مقدمة:
في الثاني عشر من يناير 2026م الجاري، أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية إلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع الإمارات العربية المتحدة– بما في ذلك اتفاقيات التعاون والشراكات المتعلقة بمواني بربرة وبوصاصو وكسمايو الإستراتيجية، إلى جانب اتفاقيات التعاون الأمني والدفاعي الثنائية المبرمة مع أبوظبي– متهمةً أبوظبي بتقويض سيادة البلاد.
على الرغم من أن القرار، الذي صدر عقب اجتماعٍ طارئ للحكومة الصومالية، له دواعيه المنطقية المتعلقة بتاريخ طويل من التعاون المشوب بالتوتر مع الإمارات، وازدادت تلك الدواعي عقب تقارير وأدلة تقول عنها مقديشو إنها «موثوقة ودامغة»، فإن القرار كان له انعكاساته المزلزلة على الوضع الداخلي في الدولة الصومالية، حيث رفضته باقي الأقاليم المكوّنة للصومال، وهما بونتلاند وجوبا لاند، باعتبار أنه قرارٌ صادر من مقديشو دون مشورةٍ مع حكومتيهما في تجاهلٍ تام للحكم والإدارة الذاتية التي يتمتع بها الإقليمان.. كما رفضه الإقليم الانفصالي في شمال البلاد صوماليلاند، باعتبار أن «صوماليلاند» دولةٌ مستقلة وليس لمقديشو أيّ نوعٍ من السلطة عليها منذ 1991م.
هذا الحدث، بجانب كونه يُشير إلى مدى تغلغل النفوذ الإماراتي داخل بنية الدولة الصومالية، فإنه كذلك أبرز الانقسام القائم أصلاً بين مكوّنات الدولة الصومالية، وكشف هشاشة التوازن بين السلطة المركزية والكيانات الإقليمية.
تُشكّل العلاقة بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو وكلٍّ من «بونتلاند» و«جوبالاند» و«صوماليلاند» محور الأزمة البنيوية في الدولة الصومالية المعاصرة. فهذه العلاقة لا تُفهم فقط بوصفها خلافات سياسية آنية، بل هي نتاج مسارٍ طويل من تفكك الدولة، وإعادة بنائها على أُسسٍ فيدرالية غير مكتملة، وتداخل العوامل الداخلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية.
ويسعى هذا المقال إلى تحليل جذور هذه العلاقات، وتوصيف وضعها الراهن، وفهم كيف تُسهم التفاعلات الخارجية في تعميق الانقسام الداخلي.
وذلك من خلال المحاور الآتية:
– الخلفية التاريخية لتشكل الكيانات السياسية.
– الفيدرالية الصومالية… مشروع غير مكتمل.
– طبيعة العلاقة بين مقديشو وبونتلاند.
– العلاقة المتوترة مع جوبالاند.
– صوماليلاند – حالة انفصال سياسي كامل.
– دور التوترات الخارجية في تعميق الانقسام.
– توصيف الوضع السياسي الراهن.
أولاً: الخلفية التاريخية لتشكل الكيانات السياسية:
أدى سقوط نظام سياد بري عام 1991م إلى فراغٍ سياسي شامل، انهارت معه مؤسسات الدولة المركزية، وبرزت سلطات محلية وإقليمية ملأت الفراغ بطرقٍ متفاوتة. في هذا السياق؛ ظهرت في الجغرافية السياسية الصومالية ثلاثة كيانات إدارية تمارس حكماً مستقلاً أو شبه مستقل عن الدولة المركزية في مقديشو، وذلك على النحو الآتي:
1- صوماليلاند: أعلنت انفصالها عام 1991م، مستندةً إلى تجربة الدولة المستقلة القصيرة عام 1960م قبل الاتحاد مع الجنوب. ومنذ ذلك الحين طورت مؤسسات حكم خاصة بها، وأجرت انتخابات، وبنت جهازاً إدارياً وأمنياً مستقلاً، ما جعلها كياناً منفصلاً بحكم الواقع وإن ظل دون اعترافٍ دولي رسمي[1].
