تُمثل زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى لاسعانود في 16 يناير 2026 – وهي الأولى لرئيس صومالي في منصبه منذ 42 عامًا – تصعيدًا محسوبًا في استراتيجية مقديشو لاستعادة الأراضي، مما يُشكل تحديًا مباشرًا لسيادة صوماليلاند الفعلية ويُعقّد جهودها للاعتراف الدولي.
وهكذا برزت لاسعانود كمركز محوري لإعادة تشكيل الصومال على المستويين الإقليمي والفيدرالي، مما أدى إلى تغيير جذري في ديناميكيات القوة في منطقة القرن الأفريقي وما وراءها.
وتتجلى أهميتها الجيوستراتيجية من خلال العديد من الأبعاد العسكرية والإدارية والسياسية القبلية، فضلاً عن تنافس القوى الكبرى. ويمثل إنشاء ولاية شمال شرق الصومال في منتصف عام 2025، وعاصمتها لاسعانود، التحدي الأكبر لسيطرة صوماليلاند على أراضيها التي دامت قرابة ثلاثة عقود، وإعادة ضبط التوازن الفيدرالي في الصومال الموحد.
ومن خلال دمج مناطق صول وصناج وكاين (SSC) في هيكل فيدرالي رسمي، حقق الرئيس حسن شيخ محمود ما عجزت عنه القوة العسكرية وحدها: التبعية السياسية للأراضي المتنازع عليها ضمن إطار فيدرالي موالٍ لمقديشو.
ولا يخفى أن هذه الخطوة تحول لاسعانود من ساحة معركة هامشية إلى المركز الإداري للولاية السادسة في النظام الاتحادي الصومالي، ببرلمان مؤلف من 83 عضواً، ودستور معتمد، واعتراف رسمي اعتباراً من أغسطس 2025.
ولعل الحسابات الاستراتيجية هنا واضحة: فمن خلال إضفاء الطابع الرسمي على السلطة الاتحادية على قوات صول وصناج وكاين عبر الجهاز المؤسسي للاسعانود، تقوّض مقديشو مشروع سيادة صوماليلاند على المنطقة ، بينما تُرسّخ من جهة أخرى قاعدة قوة تُقيّد مطالبات ولاية بونتلاند التاريخية وامتداد صوماليلاند الإقليمي.
توازن قوى جديد بين الأخوة الأعداء:
يعيد إعلان ولاية الشمال الشرقي تشكيل التنافس الثلاثي (الصومال وصوماليلاند وبونتلاند) بإضافة ضلع رابع، ولكل منهم مصالح متضاربة في مستقبل لاسعانود.
بالنسبة لولاية بونتلاند، التي طالبت تاريخياً بمنطقة صول عبر قرابة قبيلة دولبهنتي ودعمها العسكري لحركات المقاومة، تم تهميشها فعلياً عندما عززت القوات الاتحادية سيطرتها بعد عام 2023.
وبدلاً من إعادة تأكيد سلطتها، سمحت سلبية بونتلاند لمقديشو بملء الفراغ، وهو خطأ استراتيجي فادح ترك بونتلاند معزولة حيث فقدت نفوذها لصالح إقليم جديد في شمال شرق البلاد التي تسيطر عليها قوى ذات ميول وحدوية مستقلة.
في غضون ذلك، تواجه صوماليلاند أزمة شرعية: فقد انهار وجودها الإداري الذي دام ثلاثة عقود في لاسعانود في فبراير 2023 عقب انتفاضة دولبهنتي، ويؤثر إنشاء سلطة اتحادية منافسة لاحقاً بشكل مباشر مع جهود هرجيسا الخاصة بالاعتراف الدولي. حتى اعتراف إسرائيل في ديسمبر 2025 لم يكن كافياً لمنع دمج الأراضي المتنازع عليها في النظام الاتحادي.
ويبدو أن تحولات النظام السياسي في صوماليلاند وهيمنة القبيلة الواحدة أفضت إلى هذه الأزمة. إذ يلاحظ أن الانتخابات الرئاسية المتتالية في صوماليلاند أعوام 2010 و2017 و2022 شهدت هيمنة ساحقة لعشيرة إسحاق على المنصب الأعلى وأجهزة السلطة. في 2010 و2017، كان جميع المرشحين الرئيسيين من إسحاق، فتحول الاستحقاق الانتخابي إلى تنافس داخلي على توزيع السلطة والموارد بين فروع العشيرة الواحدة.
