د. محمد ثاني إبراهيم
جامعة أحمد بلو، زاريا- نيجيريا
الملخص:
يهدف هذا المقال إلى الوقوف على قرار إرسال القوات الأمريكية إلى نيجيريا، وما حظي به من اهتمامٍ كبير على المستويين الوطني والدولي. كما يُبرز ملابسات القرار وموقف الحكومة النيجيرية حياله، وردود فعل المواطنين المتباينة. وقد توصّل المقال إلى نتائج؛ أهمها: أن الإدارة الأمريكية استطاعت تحقيق أهدافها من خلال فرض وجود أمريكي على الأرض؛ رغم معارضة أغلبية النيجيريين.
▪ إرسال القوات الأمريكية إلى نيجيريا:
أعلنت القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، بتاريخ 03 فبراير 2026م، عن إرسال مجموعة صغيرة من قواتها إلى نيجيريا في أعقاب التعاون الأمني الأخير بين البلدين، موضحةً أن هذه الخطوة جاءت بناءً على طلب حكومة نيجيريا من أجل تقديم المساعدة الفنية المتعلقة بمحاربة الإرهابيين في نيجيريا.
▪ لكن ما ملابسات هذا القرار؟:
لكي نفهم الموضوع بشكلٍ واضح ينبغي الإشارة إلى أن قرار إرسال القوات الأمريكية إلى نيجيريا ليس أمراً منعزلاً عن سياقٍ عام بشأن تعزيز وجود قوات أمريكية في غرب إفريقيا، بل يُمثل حادثةً ضمن سلسلة الأحداث التي وقعت منذ عوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة، والتي وصلت إلى ذروتها خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، حيث اتهم الرئيس الأمريكي نيجيريا بالفشل في حماية المسيحيين من الإبادة الجماعية المزعومة التي ترتكبها الجماعات المسلحة في شمال البلاد، وبالتالي تم تصنيف نيجيريا بعد ذلك كدولة مثيرة للقلق، ما أدى إلى عقد عدة لقاءات ثنائية رفيعة المستوى بين البلدين والاتفاق على تعزيز التعاون الأمني بينهما. وبناءً على ذلك؛ قامت القوات الأمريكية بتنفيذ ضربات جوية ضد أهداف تنظيم الدولة في ولاية صكتو شمال غرب نيجيريا بالتعاون مع السلطات النيجيرية، أعقبتها مواصلة القوات الأمريكية إجراء عمليات استطلاع جوية فوق البلاد.
لذا؛ يمكن النظر إلى قرار إرسال القوات الأمريكية إلى نيجيريا كجزء من اتفاقية تعزيز التعاون الأمني بين البلدين، خصوصاً فيما يتعلق بجمع المعلومات الاستخباراتية وتدريب القوات النيجيرية، وذلك رغم ما أثاره القرار من ردود فعل متباينة بين المواطنين.
▪ موقف الحكومة النيجيرية:
ما الموقف الرسمي للحكومة النيجيرية إزاء إرسال القوات الأمريكية إلى نيجيريا؟
عقب إعلان القيادة الأمريكية في إفريقيا إرسال جنودها إلى نيجيريا؛ أصدرت قيادة الدفاع النيجيرية بياناً، بتاريخ 5 فبراير 2026م، توضح فيه موقفها بشأن ذلك، مشيرةً إلى أن شراكات نيجيريا الدفاعية مع الولايات المتحدة تتسم بالشفافية، وتستند إلى سياسات محددة وتتوافق مع الأحكام الدستورية، مع تأكيد التزامها التزاماً كاملاً بحماية السيادة الوطنية والعمل مع شركاء موثوقين بما يعزز البنية الأمنية لنيجيريا دون المساس باستقلالها الوطني[1]. وصرّح وزير الدفاع النيجيري، كريستوفر موسى، في حديثه مع هيئة الإذاعة البريطانية، بأن الأفراد الموجودين في نيجيريا ليسوا جنوداً مقاتلين، بل مهمتهم مساعدة نيجيريا في مجال الاستخبارات والتدريب لمواجهة تحديات أمنية، موضحاً بأن الفريق لا يملك صلاحية المشاركة في عملياتٍ ميدانية، كما أن مهمتهم مؤقتة وتخضع لاتفاقياتٍ مُبرمةٍ بين البلدين[2].
