الأفكار العامة:
– معاناة ليبيريا من الفساد والإفلات من العقاب بعد خروجها من الحرب الأهلية.
– اندلاع أزمة سياسية بسبب التصويت على إقالة “كوفا”؛ للاشتباه بتورُّطه في الفساد وتضارب المصالح الذي يشمل مكتب المحاماة الخاص به ووكالات الدولة.
– عزم ليبيريا على القضاء على الفساد والإفلات من العقاب من أهم الأسباب المباشرة لنشوب الحرب الأهلية 1989- 2003م.
– تصويت الجمعية التشريعية بالموافقة على اقتراح الرئيس “جوزيف بواكاي” بإنشاء محكمة لملاحقة مرتكبي الجرائم الاقتصادية والانتهاكات خلال الحرب الأهلية.
– تجذُّر الفساد نتيجة المحسوبية والتبعية والفساد الإداري وحرمان المواطنين من حقوقهم.
– تعزيز قوانين مكافحة الفساد وتحفيز المُبلِّغين وحمايتهم.
بقلم: سامبسون كواركي*
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
أدَّى الفساد، الذي كان عاملًا رئيسيًّا في الحرب الأهلية التي استمرت 14 عامًا في ليبيريا، إلى اندلاع الأزمة السياسية الحالية التي تُهدِّد استقرار البلاد.
وقد أكَّدت المحكمة العليا في ليبيريا، 23 أبريل 2025م، شرعية رئيس مجلس النواب “جوناثان فوناتي كوفا”. وتأتي هذه الخطوة بعد أشهر من الأزمة السياسية التي اندلعت بسبب التصويت على إقالة “كوفا”؛ بسبب مزاعم التلاعب والتجاوزات في الميزانية، وتضارب المصالح الذي يشمل مكتب المحاماة الخاص به ووكالات الدولة.
انتخب المُشرِّعون، الذين شكَّلوا “كتلة الأغلبية”، “ريتشارد كون” ليحل محل “كوفا”؛ حيث يزعمون أن مكتب “كوفا” تجاوز مخصصاته البالغة 1.5 مليون دولار أمريكي بأكثر من 4 ملايين دولار في عام 2022م وحوالي 3 ملايين دولار في عام 2023م؛ ولا يمكن تبرير زيادة هذه المبالغ.
وأدَّى هذا الوضع إلى تعطيل العمل التشريعي، وإثارة الاحتجاجات، وإشعال الحرائق في مبنى الكابيتول. وهذا ما يُسلِّط الضوء على عزم ليبيريا على القضاء على أحد الأسباب المباشرة للحرب الأهلية 1989- 2003م، والمتمثل في الفساد والإفلات من العقاب، مع الحاجة الماسَّة إلى تعزيز جهود مستمرة لمكافحة الفساد.
كانت “مكافحة الفساد وإضفاء الطابع المؤسسي على الحكم الرشيد” من بين الأهداف الرئيسية لاتفاق السلام الشامل لعام 2003م، الذي أنهى الصراع في ليبيريا. وقد تعزَّزت هذه الأهداف من خلال توصيات لجنة الحقيقة والمصالحة، وجعلتها الحكومات المتعاقبة في فترة ما بعد الحرب ركائز لبرامجها، على الأقل رسميًّا.
ليبيريا ومؤشر مدركات الفساد:
احتلال ليبيريا المرتبة الأخيرة في مؤشر مدركات الفساد، دفع إلى إنشاء لجنة الحوكمة في عام 2007م، ولجنة مكافحة الفساد في ليبيريا في عام 2008م، واللجنة العامة لمراجعة الحسابات في عام 2014م. كما تم تعديل قانون “لجنة مكافحة الفساد”؛ من أجل مَنْحها صلاحيات مباشرة للملاحقة القضائية، عام 2022م، عطفًا على اعتماد قانون بشأن المبلغين عن المخالفات، وقانون آخر بشأن حماية الشهود لتسهيل الإبلاغ عن الفساد.
في أبريل 2024م، صوَّتت الجمعية التشريعية لصالح اقتراح الرئيس “جوزيف بواكاي” بإنشاء محكمة لجرائم الحرب والجرائم الاقتصادية؛ من أجل محاكمة مرتكبي الانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية.
على الرغم من هذه الجهود، لا يزال الفساد راسخًا في ليبيريا، التي تحتلّ باستمرار مرتبة متدنية في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية. وكانت النتيجة أقل من 40، وانخفضت منذ عام 2013م.
تشير المقابلات التي أجراها “معهد الدراسات الأمنية” إلى ثقافة المحسوبية وانعدام الإرادة السياسية لضمان المساءلة الجنائية في قضايا الفساد. إن ضعف المؤسسات أو حتى عجزها يُعدّ أيضًا من بين الأسباب التي تتجاوز الحكومات المختلفة.
