تمهيد:
إنّ الطاقة عنصر رئيسي لبناء التنمية في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، كما هو الحال في باقي مناطق العالم، بشرط توفيرها بشكل موثوق ومستدام وبتكلفة مناسبة للجميع، الأمر الّذي يتيح تحقيق جميع الأهداف التنموية والبيئية، ومواجهة التحديات التي تَحُول دون ضمان تحقيق أمن الطاقة والمُضي في بلوغ الهدف السابع من أهداف الألفية الإنمائية بحلول 2030، والوفاء بجميع التزامات اتفاقية باريس. وتُواجه المنطقة تحدي رئيسي؛ يتمثل في اعتماد أنظمة الطاقة على الوقود الأحفوري.
ولعل مؤشر التحول الطاقي Energy Transitions Index (ETI) الذي يصدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي وشركة أكسنتشر، هو أداة مناسبة للوقوف على أداء الدول، والتقدم المُحرَز في مجال التحول الطاقي، ومدى جاهزيتها لعملية التحوُّل، ومساعدة صُنّاع السياسات وأصحاب المصلحة في تحديد أولويات التحوُّل والتخطيط له.
وقد جاءت نسخة المؤشر لعام 2025م تحت عنوان “تعزيز انتقال الطاقة الفعال 2025م”. لتقف على التقدم المُحرَز في هذا السياق. ومنه تتناول المقالة بالتحليل موقع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء من هذا التحوُّل من خلال:
- المحور الأول: التحول الطاقي: المفهوم والسياق التاريخي والقياس.
- المحور الثاني: مصادر الطاقة في إفريقيا والحاجة إلى التحول الطاقي.
- المحور الثالث: موقع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر التحول الطاقي لعام 2025م.
- المحور الرابع: مزايا وعيوب مؤشر التحول الطاقي.
المحور الأول
التحول الطاقي: المفهوم والسياق التاريخي والقياس
أولًا: التحول الطاقي: المفهوم والأهمية
التحول الطاقي هو عنصر أساسي للانتقال البيئي، فهو يشير إلى “المرور من نظام الطاقة الحالي (استخدام الموارد غير المتجددة) إلى مزيج الطاقة التي تقوم أساسًا على الموارد المتجددة وهو ما يعني ضمنيًّا تطوير بدائل للوقود الأحفوري، والذي يُعتَبر من الموارد المحدودة وغير المتجددة (ناضبة)، بالإضافة إلى بعض أنواع الوقود الانشطارية (المواد المشعّة مثل اليورانيوم والبلوتونيوم). ويُوفّر التحوُّل استبدال الطاقة التقليدية تدريجيًّا عن طريق مصادر الطاقة المتجددة، وبالتالي التحوُّل الطاقي هو التحوُّل من الطاقات التقليدية (الأحفورية) إلى صناعة الطاقات المتجددة التي تتميز بوفرتها وديمومتها، وهذا حفاظًا على البيئة والاحتياجات المستقبلية للأجيال، دون المساس بمتطلبات الأجيال الحالية من الطاقة([1]).
يُقصَد به أيضًا: “التحوُّل من نمط معين لإنتاج واستهلاك الطاقة إلى نمط استهلاك طاقة أكثر نجاعة وفعالية، هذا النمط مبني على توافر المصادر الخاصة بكلّ بلد قصد المحافظة على البيئة”. كما يقصد بالتحول الطاقي أيضًا: “التحول من نظام إنتاج واستهلاك للطاقة يرتكز على الطاقة الأحفورية غير المتجددة إلى خليط طاقة بكثافة كربونية أقل ونِسَب متزايدة للطاقات المتجددة”([2]).
إن لعملية التحول الطاقي أهمية بالغة تكمن بالأساس في ضمان الدول لأمنها الطاقي وتخفيف تبعيتها للطاقات التقليدية بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى تحقيق تنمية على جميع المستويات مع تخفيض نِسَب التلوث وعدم الإضرار بالبيئة، هذا من شأنه أن يُؤدّي إلى تحقيق تنمية مستدامة منشودة؛ حيث تُعدّ سياسة التحول الطاقي إستراتيجية واضحة المعالم، ولها دور فعّال في تحقيق أمن إمدادات الطاقة، خاصةً في ظل المستجدات الدولية من تغيُّر أسعار الوقود الأحفوري وتأثيراتها السلبية على البيئة بالإضافة إلى مشكلة نضوبها. ([3])
ثانيًا: السياق التاريخي للتحول الطاقي
إن المرة الأخيرة التي حدث فيها تحوُّل ساحق في مجال مزيج الطاقات العالمية، كانت عندما أصبح النفط مصدر الطاقة الأول على الصعيد العالمي، وبعد مرور أكثر من قرن من قيام الكولونيل دريك للمرة الأولى بالتنقيب عن النفط في بنسلفانيا عام 1859م، فقد حلّت المنتجات النفطية شيئًا فشيئًا محل الفحم والخشب وفضلات الحيوانات، وأصبح الوقود المفضل لوسائل النقل بحلول منتصف عشرينيات القرن العشرين، واستبدل الفحم في وسائل النقل على السكك الحديدية وفي البحر بأواخر خمسينيات القرن العشرين. وبحلول منتصف ستينيات القرن العشرين، تفوق النفط على الفحم كمصدر الطاقة الأول عالميًّا، مستكملًا التحول من “عصر الفحم” إلى “عصر النفط”. ولكن كان على العالم انتظار التقدم الاقتصادي في الصين والهند؛ وهما الدولتان اللتان كانتا تمتلكان احتياطات فحم كبيرة في القرن الواحد والعشرين، بالترافق مع أسعار النفط المرتفعة التي سادت حتى منتصف عام 2014م، حتى نرى صعود حصة الفحم في سوق الطاقة العالمي من جديد ومنافستها للنفط مجددًا. ومع ذلك، ونظرًا إلى تزايد المخاوف البيئية، وزيادة الطلب بعد ركود عام 2008م وتخمة سوق النفط بعد انهيار عام 2014م، فإن عودة الفحم هذه تبدو كظاهرة قصيرة المدى أخذت بالفعل تسير في الاتجاه المغاير.([4])
ويخوض قطاع الطاقة، المعروف بوتيرة تغيُّره البطيئة، اليوم عملية تحوُّل دينامية. وأفضت الضرورات التي يفرضها تغير المناخ، وفقر الطاقة، وأمن الطاقة لدعم التنمية والإستراتيجية الصناعية إلى جعل استخدام مصادر الطاقة المتجددة على نطاق واسع والتقنيات ذات الصلة حلًا أساسيًّا. كما نقلت محفزات السياسة، والتطورات التكنولوجية، والتعاون الدولي هذه التقنيات من البيع المخصص لتصبح التوجه السائد، ولا سيما خلال السنوات العشر الماضية. وحتى أثناء مواجهة الاضطرابات التي تسببت بها جائحة كورونا، أظهرت الأنظمة القائمة على مصادر الطاقة المتجددة مرونة كبيرة؛ إذ أثبتت المنظومات الكهربائية القائمة على المصادر المتجددة موثوقيتها التقنية مع مساهمة طاقتي الشمس والرياح بحصة كبيرة.
