عبدالرحمن الراضي عسلي- تشاد
باحث في القضايا السياسية والأمنية الإفريقية
كثيراً ما تُقدَّم إفريقيا بوصفها قارةً تقع في مستنقع التخلف والجهل والفساد والتأخر عن الركب الحداثي الغربي، دون التطرق إلى العوامل البنيوية التي جعلت من القارة الإفريقية مسرحاً للنزاعات الأهلية والسياسية والفساد الإداري في الكتابات الغربية، ومهمشةً في الكثير من المحافل والمؤسسات الدولية، ومن ذلك مثلاً غياب مقعد دائم لإفريقيا في مجلس الأمن الدولي.
تُمثل القارة الإفريقية اليوم أحد مراكز الثقل في إعادة تشكيل النظام الدولي بفضل ما تمتلكه من موارد ومعادن تُعدّ عصب الاقتصاد العالمي، مثل يورانيوم النيجر، وكوبالت الكونغو، وكاكاو ساحل العاج، وحديد موريتانيا، وفسفور المغرب، وذهب السودان وأراضيه الخصبة، وألماس جنوب إفريقيا، ناهيك عن قطاع السياحة والأماكن السياحية التي لم يكتشفها العالم بعد في ربوع القارة.
وعلى الرغم من كل تلك الثروات المدفونة، التي لم يستفد منها الأفارقة؛ إلا جزءاً ضئيلاً جداً تقاسمته بعض النخب الإفريقية مع القوى الخارجية الداعمة لبقاء الأوضاع الإفريقية المتردية التي تهين كرامة الإنسان الإفريقي.
ورغم ضآلة استغلال القارة لثرواتها، نشبت صراعات (قبلية، سياسية، اجتماعية، اقتصادية)، لا يُعرف لها نهاية في الأمد القريب، لم تكن تلك الصراعات التي مست جوهر الدولة الإفريقية معطى جديداً، بل هي تراكمات تجمعت عبر الزمان وأدت إلى إزاحة القارة إلى الخلف، بل ولا تستطيع الخروج منها أو تجاوزها بسبب (أزمة الدولة الإفريقية).
وعليه؛ تبحث هذه الورقة في الأسباب الجوهرية والمفسرة لأزمة الدولة الإفريقية المزمنة، والتي عانت منها دول القارة منذ ما سُمي بالاستقلال، ولا تزال تعاني منها بعده إلى يومنا هذا، كما تسلط الضوء على الجهات التي صنعت العوائق التي أدت إلى فشل بناء الدولة في الماضي، والجهة التي تقع عليها مسؤولية بناء الدولة في الحاضر والمستقبل.
وللإجابة عن هذه الإشكالات، تقودنا الرحلة التاريخية إلى استقراء التاريخ السياسي للقارة وفهم محطاته التاريخية والسوسيوسياسية والاقتصادية التي مرّت بها، وذلك عبر مراحل رئيسة: ما قبل مؤتمر برلين، ومرحلة مؤتمر برلين، ومرحلة الاستعمار، وما بعد الاستعمار، ثم المرحلة المعاصرة.
ويأتي ذلك بغية تعميق فهم الواقع الذي ترزح القارة تحت وطأته، واستحضار الإرث التاريخي الإفريقي الذي لا تزال الأجيال المعاصرة تستنشق عبقه.
أولاً: الكيانات السياسية الإفريقية قبل مؤتمر برلين: أمثلة على النظم السياسية والحضارية والاجتماعية:
عرفت القارة الإفريقية قبل مؤتمر برلين كيانات سياسية مزدهرة ومتقدمة في جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بل تركت إرثاً ثقافياً واجتماعياً وسياسياً امتد إلى العصر الحالي، حيث كان ازدهارها في التنظيم السياسي والإداري لا يقل شأناً عن الدولة الحديثة في أوروبا، ولم تكن القارة مختلفة إدارياً وسياسياً كما يحاول الغرب تصويرها اليوم.
كانت القارة مقسمة تقسيماً جغرافياً تلقائياً حسب طبيعة الكيانات السياسية السائدة في تلك الفترة، أي ما قبل التقسيم الأوروبي لها في مؤتمر برلين 1884م، حيث عرفت القارة كيانات سياسية شرقاً وغرباً، وجنوباً وشمالاً.
الحديث عن الدول التي أُقيمت في غرب إفريقيا ليس مجرد حديث تاريخي أو سياسي فحسب، بل حديث عن مستوى عالٍ من الهندسة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كمملكة مالي التي أسسها القائد المالي سوندياتا كايتا Sundiata Keita في جنوب مالي، في القرن الثالث عشر الميلادي، وامتد تاريخها ما بين (1253-1610م)، حيث تُعدّ من أكبر الدول الإفريقية فيما قبل الاستعمار، ومن الدول المتجذرة في تاريخ الهوية الاجتماعية والسياسية بمنطقة غرب إفريقيا. وكذلك إمبراطورية سونغاي (1375-1591م)، التي تُعدّ إحدى أعظم الإمبراطوريات الإفريقية في العصور الوسطى بغرب السودان[1].
كما عرفت المنطقة الواقعة شمال القارة الإفريقية العديد من الدول والممالك والسلطنات، التي امتازت بمستويات عالية في إدارة شؤون البلاد داخلياً، وخارجياً في علاقتها مع الكيانات الأخرى (علاقات دبلوماسية)، كالدولة الإدريسية، والفاطمية، والدولة الموريتانية، والمرابطون، والموحدون، وغيرها من الكيانات التي شهدتها منطقة شمال إفريقيا، والتي لا يزال لها أثر في التنظيم السياسي والإداري، وكانت محطة عبور للقوافل التجارية نحو العمق الإفريقي، ولا تزال هذه الكيانات حاضرة في ذاكرة التاريخ، مذكورةً في العديد من المحافل الدولية، ومنقوشة في السجلات الوطنية.