وفي عام 2001م، نظّم الإقليم استفتاءً دستورياً أيّد الانفصال، غير أن نتائجه لم تُفضِ إلى اعترافٍ دولي واسع.
2- بونتلاند: تأسست عام 1998م كوحدة إدارية متمتعة بحكم ذاتي في شمال- شرق الصومال، لكنها لم تُعلن الانفصال، بل طرحت نفسها كنموذج لـ«فيدرالية صومالية مستقبلية»، تقوم على تقاسم السلطة بين المركز والأقاليم. ومع ذلك؛ شهدت علاقتها بالحكومة المركزية توترات متكررة، خاصةً فيما يتعلق بتفسير الصلاحيات الدستورية، وتعديل الدستور، وآليات تقاسم السلطة[2].
3- جوبالاند: تقع في جنوب الصومال، وتشكلت لاحقاً كإقليم فيدرالي، وأصبحت جزءاً من هندسة النظام الفيدرالي بعد 2012م. ولكنها دخلت، فيما بعد، في صدامٍ متكرر مع الحكومة المركزية بسبب النزاعات حول الانتخابات الإقليمية والشرعية السياسية.
هذه الكيانات لم تنشأ من تفاهم وطني شامل، بل من وقائع سياسية وأمنية فرضتها الحرب الأهلية، وهو ما يُفسر هشاشة العلاقة بينها وبين الدولة المركزية لاحقاً.
ثانياً: الفيدرالية الصومالية… مشروع غير مكتمل:
يعمل الصومال وفق دستورٍ مؤقت منذ عام 2012م، يهدف إلى تجاوز إرث الحرب وبناء دولة فيدرالية، غير أن غياب الحسم الدستوري، وضعف المؤسسات التحكيمية، جعلا الفيدرالية إطاراً هشاً لإدارة الخلافات بدلاً من حلّها[3].
وظل الصومال يعاني من ثلاث مشكلات جوهرية، تمثَّلت في: غموض توزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم، وغياب محكمة دستورية فاعلة للفصل في النزاعات، بالإضافة إلى ضعف آليات التنسيق السياسي والمالي والأمني. ونتيجة لذلك؛ لم تتحول الفيدرالية إلى صيغة توافقية، بل إلى ساحة صراع مستمر على السلطة والشرعية.
ثالثاً: طبيعة العلاقة بين مقديشو وبونتلاند:
بونتلاند تُعدّ من أكثر الأقاليم تمسكاً بفكرة الفيدرالية، لكنها في الوقت نفسه من أكثرها اعتراضاً على طريقة إدارة مقديشو للدولة، حيث يوجد خلاف عميق بين بونتلاند ومقديشو حول تعديل الدستور وآليات الانتخابات الوطنية، كما أن هناك نزاعاً حول تقاسم الموارد والصلاحيات الأمنية، كما تتهم بونتلاند الحكومة الفيدرالية بالسعي إلى مركزة السلطة خلافاً لروح النظام الفيدرالي.
وأدت الأزمة السياسية الأخيرة بين مقديشو وأبو ظبي إلى تصاعد الخلاف مع بونتلاند، حيث اعتبرت بونتلاند إجراءات مقديشو تجاوزاً لروح النظام الفيدرالي، ما دفعها إلى تعليق التعاون مع الحكومة الاتحادية والمطالبة بإعادة التوافق حول أُسس العقد الدستوري.
وعلى الرغم من أن بونتلاند لا تطالب بالانفصال؛ لكنها تتصرف أحياناً ككيان شبه مستقل سياسياً، ما يعكس أزمة ثقة عميقة لديها في قدرة المركز على احترام التوازن الفيدرالي.
