محمود ناصر جويدة
يُمثّل مشروع سيماندو في غينيا نقطة محورية في تاريخ التعدين الإفريقي، ليس فقط بسبب حجم احتياطاته الضخمة من خام الحديد، بل أيضًا لما يَحمله من أبعاد اقتصادية وسياسية وجيوستراتيجية. فالمشروع يُعيد رسم خارطة التنافس الدولي في غرب إفريقيا؛ حيث تتقاطع مصالح الصين والولايات المتحدة ضمن استثمارات ضخمة في قطاع حيوي عالميًّا، بينما يسعى النظام العسكري في كوناكري إلى استغلال المشروع لتعزيز شرعيته الداخلية وفرض نفسه كفاعل مركزي في إدارة الموارد الوطنية.
في هذا المقال، سنستعرض تدشين المشروع، وهيكلة ملكيته، وأبعاده الاقتصادية والسياسية، مع تحليل الدروس المستفادة من تجربة غينيا السابقة في هذا المجال وتحويل الإيرادات التعدينية إلى تنمية شاملة ومستدامة، فضلاً عن دراسة تأثير الصراع الصيني–الأمريكي على إدارة واستغلال هذا المورد الإستراتيجي.
تدشين أكبر مشروع حديد في إفريقيا:
أعلنت غينيا في 11 نوفمبر 2025م الإطلاق الرسمي لمشروع خام الحديد العملاق سيماندو، في خطوةٍ تُنهي ثلاثة عقود من التعطيل الناتج عن نزاعات قانونية مُعقَّدة، وجولات من التحكيم الدولي، وبيئة سياسية اتسمت بعدم الاستقرار. يقع المشروع في إقليم كانكان بمحافظة كيروان، وهو موقع يكتسب أهميته من حجم الاحتياطات المعدنية، التي تُعدّ أكبر رواسب خام الحديد غير المستغلة في العالم، والمُقدَّرة بنحو 2.8 مليار طن بنسبة نقاء تصل إلى 65%.([1])

خريطة توضح خط السكك الحديد والمناجم
يشمل المشروع تطوير واحد من أكبر مناجم الحديد المفتوحة في العالم داخل سلسلة جبال سيماندو، التي تمتد لنحو 110 كيلو مترات، وتقع على مسافة تقارب 600 كيلو متر من الساحل الغيني. ويتضمَّن المشروع أيضًا إنشاء خط سكة حديد بطول 650 كيلو مترًا يربط منطقة التعدين بالساحل الأطلسي، وعلى جانبيه الشرقي والغربي يُجْرَى تشييد نحو 10 آلاف كيلو متر من الطرق الأسفلتية. كما يشمل تشييد ثلاثة موانئ جديدة عند مصبّ نهر مورباياه قرب منطقة سينجولين في محافظة فورياكاريا، باستثمارات إجمالية نحو 20 مليار دولار من جانب الشركاء.([2])
صُنِّفت السكة الحديد كخط متعدّد الاستخدامات، ما يعني أن بِنْيتها التحتية ستخدم حركة البضائع والركاب في غينيا على المدى الطويل، وليس فقط شحنات سيماندو. ويساهم هذا التصميم في تعظيم العائد على الاستثمار من خلال دعم التكامل الاقتصادي الداخلي وتعزيز الربط الإقليمي بين غينيا والدول المجاورة، خاصة مع صعود غرب إفريقيا كممر لوجستي متنافس عليه بين القوى الدولية والشركات العملاقة.