وثمة إجماع عام على أن تحوُّل الطاقة القائم على مصادر وتقنيات الطاقة المتجددة التي من شأنها تعزيز كفاءة الطاقة وترشيد استهلاكها، هو السبيل الوحيد للحد من الاحتباس الحراري العالمي ووقف ارتفاع درجات الحرارة عند 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2050م. ومنذ بضع سنوات فقط كانت المنهجية القائمة على مصادر الطاقة المتجددة التي تبنتها “آيرينا” تُعتبر خيالية، واليوم بات حتى أبرز لاعبي القطاع المحافظين يدركون بأنها الخيار الواقعي الوحيد لحماية المناخ. ويرتكز هذا التحول الجذري والشامل في وجهات النظر على دليل دامغ، ليس لناحية مشاكل العالم الجسيمة فحسب، بل أيضًا لتوجهات التكنولوجيا والسياسات والأسواق التي تُعيد بلورة القطاع على مدى أكثر من عقد.
وخلال السنوات السبع الماضية تفوقت الطاقة المتجددة في حجم مساهمتها المضافة إلى الشبكة سنويًّا على طاقتي الوقود الأحفوري والنووية معًا. وتهيمن تقنيات الطاقة المتجددة اليوم على السوق العالمية لقدرتها الجديدة على توليد الكهرباء، بعد أن أصبحت أرخص مصادر توليد الكهرباء في أسواق عدة. وتم إضافة مستوى قياسي بلغ 260 جيجاواط من قدرة التوليد القائمة على المصادر المتجددة في عام 2020 على مستوى العالم، أي أكثر من أربعة أضعاف القدرة الإنتاجية المضافة من مصادر الطاقة الأخرى الأمر الذي يُمثّل مسارًا مبشرًا يضمن إزالة الكربون من قطاع الطاقة بوتيرة سريعة([5]).
ثالثًا: مؤشر التحول الطاقي .. المنهجية والقياس
يصدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع شركة أكسنتشر، كل عامين، وقد دُشِّن كبديل لمؤشر أداء هندسة الطاقة the Energy Architecture Performance Index (EAPI) الذي نشره المنتدى الاقتصادي العالمي في الفترة من 2013م إلى 2017م. والذي خُصِّص لقياس أداء الدول في نظام الطاقة الخاص بها، غير أن مؤشر التحول الطاقي يأخذ في الاعتبار أيضًا العنصر التطلعي المتمثل في “الاستعداد التحولي”. وتم إصدار النسخة الأولى من المؤشر عام 2018م ويتم تحديثه سنويًّا. وقد غطَّى المؤشر في نسخته الأولى 115 دولة، تمثل حوالي 90% من سكان العالم (2017م)، و93% من إجمالي إمدادات الطاقة الأولية العالمية (2016م)، و98% من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي العالمي (2017م).([6])
بينما غطَّى في نسختيه الأخيرتين 118 دولة، ويُقيّم أداء أنظمة الطاقة الحالية من حيث الأمن والإنصاف والاستدامة، بالإضافة إلى خمسة عوامل للجاهزية.
تُحسَب النتيجة النهائية للمؤشر لكل دولة كمؤشر مركب مرجح لمؤشرين فرعيين: أداء النظام (60%) وجاهزية التحول (40%). يتوزع أداء النظام بالتساوي على أبعاد الإنصاف والأمن والاستدامة، بينما تنقسم جاهزية التحول إلى فئتين: العوامل المساعدة الأساسية وعوامل التمكين. وتشمل العوامل التمكينية الأساسية التنظيم والالتزام السياسي، بالإضافة إلى التمويل والاستثمار، بينما تشمل العوامل المساعدة الابتكار والبنية التحتية والتعليم ورأس المال البشري.([7])
ومنه يرتكز تقييم أداء نظام الطاقة في أيّ بلد على ثلاثة محاور أساسية في مثلث الطاقة:
- الأمن: ضمان إمدادات طاقة مستقرة ومَرِنَة من خلال التنويع (في مزيج الطاقة، والشركاء التجاريين، ومصادر توليد الكهرباء)، وموثوقية الشبكة وإمدادات الطاقة، وبنية تحتية متينة لتعزيز القدرة على التكيُّف مع الصدمات الخارجية.
- العدالة: ضمان حصول الجميع (المستهلكين والصناعات) على الطاقة، وتوفيرها بأسعار معقولة ومستقرة، مع دعم النمو والتنمية.
- الاستدامة: تحسين الأداء البيئي لأنظمة الطاقة لدعم مستقبل منخفض الانبعاثات، وكفؤ في استخدام الموارد، ويعتمد على الطاقة النظيفة، وذلك عن طريق خفض كثافة ثاني أكسيد الكربون والميثان، وتحسين كفاءة الطاقة، وخفض نصيب الفرد من الطاقة والبصمة الكربونية، وزيادة حصة الطاقة النظيفة في الطلب النهائي من خلال تدابير متوازنة بين العرض والطلب.
كما يعتمد تقدم البلد في مجال تحول الطاقة على مدى جاهزيته لهذا التحوُّل، أي قدرته على تهيئة بيئة داعمة قوية لهذا التحوُّل. وتعتمد جاهزية التحول على العوامل التمكينية الأساسية التالية:
- التنظيم والالتزام السياسي: وضع سياسات وأنظمة فعّالة ضرورية لتحقيق تحول تنافسي في قطاع الطاقة.
- البنية التحتية: ضمان متانة البنية التحتية المادية والرقمية بما يكفي لدعم التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.
- التعليم ورأس المال البشري: تطوير قوة عاملة ماهرة قادرة على تلبية متطلبات قطاع الطاقة النظيفة الناشئ.
- الابتكار: تطوير تقنيات متطورة في أنظمة الطاقة، ضرورية للاستدامة والأمن.
- التمويل والاستثمار: ضمان بيئة مالية مستدامة قادرة على جذب استثمارات واسعة النطاق لدعم تحول الطاقة.
