نشر مركز “بيجن- السادات للدراسات الإستراتيجية/Begin-Sadat Center for Strategic Studies ” الإسرائيلي التابع لجامعة بار إيلان، تقريرًا تحليليًّا للدكتورة لورين داغان عاموس/Lauren Dagan Amos، عضوة في منتدى ديبورا والمتخصصة في السياسة الخارجية الهندية، حول التقارب الهندي-الإسرائيلي والطموحات الثنائية في منطقة القرن الإفريقي، في محاولة لفهم الممارسات الأخيرة تجاه دول المنطقة كـ”سياسية ثنائية” أكثر شمولًا لها أهدافها المستدامة على المدى الطويل في المنطقة، وليست خطوات منفردة أو بمنأى عن بعضها البعض.
بقلم: د. لورين داغان عاموس
ترجمة وتقديم: شيرين ماهر
ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
تقديم:
لم يكن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال خطوة دبلوماسية بمعزل عن خطوات أخرى، بل كانت جزءًا من عملية إستراتيجية أوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في القرن الإفريقي. وتنسجم هذه الخطوة الإسرائيلية، التي تتحدَّى النفوذ الإيراني والهيمنة التركية والصينية في المنطقة، تمامًا مع مفهوم الهند لـ”السياسة البحرية”.
ويخلق هذا التقارب تآزرًا بين شرعية الهند في الجنوب العالمي وقدرات إسرائيل التكنولوجية والعملياتية. ومن المرجَّح أن تكون أرض الصومال بمثابة ساحة اختبار لنظام إقليمي غير رسمي يُعزّز سيادة ومرونة الفاعلين الإقليميين (لا سيما إثيوبيا)، مع توفير بديل مستقر للنماذج المركزية والقسرية.
في 26 ديسمبر 2025م، اتخذت إسرائيل خطوةً تاريخيةً؛ إذ أصبحت أول دولة تعترف رسميًّا باستقلال أرض الصومال، وتقيم معها علاقات دبلوماسية كاملة. لم يكن ذلك مجرد إجراء رمزي، بل كان تحرُّكًا إستراتيجيًّا استثنائيًّا يهدف إلى تغيير موازين القوى في القرن الإفريقي.
وقد اتضحت الأهمية الجغرافية لأرض الصومال جليًّا بعد المواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025م، والتي أكَّدت مساعي طهران للتقرب جغرافيًّا من إسرائيل عبر ترسيخ وجودها في نقاط الاختناق الإقليمية. كما كان اعتراف إسرائيل بأرض الصومال استجابةً إستراتيجيةً لحاجة إثيوبيا المُلِحَّة، بوصفها الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في العالم من بين الدول الحبيسة، إلى منفذ سيادي إلى البحر. ويُعدّ ميناء بربرة في أرض الصومال مفتاحًا لتحرير أديس أبابا من اعتمادها شبه الكامل على موانئ جيبوتي، التي تخضع لنفوذ صيني متزايد.
تستهدف الخطوة الإسرائيلية نقاط الضغط لدى جهات فاعلة أخرى، بما فيها إيران. وتشمل هذه الجهات تركيا، التي تُرسّخ نفوذها السياسي والعسكري في الصومال والممرات البحرية المجاورة؛ والصين، التي تُحافظ على هيمنتها على البنية التحتية والأمن في جيبوتي من خلال النفوذ الاقتصادي ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق. في الوقت نفسه، لا تُخطط إسرائيل لنشر عسكري مُكثّف، بل لاستخدام مزيج من قدرات المراقبة والتحكم والاستخبارات والقدرات الرقمية، وهو نَهْج يتماشى مع تركيز الهند على بناء القدرات وتعزيز السيادة الفعلية.