أما فيما يخص الدول التي سادت في وسط إفريقيا، والتي لا تزال معالمها الأثرية تحكي التاريخ السياسي لتلك المنطقة، فنجد مملكة كانم-برنو التي كان مركزها شمال شرق بحيرة تشاد، واستمرت على مدى طويل من التاريخ 800 -1810م، وقد حكمت هذه المملكة أسرة سيف بن ذي يزن. شملت هذه المملكة بلاداً كثيرة، فقد كانت تمتد من النيجر غرباً، وضمت جزءاً من بلاد الحوسا (نيجيريا)، ووصلت إلى منطقة وداي شرق البلاد (تشاد)، كما شملت أجزاءً كبيرة من الصحراء الكبرى التي استعانوا على فتحها بحكام تونس من الحفصيين[2].
وفي الجانب الشرقي من القارة الإفريقية أُقيمت العديد من الكيانات السياسية، عُرفت بدول وممالك وسلطنات عديدة، مثل دولة رواندا – مومباسا – كيلوا- لامو- بوغندا- وسلطنة زنجبار. ونظراً لكثرة الكيانات السياسية التي عرفها الجانب الشرقي من القارة الإفريقية أختصر ذلك في كيان سياسي واحد وهو سلطنة زنجبار، التي تُعرف في السواحيلية باسم Usultani wa Zanzibar، وهي سلطنة عربية إفريقية تم تأسيسها في الفترة ما بين 1856م-1964م، امتدت من سلطنة عمان إلى ساحل شرق إفريقيا، وضمت أجزاءً من الدول الإفريقية التي تُعرف حالياً باسم: الصومال- كينيا- تنزانيا– موزمبيق، أُسست سلطنة زنجبار على يد السلطان سعيد بن سلطان.
كانت زنجبار خاضعةً للبرتغاليين في الأصل قبل أن يتمكن العمانيون من طرد البرتغاليين والسيطرة عليها في القرن الـ17م، وبالتحديد في العام 1698م، فأصبحت تابعةً لسلطنة عمان. وفي عام 1856م، عندما انقسمت الدولة البوسعيدية بسبب الخلافات السياسية الداخلية بين أبناء السلطان سعيد أصبحت زنجبار سلطنة مستقلة، حيث انتقل السلطان سعيد بن سلطان واستقر بها في العام 1856م[3]، وبعد وفاة السلطان سعيد عام 1856م، حكم زنجبار وعمان بشكل منفصل اثنان من أبنائه، وظلت سلالة آل بو سعيد في السلطة في زنجبار حتى ثورة 1964م العنيفة[4]. عُرفت السلطنة بمستوى متقدم في التنظيم الإداري والسياسي، وفي علاقاتها الدبلوماسية مع كلٍّ من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية في عهد السلطان، بسبب موقعها الإستراتيجي المطل على المحيط الهندي، وكانت إحدى أكبر الدول التي عُرفت بتجارة التوابل والحرير والقرنفل والعبيد عبر المحيط الهندي.
أما في جنوب القارة؛ فقد أُقيمت واحدة من أكبر الممالك التي عرفتها القارة، وهي مملكة الزولو، والتي أسسها الملك شاكا في بدايات القرن الــ19 الميلادي، وكانت عاصمتها بولاوايو ثم أولوندي[5]. امتد نفوذ المملكة إلى جميع أنحاء جنوب شرق إفريقيا، عُرفت المملكة بالازدهار الاقتصادي ورفاهية المعيشة بين شعب الزولو نتيجةً للحروب التي قادتها المملكة مع جيرانها. دخلها الأوروبيون خصوصاً البوير، وهم من أصول هولندية، من أجل إقامة دولة هولندية داخل المملكة، فتصدى لهم شعب الزولو، ودخلوا معهم في معركة دامية عُرفت حينها بمعركة «نهر الدم» في الـ16 من ديسمبر لعام 1838م[6].
عرفت القارة الإفريقية قبل مجيء الأوروبيين ازدهاراً اقتصادياً وتنظيماً إدارياً وتلاحماً اجتماعياً، حيث عاشت الشعوب الإفريقية في انسجام حضاري وثقافي لم يعرف الأوروبيون أنفسهم مثله، كما تميزت القارة بتعددها الثقافي والحضاري من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، وتقاطعت العديد من الحضارات والثقافات بين الشعوب الإفريقية، مما منحها خصوصيةً حضارية وثقافية مشتركة عاشتها الشعوب الإفريقية قبل مجيء الأوروبيين، أو بالأحرى قبل «مؤتمر برلين».
ثانياً: إفريقيا ومؤتمر برلين:
عُقد مؤتمر برلين في العام 1884م-1885م، نتيجةً للصراعات الأوروبية على مناطق النفوذ داخل القارة الإفريقية، حيث كانت القارة الأوروبية تبحث عن سوق مفتوحة لتفريغ فائضها الصناعي، خصوصاً فرنسا وبريطانيا وبلجيكا والبرتغال وألمانيا، فكانت القارة الإفريقية هي البيئة التجارية الخصبة للأوروبيين، وفي الوقت نفسه كان الأوروبيون بحاجة إلى مواد خام لتلبية احتياجاتهم المحلية، على سبيل المثال: أدى التنافس الصناعي بين ألمانيا وفرنسا إلى تفوق الأخيرة، ولم يكن لألمانيا من وسيلة لدعم صناعتها وجعلها تنافس المصنوعات الأوروبية الأخرى إلا بالحصول على مستعمرات غنية تجد فيها المواد الخام اللازمة لصناعتها، ووجدت ألمانيا ضالتها المنشودة في القارة الإفريقية[7].
ولا تقتصر الأسباب والدوافع لعقد مؤتمر برلين على الجانب الاقتصادي فحسب، بل كان للعامل السكاني في أوروبا، من تزايد عدد السكان وظهور أفراد خارجين عن القانون، دور في دفع الدول الأوروبية للبحث عن مناطق خارجية لحل هذه المشكلات، ولم تجد الدول الأوروبية إلا القارة الإفريقية مكاناً لتصريف هذا الضغط. أضف إلى ذلك النزعة القومية الأوروبية، والكشوف الجغرافية، والتبشير المسيحي، وغيرها من الدوافع الإستراتيجية لاحتلال القارة الإفريقية، التي دفعت بريطانيا وفرنسا إلى التنافس على بسط النفوذ في أقاليم ما وراء البحار.
