البنيوي والسياسي، وهو ما يجعل تحليلها أكثر تعقيدًا من مجرد دراسة مؤسسات أو أنظمة حكم. فالدولة، من منظور المؤلف، ليست كيانًا متجانسًا أو متماسكًا، بل فضاء تتصارع فيه قوى متعارضة. المركزية السياسية، المجتمع المحلي، النخب التقليدية، وتأثيرات القوى الخارجية. هذه التناقضات الجوهرية هي ما يُفسِّر جزئيًّا هشاشة الدولة وعدم قدرتها على الفاعلية، رغم المظاهر الشكلية للقوة والسيادة.
1- التناقض بين المركزية والمجتمع المحلي: الدولة الإفريقية الحديثة، كما يُوضِّح المؤلف، تعتمد غالبًا على نموذج مركزي صارم للسلطة، يتركز فيه التحكُّم في الموارد والقرار السياسي في العاصمة أو بين أيدي النُّخَب الحاكمة. في المقابل، تُهَمِّش السلطات التقليدية والقبائل المحلية التي لطالما لعبت أدوارًا حيوية في تنظيم المجتمعات وإدارة الموارد على أساس الأعراف والتقاليد. هذا التهميش لا يُؤدّي فقط إلى صراعات مستمرة على النفوذ والشرعية، بل يخلق فجوة بين الدولة والمجتمع؛ حيث يَنظر المواطنون إلى الدولة على أنها مؤسسة غريبة أو مفروضة، لا تعكس مصالحهم واحتياجاتهم الحقيقية.
2-التناقض بين الاستقلال والسيادة الفعلية يُشكّل أحد أبرز أزمات الدولة الإفريقية: فبينما تحتفل معظم الدول الإفريقية بالاستقلال السياسي، تظل السياسات الاقتصادية والأمنية خاضعة في كثير من الأحيان لتأثير الدول الكبرى والمؤسسات الدولية. التمويلات والقروض، كما يشير المؤلف، تأتي مصحوبة بشروط ومعايير تجعل الدولة تعتمد على الخارج في صياغة سياساتها، ما يجعل السيادة مجرد شكل رمزي دون قدرة حقيقية على اتخاذ قرارات مستقلة. هذه الديناميكية تؤدي إلى شعور مستمر بعدم الاستقرار السياسي؛ إذ تتحول الدولة إلى ساحة للتفاوض بين مصالح داخلية وخارجية متضاربة.
3-التناقض بين القانون والممارسة: القوانين الدستورية والمؤسساتية في العديد من الدول الإفريقية تُصَاغ وفق أُطُر حديثة، وغالبًا ما تَعتمد على مبادئ حقوق الإنسان، الحوكمة الرشيدة، وفصل السلطات. إلا أن الممارسة اليومية غالبًا ما تتعارض مع هذه القوانين؛ حيث ينتشر الفساد الإداري، والمحسوبية، والنزاعات المسلحة. هذا التباين بين النص القانوني والواقع المعيشي للمواطنين يعكس ضعفًا جوهريًّا في القدرة على الحوكمة، ويؤكد على الطابع الرمزي للشعارات السياسية، مقارنة بالقدرة الفعلية على إدارة الدولة وحماية حقوق المواطنين.
إضافة إلى ذلك، يُبْرِز المؤلف أن هذه التناقضات البنيوية تُولِّد ديناميكية صراع دائم داخل الدولة نفسها، بين مؤسسات رسمية، نُخَب سياسية، جماعات مسلحة، ومجتمعات محلية. فالدولة ليست فقط مضطرة للتكيُّف مع التغيرات الداخلية، بل تُواجه ضغوطًا خارجية مُتعدّدة، ما يزيد من صعوبة تحقيق أيّ استقرار أو تنمية مستدامة. ومن هذا المنطلق، يقدم الكتاب قراءة نقدية دقيقة للدور الذي تلعبه التناقضات البنيوية في إفشال مشاريع الدولة الوطنية، مؤكّدًا أن هذه التناقضات ليست ثانوية أو ظرفية، بل هي جوهرية لجوهر الدولة الإفريقية نفسها.
بهذا التحليل، يرسم المؤلف صورة الدولة الإفريقية ككيان متصارع داخليًّا وخارجيًّا؛ حيث يصبح الفهم السطحي للمؤسسات أو الدساتير غير كافٍ لاستيعاب طبيعة الصراعات، بل يجب التركيز على الديناميات البنيوية التي تُحدِّد فعالية الدولة وقدرتها على الحكم.
ثالثًا: الدولة كمساحة للصراع بين التقاليد والحداثة
يُشكّل الصراع بين التقاليد والحداثة أحد المحاور المركزية في فهم الدولة الإفريقية المعاصرة، ويجعلها فضاءً مزدوج الطابع يجمع بين استمرارية التاريخ وتحديات التحول السياسي والاجتماعي.