كما يمنح قرب المشروع من ليبيريا وساحل العاج إمكانية الاستفادة من خدمات لوجستية مشتركة وتكاليف نقل أقل، الأمر الذي يُوفّر له مرونة تشغيلية تفتقر إليها العديد من المشاريع المنافسة في المنطقة. ويتيح هذا الموقع أيضًا الوصول إلى عدة ممرات تصديرية محتملة، بما يُمَكِّن غينيا من تنويع خياراتها وتقليل اعتمادها على مسار واحد قد يكون محفوفًا بالمخاطر.([3])
توزيع الملكية لمشروع سيماندو:
يُقسَّم مشروع سيماندو إلى أربع كتل أو قطاعات رئيسية، تتوزع مسؤولية تطويرها بين جهتين أساسيتين. تتولى شركة سيمفر (Simfer)، وهي مشروع مشترك يضم شركة ريو تينتو (Rio Tinto) الأسترالية-البريطانية التي حصلت على أول ترخيص لها عام 1997م، ومجموعة تشالكو آيرون (Chalco Iron Ore) إلى جانب الحكومة الغينية، تطوير الكتلتين الجنوبيتين بنِسَب متفاوتة.([4])
أما الكتل الشمالية، فتُدَار مِن قِبَل تحالف سيماندو الذي تقوده مجموعة ويتشياو للألومنيوم الصينية بالشراكة مع وينينغ إنترناشونال (Wining Consortium) السنغافورية، وتستحوذ الصين على 75% من ملكية شركة سيماندو، وهذا يعني أن ثلاثة أرباع إنتاجها سيتجه إلى الصين في إطار ترتيبات استثمارية تعكس تزايد الحضور الآسيوي في قطاع التعدين الغيني.([5])
تحتفظ الحكومة الغينية بحصة ملكية تبلغ 15% في المشروع عبر مختلف مكوناته: فهي تملك 15% مباشرة من SimFer المشرفة على بلوكات 3 و4، ولها حصة مجانية بنسبة 15% في بلوكات 1 و2 التي يديرها (WCS). كما تمتلك الحكومة 15% من شركة ترانس غينين (CTG) المسؤولة عن البنية التحتية المشتركة للسكك الحديدية والموانئ، ما يضمن لها مشاركة في الإيرادات من عمليات النقل بعد انتهاء العمر التشغيلي للمشروع. وتشمل مصادر إيرادات الحكومة مدفوعات الإتاوات، وضرائب الشركات، وعوائد الملكية المباشرة من العمليات الناجحة.([6])
وأكد سون شيو شون، رئيس مجلس إدارة شركة WCS، أن الوصول إلى مرحلة التشغيل الفعلي يمثل ثمرة سنوات من العمل المتواصل وصياغة شراكات متوازنة بين الأطراف المختلفة. ويستفيد التحالف، بحسب شيو شون، من الخبرة الواسعة التي تمتلكها باوو الصينية في صناعة الصلب، ما يُمكِّنه من تلبية الطلب العالمي المتزايد على خام الحديد عالي الجودة ودعم استدامة سلاسل التوريد في الأسواق النهائية.
المراحل التشغيلية لمشروع سيماندو:
من المفترض أن تستمر مرحلة العمليات الأولية للمشروع خلال الفترة 2025 -2027م، مع تركيز الجهود على تعزيز موثوقية النظام وتحسين كفاءة التشغيل بدلًا من السعي المُبكّر للوصول إلى أقصى طاقة إنتاجية. وتشير التقديرات إلى أن الشحنات الأولى خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2025م ستبلغ نحو 10 ملايين طن من خام الحديد، على أن يرتفع الإنتاج إلى حوالي 35 مليون طن في عام 2026م مع تحسين أداء خط السكة الحديد.([7])
وبحلول عام 2027م، ومع توسعة القدرة الاستيعابية للميناء، يُتوقَّع أن يصل حجم الإنتاج إلى نحو 65 مليون طن. وتمثل هذه المرحلة فرصة حاسمة لتحديد الاختناقات التشغيلية ومعالجتها قبل الانتقال إلى مرحلة التوسع الكامل.