دفعت كل هذه الأسباب المستشار الألماني أوتو فون بسمارك Otto von Bismarck إلى الدعوة لعقد مؤتمر برلين. كما لعب الرفض البريطاني للسيادة البرتغالية على ساحل أنغولا، رغم اعترافها الضمني بها في عامي 1810–1817م الخاصين بتجارة الرقيق، دوراً مهماً، في حين كانت البرتغال ترفض الاعتراف بمطالب بريطانيا في منطقة الكونغو. وما إن قامت المناورة الفرنسية في حوض الكونغو خلال عامي 1882–1883م، حتى وضعت الدولتان أُسساً جديدة للتفاهم بينهما[8].
لم يأخذ مؤتمر برلين بعين الاعتبار الخصوصية الإفريقية، المتمثلة في الثقافة والعادات والتقاليد التي تتميز بها كل منطقة على حدة، ولا القبائل التي تتقاطع أحياناً فيما بين بعضها، فالكثير من القبائل الإفريقية وجدت نفسها فيما بعد المؤتمر إلى الآن مقسمةً بين الدول وهي في الأصل قبيلة واحدة، على سبيل المثال: نجد قبيلة واحدة مشتتة في عدة دول مثل قبيلة الزولو، التي توجد في عدة دول في جنوب القارة، وكذلك البانتو، ناهيك عن الفولانيين، وهي من أكبر القبائل في القارة الإفريقية، والتي تقطن من غرب إفريقيا إلى شرقها وصولاً إلى وسط القارة، وهي قبيلة غير مستقرة تحب الترحال، نجدها في موريتانيا ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا ونيجيريا وتشاد والسودان وإثيوبيا وأجزاء من إريتريا وإفريقيا الوسطى وكينيا، وغيرها من الدول التي أخذتها موطناً لها، فقد ظلت عصية على التقسيم الأوروبي للقارة ولمفهوم الدولة الحديثة، حيث إنها لم تعترف بالحدود السياسية أصلاً، لأن المستعمرين عندما قسّموا الأراضي الإفريقية جزؤوها تجزئةً كيفية، فجعلوها مربعات ومستطيلات ومثلثات، لم يراعوا طبيعة السكان أو طبيعة الأرض ومجاري الأنهار والحدود الطبيعية[9].
أدت الإمبريالية الأوروبية من خلال تقسيمها القسري للقارة الإفريقية إلى خلق هوية إفريقية مشوهة، وإلى نزاعات عرقية وقبلية ونزاعات سياسية بين الدول على الحدود التي رسمتها دون وعي مسبق منها بخصائص القارة، إذ لم تراع الإمبريالية سوى مصالحها التجارية، أي تصدير منتجاتها إلى القارة وبسط نفوذها واستغلال ثروات القارة من ذهب ونحاس وفضة ومعادن أخرى ومواد خام، إلى جانب الجلود والعاج والكاكاو وتجارة الرقيق (تجارة البشر) خصوصاً إلى أمريكا، حيث قدّمت هذه القوة البشرية الإفريقية قسراً على حساب حريتها مساهمةً كبيرة في نهضة الولايات المتحدة الأمريكية.
كان مؤتمر برلين بمثابة تمهيد للاستعمار الرسمي للقارة، حيث إن الوجود الأوروبي لم يبدأ من القرن الـ17م بل من القرن الـ15 الميلادي، عبر الرحلات الاستكشافية وحملات التبشير والتجارة وخصوصاً تجارة الرقيق. كان البرتغاليون هم أول من دخل القارة من الأوروبيين، ومنذ نهاية القرن الخامس عشر، قام البرتغاليون، من خلال فتح الطريق إلى الهند، بتحديد معالم القارة الإفريقية[10]، فمنذ هذا التاريخ بدأ البرتغاليون في التمركز في سواحل غرب إفريقيا، وبدأ التغلغل الأوروبي نحو العمق الإفريقي بغطاء تجاري. حتى القرنين الـ17-18م، ظلت علاقة الأوروبيين مع العمق الإفريقي علاقة تجارية فقط، وشهدت هذه المرحلة تحالفات مع النخب السياسية الإفريقية، التي لم تكن مدركةً في كثير من الأحيان بأنها أصبحت أدوات استُعمل بعضها لأجل السيطرة والتمكين لوجود الاستعمار لاحقاً، ولنفي المعارضين للسياسة الاستعمارية الأوروبية داخل القارة.
ثالثاً: إفريقيا وحقبة الاستعمار:
تعدّد الوجه الاستعماري للقارة الإفريقية، وأصبحت إفريقيا مجالاً واحداً للتنافس بين القوى الاستعمارية الأوروبية، التي دخلت القارة عبر مراحل تمهيدية قبل أن تُقسِّمها فيما بينها مثل الكعكة في مؤتمر برلين، ليس فقط لبسط نفوذها فحسب، بل أيضاً لإثبات حضورها كقوى متنافسة تسعى إلى ترسيخ وجودها الفعلي في القارة الإفريقية، وكان النصيب الأكبر في القارة الإفريقية للقوة الاستعمارية الفرنسية، حيث أخضعت عدداً من دول الشمال الإفريقي، ففرضت الحماية على تونس عام 1881م عبر معاهدة باردو، واحتلت الجزائر عام 1830م، ووضعت المملكة المغربية تحت الحماية 1912م.
أما غرب إفريقيا؛ فقد تمكنت القوات الاستعمارية الفرنسية من احتلاله وبسط سيطرتها على معظم الأقاليم الواقعة فيه، والتي شملت لاحقاً دول (موريتانيا – السنغال- بوركينا فاسو (فولتا العليا سابقاً)- غينيا – مالي- النيجر – كوت ديفوار- وبنين (داهومي سابقاً)، ضمن إطار «إفريقيا الغربية الفرنسية».