إفريقيا محور رئيسي في إستراتيجية الهند البحرية:
على مدار العقد الماضي، أعادت نيودلهي تعريف إفريقيا كساحةٍ محورية في تشكيل الجنوب العالمي، وكعنصرٍ أساسي في مصالحها الإستراتيجية؛ إذ تنظر الهند إلى القارة كمنطقة جوارٍ يُمكنها من خلالها تطبيق مفهومها للإستراتيجية البحرية، وهي بنية تحتية أمنية واقتصادية، تتمحور حول المحيط الهندي، تهدف إلى ترسيخ مكانة الهند كشريكٍ له أفضلية في الأمن والتنمية. يرتكز هذا النهج على مبدأي: “SAGAR” وهي إستراتيجية الأمن والنمو للجميع في المنطقة و”MAHASAGAR”، وهي مبادرة أمن الموانئ والأمن البحري، اللذين يوفران إطارًا إستراتيجيًّا لدمج الأمن والنمو والترابط. كما تُعدّ إفريقيا ساحةً بالغة الأهمية تتطلع الهند من خلالها إلى تحقيق هدفها في تصدير الصناعات الدفاعية بقيمة 5 مليارات دولار في عام 2025م، وهو هدفٌ لا يُمكن تحقيقه دون وجودٍ عميق ومؤسسي طويل الأمد في القارة.
الركيزة القارية: الشراكة الإستراتيجية بين الهند وإثيوبيا
مثّلت الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، إلى أديس أبابا في الفترة من 16 إلى 17 ديسمبر 2025م، طورًا جديدًا في ترسيخ الهند سياسيًّا في منطقة القرن الإفريقي. ويهدف الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية إلى بثّ “طاقة جديدة وعمق” إلى التعاون بين البلدين، مع التركيز على الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد. وتُعدّ إثيوبيا، الدولة التي يربو عدد سكانها على 126 مليون نسمة، والتي تشهد تحولًا ديموغرافيًّا وجيواقتصاديًا، شريكًا أساسيًّا في تحقيق رؤية الهند لـ”الجنوب العالمي”.
التآزر الأمني: إسرائيل كعامل تمكين إستراتيجي
يوفر تحرُّك إسرائيل في أرض الصومال الحماية اللازمة لضمان المصالح المشتركة في “الجوار البحري” للمحيط الهندي. وتُعدّ القدرات الإسرائيلية في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وأمن الموانئ، والوعي بالمجال البحري، أدوات حيوية في مواجهة التهديدات الإيرانية والإرهاب البحري في البحر الأحمر. ويدعم التآزر الأمني مع إسرائيل، بصورة مباشرة، هدف الهند المتمثل في الوصول إلى 5 مليارات دولار من صادرات الدفاع في عام 2025م، والذي يتوقف نجاحه على التوسع في إفريقيا.
يُقدّم الوجود الهندي الإسرائيلي المشترك في القرن الإفريقي بديلًا واضحًا لنموذج مبادرة الحزام والطريق الصينية. كما يُركّز النموذج الصيني على استثمارات ضخمة في البنية التحتية المادية، مما ينتج عنه، في كثير من الأحيان، تبعية مالية وديونًا. على الجانب الآخر، يُقدّم النموذج الهندي الإسرائيلي نهجًا قائمًا على “المرونة والاستمرارية”، يستند إلى ممرات تجارية سيادية واستقلال إستراتيجي. كما تُساهم الهند في بناء القدرات والبنية التحتية الرقمية، بينما تُضيف إسرائيل مستويات تكنولوجية تشغيلية متقدمة.
أرض الصومال بمنزلة “بالون اختبار” للنظام غير الرسمي:
تبرز أرض الصومال كحالة استثنائية إستراتيجية: فهي كيان مستقر وفعّال رغم غياب الاعتراف الدولي الرسمي بها. هذه السمة تجعلها أرضًا مثالية لاختبار النموذج الهندي الإسرائيلي. كذلك يُعدّ نظام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR) مكونًا أساسيًّا في حزمة الأمن التكميلية التي يُقدّمها المحور الهندي الإسرائيلي، والذي يشمل أدوات تكنولوجية متقدمة مثل المنصات البحرية غير المأهولة وأنظمة الأقمار الصناعية وشبكات الاستشعار التي تُتيح جمع البيانات بشكل مستمر والحصول على معلومات استخباراتية تشغيلية في الزمن الآنيّ.
في حين تُركّز الهند على البنية التحتية المادية والاستثمار في رأس المال البشري وتدريبه كجزء من جهودها لبناء القدرات، تساهم إسرائيل بـ”عيون” رقمية. وتُعدّ هذه القدرات حيوية خاصةً للدول التي تمتلك مناطق بحرية اقتصادية خالصة واسعة النطاق، ولكن بقدرات رصد محدودة؛ إذ تُمكّنها من السيطرة البحرية الفعَّالة دون الحاجة إلى وجود عسكري مُكثّف.