أما المرحلة الثانية، فتهدف إلى تحقيق القدرة الإنتاجية الكاملة خلال الفترة 2028- 2030م، بعد نجاح التشغيل الأوّلي وتنسيق الكتل المتعددة. من المتوقع أن يصل إنتاج خام الحديد إلى 95 مليون طن في عام 2028م، ومع استكمال تنسيق عمليات الكونسورتيوم وتكامل أنظمة البنية التحتية، يمكن بلوغ القدرة الإنتاجية القصوى البالغة 120 مليون طن سنويًّا بحلول عام 2030م، وهو ما يُمثِّل 5% من المعروض العالمي.([8])
استثمار اقتصادي يتحوَّل إلى رافعة سياسية قبل انتخابات 2025م:
بعد استيلاء رئيس المجلس العسكري، مامادي دومبويا، على السلطة وإطاحته بالرئيس ألفا كوندي في سبتمبر 2021م، قام بتعليق جميع الأنشطة المرتبطة بمشروع سيماندو، وأجبر الأطراف المعنية على توقيع اتفاق جديد في مارس 2022م يهدف إلى توحيد الاستثمارات وإعادة هيكلة المشروع. كما أنشأ لجنة مرتبطة مباشرة بالرئاسة لضمان التزام جميع الشركاء بتعهداتهم، ما أعاد وضع الدولة في مركز إدارة المشروع بعد سنوات من الخلافات بين المستثمرين.([9])
ويمثل إطلاق مشروع سيماندو اليوم استعراضًا سياسيًّا واضحًا للنظام العسكري؛ إذ ترى قوى المعارضة أن الجدول الزمني للمشروع يخضع لحسابات سياسية أكثر منه اقتصادية. فمع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها في ديسمبر 2025م، جعَل الحزب الحاكم من اللجنة الوطنية للتجمع من أجل التنمية (CNRD) مشروع سيماندو محورًا أساسيًّا في حملته، مُقدِّمًا مامادي دومبويا باعتباره القائد الذي أنجَزَ ما عجزت عنه الإدارات المتعاقبة طوال العقود الماضية.([10])
ويجري الترويج للانقلاب العسكري على أنه لم يكن استيلاءً على السلطة، بل خطوة ضرورية لتحرير ثروات غينيا، وتسريع استغلال مواردها الطبيعية، في محاولة لتعزيز شرعية النظام وجذب التأييد الشعبي قبيل الاستحقاق الانتخابي.
كما تلعب الوعود بتوفير الوظائف وتمويل الخدمات الاجتماعية دورًا مهمًّا في تعزيز الثقة الشعبية بدومبويا؛ إذ يرى العديد من المحللين أنه يسعى من خلال هذا المشروع إلى تعزيز قبضته على مجريات الانتخابات المقبلة وترسيخ شرعيته داخليًّا.
تحليل الآثار الاقتصادية المُحتمَلة وأثرها على التنمية في غينيا:
يعتمد الاقتصاد الغيني على قطاع التعدين بدرجة كبيرة، وإن ظلّ خام الحديد تاريخيًّا أقل وزنًا مقارنة بالبوكسيت الذي يُشكِّل العمود الفقري للصادرات الغينية. وتشير تقديرات مالية في عام 2022م إلى أن قطاع التعدين يُساهم حاليًا بنحو 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي. لكنّ دخول مشروع سيماندو مرحلة التشغيل الكامل سيُغيِّر المعادلة الاقتصادية بصورة كبيرة. إذ يتوقع أن يؤدي الإنتاج التجاري المنتظم لسيماندو إلى رفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 3.4%، إضافة إلى توفير إيرادات حكومية تصل إلى مليار دولار سنويًّا([11]).
تشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لغينيا قد يرتفع بنحو 26% بحلول عام 2030 مقارنة بالسيناريو الأساسي في حال عدم تنفيذ مشروع سيماندو، ما يعكس حجم التأثير الهيكلي الذي يمثّله دخول هذا المنجم العملاق إلى الدورة الاقتصادية للبلاد.
ومن المتوقع أيضًا أن يُحدث المشروع ضغوطًا تصاعدية على قيمة العملة الوطنية، مع تقدير ارتفاعها بنحو 3% في عام 2025م، و2% إضافية بحلول 2030، نتيجة تدفق الاستثمارات وتوسع العائدات التصديرية([12]).
وعلى صعيد سوق العمل، يُرجَّح أن يؤدي المشروع إلى زيادة معدل التوظيف بنحو 4% عبر توفير ما يُقدَّر 60000 وظيفة مباشرة وغير مباشرة، تم توفير 33000 وظيفة منهم حتي الآن([13])، إلى جانب دفع قيمة الصادرات المعدنية إلى مستويات مضاعفة مقارنة بوضعها الراهن. ومن شأن هذا التحسن في العائدات أن يُسهم في خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2.5% بحلول عام 2030م.