رابعاً: العلاقة المتوترة مع جوبالاند:
جوبالاند تمثل حالةً مختلفة قليلاً؛ إذ يرتبط توترها مع مقديشو بشكلٍ كبير بـ«الشرعية السياسية المحلية».
يعود السبب الرئيس لتوتر العلاقة بين جوبالاند والحكومة المركزية في مقديشو إلى النزاع حول شرعية الانتخابات الإقليمية التي جرت في جوبالاند عام 2024م، حيث رفضت مقديشو نتائجها، وتوعدت باتخاذ إجراءات قانونية ضد قيادات الإقليم، مما أدى إلى تعميق القطيعة مع الدولة المركزية[4].
هذا إلى جانب خلافات أخرى حول إدارة الملف الأمني، خاصةً في المناطق الحدودية، والتنافس على النفوذ السياسي والعسكري داخل الإقليم.
وقد دفعت هذه الخلافات جوبالاند إلى تبنّي خطابٍ سياسي ودستوري أكثر استقلالية، جعلها أقرب إلى شريكٍ مضطرب منه إلى ولاية منسجمة داخل الدولة الفيدرالية، ويعكس ذلك تراجع الثقة في قدرة النظام الفيدرالي على استيعاب التعدد السياسي داخل الدولة[5].
خامساً: صوماليلاند – حالة انفصال سياسي كامل:
على عكس بونتلاند وجوبالاند؛ لا ترى صوماليلاند نفسها جزءاً من النظام الفيدرالي أصلاً، فهي تعتبر أن الاتحاد الذي قام عام 1960م قد انهار بسقوط الدولة، وأنها استعادت سيادتها عام 1991م.
ورغم إعلان نفسها دولةً مستقلة؛ فإن صوماليلاند لم تحظ باعترافٍ دولي، وظلت معزولةً سياسياً، إلى أن جاءت التطورات الأخيرة، المتمثلة في الاعتراف «الإسرائيلي» بها كدولة مستقلة، وما صاحب ذلك من إرهاصاتٍ واضحة في سلوك بعض الدول الفاعلة في الإقليم كالإمارات، ما أثار اعتراضات الحكومة الصومالية المركزية وعدد من المنظمات الإقليمية التي رأت في ذلك انتهاكاً لوحدة الصومال وسيادته[6].
وواقعياً؛ لم تعد صوماليلاند جزءاً فاعلاً في النظام الفيدرالي الصومالي، بل صارت كياناً سياسياً يمارس وظائف دولة مستقلة بحكم الأمر الواقع، ما يجعل علاقتها بمقديشو نزاعاً على السيادة والشرعية الدولية، لا مجرد خلاف إداري[7].
من منظور «مقديشو» تُمثل صوماليلاند ملف وحدة وطنية؛ بينما من منظور «هرجيسا» تُمثل قضية اعتراف دولي بدولة قائمة. وهنا لا يدور الخلاف حول الصلاحيات، بل حول مبدأ السيادة ذاته.
سادساً: دور التوترات الخارجية في تعميق الانقسام:
أضاف الخلاف الأخير، بين الحكومة الشرعية في الصومال والإمارات، بُعداً جديداً للأزمة الداخلية، حيث طورت الأقاليم الثلاثة المذكورة، خلال السنوات الماضية علاقات مباشرة مع شركاء خارجيين في مجالات المواني والأمن والاستثمار. وعندما تتخذ الحكومة الفيدرالية مواقف حادة وحاسمة مع هذه القوى، تجد الأقاليم نفسها في موقف دفاعي عن مصالحها الخاصة، خاصةً في ظل غياب العقد السياسي والواضح الذي يؤطر الدولة الموحدة ككيانٍ أسمَى.