تجذر الفساد في ليبيريا على الرغم من الأُطُر التشريعية والمؤسسية القائمة:
أقرت “إلين جونسون سيرليف”، أول رئيسة في فترة ما بعد الحرب، بهذه التحديات في عام 2016م، لكنها استمرت. وأشارت إلى أن حكومتها “لم تحترم بالكامل التزامها بمكافحة الفساد (….) بسبب التبعية وعدم الأمانة التي نجمت عن سنوات من الحرمان وسوء الإدارة”. لقد هزَّت فضائح الفساد حكومتها، بما في ذلك تلك الناجمة عن التحقيقات التي أجرتها اللجنة العامة لمراجعة الحسابات، والتي لم تتم ملاحقتها قضائيًّا.
واجَه “جورج ويا”، خليفة “سيرليف”، انزعاجًا عامًّا بعد عدة فضائح تتعلق بمساعديه. كما كان الحال في عهد سيرليف، كانت التعيينات المستندة إلى العلاقات السياسية والشخصية في عهد “ويا” تعني أن المعينين لم يُحاكَموا بتهمة الفساد. ورغم ذلك، يجادل البعض بأن تفشي الفساد في ظل ولاية “ويا” هو السبب الذي أدَّى إلى هزيمته الانتخابية في نوفمبر 2023م.
في أغسطس 2022م، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على المسؤولين الليبيريين ناثانيل ماكجيل، وسيما سيرينيوس سيفوس، وبيل تويهواي بتهمة الفساد. كما عُوقِب وزير المالية السابق “صموئيل تويا” في ديسمبر 2023م، بالإضافة إلى عضوين في مجلس الشيوخ، ورئيس بلدية مونروفيا جيفرسون كويجي، بتهمة الفساد، وفي حالة كويجي، بتهمة انتهاك حقوق الإنسان.
جملة من القضايا لم تخضع أيٌّ منها للمحاكمة، مما أثار انتقادات ضد “لجنة مكافحة الفساد”. غير أن هذا الوضع يعكس القيود على الموارد والقدرات، فضلاً عن عدم الاستقلال السياسي والمالي الذي تُواجهه اللجنة وغيرها من مؤسسات مكافحة الفساد، ولا سيما اللجنة العامة لمراجعة الحسابات.
على غرار أسلافه، جدَّد بواكاي وعده بمكافحة الفساد. ففي فبراير أوقفت الحكومة أكثر من 450 مسؤولاً حكوميًّا، مِن بينهم وزيرا الصحة والتعليم، وكبار المسؤولين، بتهمة تقويض “جهود مكافحة الفساد والمساءلة” بعدم الإعلان عن ممتلكاتهم.
انتقادات ضد بوكاي لإيقافه بعض المسؤولين الحكوميين بسبب الفساد بشكل انتقائي:
ورغم ذلك، اتُّهِمَ الرئيس بالتحيُّز؛ لأنه أوقَف بعض المسؤولين فقط عن العمل، وليس جميع الأشخاص المذنبين.
وتواجه أجندة مكافحة الفساد في بواكاي تحديات أخرى؛ حيث كان تعيين جوناثان ماساكوا رئيسًا لمكتب المحكمة الخاصة بجرائم الحرب والجرائم الاقتصادية، وهي الهيئة المسؤولة عن إعداد الأساس القانوني لإنشاء المحكمة مثيرًا للجدل؛ لأن “ماساكوا” كان الممثل القانوني لآغنيس تايلور، زوجة الرئيس السابق المدان تشارلز تايلور.
ولا يزال القضاء على الفساد وإضفاء الطابع المؤسسي على الحوكمة الرشيدة من الضرورات الحيوية في مرحلة ما بعد الحرب. ولا يكفي وَضْع أُطُر لمكافحة الفساد لتحقيق ذلك، وإنما يتعين على أصحاب المصلحة معالجة ثقافة المحسوبية، وتعزيز المساءلة الجنائية عن الفساد، وإزالة العقبات السياسية والمالية التي تَحُول دون الفعالية المؤسسية.
تُتيح الأزمة السياسية الحالية، التي تستند إلى مزاعم الفساد، فرصة لليبيريا أيضًا لتقييم التقدم الذي أحرزته في مجال الحكم الرشيد ومكافحة الفساد ومضاعفة جهودها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهامش:
*سامبسون كواركي، مدير مشروع مكافحة الفساد للدول الساحلية في غرب إفريقيا، المكتب الإقليمي لغرب إفريقيا والساحل.
رابط المقال:










