ومع ذلك، يبقى الأثر الإيجابي على الاستهلاك الخاص وتقليص فجوة التفاوت الاجتماعي محدودًا ما لم تقرن الحكومة الطفرة التعدينية بسياسات توزيعية فعّالة، تضمن انتقال المكاسب من القطاع إلى المجتمع، وتمنع تركُّز الثروة حول حلقات ضيّقة في المشهد الاقتصادي والسياسي.
في سبتمبر الماضي، أكَّدت وكالة ستاندرد آند بورز العالمية للتصنيف الائتماني ثقة الأسواق في إمكانات النمو الاقتصادي لغينيا؛ حيث منحت البلاد أول تصنيف سيادي لها على الإطلاق بمستوى B-+ مع نظرة مستقبلية مستقرة. ويُعدّ هذا التصنيف بمثابة باب لوصول غينيا إلى أسواق رأس المال الدولية.([14])
وأعلنت الحكومة الغينية عن خطط لإطلاق أول صندوق ثروة سيادي لها في الربع الثاني من عام 2026م، برأس مال أولي قدره مليار دولار أمريكي. ويهدف الصندوق إلى استثمار الإيرادات غير المتوقعة الناتجة عن المشروع، لتوجيهها نحو تعزيز البنية التحتية، ودعم التعليم والزراعة، وتحسين مؤشرات الحوكمة، بما يسهم في تحويل الثروة المعدنية إلى تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة.([15])
تعكس هذه التوقعات الطموحة حجم الرهان الذي تضعه حكومة كوناكري على مشروع سيماندو ليكون مُحرّكًا رئيسيًّا لتحويل الاقتصاد وتحقيق النمو المستدام. ويتجلى هذا الرهان بوضوح في برنامج التنمية الطموح “سيماندو 2040″، الذي يضم 122 مشروعًا و36 إصلاحًا مجمعة تحت خمس ركائز إستراتيجية: الزراعة وصناعة الأغذية، التعليم، البنية التحتية والتكنولوجيا، الاقتصاد، والصحة. ويهدف البرنامج إلى منع تبديد عائدات التعدين عبر توجيه جزء كبير منها نحو القطاعات الإنتاجية، واستثمار رأس المال البشري، وتطوير بنية تحتية قادرة على توليد فرص عمل جديدة وتقليل مستويات الفقر. ويُشكِّل هذا التوجُّه نهجًا متكاملًا يعكس إدراك الحكومة لغينيا بأن النمو الاقتصادي المرتبط بالموارد الطبيعية يجب أن يَقترن بسياسات تنموية طويلة الأمد لضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.([16])
ومع ذلك، يرى صندوق النقد الدولي أن مشروع سيماندو لن يكون قادرًا على دفع عجلة النمو بشكلٍ فعَّال إلا إذا أُعيد استثمار الإيرادات المتأتية منه بشكلٍ فعَّال. وتشير عمليات المحاكاة التي أجراها الصندوق إلى أن تخصيص موارد تعادل 3% من الناتج المحلي الإجمالي للاستثمار العام يمكن أن يُسرِّع النمو غير التعديني، ويُخفّض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بوتيرة أسرع. ويحذّر الصندوق من أن غياب سياسات استثمارية واستهدافية مدروسة سيُبْقِي الأثر الاجتماعي للمشروع محدودًا، ما يعكس أهمية دَمْج الاستثمارات التعدينية ضمن إطار تنموي شامل يضمن توزيع المنافع على مختلف شرائح المجتمع، ويُعزّز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.([17])
تحديات غينيا في تحويل الإيرادات إلى رفاهية شاملة:
سيماندو ليس أول مورد معدني بالغ الأهمية في غينيا؛ فالبلاد تمتلك بالفعل أكبر احتياطيات بوكسيت في العالم، الأمر الذي جعلها في السنوات الأخيرة أكبر مُصدِّر عالمي لخام الألومنيوم. ووفقًا لبيانات مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية(EITI) ، شكّل قطاع البوكسيت نحو 44% من صادرات المعادن في عام 2022م، بينما ساهم قطاع التعدين إجمالًا بنحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، و17% من إيرادات الدولة، و6.5% من إجمالي الاستثمار.([18])