من خلال المؤشر يتم تقييم الدول باستخدام 43 مؤشرًا تغطي الجوانب الرئيسية للتحوُّل في قطاع الطاقة. وتتراوح درجات المؤشر بين 0 إلى 100؛ حيث يمثل 100 أعلى أداء عالمي لكل مؤشر ومكون من مكونات المؤشر. وفقًا للتالي:
- مرجع الدرجات: تستند جميع الدرجات في هذا التقرير (من المؤشرات الفردية إلى المؤشر العام) إلى مقياس من 0 إلى 100؛ حيث تمثل 100 أعلى قيمة ممكنة. وتعكس الدرجات أحدث البيانات والتحديثات المتاحة وقت إعداد التقرير.
- درجة أداء النظام: تعكس هذه الدرجة أداء نظام الطاقة في الدولة من حيث الأمن والإنصاف والاستدامة، باستخدام 23 مؤشرًا لتقديم صورة شاملة.
- درجة جاهزية التحول: تعكس هذه الدرجة مدى استعداد الدول لتلبية احتياجات الطاقة المستقبلية، باستخدام 20 مؤشرًا لتقييم العوامل المُمكّنة مثل التنظيم والبنية التحتية ورأس المال وبيئة الاستثمار، ورأس المال البشري والقدرة على الابتكار.
تعكس نتائج المؤشر أحدث البيانات المتاحة وقت جمعها. بينما أدَّت التحسينات التي تم إدخالها على المؤشر إلى تقليل إمكانية مقارنة مؤشر التحول الطاقي لعام 2025م مع الإصدارات المنشورة سابقًا. علاوة على ذلك، في حين أنه لا يمكن لأيّ مُؤشّر أن يعكس بشكل كامل جميع العوامل والواقع المُعقّد الذي يُؤثر على أنظمة الطاقة والتحولات، فإن درجات المؤشر تهدف إلى عكس كل من الأداء والظروف السياقية. كما أثرت عوامل خارجية -مثل تقلبات سوق السلع الأساسية، والجيوسياسية، والعمل المناخي الدولي، وظروف السوق المالية- على أبعاد معينة من درجة الدولة. وعلى هذا النحو، ينبغي تفسير الدرجات على أنها انعكاس لكل من نتائج الأداء والظروف المواتية، والنظر إليها في سياق الواقع الهيكلي لكل دولة بدلًا من اعتبارها تصنيفًا مطلقًا لتقدم التحول.
الغرض من المؤشر هو تعزيز نَهْج أصحاب المصلحة المتعددين في تحوُّل الطاقة القادر على التقاط الترابط على مستوى المنظومة. ربما ليس من المستغرب أن نجد علاقة قوية بين أداء النظام في بلد ما ودرجات جاهزية التحول، وفي حين يصعب فصل المسارات السببية عن البيانات المرصودة، فإن درجة الاستعداد المنخفضة للانتقال مقارنة بأداء النظام تشير إلى أن البلد قد يواجه التحديات في إجراء تحسينات في الأداء دون تعزيز الظروف التمكينية التي تميز الاستعداد للانتقال. وعلى الرغم من أن تحوُّل الطاقة له أبعاد عالمية، إلا أن القرارات سيتم اتخاذها محليًّا. وهذا يُسلّط الضوء على أهمية الظروف الخاصة بكل بلد في تحديد الأولويات والتخطيط لانتقال الطاقة، والتي يمكن أن تؤثر على اختيار المتغيرات أو تخصيص الأوزان لتقييم التقدم المحرز في تحول الطاقة المحلية. ومن خلال الحفاظ على ثبات الإطار المفاهيمي (المؤشرات الفرعية والأبعاد)، يمكن للظروف الخاصة بكل بلد أن تُملي اختيارًا أفضل أو تحديد أولويات المؤشرات من خلال الترجيح التفاضلي.
ومع ذلك، ولأغراض المقارنة الدولية، يُمكّن المؤشر من إجراء مقارنة مع بلدان ذات خصائص هيكلية وأهداف تنموية مماثلة. بناءً على الدرجات الإجمالية. ويمكن أيضًا إنشاء النماذج الأولية للبلدان على أساس عوامل مثل مراحل التنمية الاقتصادية، والجغرافيا، والوضع كمصدر أو مستورد صافي للطاقة، ومصدر الوقود المهيمن، وما إلى ذلك. ومن شأن المقارنة المرجعية مع البلدان ذات الخصائص المماثلة أن تُمكّن البلدان من التعلُّم من أفضل الممارسات التي هي مشروطة بظروفها المحلية([8]).
المحور الثاني
مصادر الطاقة في إفريقيا والحاجة إلى التحول الطاقي
أولًا: مصادر الطاقة في القارة
تتمتع المناطق الإفريقية بوفرة مصادر الطاقة، لكن تقف العديد من المعوقات أمام الوصول إلى هذه المصادر. إذ يضم مشهد الطاقة الإفريقي العديد من مصادر الطاقة، بدءًا من الهيدروكربونات وأنواع وقود الكتلة الحيوية التقليدية، وانتهاءً بتقنيات متنوعة للطاقة المتجددة. وعلى الرغم من أن القارة موطن لخمس سكان العالم، لكنها لا تُشكّل سوى 6% من الطلب العالمي على الطاقة و3% من الطلب على الكهرباء وفقًا لبيانات وكالة الطاقة الدولية، آيرينا لعام 2021م. ولا تزال هناك ثغرات كبيرة تُعرقل الوصول إلى مصادر الطاقة الحديثة، لا سيما في إفريقيا جنوب الصحراء، في حين تتراجع مستويات التصنيع والإنتاج الزراعي في مناطق عديدة حول القارة ([9]).
وتبقى الطاقة الحيوية أكثر مصادر الطاقة استخدامًا في القارة. إذ نمت إمدادات الطاقة الأولية في إفريقيا بمعدل نمو سنوي مركب بلغ نحو 2% خلال العقد الماضي )2008- 2018م) على خلفية زيادة إنتاج النفط والغاز الطبيعي والكتلة الحيوية. وما يزال الوقود الحيوي والنفايات المصدرين الأكثر استخدامًا للطاقة في القارة الإفريقية؛ حيث يساهمان معًا بأكثر من 40% من إمدادات الطاقة فيها، وتعتبر الطاقة الحيوية، بمختلف مصادرها من الكتلة الحيوية التقليدية إلى تقنيات الكتلة الحيوية التقليدية المحسنة ومصادر الطاقة الحيوية الحديثة، مصدرًا أساسيًّا للطاقة، ولا سيما لأغراض الطهي المنزلي. وما يزال نحو 927 مليون شخص في القارة الإفريقية يعتمدون على الكتلة الحيوية التقليدية في الطهي والتدفئة على حسب منظمة الصحة العالمية 2021م.