يشير المؤلف في كتابه إلى أن محاولات بناء الدولة الحديثة في إفريقيا غالبًا ما تتجاهل أو تُقلّل من أهمية النظم الاجتماعية التقليدية، مثل القبائل والعشائر، التي لعبت دورًا حاسمًا في تنظيم المجتمعات المحلية على مدى قرون. هذه الهياكل التقليدية لم تكن مجرد وسائط للحكم المحلي، بل كانت أدوات لإدارة الموارد، فضلًا عن كونها ضامنة للعدالة الاجتماعية وفق الأعراف المشتركة، وهو ما يجعل تجاهلها في عمليات بناء الدولة الحديثة أحد أسباب الصراعات المستمرة على السلطة والشرعية.
يبرز المؤلف كيف أن التحديث السياسي الذي فرضته الدولة الحديثة غالبًا ما صادم الأنماط التقليدية؛ حيث تفرض الهياكل الرسمية مركزية السلطة، وتُلغي التدخلات المجتمعية في صنع القرار. هذا التناقض يُولّد فراغًا في السلطة، تُستغَل أحيانًا مِن قِبَل النُّخَب السياسية المحلية أو الميليشيات المسلحة، وهو ما يُضاعف هشاشة الدولة ويزيد من عدم الاستقرار السياسي. فالمجتمع المحلي يشعر بأن الدولة الرسمية بعيدة عن مصالحه، بينما النظم التقليدية لا تجد دعمًا رسميًّا يُعزّز مكانتها، فيصبح الصراع على الشرعية مستمرًّا ومتعدّد المستويات.
علاوةً على ذلك، يشير الكتاب إلى أن هذا الصراع بين التقاليد والحداثة ليس مجرد مسألة تنظيم إداري، بل يرتبط بعميق الهوية الثقافية والاجتماعية للمجتمعات الإفريقية؛ إذ غالبًا ما ترى الجماعات المحلية أن الدولة الحديثة تمثل أداة غريبة أو مستوردة، لا تعكس القِيَم والتاريخ المحلي، وهو ما يَخْلُق شعورًا بالاغتراب السياسي. هذه الديناميكية تؤدي إلى صعوبة بناء مؤسسات ذات مصداقية، وتزيد من احتمالات النزاعات الداخلية، سواء بين الدولة والمجتمع، أو بين الجماعات المختلفة نفسها على النفوذ والسيادة المحلية.
ويضيف المؤلف بُعدًا آخر مُهِمًّا، وهو التفاعل بين هذا الصراع الداخلي والتأثيرات الدولية؛ حيث تُواجه الدولة الإفريقية ضغوطًا خارجية متزايدة لتبنّي أنماط حُكم حديثة وفق معايير عالمية، بما في ذلك مفاهيم الحوكمة الرشيدة، حقوق الإنسان، والديمقراطية التمثيلية. في الوقت نفسه، لا تزال التقاليد الاجتماعية مُحْكَمَة الجذور، ما يجعل الدولة محكومة بالتوازن بين متطلبات الحداثة التي يفرضها الخارج، وواقع التقاليد المستمرة داخليًّا.
من هذا المنطلق، يرى د. حمدي عبد الرحمن حسن أن الدولة الإفريقية ليست مجرد جهاز إداري أو سياسي، بل مساحة صراع متواصلة بين مشروع الحداثة الرسمي والشرعية الاجتماعية التقليدية. وفَهْم هذه الديناميكية يُعدّ مفتاحًا لتحليل هشاشة الدولة؛ إذ يُوضّح أن نجاح أيّ مشروع بناء دولة لا يمكن أن يتحقّق فقط عبر تبنّي النظم الحديثة، بل يحتاج إلى دَمْج واعٍ للنظم التقليدية بما يُحقّق توافقًا بين السلطة الرسمية والمجتمع المحلي، ويُعزّز شرعية الدولة وفعاليتها.
رابعًا: ما أبرز الإسهامات والإضافات التي يُقدّمها الكتاب؟
يمكن اعتبار كتاب د. حمدي عبد الرحمن حسن قراءة جريئة وحاسمة لديناميات الدولة في إفريقيا، فهو يتجاوز التحليل التقليدي لمؤسسات الدولة ليُقدّم رؤية شاملة تجمع بين التاريخ والسياسة والمجتمع.
يعتمد المؤلف على منهج تحليلي متعدد الأبعاد، يجمع بين دراسة الإرث الاستعماري، التأثيرات الدولية، والهياكل الاجتماعية التقليدية، مع تقديم أمثلة واقعية لدول إفريقية متنوعة، ما يُعزّز مصداقية الطرح ويجعل التحليل قريبًا من الواقع السياسي المعاصر.
من أبرز إسهامات الكتاب قدرته على الجمع بين النظريات السياسية الغربية والتجربة الإفريقية الخاصة؛ إذ يستفيد من مفاهيم مثل الدولة الحديثة، السيادة، والمركزية، لكنّه لا يُطبّقها بشكلٍ مطلق، بل يَربطها بالخصوصية التاريخية والاجتماعية للقارة.
هذا المزيج يتيح للقارئ فهمًا أعمق للتناقضات البنيوية والسياسية التي تواجه الدولة الإفريقية، ويكشف عن الفجوة بين الشكل والمؤسسة والواقع المعيشي للمواطنين.