ومع ذلك، لم يُترجَم هذا التوسع الكبير في استغلال البوكسيت إلى تحسينات ملموسة في مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فعلى الرغم من تسجيل متوسط نمو سنوي للناتج المحلي الإجمالي بلغ 5.1% بين عامي 2019 و2023م، ارتفع معدل الفقر بنحو سبع نقاط مئوية خلال الفترة ذاتها، ما أدَّى إلى انزلاق 1.8 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر. ويبرز هذا التناقض الحاد بين النمو الاقتصادي ورفاهية السكان إخفاق الدولة في تحويل الثروة المعدنية إلى تنمية شاملة ومستدامة وهو درس بالغ الأهمية أمام حكومة كوناكري وهي تستعد لاستقبال عوائد مشروع سيماندو.([19])
من المتوقع أن تعاود التحديات التي شهدها قطاع البوكسيت الظهور ضمن دورة إيرادات مشروع سيماندو، ما يثير تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على إدارة العوائد بشكلٍ شفَّاف وفعَّال. وتشمل هذه المخاطر مظاهر المحسوبية في الملاحق المالية للاتفاقيات الكبرى، والتلاعب في حجم الصادرات وجودتها، وتسعير التحويلات بغرض التهرب الضريبي، إلى جانب احتمال تواطؤ بعض شركات التعدين مع السلطات الضريبية لتقليل الالتزامات المالية، فضلاً عن التدخل السياسي في عمليات التدقيق المالي، ما قد يُقوِّض استدامة الإيرادات ويَحُدّ من أثر المشروع على التنمية الوطنية.([20])
توازنات غينيا في سباق خام الحديد العالمي:
قبل الإطلاق الرسمي لمشروع سيماندو في صيف عام 2024م، كان المشروع قد تَحوَّل إلى ساحة تعكس بوضوح حدة التنافس الأميركي الصيني في غرب إفريقيا. فقد فازت شركة وابتيك (Wabtec) الأمريكية بعقدين تجاوزت قيمتهما 248 مليون دولار لتوريد قاطرات من طراز ES43ACmi لنقل خام الحديد من جبال سيماندو إلى ميناء موريبايا على الساحل الأطلسي. غير أن تأخُّر عمليات التسليم أثار قلق الشركات الصينية المشاركة في المشروع، ولا سيما مجموعة باوو (Baowu) التي ستعتمد على تدفق كميات ضخمة من الخام فور بَدْء الإنتاج لدعم مصانعها.([21])
ومع تنامي الشكوك بشأن جاهزية القاطرات الأمريكية في الوقت المحدد، لجأت باوو إلى حلّ مؤقّت عبر شراء قاطرات صينية وشحنها إلى ميناء موريبايا في سبتمبر الماضي لتشغيلها بشكل مرحلي. لكن هذه الخطوة قُوبلت برفضٍ تامّ من السلطات الغينية؛ إذ أصدر جيبا دياكيتي، رئيس اللجنة الإستراتيجية للمشروع ورئيس ديوان الرئيس مامادي دومبويا، أوامر مباشرة بإعادة القاطرات إلى الصين فورًا.([22])
وتنظر الحكومة الغينية إلى هذا الملف باعتباره قرارًا سياسيًّا أكثر منه مسألة تقنية. فالعقود الممنوحة لشركة وابتيك تُعدّ، في رؤية كوناكري، عنصرًا ضروريًّا لتحقيق توازن في مواجهة النفوذ الصيني المتعاظم داخل المشروع. ويأتي في السياق ذاته مَنْح عقد أنظمة الإشارات والاتصالات على طول خط السكة الحديد لشركة ألستوم (Alstom) الفرنسية، في خطوة تعكس سعي غينيا لخلق توازن مدروس بين الشركاء الدوليين وضمان عدم انفراد أيّ طرف خصوصًا الصين بإدارة واحد من أهم مشاريع التعدين في القارة.([23])
ولكن مع بدء الإنتاج، تبقى الصين المستفيد الأكبر من المشروع؛ فهي المستهلك الأول عالميًّا لخام الحديد، وكانت طوال العقدين الماضيين في حالة شدّ وجذب مع أستراليا والبرازيل، وهما المورِّدان الرئيسيان اللذان تدور مصالحهما في فلك النفوذ الأميركي داخل هذا القطاع الحيوي. وقد اتجهت أولى شحنات سيماندو بالفعل إلى الصين، التي تستورد نحو ثلاثة أرباع إجمالي الخام عالميًّا، ما يعكس الأهمية الإستراتيجية المتزايدة للمشروع بالنسبة لبكين.