وفي إفريقيا الوسطى، شملت السيطرة الفرنسية كلّاً من (تشاد (خضعت لفرنسا جزئياً بعد الحرب العالمية الأولى)– الكاميرون- الغابون– جمهورية الكونغو برازافيل– جمهورية إفريقيا الوسطى)، والتي شكّلت معاً اتحاد «إفريقيا الاستوائية الفرنسية». وكانت «أوبانغي–شاري» Oubangui-Chari التسمية الاستعمارية للإقليم الذي أصبح لاحقاً جمهورية إفريقيا الوسطى- نسبةً لنهري أوبانغي وشاري[11].
ومن الناحية الشرقية؛ تمكنت القوات الفرنسية من استعمار كلٍّ من (جزر القمر- مدغشقر- جيبوتي التي عُرفت آنذاك باسم «الصومال الفرنسي»)، وأقل ما يمكن وصفه فيما يتعلق بالاستعمار الفرنسي هو أنه استعمار وحشي، يُعدّ أحد أبشع الاستعمارات في القارة الإفريقية بجانب الاستعمار البلجيكي في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وقد اتسم النظام الاستعماري الفرنسي بطابع إداري مركزي مقارنةً بالدول الأوروبية الاستعمارية الأخرى.
تأتي بريطانيا كثاني أكبر قوة استعمارية حظيت بنصيب كبير من كعكة مؤتمر برلين، حيث بسطت نفوذها في غرب إفريقيا على (نيجيريا- سيراليون… إلخ)، وفي شرقها على (الصومال (الصومال البريطاني سابقاً)- السودان…. إلخ)، إضافةً لعدد من الدول الواقعة في الجنوب، خاصةً جنوب إفريقيا – أوغندا[12].
وعلى الرغم من دخول ألمانيا المتأخر؛ فإنها استطاعت احتلال كلٍّ من توغو- ناميبيا (جنوب غرب إفريقيا الألمانية). والتي شهدت، في مطلع القرن العشرين (1904-1908م)، إحدى أبشع المجازر الجماعية، وقد أدت فظائع الإبادة التي ارتكبتها القوات الاستعمارية الألمانية، والتي أقرها الجنرال لوثار فون تروثا عامي 1904 و1905م بإبادة شعبي الأوفاهيريرو والناما، إلى تغيير جذري في مسار التاريخ والوضع الاجتماعي والاقتصادي لسكان ناميبيا آنذاك، وخلّفت آثاراً ممتدة في أجيالهم اللاحقة. وتشير التقديرات إلى أن هذه الإبادة الجماعية قد أهلكت شعبي الناما والأوفاهيريرو في ذلك الوقت؛ حيث قُتل ما يصل إلى 80% من الأوفاهيريرو، وأكثر من نصف الناما[13].
كما شمل النفوذ الألماني الكاميرون، قبل أن تُقسَّم لاحقاً بين فرنسا وبريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى. فكل تلك الدول كانت تعرف باسم غرب إفريقيا الألمانية، في حين خضعت رواندا وبوروندي لما عُرف بشرق إفريقيا الألمانية. ولم يقلّ العنف الاستعماري الألماني وطأةً عن نظيريه الفرنسي والبلجيكي، إلا أنها بسبب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى خسرت جميع مستعمراتها في إفريقيا، وانتقلت المستعمرات للانتداب البريطاني والبلجيكي والفرنسي. وعلى الرغم من قصر وجود الاستعمار الألماني في القارة؛ فإنه قد ترك بسبب إفراطه في العنف ضد هذه الدول الإفريقية جرحاً عميقاً يصعب التئامه، بل طال هذا الجرح النفسي أيضاً كل الشعوب الإفريقية.
تُعدّ التجربة البلجيكية في الكونغو من أكثر النماذج الاستعمارية عنفاً في القارة الإفريقية، حيث تُعتبر بلجيكا أمّ الفظائع والوحش الحقيقي للاستعمار الأوروبي في القارة الإفريقية. بدأ الاستعمار البلجيكي مباشرةً بعد مؤتمر 1885م، ولم تدخل بلجيكا القارة مثلها مثل الدول الاستعمارية الأوروبية الأخرى، بل دخلت كشخص أو كسيّد يتصرف في أرضه كما يشاء، إذ لم تُنشأ المستعمرة بدايةً بوصفها إقليماً تابعاً للدولة البلجيكية، بل كملكية شخصية للملك ليوبولد الثاني فصارت الكنغو دولة كاملة ضمن أملاكه. وفقاً للبرلمان البلجيكي، اعتبر الكونغو مستعمرة بلجيكية حكومية تحت اسم «دولة الكونغو الحرة» (1885–1908م)، تتبع في إدارتها وزارة المستعمرات البلجيكية[14]، وبهذا أصبحت الكونغو كاملةً أحد المشاريع الاستعمارية المطلقة في القارة الإفريقية.
وخلال هذه المرحلة شهدت دولة الكونغو تحت الاستعمار البلجيكي أكبر إبادة جماعية لا نظير لها، خلّفت ما يقارب الـــ10 ملايين ضحية، من قتل جماعي ومجاعة وعمل قسري وبتر للأطراف، وغيرها من الجرائم التي ارتكبها الملك البلجيكي ليوبولد الثاني، وبعيداً عن الجدل السياسي يكفي أن كل تلك الجرائم مصورة وموثقة في أرشيفات الاستعمار الأوروبي للقارة.
تتجلّى الأهمية الجيوبوليتيكية للبحر في كونه أداة تمهيد للسيطرة والهيمنة؛ إذ إن التحكم في الطرق والممرات البحرية يمنح القدرة على التأثير في المجال البري والتحكم في مساراته الإستراتيجية. وقد أدركت بريطانيا هذه الحقيقة، فدخلت القارة مبكراً منذ القرن الـ16م، عبر التوسع البحري والشركات البحرية. تميزت بريطانيا بأن استعمارها لم يكن غالباً يبدأ بشكل مباشر، بل كان عبر التجارة والشركات والتحالفات مع النخب المحلية.