وإلى جانب الطاقة الحيوية، يُشكّل الوقود الأحفوري المصدر الأكبر للطاقة في إفريقيا. ويُشكّل النفط ثاني أكبر مصدر للطاقة الأولية، ولا سيما في مجالات النقل والصناعة وتوليد الطاقة. كما يُستخدم الغاز الطبيعي منذ أمد طويل كمصدر لتوليد الطاقة والعمليات الصناعية في البلدان المنتجة للغاز. وبالمقابل، لطالما اعتمدت دول إفريقيا الجنوبية، التي تفتقر إلى وجود احتياطيات من الغاز، على الفحم كمصدر لتوليد الطاقة؛ وتستحوذ بلدان هذه المنطقة على حصة كبيرة من استهلاك الفحم في القارة. ومثل الفحم والغاز الطبيعي والنفط معًا قرابة 80% من إجمالي مصادر توليد الطاقة الكهربائية في إفريقيا عام 2019م. وتتأثر توجهات استهلاك الطاقة في إفريقيا بالاقتصادات الأكثر استهلاكًا للطاقة في القارة؛ وهي جنوب إفريقيا ومصر والجزائر ونيجيريا([10]).
ولكن يمكن لنظام الطاقة الذي يركز على الطاقة المتجددة أن يساعد في حل العديد من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والصحية والبيئية في إفريقيا. إن التحول العميق للطاقة ليس ممكنًا فحسب، بل إنه ضروري لمستقبل آمِن مناخيًا، يتم فيه الوفاء بامتيازات التنمية المستدامة. الطاقة المتجددة هي المفتاح للتغلُّب على فقر الطاقة، وتوفير خدمات الطاقة اللازمة دون الإضرار بصحة الإنسان أو النظم البيئية، وتمكين تحول الاقتصادات لدعم التنمية والتصنيع. إن إفريقيا متنوعة بشكل غير عادي، ولا يوجد نَهْج واحد من شأنه أن يُعزّز مستقبل طاقتها. ولكن يجب بذل الجهود لبناء أنظمة طاقة حديثة ومرنة ومستدامة في جميع أنحاء القارة لتجنُّب مُحاصَرة الاقتصادات والمجتمعات في أنظمة طاقة متقادمة بشكل متزايد تثقل كاهلها بأصول عالقة وآفاق اقتصادية محدودة. يوضح ذلك التقرير الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، الذي تم تطويره بالتعاون مع بنك التنمية الإفريقي الفرص المتاحة، مع الاعتراف أيضًا بالتحديات التي تواجهها إفريقيا. إنه يرسم طريقًا إلى نظام طاقة قائم على الطاقة المتجددة، ويظهر أن التحول يَعِد بمكاسب كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي والتوظيف ورفاهية الإنسان في كل منطقة من مناطق القارة. ومن بين النتائج([11]):
1-لقد تم استبعاد جزء كبير من إفريقيا من تحول الطاقة:
- 2% فقط من الاستثمارات العالمية في الطاقة المتجددة في العقدين الماضيين كانت في إفريقيا، مع وجود تباينات إقليمية كبيرة.
- أقل من 3% من وظائف الطاقة المتجددة العالمية موجودة في إفريقيا.
- في إفريقيا جنوب الصحراء، كان معدل الكهرباء ثابتًا عند 46% في عام 2019م؛ حيث لا يزال 906 ملايين شخص يفتقرون إلى وقود وتقنيات الطهي النظيفة.
2-شهد العقد الماضي تقدمًا:
- توسُّع انتشار الطاقة المتجددة في العقد الماضي، مع إضافة أكثر من 26 جيجاوات من قدرة التوليد القائمة على مصادر الطاقة المتجددة. كانت أكبر الإضافات في الطاقة الشمسية.
- نما متوسط الاستثمارات السنوية في الطاقة المتجددة عشرة أضعاف من أقل من 0.5 مليار دولار في الفترة 2000- 2009م إلى 5 مليارات دولار في الفترة 2010- 2020م.
- تلعب حلول الطاقة المتجددة الموزعة، بما في ذلك الأنظمة المستقلة والشبكات الصغيرة، دورًا متزايدًا بشكل مطرد في توسيع الوصول إلى الكهرباء في المناطق خارج الشبكة وتعزيز الإمداد في المناطق المتصلة بالفعل.
ثانيًا: الحاجة إلى التحول الطاقي في إفريقيا جنوب الصحراء
عندما نتحدّث عن مصادر الطاقة، تتمتع بإمكانيات هائلة غير مُستغلَّة إلى حد كبير. مثلاً، على الرغم من كونها موطنًا لنحو 60% من موارد الطاقة الشمسية على مستوى العالَـم، تملك إفريقيا ما يقرب من ذات قدرة الطاقة الشمسية الفوتوفلطية المثبتة في بلجيكا، تتمتع أيضًا دول إفريقية عديدة بإمكانات عظيمة في توليد الطاقة المائية، وطاقة الرياح، والطاقة الحرارية الأرضية. في الوقت الذي لا يزال مئات الملايين من البشر يفتقرون إلى القدرة على الوصول إلى الكهرباء ــ وهو عائق رئيسي يحول دون اكتساب التعليم، وإيجاد فرص عمل منتظمة، والمساهمة في اقتصاد مُـنتِـج. وقد أدَّت أزمة الطاقة العالمية إلى تفاقم هذا الوضع، في حين تسببت مشكلات الديون والارتفاعات السريعة في الأسعار في زيادة صعوبة تحقيق هدف الأمم المتحدة المتمثل في تمكين الوصول الشامل إلى الطاقة بحلول عام 2030. تعتبر مصادر الطاقة المتجددة شديدة الأهمية في معالجة هذا الوضع؛ حيث من المنتظر أن تصبح الطاقة الشمسية على وجه الخصوص المصدر الأرخص للكهرباء في كل مكان تقريبا في إفريقيا بحلول عام 2030.([12])
الكهرباء ليست مصدر القلق الوحيد في القارة عندما يتعلق الأمر بالطاقة. فلا يزال أربعة من كل خمسة أشخاص في منطقة جنوب الصحراء يطهون طعامهم باستخدام الحطب والكتلة الحيوية، والتي عند إحراقها تنتج أدخنة ضارة. الواقع أن ما يقرب من نصف مليون حالة وفاة مبكرة سنويًّا في منطقة جنوب الصحراء ترجع إلى تلوث الهواء المنزلي الناتج عن الافتقار إلى القدرة على الوصول إلى معدات الطهي النظيفة. يؤثر هذا بشكل غير متناسب على النساء والأطفال، ليس فقط فيما يتصل بالصحة، بل أيضًا الوقت الـمُـهـدَر والافتقار إلى الفرصة.
