ترجمة: د.مجدي آدم
تُقدّر قيمة الثروات المعدنية في مواقع التعدين في إفريقيا بنحو 29.5 تريليون دولار أمريكي، أي ما يُعادل 20% من إجمالي الثروة المعدنية العالمية، إلا أنها لا تستغل سوى جزءٍ ضئيلٍ من قيمتها الاقتصادية الكامنة، وذلك وفقاً لدراسةٍ جديدةٍ نشرتها مؤسسة التمويل الإفريقية في التاسع عشر من فبراير لعام 2026م.
ومن هذا الإجمالي؛ لا يزال 8.6 تريليونات دولار أمريكي غير مُستغلة، مما يعكس واقع قارةٍ لم تُستكشف بشكلٍ كافٍ، حيث تُساهم البيانات الجيولوجية المُجزأة، والتغطية غير المُنتظمة، ومحدودية الشفافية، في زيادة المخاطر المُتوقعة وتقييد الاستثمار. ويُؤكد التقرير أن تحسين توافر البيانات الجيولوجية وجودتها يُعدّ خطوةً أولى ضروريةً لتقليل مخاطر المشاريع وجذب رؤوس أموال الاستكشاف.
كما تُشدد الدراسة على أن قيمة مواقع التعدين تُقلل بشكلٍ كبيرٍ من الإمكانيات الحقيقية لإفريقيا، وذلك لعدم استغلالها للقيمة الأكبر بكثير التي تُخلق عند تحويل المعادن إلى فولاذ وألومنيوم وأسمدة وبطاريات وسبائك. عند قياسها عند نقطة الاستخدام الصناعي؛ تتضاعف الثروة المعدنية في إفريقيا عشرة أمثال، كاشفةً عن قيمة كامنة هائلة.
أُطلق «دليل المعادن الإستراتيجية في إفريقيا»، خلال مؤتمر التعدين في كيب تاون، ليعيد صياغة القطاع من منظور التنمية الإفريقية، واضعاً التصنيع والبنية التحتية والطلب الإقليمي طويل الأجل في صميم إستراتيجية التعدين.
وقال سامايلا زبيرو، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة التمويل الإفريقية: «تفخر شركة التمويل الإفريقية اليوم بإطلاق دليل المعادن الإستراتيجية في إفريقيا، وهي مبادرة لإعادة صياغة القطاع من منظور إفريقي، وتحويل الثروة إلى مسارات تنفيذية لتحقيق ازدهارنا الجماعي. يرسم الدليل سلاسل القيمة الكاملة، ويربط الاحتياطيات والإنتاج بقدرة المعالجة، وبنية الطاقة والنقل التحتية، والممرات الصناعية الإقليمية، مما يُحسّن شفافية البيانات لتقليل مخاطر الاستكشاف، وخفض تكلفة رأس المال، وتوجيه استثمارات أكثر ذكاءً في التعدين والبنية التحتية اللازمة للمعالجة وسلاسل القيمة الإقليمية المتكاملة».
التنمية المعدنية ترتكز على الطلب الإفريقي:
يخلص التقرير إلى أن إنتاج المعادن والبنية التحتية الداعمة له والطلب عليها نادراً ما تتزامن أو تتوافق على نطاقٍ واسع، ويدعو إلى تخطيط إقليمي أقوى يرتكز على أساسيات الطلب الإفريقي على المدى الطويل.
وتُجسّد سلسلة قيمة صناعة الصلب هذا التباين، فإفريقيا تزخر بموارد عالمية المستوى من سبائك الحديد، مثل المنغنيز والكروم والنيكل، ويشهد إمداد خام الحديد دورة نمو جديدة. ومع ذلك؛ لا تزال سلاسل التوريد هذه مرتبطة تجارياً بدورات الصلب الآسيوية بدلاً من مسار التنمية الإفريقية.
ويُعدّ هذا التعرّض مكلفاً اقتصادياً، ويمكن ملاحظة آثاره الآن، فقد أدى تباطؤ الطلب الآسيوي على الصلب- المرتبط بتراجع سوق العقارات في الصين وضعف قطاع البناء- إلى صدمات في أسواق المعادن الإفريقية. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ فُرضت حصص إنتاج على الكوبالت لإدارة فائض العرض وانهيار الأسعار. في جنوب إفريقيا؛ توقفت طاقة إنتاج الصلب الأساسية بسبب ضعف الطلب المحلي، وارتفاع التكاليف، وتشتت الطلب. وفي الغابون؛ علّقت عمليات إنتاج المنغنيز الرئيسية الإنتاج بشكلٍ دوري استجابةً لانخفاض الطلب على السبائك اللينة من آسيا.