واتسم نمط الحكم البريطاني في عدد من مستعمراته بما عُرف بالحكم غير المباشر أو الثنائي، حيث جرى إشراك النخب المحلية في الإدارة، ولم تتفرد بالحكم والسيطرة كبقية الدول الاستعمارية الأوروبية، ولم تكن الإدارة البريطانية الإفريقية متوحشة كحال بلجيكا وفرنسا وألمانيا. وقد خضعت لنفوذها مناطق واسعة، من بينها (مصر عبر السيطرة على قناة السويس عام 1882م، والسودان – أوغندا- كينيا- تنزانيا– الصومال- نيجيريا– غانا- غامبيا – سيراليون)، أما من الناحية الجنوبية فخضعت لنفوذها كلٌّ من (جنوب إفريقيا– إسواتيني- ليسوتو- زامبيا – زيمبابوي- بوتسوانا).
ليس هناك استعمار أفضل من استعمار، بل هناك استعمار أقل تكلفة من استعمار، ومن أقل الاستعمارات تكلفةً للشعوب الإفريقية ومرونةً في إدارة المستعمرات والتواصل الفعّال مع النخب السياسية الإفريقية ومع الشعوب على حدٍّ سواء هو الاستعمار البريطاني، وهذا ليس تجميلاً لصورتها أو صورة البريطانيين، بل هي حقيقة أثبتها التاريخ السياسي للقارة الإفريقية ولا يزال يثبت ذلك، ففي كل عام نجد الدول التي كانت تحت الاحتلال البريطاني في الصدارة ضمن مؤشرات التنمية البشرية والقوة الاقتصادية، ونجد فيها نوعاً من التقدم والازدهار في البنى التحتية والرقمية. بينما نجد كثيراً من الدول التي خضعت للاستعمار الفرنسي في ظل غيابٍ تام ولن أقول شبه تام عن هذا التقدم، بل أيضاً لا تزال تلك الدول خاضعةً للاستعمار الفرنسي في وجهه الجديد عبر تحكّمه في السياسة المالية لتلك الدول، مما يطرح سؤالاً على تلك الدول، والتي تدّعي الاستقلال وتحتفل بعيده، عن سيادتها المالية؟
رابعاً: إفريقيا ما بعد الاستعمار:
تُعدّ الحرب العالمية الثانية محطةً فارقة في تطور السياسة الاستعمارية الأوروبية، ولا سيما الفرنسية، إذ شكّل سقوط فرنسا عام 1940م على يد ألمانيا النازية منعطفاً حاداً في الخطاب الاستعماري تجاه إفريقيا. وفي هذا السياق، أطلق شارل ديغول نداءه الشهير لمقاومة الاحتلال الألماني وتحرير فرنسا، فلبى الفرنسيون النداء من أجل فرنسا. كما توجه الجنرال ديغول للأفارقة بخطاب يحمل في طياته المكر السياسي والوعود الكاذبة، بأن تحرير إفريقيا واستقلال الأفارقة مرهون بتحرير فرنسا من ألمانيا.
شارك الجنود الأفارقة في عملية إنزال نورماندي، الذي شنه الحلفاء في 6 يونيو/حزيران 1944م انطلاقاً من بريطانيا نحو سواحل منطقة النورماندي شمال غربي فرنسا[15] لتحريرها، أملاً منهم في نيل استقلالهم وحريتهم والتوجه نحو بناء المشاريع الوطنية في بلادهم، ومنها بناء الدولة الوطنية على أُسس ومبادئ إفريقية، إلا أن الخطاب والوعود الفرنسية تغيرت، إذ انتقل من وعود التحرير إلى طرح صيغة تقوم على الاستقلال الجزئي مع الإبقاء على الحضور الفرنسي في مستعمراته الإفريقية، على أساس أن الدول الإفريقية ما تزال هشةً وضعيفةً وغير قادرة على إدارة البلاد والمجتمعات، وأنها دول حديثة العهد- وكأنها لم تكن قبل مؤتمر برلين ممالك تدير البلاد والمجتمعات!.
استثمر الخطاب الكولونيالي هذه الحجج في طمسه للهوية الإفريقية، فكل هذه الادعاءات تبرر من وجهة نظره البقاء في القارة الإفريقية، فوجود القوات الفرنسية بعد الاستقلال المزعوم ليس لخدمة الأفارقة، بل لنهب ثروات وخيرات القارة. بقي الاستعمار كما هو في مستعمراته السابقة، وكل ما حدث هو تبديل أقنعته وبقي كما هو، لكنه ترك هامشاً من الاستقلال السياسي في تدبير الشؤون الداخلية، فالاستقلال والحرية حق والحق يُؤخذ ولا يُعطى أو يُمنح، وما حدث بعد إنزال نورماندي هو فقط أن فرنسا منحت الأفارقة استقلالاً شكلياً صورياً لا واقعياً ولا فعلياً، وهذا ما يعيق بناء أي مجتمع حر أو بناء دولة وطنية بمرجعيات محلية تأخذ من الخصوصية الثقافية والحضارية لبنةً أساسية لبناء التقدم وازدهار الإنسان الإفريقي.
انتبه العديد من السياسيين والمناضلين الأفارقة إلى السياسة الإمبريالية الجديدة، فقاموا بالمطالبة بالاستقلال الفعلي للقارة، إلا أن ردود فعل الاستعمار كانت قوية، بل أحياناً كانت متطرفة، بلغت قتل وإقصاء أصوات المناضلين المنادين بالاستقلال الحقيقي بأبشع الطرق، مثلاً: قتل المناضل الكونغولي باتريس لومومبا Patrice Lumumba الذي أُعدم رمياً بالرصاص في الـ17من يناير/كانون الثاني 1961م[16]، قُتل نتيجةً لمعارضته للهيمنة الآتية من خارج القارة. كما قُتل المناضل الكاميروني روبين أوم نيوبيه Ruben Um Nyobe عام 1958م، وهو أحد الوجوه البارزة لمناهضة السياسة الاستعمارية في الكاميرون، ومؤسس حزب الاتحاد الكاميروني. وفليكس رولاند مومييه Felix Roland Moumié، الذي اغتيل في جنيف عام 1960م. فضلاً عن الكثير من المناضلين الأفارقة، الذين رفعوا أصواتهم من أجل الاستقلال الحقيقي لدولهم فدفعوا الثمن الغالي. ونتيجةً لسياسة الاغتيالات التي انتهجتها القوى الاستعمارية تمكنت من البقاء في القارة؛ رغم تعالي الأصوات المناهضة للوجود الأجنبي داخل القارة من حينٍ لآخر.