بناءً على ذلك؛ نفهم من التصريحات السابقة أن الحكومة النيجيرية ترحب رسميّاً بإرسال القوات الأمريكية إلى البلاد من خلال التعاون القائم بين البلدين، وتؤكد أن الهدف الرئيسي (المعلن) من وجود قوة أمريكية عسكرية هو توفير وجمع المعلومات الاستخباراتية، والدعم الفني، وبناء القدرات للقوات النيجيرية، بدلاً من العمليات القتالية المباشرة.
▪ ردود فعل المواطنين:
ماذا يعني هذا القرار بالنسبة للمواطنين النيجيريين؟
أثار هذا الإعلان مخاوف لدى المواطنين النيجيريين، الذين خشوا أن يؤثر وجودُ القوات الأجنبية على السيادة الوطنية، حيث امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بتساؤلاتٍ حول ما إذا كانت هذه القوات ستشارك في عملياتٍ عسكريةٍ مباشرة، ما أدى إلى انقسامٍ في الرأي العام وجدلٍ واسع وردود فعل متباينة بين من يرحبون بالدعم الأمريكي ويعتبرونه ضرورياً لهزيمة المتمردين، ومن يرون بأن ذلك يُمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية، ما قد يؤدي إلى عواقب غير مقصودة، مستشهدين بالنتائج السلبية للتدخلات الأمريكية السابقة في دول أخرى.
وأشادت منظمات، مثل منتدى الحزام الأوسط ومنتدى لشيوخ شمال نيجيريا للمسيحيين، بإرسال القوات الأمريكية؛ باعتبار أن ذلك سيساهم في وضع حدٍّ للإرهاب في نيجيريا، وخصوصاً في شمال البلاد الذي يمثل بؤرةً لأنشطة الجماعات المسلحة والمتطرفة[3].
في حين أعربت جهاتٌ أخرى عن قلقها وانزعاجها لِمَا وصفته بالتكتم المحيط بنشر القوات الأمريكية في نيجيريا، موضحةً أن مثل هذا القرار يحتاج إلى الشفافية بشأن نطاق وأهداف أيّ وجود عسكري أجنبي في البلاد. وذكرت أن هذا التطور يعتبر تجاوزاً للحدود، إذ ليس هناك أيّ ضرورة لوجود قوات أمريكية على الأرض[4].
وأشار بعض المحللين إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في ربط الوجود الأمريكي بروايات دينية محددة بدلاً من روايات أمنية عامة، مما قد يؤدي إلى تفاقم الانقسامات بين المواطنين، خصوصاً وأن الحكومة الأمريكية تُصوّر المهمة على أنها حماية للمسيحيين فقط؛ في دولة يعاني كل أبنائها من تبعات انعدام الأمن بغضّ النظر عن الدين.
▪ الأهداف الأمريكية:
هل هناك مؤشرات بشأن نتائج ملموسة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً لصالح الولايات المتحدة؟
يرى المراقبون أن الضغط الأمريكي على نيجيريا كان لأهداف أخرى غير معلنة أمنياً وسياسياً واقتصادياً. فعلى المستوى الأمني؛ استطاعت الولايات المتحدة أن تحقق أهدافها بإنشاء قاعدة عسكرية محتملة في نيجيريا[5]، وذلك باعتبار أن القوات الموجودة حالياً في نيجيريا تُمثل نواةً أولية للقاعدة العسكرية.
كما استطاع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يُعيد أنظار العالم وأنصاره بشكلٍ خاص إلى نيجيريا بوصفها بؤرة لاضطهاد المسيحيين- وفقاً لقوله، وبجهوده في حمايتهم في كل بقاع العالم. مما أكسبه مزيداً من الشعبية بين المسيحيين في نيجيريا، ووسط قاعدته الشعبية في أمريكا على حدٍّ سواء.