وبطبيعة الحال؛ يؤدي ذلك الوضع إلى تعميق التباين في الرؤى بين المركز والأقاليم، وتعزيز شعور الأقاليم بأن مقديشو لا تمثل مصالحها الاقتصادية والسياسية. ومع وجود التدخلات الخارجية، وصراع المصالح الإقليمية في البلاد، تتحول تلك الخلافات الداخلية إلى امتدادات لصراعات نفوذ إقليمية. وهكذا يصبح العامل الخارجي مُسرّعاً للانقسام الداخلي بدلاً من أن يكون عنصر دعم لبناء الدولة.
سابعاً: توصيف الوضع السياسي الراهن:
يمكن تلخيص المشهد الحالي في ثلاث سمات رئيسية:
1- فيدرالية شكلية وصراع فعلي على السلطة:
فالدولة الفيدرالية قائمة نظرياً، لكن العلاقة بين مستويات الحكم تُدار غالباً بمنطق الشد والجذب، لا بمنطق الشراكة المؤسسية.
2- أقاليم تتصرف بقدر متزايد من الاستقلال:
بونتلاند وجوبالاند تمارسان سياسات داخلية وخارجية محدودة بصورة شبه مستقلة، بينما صوماليلاند تعمل كدولة منفصلة بحكم الأمر الواقع.
3- مركز يسعى لتعزيز السيادة لكنه يفتقر للأدوات:
تحاول مقديشو إعادة بناء سلطة الدولة الموحدة، لكنها تصطدم بواقع أقاليم قوية سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وبنظامٍ دستوري لم يُحسم بعد.
خاتمة:
العلاقة بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو وبونتلاند وجوبالاند وصوماليلاند ليست مجرد خلافات سياسية عابرة، بل هي تجسيدٌ لأزمة بناء الدولة الصومالية بعد الانهيار. الفيدرالية لم تتحول بعدُ إلى عقد سياسي متفق عليه، بل ظلت إطاراً مؤقتاً لإدارة التوازنات.
وقد كشفت الأزمة الأخيرة أن التوترات الخارجية، بما فيها الخلافات مع قوى إقليمية، لا تخلق الانقسام من العدم، لكنها تكشفه وتُعمّقه، لأنها تتقاطع مع شبكة مصالح إقليمية متجذرة.
وأخيراً؛ يتوقف مستقبل الصومال السياسي على قدرة الفاعلين الصوماليين على تحويل الفيدرالية من ساحة صراع إلى آلية تفاوض دائم، وإيجاد صيغة تعترف بواقع التعدد السياسي دون أن تؤدي إلى تفكك الدولة بالكامل. وحتى يتحقق ذلك؛ سيظل التوتر بين المركز والأقاليم أحد المحددات الأساسية لمسار الدولة الصومالية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمراجع:
[1] Bradbury, M. (2008). Becoming Somaliland. James Currey.
[2] Elmi, A. A. (2016). Understanding the Somalia conundrum: Identity, political Islam, and peacebuilding. Pluto Press.
[3] مبارك، عبد الله حسن. (2017). الفيدرالية وإعادة بناء الدولة في الصومال. مجلة السياسة الدولية، (209)، 45–62.
[4] عبد القادر محمد علي، (2024) هكذا وصلت الأزمة بين مقديشو وجوبالاند إلى الصراع المسلح، الجزيرة.نت، على الرابط:
https://www.aljazeera.net/politics/2024/12/23/هكذا-وصلت-الأزمة-بين-مقديشو-وجوبالاند
[5] Hagmann, T. (2019). Stabilization, statebuilding, and peacebuilding in Somalia. Conflict, Security & Development, 19(1), 1–32. https://doi.org/10.1080/14678802.2019.1561626
[6] Hagmann, T. (2019). Stabilization, statebuilding, and peacebuilding in Somalia. Conflict, Security & Development, 19(1), 1–32. https://doi.org/10.1080/14678802.2019.1561626
[7] Walls, M. (2014). A Somali nation-state: History, culture and Somaliland’s political transition. African Affairs, 113(450), 554–578.











