وتحدث هذه النتائج في الوقت الذي تواصل فيه إفريقيا توسيع شبكات النقل، وأنظمة الطاقة، والإسكان، والقدرات الصناعية التي تتطلب هذه المواد. لا يكمن العائق في نقص الطلب، بل في عدم ربط الطلب: أي عدم مواءمة إنتاج المعادن، وقدرات المعالجة، والاستثمار في البنية التحتية مع احتياجات إفريقيا طويلة الأجل من المواد.
البنية التحتية تربط المعادن والمعالجة والطلب:
يضع هذا التقرير البنية التحتية في صميم إستراتيجية المعادن- ليس كعامل تمكين سلبي، بل كنظام يربط المواد الخام، وقدرات المعالجة، والطلب. وتُحدّد تكلفة الطاقة وموثوقيتها، وربط النقل، والوصول إلى الأراضي الصناعية في نهاية المطاف، جدوى عمليات المعالجة.
ولتحقيق هذه الغاية؛ يرسم التقرير خرائط لرواسب المعادن وأصول الإنتاج إلى جانب خطوط السكك الحديدية، والمواني، ومراكز توليد الطاقة، وشبكات النقل، لتحديد المواقع التي يمكن فيها تطوير سلاسل القيمة الإقليمية بشكل واقعي. يدعو التقرير إلى تدخلات مُوجَّهة في ممرات السكك الحديدية المشتركة ونقل الطاقة عبر الحدود، ولا سيما في المناطق الغنية بالمعادن، حيث يمكن للبنية التحتية المنسقة أن تُعزز الإنتاجية، وتُخفض تكاليف النقل، وتدعم المنصات الصناعية الإقليمية.
كما تُعدّ البنية التحتية أساسية لتنافسية إفريقيا في عالمٍ يشهد تحولاً نحو التصنيع الأخضر. فالطاقة النظيفة، والخدمات اللوجستية الفعّالة، والممرات المتكاملة مثل ممر لوبيتو، تُسهم في خفض كثافة الكربون وتحسين الوصول إلى الأسواق التي تتطلب بشكلٍ متزايد سلاسل إمداد منخفضة الكربون وقابلة للتتبع.
المعادن الإفريقية في ظل اقتصاد عالمي مُجزَّأ:
يُحدّد هذا التقرير إستراتيجية إفريقيا المعدنية في سياق المشهد الجيواقتصادي سريع التغير، والذي يتشكل بفعل التوترات التجارية، وضوابط التصدير، والسياسات الصناعية، والجهود المبذولة للحد من مخاطر التركيز. تُعزز هذه التحولات الأهمية الإستراتيجية للموارد المعدنية الإفريقية، ولكن فقط في المجالات التي تستطيع القارة فيها تقديم بدائل موثوقة ذات قيمة مضافة.
بدلاً من اعتبار إفريقيا مورداً هامشياً للمواد الخام؛ يدعو التقرير إلى دمجها بشكل انتقائي في قطاعات إستراتيجية حساسة من سلاسل التوريد العالمية، حيث يُعزز التنويع بشكلٍ ملموس من قدرتها على الصمود، ولا سيما بالنسبة للمعادن ذات أسواق المعالجة شديدة التركيز. وتشمل هذه المعادن: المنغنيز، والعناصر الأرضية النادرة، والجرافيت، واليورانيوم، ومدخلات السبائك الأساسية لتقنيات الدفاع، والفضاء، والطاقة النظيفة.
ومن المشجع؛ أن هناك زخماً آخذاً في الظهور:
▪ تعمل أنغولا على تطوير أحد أكبر رواسب العناصر الأرضية النادرة المعدنية المغناطيسية وأعلاها جودةً في العالم؛
▪ وقد أصبحت موزمبيق مصدراً رئيسياً للمواد الخام للجرافيت ومواد الأنود؛
▪ تتقدم مشاريع كبريتات المنغنيز المستخدمة في صناعة البطاريات في جنوب إفريقيا؛
▪ وقد استؤنف إنتاج اليورانيوم في ناميبيا ومالاوي خلال الفترة 2024-2025م.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:
African Finance Corporation, Africa Must Rewire US$29.5 Trillion Mineral Endowment Around Industry, Infrastructure and Demand, Africa Finance Corporation Study Says.19/2/2026. at: https://www.africafc.org/news-and-insights/news/africa-must-rewire-us-29-5-trillion-mineral-endowment-around-industry-infrastructure-and-demand-africa-finance-corporation-study-says











