إن حلول الطهي النظيف قد تعني زيادة عدد الأطفال في المدارس، بدلاً من عملهم في جمع حطب الوقود، وزيادة عدد النساء اللاتي يملكن الوقت الكافي للبحث عن عمل أو بدء عمل تجاري خاص، وهذا من شأنه أن يوفّر طريقًا للاستقلال المالي. كما يقلل استخدام وقود الطهي النظيف من الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري. يستلزم التصدي لتحديات الطاقة في إفريقيا استثمارات حقيقية من كل من القطاعين العام والخاص. في الوقت الحالي، يُـنَـفَّـذ ما يقرب من 3% فقط من استثمارات الطاقة في مختلف أرجاء العالَـم في إفريقيا، حتى برغم أن القارة تؤوي 17% من سكان العالم، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم في السنوات الثلاثين القادمة. ولا يحصل حاليًّا حوالي 48% من سكان المنطقة على إمدادات الكهرباء، مما يجعل المنطقة موطنًا لثلاثة أرباع سكان العالم المحرومين من الكهرباء. ولا يحصل ثلثا منشآت الرعاية الصحية على إمدادات منتظمة من الكهرباء، ولا تصل الكهرباء إلى ثلثي جميع المدارس الابتدائية على الإطلاق، مما يَحُدّ من تقديم الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية. ومع تجاوز النمو السكاني جهود توصيل الكهرباء في معظم البلدان التي تعاني نقصًا كبيرًا في إمدادات الكهرباء في إفريقيا جنوب الصحراء، لن يتمكن المزيد من السكان من الحصول على الكهرباء في عام 2030 ما لم تتضاعف وتيرة جهود توصيل الكهرباء ثلاثة أمثال([13]).
المحور الثالث
موقع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر التحول الطاقي لعام 2025م
أولًا: الوضع الراهن للتحول الطاقي (2025م) والاتجاهات العالمية
وفقًا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي “تعزيز انتقال الطاقة الفعال 2025م”، يشهد العالم تسارعًا في وتيرة التقدم نحو نظام طاقة أكثر أمانًا وإنصافًا واستدامة. حيث سجّل مؤشر التحول الطاقي زيادة سنوية قدرها 1.1% في الدرجات العالمية، مسجلًا بذلك أسرع وتيرة منذ مستويات ما قبل جائحة كوفيد_19. ويُعزى هذا التحسن بشكل كبير إلى انخفاض أسعار الطاقة، وإصلاحات الدعم، وانخفاض كثافة الطاقة والانبعاثات، وزيادة حصة الطاقة النظيفة في مزيج الطاقة العالمي.
وعلى الرغم من هذه الاتجاهات الإيجابية، لا تزال هناك تحديات كبيرة. إذ تتعرض أنظمة الطاقة العالمية لضغوط متزايدة نتيجة لتغير المناخ، وعدم الاستقرار الجيوسياسي، والتقلبات الاقتصادية، والاضطرابات التكنولوجية. وفي عام 2024م، برزت مواطن الضعف الكامنة في سلاسل إمداد الطاقة وأسواقها، إلى جانب الطلب القياسي على الطاقة. أدَّت النزاعات إلى تعطيل التدفقات التجارية، ودفع الطلب المتزايد على الكهرباء، لا سيما من مراكز البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، الطلب العالمي على الطاقة إلى الارتفاع بنسبة 2.2%، وهي أسرع وتيرة منذ سنوات. ونتيجة لذلك، بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة مستوى قياسيًّا بلغ 37.8 مليار طن.
وقد نما الاستثمار في الطاقة النظيفة إلى أكثر من 2 تريليون دولار في عام 2024م، أي مثلي مستويات عام 2020م، ولكنه لا يزال أقل بكثير من المبلغ المُقدَّر بـ5.6 تريليون دولار اللازم سنويًّا حتى عام 2030م لتحقيق أهداف الحياد الكربوني. علاوة على ذلك، تباطأ النمو السنوي في الاستثمار إلى 11%، بانخفاض عن 24-29% في السنوات الثلاث السابقة. وبينما حسّنت 65% من الدول نتائجها في مؤشر عام 2025م، لم تُحرز سوى 28% منها تقدمًا متزامنًا في مجالات الأمن والإنصاف والاستدامة، مما يُبرز التفاوت في التقدم عبر مختلف أبعاد التحول.
حافظت الدول ذات الأداء المتميز على استقرارها، لكنّ دولًا جديدة تتصدر القائمة. هيمنت الدول الأوروبية على المراكز العشرة الأولى، لكنّ الزخم يتزايد في أماكن أخرى. حسّنت الصين والولايات المتحدة نتائجهما، بينما أظهرت لاتفيا ونيجيريا والإمارات كيف يمكن للإصلاحات الموجهة أن تُحقق تقدمًا سريعًا.
وقد تصدّرت أوروبا الناشئة وتيرة التحوّل، وآسيا الناشئة الاستثمار، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا وباكستان رأس المال، مما يُظهر أنه لا يوجد مسار واحد للتقدّم. وبينما تعافت متوسطات الدرجات العالمية من الركود الأخير، تُبرز التصنيفات تباين مسارات الدول في كلٍّ من أداء النظام وجاهزيتها للتحول.
ثانيًا: موقع إقليم إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر التحول الطاقي 2025م وركيزتيه الفرعيتين
حققت دول المنطقة في المتوسط 48.81 درجة مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ، 56.89 درجة، محتلة المركز الأخير في الترتيب العالمي بين مناطق العالم الستة وفقًا لتصنيفات المؤشر. وقد تُلاحِظ مكاسب في مجال كهربة المناطق الريفية والالتزام التنظيمي، على الرغم من أن التقدم غير متساوٍ بسبب نقص الاستثمار، وانخفاض معدلات الوصول، والعوائق المؤسسية.