أما على المستوى الاقتصادي؛ فقد أشار القنصل العام الأمريكي في لاغوس إلى تنامي العلاقات الثنائية بين البلدين في مجالي الغذاء والزراعة، موضحاً أن نيجيريا تُعدّ ثالث أكبر سوق للقمح الأمريكي على مستوى العالم، مما يعكس اعتماد البلاد الكبير على الحبوب المستوردة من الولايات المتحدة لتلبية الطلب المحلي، ومواصلة نيجيريا دعم المزارعين الأمريكيين[6]؛ وذلك على حساب المزارعين في نيجيريا الذين يتكبدون خسائر فادحة في السنوات الأخيرة. كما ارتفع حجم صادرات الطاقة من نيجيريا إلى أمريكا، حيث صدرت نيجيريا ما قيمته 2.57 مليار دولار أمريكي من النفط الخام إلى الولايات المتحدة بين يناير وأغسطس 2025م، ما وضع نيجيريا في صدارة الدول الإفريقية المصدرة للنفط الخام إلى السوق الأمريكية، إذ وفرت 55% من إجمالي النفط الخام الإفريقي الذي استوردته الولايات المتحدة خلال تلك الفترة، متفوقةً بفارق كبير على أنغولا وليبيا وغانا وغيرها، كما يتوقع ارتفاع صادرات نيجيريا من النفط الخام إلى الولايات المتحدة مجدداً في عام 2026م[7].
▪ الأسباب الحقيقية للأزمة:
والجدير بالذكر أن اتفاقية تعزيز التعاون الأمني، التي تُعتبر أساساً لإرسال القوات الأمريكية إلى نيجيريا، تأتي عقب مزاعم الإبادة الجماعية التي اعتمدت عليها الحكومة الأمريكية للضغط على نيجيريا، وقد سبق ذلك مواقف أخرى صادرة عن البلدين قد تكون من بين الأسباب الحقيقية للأزمة.
أما مواقف نيجيريا السابقة؛ فتشمل موقفها الداعم للقضية الفلسطينية، ورفضها استقبال الفنزويليين المرحّلين من أمريكا، والتقارب السياسي والاقتصادي مع دول مجموعة بريكس وخصوصاً الصين والبرازيل.
بينما تتضمن المواقف الأمريكية السابقة عدة قرارات اتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للضغط على نيجيريا، بما فيها تعليق وكالة التنمية الأمريكية لأنشطتها في نيجيريا التي تُعتبر خامس دولة إفريقية متلقية للمساعدة، واستبعاد نيجيريا من برنامج الإعفاء من التأشيرة لعام 2025م، ووضع قيود على السياسيين النيجيريين بشأن الحصول على تأشيرات أمريكية، والإعلان عن بدء فحص حسابات الطلاب النيجيريين على مواقع التواصل الاجتماعي للمتقدمين على تأشيرة غير مهاجرة، ومزاعم بشأن أنشطة معادية للسامية في نيجيريا، واتهام الحكومة النيجيرية بالسماح باضطهاد المسيحيين، وغيرها.
خاتمة:
توصّل هذا المقال إلى نتائج، من أبرزها: أن إرسال القوات الأمريكية إلى نيجيريا قد أثار ردود فعل واسعة ومتباينة في الأوساط الشعبية والسياسية والإعلامية في نيجيريا، بين مؤيد للقرار ورافض له، ومع ذلك رحبت الحكومة النيجيرية رسمياً بالقرار باعتباره يساعد البلاد في مكافحة الإرهاب، إلا أن المراقبين لاحظوا أن الولايات المتحدة استطاعت أن تحقق أهدافها غير المعلنة على الأصعدة الأمنية والسياسية والاقتصادية في نيجيريا، من خلال ضغطها على الحكومة النيجيرية على خلفية مزاعم الإبادة الجماعية للمسيحيين في البلاد.
……………………………….
[1] https://x.com/i/status/2019462664569721303
[2] https://www.thisdaylive.com/2026/02/05/fg-us-troops-in-nigeria-restricted-to-training-intelligence-support/
[3] https://thesun.ng/controversy-over-deployment-of-us-troops/
[4] https://www.muricnigeria.com/us-troops-in-nigeria-we-seek-clarification-muric/
[5] https://dailypost.ng/2026/02/07/christian-genocide-theyve-got-their-long-desired-us-military-base-in-nigeria-hundeyin-on-trump-moore/
[6] https://guardian.ng/news/nigerian-american-wheat-trade-to-hit-700-million-by-2025-fall/
[7] https://leadership.ng/nigeria-tops-africas-crude-export-to-u-s-with-33m-barrels-in-2025/











