ومع ذلك، يطرح الكتاب تحديًا فكريًّا للقارئ، يتمثل في التساؤل حول إمكانية تجاوز حالة الدولة المستحيلة عبر الإصلاحات الداخلية فقط. فالدكتور حمدي عبد الرحمن يشير إلى أن الهياكل السياسية والاجتماعية الموروثة، إضافة إلى التأثيرات الخارجية، تجعل أيّ إصلاح داخلي محدودًا في قدرته على إعادة الدولة إلى مسار الفاعلية والاستقرار. هذا يفتح النقاش حول الحاجة إلى إعادة التفكير في العلاقات الدولية وتأثيراتها على إفريقيا، سواء من خلال تعزيز استقلال القرار السياسي أو إعادة هيكلة المساعدات الاقتصادية بما يخدم تطوير الدولة بدلًا من تعزيز تبعيتها.
كما يُقدّم الكتاب نقدًا ضمنيًّا للخطاب الأكاديمي الغربي حول الدولة في إفريقيا، مؤكدًا أن النظريات التقليدية غالبًا ما تفشل في استيعاب الديناميات المحلية؛ لأنها لا تراعي التفاعل بين الحداثة والتقاليد، أو بين المركزية والمجتمع المحلي.
وبهذا، يدعو المؤلف إلى اعتماد منهجيات تحليلية أكثر تكاملًا، تراعي التعددية الثقافية والاجتماعية، وتُقدّم تصورات عملية لإعادة بناء الدولة بما يتناسب مع خصوصيات القارة.
علاوةً على ذلك، ينجح الكتاب في إبراز البُعْد الزمني للدولة الإفريقية؛ من خلال ربط الحاضر بالماضي الاستعماري، موضحًا أن هشاشة الدولة ليست ظرفية أو نتيجة إخفاقات شخصية للنخب السياسية، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وهياكل اجتماعية وسياسية مترسخة. هذه الرؤية الزمنية تُعطّي للكتاب قوة تحليلية كبيرة؛ لأنها تُتيح للقارئ إدراك أن الأزمة ليست مُؤقَّتة، وأنّ أيّ مشروع إصلاحي يحتاج إلى مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الجذور العميقة للصراعات والتناقضات البنيوية.
في المحصلة، يمكن القول: إن قراءة الكتاب تمثل دعوة لإعادة التفكير في الدولة الإفريقية، ليس كمؤسسة جامدة أو كيان سياسي مستقل عن المجتمع، بل كمشروع مستمر يتطلب فهمًا دقيقًا للتفاعلات بين التاريخ والسياسة والمجتمع، وبين القوى الداخلية والخارجية.
هذه القراءة النقدية تجعل الكتاب مرجعًا مهمًّا لكل باحث أو ممارس سياسي يسعى لفهم الأسباب الجوهرية لهشاشة الدولة الإفريقية وإمكانيات تجاوزها.
الخاتمة:
يترك كتاب “الدولة المستحيلة في إفريقيا: مسارات متناقضة” للقارئ إحساسًا واضحًا بتعقيد الدولة الإفريقية، ليس كمؤسسة رسمية فحسب، بل كمشروع متشابك بين التاريخ، المجتمع، والسياسة الدولية. يبرز المؤلف كيف أن هشاشة الدولة لا تُفسّر بالإخفاقات الفردية أو الظرفية، بل هي نتاج تراكمات تاريخية، تناقضات بنيوية، وصراعات مستمرة بين المركز والمجتمع، بين الحداثة والتقاليد، وبين السيادة المعلنة والاعتماد الخارجي.
ما يجعل هذا الكتاب جديرًا بالقراءة هو قدرته على إعادة تعريف فهم الدولة الإفريقية، من كيان جامد إلى مساحة حيوية للصراع والتفاوض والتكيف؛ حيث يتعين على النخب والمجتمع المحلي معًا البحث عن حلول مبتكرة توازن بين الواقع التقليدي ومتطلبات الحداثة.
كما يدعو الكتاب إلى طرح أسئلة جوهرية حول إمكانية تجاوز حالة “الدولة المستحيلة”، مؤكدًا أن الإصلاحات الداخلية وحدها لا تكفي، بل تحتاج الدولة إلى إعادة النظر في علاقتها بالمجتمع الدولي وموازنة النفوذ الخارجي بما يخدم استقلال القرار الوطني وفعالية الدولة.
في النهاية؛ يُقدّم الكتاب رؤية متكاملة تجمع بين التحليل الواقعي والنقد البنيوي، ويترك للقارئ مساحة للتأمل في مستقبل الدولة الإفريقية، ليس كمشروع مكتمل أو ثابت، بل كميدان مستمر من التجارب، الدروس، والفرص لإعادة بناء مؤسسات قادرة على تحقيق الاستقرار والشرعية، وإيجاد التوازن بين إرث الماضي ومتطلبات الحاضر والمستقبل.











