وهو ما يُعتَبر تراجعًا عامًّا سجلته في عام 2023م بنسبة (49.2) درجة مقارنةً بالمتوسط العالمي البالغ 56.29. وأيضًا كانت تحتل المرتبة الأخيرة
وعلى مستوى ركيزتي أداء النظام وجاهزية التحول لعام 2025م، فقد حققتا (58.39) و(34.43) درجة مقارنة بمتوسطات عالمية لكلتا الركيزتين بلغتا (63.47)، و(47.01). ومقارنةً بمتوسطات الركيزتين في المنطقة لعام 2023م؛ حيث بلغتا (59.54) و(33.61) على التوالي.([14])
شكل (1) مؤشر التحول الطاقي في عامي 2023 و2025م في إفريقيا جنوب الصحراء مقارنة بالمتوسط العالمي

المصدر: مؤشر الانتقال الطاقي لعامي 2023 و2025م، مع بعض الحسابات مِن قِبَل الباحث.
أي شهدت المنطقة تراجعًا بنحو (0.36) درجة مقارنة بتحسن عالمي بنحو (0.6) درجة. حيث كان ذلك محصلة التحسن الطفيف في درجات ركيزة أداء النظام، وتراجعًا أكبر منه في درجات ركيزة جاهزية التحول.
ثالثًا: مؤشر التحول الطاقي 2025م في المنطقة على المستوى القطري
كانت كينيا الأفضل أداء في إفريقيا عام 2023م، من حيث أداء الأنظمة والاستعداد للانتقال؛ حيث حصلت على نسبة 57.8 %، بتحسن قدره 10.56% منذ عام 2014م، وأعلى بنسبة 1.5% من المتوسط العالمي. واحتلت الدولة المرتبة 46 عالميًّا، بينما تذيلت تنزانيا والكونغو الديمقراطية بدرجات 42.9 و42.3% في عام 2023م.
أما في عام 2025م فقد واصلت بعض الدول تعزيز ريادتها من خلال التزام سياسي ثابت، واستثمارات في الطاقة المتجددة، وتدابير أخرى، بينما تواجه دول أخرى انتكاسات إما بسبب ثغرات هيكلية أو صدمات خارجية.
وقد قادت كلّ من نيجيريا وناميبيا وموريشيوس دول المنطقة في مؤشر التحول الطاقي لعام 2025م، بينما تذيلت الكنغو الديمقراطية وبتسوانا وزيمبابوي ذيل الترتيب الاقليمي، وذلك من بين 18 دولة ذكرها التقرير تقع في جنوب الصحراء. وفقًا للشكل التالي:
شكل (2) مؤشر التحول الطاقي 2025م في إفريقيا جنوب الصحراء على المستوى القطري

المصدر: رسم الباحث من مؤشر الانتقال الطاقي لعام 2025م، مع بعض الحسابات مِن قِبَل الباحث.
رابعًا: أداء نظام الطاقة في إفريقيا جنوب الصحراء 2025م وفقا لأبعاده الثلاثة
بينما حلت المنطقة في المركز الأخير في الترتيب العالمي بين مناطق العالم الستة وفقًا لتصنيفات المؤشر، برز انخفاض درجتها في بُعْد العدالة والذي حققت فيه 50 درجة فقط، وهي الأقل بين المناطق، في حين احتلت المركز الأول عالميًّا في بعد الاستدامة 62.8 درجة. وفقًا للجدول التالي:
أما بخصوص نقاط القوة والضعف على مستوى الأبعاد، فيمكن اختصارها في الجدول التالي:

خامسًا: عوامل تمكين التحول الطاقي في إفريقيا جنوب الصحراء لعام 2025م
ظلت جاهزية التحول العاملَ الأبرز في تحديد إمكانات التحول الطاقي طويل الأجل، والتي تتشكل تبعًا للقدرات المؤسسية والبنية التحتية ورأس المال البشري وبيئة الابتكار وجاذبية الاستثمار في كل منطقة.
ورغم تحسن الأوضاع في أوروبا الناشئة وآسيا الناشئة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وباكستان خلال العقد الماضي، إلا أن حجم وسرعة مكاسب الجاهزية تفاوتت بشكل كبير. ففي عام 2025م، كان التقدم التنظيمي والاستثمار في التكنولوجيا النظيفة من العوامل الرئيسية للتحسن في العديد من المناطق، بينما واجهت مناطق أخرى تحديات في توفير البنية التحتية والحفاظ على الكفاءات.
ولم تشهد منطقة إفريقيا جنوب الصحراء أيّ تحسُّن صافٍ في جاهزية التحوُّل في عام 2025م (0% على أساس سنوي). وقد عوّضت التحسينات في التنظيم والابتكار انتكاسات في البنية التحتية والتمويل، مما يشير إلى بيئة جاهزية غير متكافئة وهشَّة. وفقًا للشكل التالي.
شكل (3) جاهزية التحول في إفريقيا جنوب الصحراء لعام 2025م

المصدر: رسم الباحث من مؤشر الانتقال الطاقي لعام 2025م.
سادسًا: أولويات وتحديات التحول الطاقي في إفريقيا جنوب الصحراء
على الرغم من التراجع الطفيف في درجة المنطقة في مؤشر التحول الطاقي لعام 2025م مقارنة بعام 2023م. إلا أن العالم، بالتعاون مع القارة، يتقدم بشكل مطرد على طول مسار تحول الطاقة. إلا أن هناك حاجة ملحّة إلى التدخلات التحويلية للتخفيف من تغيُّر المناخ وتأثيره الذي يتزايد بسرعة. فضلاً عن الأزمات الإنسانية، وقد أدَّت هذه العقبات بالتالي إلى تقلب سوق الطاقة؛ وبالتالي([15]):
- فإن الطلب المُلِحّ في إفريقيا جنوب الصحراء على التغيير يتجاوز التحول في مجال الطاقة: ورغم أن متوسط النتيجة العالمية في مؤشر التحول الطاقي، تحسنت تدريجيًّا على مدى العقد الماضي، فإن أسعار الطاقة في إفريقيا تظل أعلى من أيّ وقت مضى. وتظل القدرة على تحمل التكاليف والأمن والاستدامة على رأس الأولويات على أجندة الطاقة في إفريقيا. ومن أجل تحقيق تحوُّل في مجال الطاقة مع طموحات مناخية طويلة الأجل، تحتاج القارة إلى نهج يحقق هذه الضرورات الثلاث في وقت واحد.
- لا تزال الطاقة غير ميسورة التكلفة بالنسبة لمعظم سكان إفريقيا: ومع إعادة تشكيل أنظمة الطاقة لتتوافق مع نماذج منخفضة الكربون، فإن ذلك يأتي على حساب الأفارقة الذين شهدوا الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة في العقد الماضي.