يُعدّ أمن الموانئ ركيزة مُكمّلة؛ إذ يشمل دفاعًا متعدد الطبقات، ماديًّا ورقميًّا، عن البنية التحتية للموانئ والأرصفة والمرافق اللوجستية ضد التخريب والجرائم البحرية والإرهاب. وفي هذا السياق، تستثمر الهند في البنية التحتية المادية في مواقع إستراتيجية، بينما تضمن القدرات الإسرائيلية عمل هذه الأصول كممرات تجارية سيادية ذات حماية. ولا يقتصر أمن الموانئ على كونه هاجسًا أمنيًّا محدودًا، بل هو شرط أساسي لتطوير اقتصاد بحري مستدام، وإعادة تشكيل أنماط التجارة البينية الإفريقية.
المكون الثالث يتمثل في الوعي بالمجال البحري، والذي يُعرَّف بأنه القدرة على تكوين صورة متكاملة للوضع البحري برُمّته، بما يخدم المصالح الأمنية والاقتصادية والبيئية. ويعتمد الوعي بالمجال البحري على تحليل البيانات الأولية وتحويلها إلى معلومات استخباراتية شاملة تُستخدَم في اتخاذ القرارات الفورية. ويعتمد سعي الهند إلى اقتناص مكانة “جهة الاستجابة الأولى” للكوارث والتهديدات في المحيط الهندي اعتمادًا كبيرًا على هذه القدرات. وستُمكِّن أنظمة الوعي بالمجال البحري المتقدمة من الاستجابة الفعّالة للقرصنة والصيد الجائر والتهديدات غير الحكومية، مما يُعزّز مكانة الهند كقوة بحرية رائدة في وضع القواعد، بدلًا من كونها قوة رد فعل.
يُسهم كلّ مِن دمج نظام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وأمن الموانئ، والدفاع الجوي في خلق تآزر عملياتي يُعزّز اعتماد الدول الإفريقية الإيجابي على القدرات التي يُقدّمها المحور الهندي الإسرائيلي. ففى الوقت الذي تُرسّخ فيه الهند الأسس الدبلوماسية والاقتصادية والمادية، تُوفّر إسرائيل التفوق التكنولوجي الحاسم الذي يُحوّل هذه الشراكة إلى عامل تغيير جذري مقارنةً بالنموذج الصيني، الذي يعتمد بشكل أكبر على السيطرة المركزية، وبدرجة أقل على تمكين القدرات المحلية.
التآزر الإستراتيجي: إعادة تعريف قواعد اللعبة
إن الشراكة الهندية الإسرائيلية في القرن الإفريقي تتجاوز كونها مجرد تحالف أمني تقليدي. فهي تمثل محاولة لاختبار إمكانية بناء نفوذ بحري مستدام من خلال الشرعية والشراكة وتعزيز السيادة بدلًا من سياسة الإكراه. ويتضح تقسيم العمل جليًّا؛ إذ تُشكِّل الهند الإطار المعياري والشرعية والتواصل مع دول الجنوب العالمي، بينما تُوفّر إسرائيل الدعم التشغيلي والتكنولوجي اللازم لمواجهة التهديدات المادية والتكنولوجية. ويُعزز هذا التآزر كلا البلدين: إذ يُنظَر إلى الهند باعتبارها تُقدّم حلولًا أمنية وتنموية غير استعمارية، بينما تُرسّخ إسرائيل وجودها على امتداد خط إستراتيجي يمتد من المحيط الهندي عبر إثيوبيا إلى القرن الإفريقي.