كانت القوى الاستعمارية تحكم إفريقيا عبر شركاتها العابرة للقارات، والتي لم ير منها الأفارقة إلا المجاعة والأمراض الخبيثة، كالسرطان الذي يسببه التلوث الناتج عن مخلفات شركات التنقيب مثلاً، فما الذي استفاده الأفارقة من الشركات الأوروبية في قطاع التنقيب في إفريقيا سوى النهب وتلوث البيئة في البر والبحر، وتدمير القطاع الفلاحي، حتى أصبحت الأراضي الزراعية غير قادرة على إنتاج محاصيل في بعض المناطق، وأدى التلوث في مياه الأنهار والبحار إلى قتل العديد من عناصر الحياة المائية، وبسببه تعرضت مصادر دخل الكثير من الأسر الإفريقية للضياع، إضافةً إلى الشركات التي تقطع الأشجار للاستفادة من الأخشاب مما يزيد من الزحف الصحراوي، كل ذلك بسبب الرشاوى والفساد الإداري وبمؤامرة كثير من النخب السياسية.
لم ير الأفارقة من الاستقلال إلا وجهاً آخر للاستعمار عبر الشركات العابرة للقارات والوجود العسكري داخل القارة بذرائع فضفاضة لا تبرر الوجود أصلاً في العصر الحالي، كالوجود الفرنسي في الساحل، والنخب السياسية الموالية للقوى الاستعمارية، وفرض قادة على الشعوب الإفريقية.
خامساً: إفريقيا المعاصرة:
بعدما استعرضنا التراكمات التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي تميّزت بها القارة الإفريقية في مرحلةٍ من مراحل تاريخها، يتضح أنّ كل هذه المكاسب الحضارية دُفنت وضاعت، بعدما تحوّلت القارة بفعل الاستعمار من مرحلة امتياز إلى مرحلة قهر وتكبيل، وإبقاء على التخلف، وإغراق في دوامة أزمات من قبيل خلق جماعات مسلحة ذات مرجعيات دينية أو أيديولوجية، أو سياسية (ميليشيات مسلحة) وما أكثرها في إفريقيا!، ونزاعات بين الدول على الحدود، وصراعات قبلية وإثنية، الغرض منها استغلال القارة وإبقاؤها على هامش الساحة الدولية بلا تأثير في صناعة التاريخ العالمي.
حصلت الدول الإفريقية على الاستقلال (الشكلي) منذ الستينيات من القرن الماضي، وإلى يومنا هذا مضى ما يزيد على الـ60 عاماً، وهذه المدة الزمنية كفيلة ببناء دولة وطنية جامعة لكل الشتات الأيديولوجي والسياسي والاجتماعي وحتى الثقافي الإفريقي، بل هناك دولة إفريقية استطاعت خلال ظرف زمني وجيز تجاوز كل العقبات؛ حيث وضعت نفسها على المسار الصحيح لبناء دولة وطنية بخلفية وخصائص إفريقية وبمواكبة الحداثة العالمية، والحديث هنا عن دولة رواندا، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا بقيت العديد من الدول الإفريقية الأخرى على المسار الذي رُسم لها منذ الاستقلال (الشكلي) ولم تتمكن من تجاوزه وبناء دولة وطنية؟
في محاولةٍ لإيجاد حل لهذا الإشكال؛ نسلط الضوء على العلاقة بين الأنظمة السياسية الإفريقية، وخصوصاً أنظمة الدول التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي، والعوائق البنيوية التي خلفها الاستعمار لدى تلك الدول.
– أزمة الحدود المصطنعة:
لا جدال بين اثنين في أن فشل الدولة أو العوائق البنيوية في إقامة دولة إفريقية وطنية فُرضت من الخارج، يأتي على رأسها الحدود المصطنعة التي رسمها مؤتمر برلين، حيث لم يراع مؤتمر برلين خصوصيات المجتمعات الإفريقية، ففرق قبائل بين عدة دول، وأحياناً جمع قبائل متصارعة داخل دولة واحدة، مما أنتج دولاً مشوهة بنيوياً، يصعب فيها بناء هوية واحدة جامعة لشعبها، وبالتالي لا ينظر إليها (الدولة) ككيان واحد مشترك بين مواطنيها.
– ضياع خاصية الأمة:
أو ما يُعرف بدولة الأمة، التي لم يشارك الأفارقة في بنائها بشكل فعلي. وإذا افترضنا أن الدولة كانت قائمة قبل الاستقلال (الشكلي)؛ فإن بناء الدولة سبق بناء الأمة، ما يعني غياب شعور الانتماء الوطني الجامع للدولة. وبناءً عليه؛ لا يمكن الحديث عن ولاء أمة للوطنية؛ بل غالباً ما يظل الولاء للقبيلة أو العشيرة، وهو ما يعني تحوّل الولاء إلى الأشخاص بدلاً من الدولة نفسها. ومن ثَمّ يصبح الحديث عن دولة دون خاصية الأمة مجرد حديث شكلي.