وتستحوذ الصين حاليًّا على نحو 8% من الإنتاج العالمي المنقول بحرًا، غير أن دخول سيماندو مرحلة التشغيل الفعلي قد يرفع هذه الحصة إلى الضعف خلال السنوات الخمس المقبلة، مانحًا بكين قدرة تفاوضية أوسع في مواجهة تقلبات السوق، خصوصًا مع التوقعات بانخفاض أسعار خام الحديد إلى ما بين 70 و80 دولارًا للطن خلال العامين المقبلين، مقارنة بنحو 100 دولار في الوقت الراهن.([24])
يُشكّل بَدْء الإنتاج في مشروع سيماندو نهاية واحدة من أطول مغامرات التعدين في إفريقيا، ويضع غينيا على خريطة خام الحديد العالمية عند مفترق طرق يجمع بين الطموحات الإفريقية، والإستراتيجيات الآسيوية، والتحولات الصناعية الأوروبية. ورغم استمرار وجود تحديات عديدة، فإن حجم المشروع يُمثّل نقطة تحول مهمة؛ فلأول مرة، تتأهب دولة إفريقية للتأثير على سوق خام الحديد العالمي.
………………………………..
[1] Reuters. 2025. “Guinea Aims for Global High‑Grade Iron Ore Leverage with Simandou Launch.” Reuters, November 12. https://www.reuters.com/world/africa/guinea-aims-global-high-grade-iron-ore-leverage-with-simandou-launch-2025-11-12/
[2] Initiative pour la Transparence dans les Industries Extractives (ITIE) Guinée. Winning Consortium Simandou. Accessed November 20, 2025. https://www.itie-guinee.org/winning-consortium-simandou/
[3] FrontPageAfrica. 2025. “Guinea Silent as Liberia Grants Rail Access for Its Ore to Be Shipped Despite Guinea’s $18 Billion Railway Nearly Ready.” FrontPageAfrica, October 27 https://frontpageafricaonline.com/news/guinea-silent-as-liberia-grants-rail-access-for-its-ore-to-be-shipped-despite-guineas-18-billion-railway-nearly-ready/
[4] Rio Tinto. 2025. “Simandou.” Rio Tinto. https://www.riotinto.com/en/operations/projects/simandou
[5] WCS Global. 2025. “About Us.” WCS Global Consortium.
https://wcsglobal.com/en/consortium/about-us
[6] Guineenews.org. 2025. “Participation de l’État guinéen (15%) dans le projet minier Simandou : un acquis à l’actif du CNRD.” Guineenews.org, March 6, 2025. https://guineenews.org/2025/03/06/participation-de-letat-guineen-15-dans-le-projet-minier-simandou-un-acquit-a-lactif-du-cnrd/
[7] Ecofin Agency. 2025. “For Guinea, Prized Simandou Repeats an Old Question: Wealth for Whom?” Ecofin Agency, November 12.
[8] Hidayat, Muflih. 2025. Simandou Iron Ore Project Transforms Guinea’s Mining Landscape. Discovery Alert. November 15, 2025. https://discoveryalert.com.au/simandou-iron-ore-project-2025-significance/.
[9][9] BBC Afrique. 2025. Titre de l’article inconnu. BBC Afrique https://www.bbc.com/afrique/articles/c709y7ddzjxo.