المعوقات والتحديات: إدارة المخاطر في بيئة هشَّة
إنّ الإمكانات الكامنة في التعاون الهندي الإسرائيلي في القرن الإفريقي ليست بمنأى عن الانهيار الهيكلي أو التحولات الجيوسياسية. ولضمان استدامة النموذج المقترح، يتعين معالجة ثلاثة محاور للمخاطر:
-أولها: هشاشة البنية التحتية للقارة
إن الصورة الذهنية عن أرض الصومال أنها عبارة عن “مختبر للاستقرار”، إلا أنها، في الواقع، تعمل ضمن بيئة إفريقية تتسم بعدم الاستقرار المتأصِّل. ثمة خطر حقيقي يتمثل في تحوُّل النمو السكاني إلى عبء اجتماعي واقتصادي نتيجةً لقصور البنية التحتية. ففي الفترة القصيرة بين عامي 2020 و2023م، وقعت تسعة انقلابات عسكرية في سبع دول إفريقية، ما يُظهر تآكل المؤسسات في جميع أنحاء القارة. علاوة على ذلك، تُفاقم فخاخ الديون وانعدام الأمن الغذائي من حدة المخاطر؛ حيث تضاعفت نسبة الدَّيْن إلى الناتج المحلي الإجمالي في إفريقيا خلال العقد الماضي (من 30% إلى حوالي 60%)، ما يَحُدّ من قدرة الدول على الاستثمار في تقنيات الدفاع باهظة التكاليف. في الوقت نفسه، يُعاني حوالي 20% من سكان القارة من انعدام حادّ في الأمن الغذائي، الأمر الذي ربما يُؤدي إلى اضطرابات داخلية تُقوِّض الشراكات الإستراتيجية.
-يتمثل التحدي الثاني في مفارقة الشرعية الهندية
تسعى الهند إلى قيادة الجنوب العالمي من خلال تعزيز السيادة والشفافية؛ إلا أن الاعتراف بكيان انفصالي مثل أرض الصومال ينطوي على مخاطرة سياسية مزدوجة. قد يصطدم ذلك بالاتحاد الإفريقي؛ حيث تُولي الدول الإفريقية اهتمامًا بالغًا بالحفاظ على حدودها ما بعد الاستعمار. ربما اعتبر البعض دعم أرض الصومال بمنزلة تقويض لسيادة الصومال، مما يَضُرّ بمكانة الهند كـ”مركز قاريّ” توافقي. كما أن من المُحتمل حدوث رد فعل تركي–صومالي، إذ يقوم النموذج التركي في الصومال على الوجود العسكري والنفوذ العميق. ومن شأن الاعتراف بأرض الصومال أن يضع كلاً من نيودلهي وتل أبيب في مسار تصادمي مع أنقرة، التي ربما ترد بتصعيد وجودها العسكري في نقاط الاختناق البحرية الأخرى.
-التحدي الثالث يتمثل في المنافسة التكنولوجية
تتفوق إسرائيل في مواجهة النموذج التركي؛ حيث تمتلك إسرائيل قدرات استخباراتية ومراقبة واستطلاع ودفاع جوي متقدمة، لكنها تواجه منافسة من نماذج تشغيلية تركية وصينية مُجرَّبة. وقد أثبتت المعدات الدفاعية التركية (مثل طائرات بيرقدار المُسيرة) فعاليتها في ساحات المعارك في إفريقيا (على سبيل المثال، في إثيوبيا والصومال). ويتعين على النموذج الهندي الإسرائيلي أن يثبت أن حزمة الأمن التي يُقدّمها توفر ضمانة تشغيلية واقتصادية تفوق تلك التي توفرها البدائل الأرخص والأكثر توافرًا التي تقدمها أنقرة وبكين.
تحالفٌ قائم على الهيمنة والصمود:
إن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال ليس غايةً في حدّ ذاته، بل هو خطوة أولى ضمن تحالف أوسع يهدف إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة الإقليمية، خاصةً وإن المنافسة الحقيقية لا تدور حول التصريحات، بل حول بناء شبكات نفوذ وتحالفات متينة قادرة على التحكُّم في تدفقات التجارة والمعلومات والاستخبارات. بالنسبة لإسرائيل والهند، يُمثّل ذلك عملية إعادة هيكلة إستراتيجية؛ حيث تُرسِّخان مكانتهما كقوتين واضعتين للقواعد من خلال الشراكة والصمود والهيمنة الفعّالة. وهذا يُمثل نموذجًا بديلًا للنظام الإقليمي، وربما العالمي، يحترم سيادة دول الجنوب العالمي ويُعزّز قدرتها على الصمود في وجه التهديدات الخارجية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط التقرير:
https://besacenter.org/india-israel-and-the-rewiring-of-the-horn-of-africa/










