– تآمر النخب المصطنعة:
هي نخب بصبغة إفريقية لكنها في جوهرها نخب مصطنعة، وقد لعبت الجامعات والمعاهد دوراً محورياً في تكوين مثل هؤلاء القادة الأفارقة، ولعل أبرز جامعة خدمت المستعمر هي جامعة الشيخ أنتا ديوب في داكار عاصمة السنغال[17]، لأنها كونت وصاغت النخب والقادة بمقاييس استعمارية محضة لا ترى في الدولة ولا الأمة إلا مشروعين سياسيين ظرفيين لا يستحقان الاهتمام بقدر الاهتمام الشخصي أو تلبية رغبات الخارج من أجل الاحتفاظ بالمناصب فحسب، كأمثال ليوبولد سيدار سنغور، لأن تكوينها لم يكن بغرض حكم وإدارة الدولة الإفريقية، بل كان من أجل تنفيذ المشاريع التي خطط لها الاستعمار.
دمر الاستعمار الدول التي كان يحتلها وشوهها، وبعد خروجه تركها مشوهة، وبذلك ورثت النخب الإفريقية مؤسسات دولة مشوهة بنيوياً، وفُرض على هذه النخب السير عليها كما هي، فمؤسسة الجيش هي جيش السلطة وليس جيش الوطن، ومقسمة داخلياً حسب القبائل، وأحياناً يوجد جيشان داخل الدولة الواحدة كما هو الآن في السودان كأبرز مثال، كما ينفذ ضباط الجيش والنخب سياسات النخبة الحاكمة، من أجل استمرارها في الحكم أو المناصب العليا، تنفيذاً حرفياً للسياسة الاستعمارية.
– الصراع السياسي وأزمة التغيير:
وقد أدى عدم التداول السلمي للسلطة إلى الصراع السياسي والانقلابات العسكرية المتكررة، والتي تفسر غلبة فكرة التغيير بمنطق القوة لا بمنطق المنافسة الانتخابية، حتى أصبحت السياسة مجالاً للصراعات المسلحة وليست مجالاً لتدبير الشأن العام.
– التحول إلى الاستهلاك بدل الاعتماد على الإنتاج:
كانت الدولة الإفريقية قبل الاستعمار دولاً منتجة لكل أنواع السلع ذات الاستهلاك اليومي، لكنها تحوّلت إلى دول مستهلكة حتى بعد انتهاء الاستعمار، ولم يكن غريباً عندما رأينا الرئيس السنغالي السابق ماكي سال ذهب مهرولاً إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليتوسل إليه من أجل تصدير الحبوب في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية. وحثّ الزعيم السنغالي، برفقة رئيسة مفوضية الاتحاد الإفريقي، الرئيس الروسي- بعد مائة يوم من اندلاع الحرب- على الاعتراف بأن إفريقيا تُعاني من تبعات الصراع في أوكرانيا، نظراً لخطر حدوث أزمة غذاء عالمية خطيرة[18].
فهل يُعقل أن تظهر قارة مثل إفريقيا بهذه الصورة، وأنها لا تستطيع تأمين غذائها وتعتمد على الخارج لإطعام شعوبها؟.
– فقدان السيادة المالية:
كل ذلك يعكس عواقب الاقتصاد غير المستقل، إضافةً إلى الشروط المجحفة التي تفرضها المؤسسات الدولية ذات الطابع المالي، والتي أسهمت في تعميق التبعية الاقتصادية، وعدم استقلالية تلك الدول خصوصاً في السياسات المالية. ومن الأمثلة على ذلك وضع 15 دولةً إفريقية احتياطياتها النقدية لدى البنك المركزي الفرنسي، مما يطرح سؤالاً حول السيادة المالية لهذه الدول، كيف يمكن بناء دولة دون سيادة مالية؟ أو كيف تُسمّى هذه الدول أصلاً دولاً حديثة مستقلة، وهي لا تمتلك سيادتها المالية؟!
– المؤامرة الداخلية على مستوى القارة:
كل دولة إفريقية تتجه إلى المسار الحقيقي للاستقلال والخروج من العباءة الغربية؛ تُعاقب إما اقتصادياً أو أمنياً من قِبل الدول الإفريقية البعيدة أو المجاورة لها، مثل العقوبات التي فُرضت على دولة مالي، وهي إحدى دول تحالف الساحل الثلاث AES، شملت العقوبات التي فرضتها الإيكواس على مالي؛ إبقاء العقوبات الأولية السابقة التي فُرضت على البلاد وسلطاتها الانتقالية، وإضافة عقوبات اقتصادية ومالية أخرى شملت استدعاء الدول الأعضاء في الإيكواس سفراءها المعتمدين في مالي؛ وإغلاق الحدود البرية والجوية مع البلاد؛ وتعليق جميع المعاملات التجارية والمالية بين الدول الأعضاء في الإيكواس ومالي[19]. وإما سياسياً من طرف الاتحاد الإفريقي، الذي نرى دوره محدوداً في معالجة بعض التحديات والقضايا التي تواجه القارة الإفريقية.
وختاماً:
فشل بناء الدولة في إفريقيا، أو أزمة الدولة في إفريقيا المعاصرة، لا نحمّل مسؤوليته على العوامل الخارجية وحدها، بل للنخب الإفريقية الفاسدة دورٌ أيضاً في هذا الفشل، لأنها استخدمت الفساد كآلية للتحكم في الشعوب الإفريقية، فقد حلّت محل المواطنة مصطلحات لا تتعلق بعملية بناء الدولة بل بهدمها، مثل الزبونية السياسية وغيرها، وأصبح الريع وتوزيعه أداةً معيارية للحكم، حيث تفضل النخب أنظمة قمعية (دكتاتورية) وسلطوية مدعومة من الخارج من أجل الاستقرار، والمقصود بالاستقرار هنا بقاء الدولة على ما هي عليه (ضعف- هشاشة- حروب أهلية- نزاعات سياسية – إرهاب- انقلابات عسكرية مدعومة من الخارج… إلى آخره).