[10] African Security Analysis (ASA). 2025. “Guinea: Launch of the Simandou Mega Iron Project – A Political and Economic Turning Point.” African Security Analysis, November 14. https://www.africansecurityanalysis.org/reports/guinea-launch-of-the-simandou-mega-iron-project-a-political-and-economic-turning-point
[11] International Monetary Fund. 2024. Guinea: Selected Issues; IMF Country Report No. 24/131. Washington, DC: International Monetary Fund. https://www.elibrary.imf.org/view/journals/002/2024/131/article%E2%80%91A001%E2%80%91en.xml
[12] International Monetary Fund. 2024. Guinea: Selected Issues, IMF Staff Country Report No. 24/131. Washington, DC: International Monetary Fund https://www.elibrary.imf.org/view/journals/002/2024/131/article-A001-en.xml
[13] RFI. 2025. “Simandou : miracle ou mirage pour l’économie guinéenne ?” Grand reportage, April 7. https://www.rfi.fr/fr/podcasts/grand-reportage/20250407-simandou-miracle-ou-mirage-pour-l-%C3%A9conomie-guin%C3%A9enne
[14] Initiative Glosema Group. 2025. “Simandou: China’s Strategic Leap in the Global Iron Ore Game.” Glosema Group, November 14, 2025. https://glosema.group/news/simandou-chinas-strategic-leap-in-the-global-iron-ore-game/
[15] Muhammed, Joshua. 2025. “Guinea Eyes 2026 for Simandou Wealth Fund Debut.” African Leadership Magazine, November 13, 2025. https://www.africanleadershipmagazine.co.uk/guinea-eyes-2026-for-simandou-wealth-fund-debut/
[16] Financial Afrik. 2025. “Guinea: Simandou 2040 Program Lays the Groundwork for an Industrialized Resource State.” Financial Afrik, October 29. https://www.financialafrik.com/en/2025/10/29/guinea-simandou-2040-program-lays-the-groundwork-for-an-industrialized-resource-state/
[17] International Monetary Fund. 2024. Guinea: Selected Issues, IMF Staff Country Report No. 24/131. Washington, DC: International Monetary Fund. https://www.imf.org/en/-/media/files/publications/cr/2024/english/1ginea2024002.pdf
[18] Extractive Industries Transparency Initiative (EITI). 2025. “Guinea.” EITI. https://eiti.org/countries/guinea
[19] Ecofin Agency. 2025. “For Guinea, Prized Simandou Repeats an Old Question: Wealth for Whom?” Ecofin Agency, November 12.
[20] Natural Resource Governance Institute. 2023. Diagnosing Corruption in the Extractives Sector: Guinea Case Study. Washington, DC: Natural Resource Governance Institute. December. https://resourcegovernance.org/sites/default/files/2023-12/Diagnosing-Corruption-in-the-Extractives-Sector_Guinea.pdf
[21] Wabtec Corporation. 2025. “Wabtec Wins $248 Million Locomotive Order from Winning Consortium Simandou.” Wabtec News Release, January 28, 2025. https://ir.wabteccorp.com/news-releases/news-release-details/wabtec-wins-248-million-locomotive-order-winning-consortium/
[22] Nyabiage, Jevans. 2025. “Rejected China Locomotives Cast Shadow as Guinea’s Simandou Mine Marks Milestone.” South China Morning Post, November 11, 2025. https://www.scmp.com/news/china/diplomacy/article/3332313/rejected-china-locomotives-cast-shadow-milestone-guineas-simandou-mine
[23] – إرم نيوز، 1 نوفمبر 2025م. “غينيا.. منجم سيماندو في قلب صراع النفوذ الاقتصادي بين واشنطن وبكين”، على الرابط التالي: https://www.eremnews.com/news/world/ldl1p73
[24] Pilling, David, and Leslie Hook. 2025. How the World’s Biggest Mining Project Is a Win for China. Financial Times, November 19. https://www.ft.com/content/9fe8f588-5383-4fde-b2f7-11fcbb206384











