- يتطلب المستقبل المزيد من التنوع والأمن في مجال الطاقة: تشير مبادرة التحول الطاقي إلى أن التنويع المزدوج هو المفتاح لتعزيز أمن الطاقة. ومع ذلك، فإن العديد من الدول الإفريقية هي من بين 103 دول مصنفة على أنها تفتقر إلى التنوع في إمدادات الطاقة. إن التحوُّل إلى مصادر الطاقة المتجددة والتقنيات منخفضة الكربون سوف يجلب معه مجموعة جديدة ومُعقّدة من التحديات؛ حيث إن ترحيل البنية التحتية القائمة سيتطلب استثمارات كبيرة.
- يحتاج الزعماء الأفارقة إلى إعطاء الأولوية للسياسات واللوائح الملزمة قانونًا: على الرغم من أن هذه الأنظمة والسياسات لم تكن موجودة دائمًا، إلا أنها ضرورية.
- المطالبة بالتغيير بشكل متزايد يعني تغيُّر الطلب: ولتحقيق التحوُّل الهائل الذي يتطلبه تحوُّل الطاقة، فإن التغييرات في الطريقة التي نستهلك بها الطاقة في القارة أمر ضروري. وعلى هذا النحو، فإن مبادرات الطلب النظيف سريعة النطاق يمكن أن تُحفّز المستثمرين على تمويل التكنولوجيات المنخفضة الانبعاثات، وبالتالي تمكين الدول من زيادة استقلالها في مجال الهيدروكربون.
- تحتاج الصناعات إلى الاتحاد بشأن إزالة الكربون: ومن الضروري أن تتعاون الصناعات في جميع أنحاء القارة في إزالة الكربون من التجارة، والتي تمثل مجتمعة 30% من إجمالي الانبعاثات البشرية المنشأ.
وللحفاظ على مسار التحول في قطاع الطاقة، يُحدّد المنتدى الاقتصادي العالمي ثلاث أولويات على مستوى النظام:
- إعادة تعريف أمن الطاقة: ويشمل ذلك تعزيز مرونة الشبكة والبنية التحتية الرقمية لمواجهة الضغوط المتزايدة الناجمة عن تغير المناخ والاضطرابات الجيوسياسية.
- معالجة اختلالات رأس المال: ويشمل ذلك ضمان تدفق المزيد من الاستثمارات إلى حيث تشتد الحاجة إليها، لا سيما في الاقتصادات النامية والتقنيات الناشئة.
- معالجة معوقات البنية التحتية: ويشمل ذلك معالجة قضايا مثل تأخيرات التراخيص، ونقص القوى العاملة، وقيود الشبكة التي تعيق نشر تقنيات الطاقة النظيفة. علاوة على ذلك، تتطلب إدارة التحول الطاقي متعدد السرعات والأبعاد إعادة النظر في كيفية تفاعل السياسات والأسواق والمؤسسات. ويشمل ذلك تكييف آليات التنسيق العالمية القائمة للسماح بحلول متباينة ومُخصصة لكل سياق، تجذب استثمارات كافية من الشركات.
- وتعبر أهم الأولويات الإقليمية والاحتياجات الإستراتيجية لتحول الطاقة في إفريقيا جنوب الصحراء: توفير الطاقة، والطهي النظيف، والأنظمة اللامركزية، والربط البيني عبر الحدود. والإستراتيجية المطلوبة هي تحفيز الاستثمار في سياسات الوصول الشامل، والطهي النظيف، والطاقات المتجددة اللامركزية، مع ضمان ربط البنية التحتية للطاقة بشكل أكبر في جميع أنحاء القارة الإفريقية.
المحور الرابع:
مزايا وعيوب مؤشر التحول الطاقي
أولًا: مزايا مؤشر التحول الطاقي
يُقدم المؤشر العديد من المزايا الرئيسية لفهم وتيسير التحول الطاقي العالمي: تقييم شامل: يُوفر المؤشر نظرة شاملة لنظام الطاقة في أيّ بلد من خلال تقييمه عبر مجالين رئيسيين: “أداء النظام” و”الاستعداد للتحول”.
إطار حوار قائم على الحقائق: من خلال إنشاء قاعدة بيانات مشتركة للحقائق، يُسهّل الحوار الفعّال بين مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك الشركات والحكومات والمجتمع المدني. يُعدّ هذا الفهم المشترك للتحديات والفرص أمرًا بالغ الأهمية لتنسيق العمل ووضع السياسات في قطاع الطاقة المعقد والمتشعب في كثير من الأحيان.
تحديد نقاط القوة والضعف: يُسلّط مؤشر تحوّل الطاقة الضوء على كلٍّ من التقدم المحرز ونقاط الضعف المستمرة في أنظمة الطاقة العالمية.
المقارنة المعيارية والتعلم من الأقران: يُتيح المؤشر إجراء مقارنة معيارية بين 114 دولة، مما يُوفّر رؤى ثاقبة حول أفضل الممارسات ومجالات التحسين. ويمكن للدول أن تستفيد من نجاحات وتحديات نظيراتها، مما يُعزّز بيئة تعاونية لتسريع عمليات تحوّل الطاقة.
التركيز على المرونة والشمولية: يؤكد المؤشر أن أنظمة الطاقة المرنة والشاملة ليست مجرد ضرورة مناخية فحسب، بل هي أيضًا أساسية للتنافسية الاقتصادية والأمن في القرن الحادي والعشرين. يُوسع هذا المنظور نطاق مناقشات التحول الطاقي ليشمل، بالإضافة إلى المخاوف البيئية، الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، مما يضمن توزيع فوائد التحول على نطاق واسع.
منظور ديناميكي وقابل للتكيف: يُقِرّ المؤشر بأن التحوُّل الطاقي ليس مسارًا واحدًا خطيًّا، بل هو تحولات متعددة تتشكل وفقًا لأولويات كل دولة وقدراتها ومخاطرها الفريدة. ويؤكد على الحاجة إلى أطر سياسات قابلة للتكيف قادرة على دفع الاستثمار طويل الأجل ودعم التعاون في عالم متقلب.
دمج التقنيات الناشئة: يُراعي المؤشر دور التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي، في تعزيز كفاءة ومرونة النظام. وبينما يُقرّ المؤشر بزيادة ضغوط الطلب التي قد تُسببها هذه التقنيات على الشبكة، فإنه يُشجع على دمجها إستراتيجيًّا لتعزيز عملية التحول.