لماذا أُحمّل النخب السياسية الإفريقية مسؤولية أزمة الدولة في هذا العصر دون سواهم؟ لأن هناك دولاً في القارة لم تخضع للاستعمار أصلاً كإثيوبيا، فرغم المحاولات المتكررة من الإيطاليين للسيطرة عليها واستعمارها؛ فإن الأحباش قاوموا الإيطاليين وانتصروا عليهم في النهاية، وبهذا تُعدّ إحدى الدولتين اللتين لم تخضعا للاستعمار، وهما إثيوبيا وليبيريا، وبالتالي لم تتأثرا بالسياسة الاستعمارية التي تُشكل دون غيرها عوائق بنيوية تؤدي إلى أزمة الدولة، ومع ذلك ظلت الدولتان مثل الدول الإفريقية الأخرى التي مرّت بمرحلة استعمارية، لأنهما تبنتا حرفياً نفس نمط الحكم والنظام السياسي الذي ورثته الدول التي كانت مستعمرة، وبالتالي أصبحت كلٌّ منهما دولةً ذات مؤسسات هشة وضعيفة لا تستطيع حماية نفسها ولا حل النزاعات السياسية والأهلية الداخلية، والتمردات العسكرية (كما في تيغراي)، ولا حل المشكلات الجوهرية التي تعطل عجلة البناء الحقيقي.
هذا أبرز مثال لإزالة الغبار عن إشكالية بناء الدولة في إفريقيا، وتحميلي مسؤولية أزمة الدولة للنخب الإفريقية لا أعني به أبداً إعفاء دور العامل الخارجي الذي وضع العوائق البنيوية أمام بناء الدولة الوطنية الإفريقية، إلا أن النخب الإفريقية لم تستطع تجاوز تلك العوائق لوضع اللبنة الأولى، والمتمثلة في العقد الاجتماعي، لأن الدولة الوطنية لا تقتصر فقط على الأحزاب السياسية والانتخابات والنصوص الدستورية، بل تقوم على عقد اجتماعي مبني على الحقوق والواجبات في إطار وطني جامع.
وبناءً عليه؛ لا يمكن القول إن الاستعمار وحده هو المعيار الوحيد المفسّر لأزمة الدولة في إفريقيا، فقد وضع مؤتمر برلين والحقبة الاستعمارية العوائق البنيوية في طريق بناء الدولة؛ وساهمت في تطويرها المؤسسات الدولية الحالية، وعمّقت جذورها النخب الحاكمة (سياسية– اقتصادية- عسكرية- وعلمية).
………………………………..
المراجع:
[1] George Kintiba, Ph.D. University of Maryland College Park, MD: The Empire of Songhai, 1375-1591 Memory and Heritage of a Glorious Past [A Historiographical Essay]; International Journal of Humanities and Social Science Vol.8 • No.10 • October 2018; p.36.
[2] محمود شاكر: مواطن الشعوب الإسلامية في إفريقيا، الطبعة الأولى– مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، 1972م، الصفحة 19-20.
[3] سعيد عواج: التنظيم السياسي لسلطنة زنجبار الإسلامية في عهد السيد سعيد بن سلطان 1840-1856م/ حوليات جامعة قاملة للعلوم الاجتماعية والإنسانية- المجلد 16/ العــدد 1 (جوان 2022)، ص286.
[4] Valerie J. Hoffman/ Religion, Ethnicity and Identity in the Zanzibar Sultanate, p.78.
[5] عائد عميرة: ممالك إفريقيا قبل الاستعمار/ مجلة نون بوست.
[6] Richard Lidbrook Cop/ THE ORIGINS OF THE ANGLO-ZULU WAR/ A thesis the Faculty of Arts, University of the Witwatersrand, Johannesburg, in1995. p.14.
[7] عبدالله عبدالرزاق إبراهيم: دراسات في تاريخ غرب إفريقيا الحديث والمعاصر، القاهرة 1998م، ص43.
[8] أسماء شمول: التنافس الأوروبي في إفريقيا ومؤتمر برلين (1884-1885م)- الكونغو أنموذجاً.
[9] يوسف روكيز: إفريقيا السوداء سياسة وحضارة/ بيروت الطبعة الأولى 1986م، صفحة 11.
[10] Y. Boulvert, Le dernier grand blanc de la carte d’Afrique: premières approches de l’Oubangui-Chari ou Centrafrique à la fin du XIXe siècle. p.299.
[11] Ibid. p.299.
[12] شوقي عطا الله الجمل: تاريخ إفريقيا الحديث والمعاصر، الطبعة الثانية، (الرياض: دار الزهراء للنشر والتوزيع، 2002م)، صفحة 153.
[13] EUROPEAN CENTER FOR CONSTITUTIONAL AND HUMAN RIGHTS: COLONIAL REPERCUSSIONS: NAMIBIA 115 YEARS AFTER THE GENOCIDE OF THE OVAHERERO AND NAM/2019- p.8.
[14] شوقي عطا الله الجمل: مرجع سابق، ص159.
[15] النورماندي.. أكبر عملية إنزال في التاريخ العسكري، شبكة الجزيرة نت، 25/9/2016م.
[16] لومومبا رمز المقاومة وبطل الكونغو الذي قُتل في ذروة شبابه، شبكة الجزيرة-22/1/2025، عبر الرابط: https://shorturl.at/FTZ55
[17] عبدالرحمان كان: صناعة النخب الإفريقية في ظل نظام التعليم الاستعماري: عرض وتحليل، 20 فبراير 2021م، عبر الرابط: https://shorturl.at/CWcgU
[18] زيارة الرئيس السنغالي ورئيس مفوضية الاتحاد الافريقي ماكي سال للرئيس فلاديمير بوتن، انظر إلى المقال تحت عنوان: الحرب في أوكرانيا: نداء ماكي سال لأفريقيا في مواجهة بوتين، عبر الرابط: https://shorturl.at/wW9e3
[19] حكيم آلادي نجم الدين: عقوبات الإيكواس على مالي وثلاثية التنافس الفرنسي الروسي الصيني، شبكة الجزيرة 19 يناير 2022م، عبر الرابط: https://shorturl.at/vh7Ok











