ثانيًا: عيوب مؤشر التحول الطاقي
على الرغم من مزاياه، يُعاني مؤشر التحول الطاقي من بعض القيود والعيوب:
محدودية البيانات والتعميمات: يعتمد المؤشر على بيانات مُجمّعة على المستوى الوطني، مما قد يُخفي قواعد أو تحديات مُحددة على المستويات دون الوطنية. وهذا بدوره قد يُؤدي إلى تعميمات لا تُغطي بشكل كامل الفروقات الدقيقة لأنظمة الطاقة داخل المناطق المُختلفة في الدولة.
احتمالية التبسيط المُفرط: على الرغم من شمولية أيّ مؤشر يُحاول قياس ظواهر مُعقدة كالتحولات الطاقية، إلا أنه يُواجه خطر التبسيط المُفرط. فمقاييس مؤشر التحول الطاقي، على الرغم من متانتها، قد لا تُغطّي بشكل كامل جميع العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المُعقدة التي تُؤثر على مسار الطاقة في الدولة فمثلاً قد يصعب قياس المقاومة الثقافية لبعض تقنيات الطاقة أو قطاع الطاقة غير الرسمي وإدراجها في المؤشر.
المؤشرات المتأخرة: قد تكون بعض البيانات المستخدمة في المؤشر متأخرة، أي: أنها تعكس الأداء السابق بدلًا من التغيرات الآنية. نظرًا للوتيرة السريعة للتطورات التكنولوجية والتحولات السياسية في قطاع الطاقة، فإن الاعتماد على البيانات التاريخية قد يؤدي إلى تقييم قديم لحالة التحول الحالية في أي بلد.
الذاتية في الترجيح والتقييم: يتضمن بناء أيّ مؤشر مركب قرارات ذاتية بشأن ترجيح المؤشرات والأبعاد المختلفة. وبينما يهدف المؤشر إلى الموضوعية، فإن اختيار ما يُشكل “أداء النظام” و”جاهزية التحول”، ومدى مساهمة كل مكون في النتيجة الإجمالية، قد يتأثر بوجهات نظر مطوريه، وقد تعطي الجهات المعنية المختلفة الأولوية لجوانب مختلفة من التحول الطاقي، مما يؤدي إلى تفسيرات متباينة لنتائج.
خطر “التضليل البيئي” أو سوء التفسير: قد تُركّز الدول على تحسين نتائجها في مؤشر التحول الطاقي في مجالات مُحدّدة دون معالجة المشكلات النظامية الكامنة، مما قد يُؤدي إلى مظهر سطحي للتقدم أو “التضليل البيئي”. كما قد يُساء تفسير فئات المؤشر العامة أو تُستخدم بشكل انتقائي لدعم روايات مُحدّدة بدلًا من تعزيز تغيير حقيقي وشامل.
تحديات قياس جوانب “الانتقال العادل”: على الرغم من أن مؤشر التحول الطاقي يُشدّد على الشمولية، إلا أن القياس الكمي الكامل ودمج جوانب العدالة الاجتماعية في “الانتقال العادل” لا يزال يُمثّل تحديًا كبيرًا. إن تأثير سياسات الطاقة على التوظيف ورفاهية المجتمع والفئات السكانية الضعيفة مُعقّد ويصعب رصده من خلال المقاييس الاقتصادية والبيئية القياسية.
خاتمة:
ما تزال إفريقيا جنوب الصحراء هي الأقل أداء في عملية التحول الطاقي بين مناطق العالم الستة، وعلى التحسن المطرد الذي حققته في هذا المجال، على مدار العقد الماضي، شهدت نسخة 2025م من مؤشر التحول الطاقي تراجعًا طفيفًا عن نسخة 2023م؛ حيث يتطلب تحقيق انتقال شامل ومَرِن ومستدام للطاقة في المنطقة إدراك الترابط بين مبادرات الاستدامة وبرامج الوصول إلى الطاقة وإستراتيجيات التنمية الاقتصادية.
…………………..
[1] ) سنوسي بن عبو وآخرون، إستراتيجية الانتقال الطاقي وفق برنامج الطاقات المتجددة 2030، مجلة مدارات سياسية (الجزائر: المجلد 2، العدد 7، مركز المدار المعرفي للأبحاث والدراسات، 2018) ص38.
[2] ) حلولو عبد الرشيد، الانتقال الطاقوي كخيار إستراتيجي لتحقيق التنمية المستدامة دراسة حالة الجزائر (الجزائر: رسالة ماجستير غير منشورة، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، جامعة محمد الصديق بن يحيى، 2021) ص10.
[3] ) حلولو عبد الرشيد، م.س.ذ، ص11.
[4] ) بوب ويلين، وآخرون، الانتقال الكبير في مجال الطاقة (دبي: شركة إيه تي كيرني، د.ت) ص9.
[5] ) الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، نظرة مستقبلية لتحولات الطاقة حول العالم الطريق لـ1.5 درجة مئوية (أبو ظبي: الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، 2021) ص7.
[6] ) Harsh Vijay Singha,and etal, The energy transitions index: An analytic framework for understanding the evolving global energy system”, Energy Strategy Reviews(Geneva: Energy Strategy Reviews.26,2019)p.3.
[7] ) World Economic Forum, Fostering Effective Energy Transition 2025 (Davos: World Economic Forum ,2025).
[8] ) Harsh Vijay Singha,and etal.Op.cit.p.3.
[9] ) الوكالة الدولية للطاقة المتجددة ومجموعة بنك التنمية الإفريقي (2022)، تحليل سوق الطاقة المتجددة: إفريقيا ومناطقها –ملخص لصنّاع السياسات، الوكالة الدولية للطاقة المتجددة وبنك التنمية الإفريقي، أبو ظبي وأبيدجان .ص9.
[10] ) الوكالة الدولية للطاقة المتجددة ومجموعة بنك التنمية الإفريقي (2022م)، م.س.ذ.ص10.
[11] ) تحليل سوق الطاقة المتجددة: إفريقيا ومناطقها. متاح على الرابط: https://www.irena.org/publications/2022/Jan/Renewable-Energy-Market-Analysis-AR
[12] ) William Ruto and Fatih Birol, A New Energy Pact for Africa.at: https://www.project-syndicate.org/commentary/new-energy-pact-for-africa-will-create-prosperous-future-by-william-ruto-and-fatih-birol-2023-07
[13] ) William Ruto and Fatih Birol, Op.cit.
[14] ) https://www.weforum.org/publications/fostering-effective-energy-transition-2023/
[15] ) Africa Energy Indaba, African Energy Transitioning to a Sustainable and Prosperous Future.at: https://energyindaba.co.za/african-energy-transitioning-to-a-sustainable-and-prosperous-future/











