اضطر الرؤساء المنتخبون من هذه العشيرة إلى تلبية مطالب الكتل والنخب النافذة داخل إسحاق، ما أدى إلى توازن قوى محصوراً في أفرادها، مع منح المناصب الوزارية وقيادة الجيش والشرطة والأمن بشكل حصري تقريباً لأفراد الإسحاق المقربين والمتحالفين معهم من نفس العشيرة. وحتى منتصف 2023، استمرت هذه الصيغة في السيطرة على المشهد السياسي الإداري، حيث يتمتع الإسحاق بنفوذ يفوق بكثير نسبتهم الديموغرافية الفعلية—بينما ظلت قبائل أخرى مثل دولبهنتي وورسنجلي في مراتب ثانوية من المشاركة السياسية والأمنية. غير أن انتخابات 2022-2024 (وخاصة حملة 2023-2024) شهدت ضغوطات متزايدة من المناطق الهامشية وقبائل الأقلية للمشاركة الحقيقية، بل وترشيح مرشحين من خارج إطار إسحاق، مما أعاد إثارة النقاش حول شرعية هذا النموذج السياسي الضيق وقدرته على الاستقرار في سياق تصعيد لاسعانود والتنافسات الإقليمية.
على النقيض من ذلك، حققت مقديشو انتصاراً جيوسياسياً كبيراً: إذ أن دمج لاسعانود في النظام الاتحادي يعيد تأكيد السيادة الوطنية، ويعزز تقاسم السلطة الاتحادية القائم على أساس عشائري، ويخلق حاجزاً ضد كل من النزعة الانفصالية في صوماليلاند ونزعات بونتلاند نحو الحكم الذاتي.
وتجدر الإشارة إلى أن رئيس صوماليلاند، عبد الرحمن محمد عبد الله عيرو أدان خطوة اعلان الإقليم الجديد ووصفه بأنه “استفزاز وغزو”، داعيًا المواطنين للدفاع عن أراضيهم، ومعلقًا الحوار مع الصومال.
ففي خطاب ألقاه في هرجيسا، أعاد عيرو صياغة مفهوم صوماليلاند، ليس بكونها كيان انفصالي، بل بحسبانها “دولة ذات سيادة مهددة”، مستشهداً بسردية الاستقرار الديموقراطي، ومساهماتها في مكافحة القرصنة، ودورها الأمني في القرن الأفريقي، لتعزيز مطالب الاعتراف بها.
هذا التحول في الخطاب السياسي الصومالي من مختلف الفرقاء يحوّل لاسعانود من نزاع هامشي إلى إقرار وجودي في عمليات إعادة اختراع الصومال وهندسته الجيوستراتيجية.
تحديات القبلية السياسية:
إن المكانة المحورية لعشيرة دولبهنتي في سياسة لاسعانود تُضفي الشرعية على تكريس دعائم ولاية الشمال الشرقي ولكنها تُقيّده في آن واحد.
وكما ذكرنا آنفا فقد أشعل رفض دولبهنتي لحكم صوماليلاند الذي يهيمن عليه الإسحاق شرارة انتفاضة 2023، مما يُشير إلى وجود مطلب محلي حقيقي لتقرير المصير.
ومع ذلك، فإن التكامل الفيدرالي عبر المعينين من قبل الرئيس حسن شيخ – ولا سيما العودة المثيرة للجدل للزعيم السابق للجنة الأمنية العليا – خاتمو، عبد القادر أحمد كرئيس لولاية شمال شرق البلاد – يثير مخاوف من أن تعمل الإدارة الوطنية للشرق كمجرد تابع لفيلا صوماليا بدلاً من كونها سلطة محلية حقيقية.
وبالفعل كانت هناك احتجاجًات على إجراءات التعيين البرلمانية في ولاية شمال شرق الصومال، مما يشير إلى تشرذم وانقسام النخب واحتمالية عدم الاستقرار.
ويمكن الخلوص إلى نتيجة مفادها أنه بالنسبة للفيدرالية الصومالية الأوسع، يُجسد نموذج لاسعانود مفارقة: فتقاسم السلطة الرسمي مع العشائر المهمشة (دولبهنتي) والمناطق يُعزز الشرعية الديمقراطية، إلا أن آليات السيطرة من المركز في مقديشو تُقوّض هذه الشرعية وتُثير اتهامات بالمركزية التسلطية الجديدة.
التداعيات الكبرى:
يمثل اندماج لاسعانود في النظام الفيدرالي انتصارًا تكتيكيًا للوحدة الوطنية الصومالية، ولكنه يُخفي هشاشة مؤسسية أعمق. إذا ما توطدت ولاية شمال شرق الصومال من خلال تمكين محلي حقيقي وتقاسم الإيرادات، فقد تُصبح نموذجًا لإدارة مناطق الهامش وتعزيز الفيدرالية.
في المقابل، إذا أدى تدخل مقديشو إلى مزيد من الانشقاقات بين النخب والتمردات العسكرية، فإن لاسعانود تُصبح ساحة حرب بالوكالة غير مستقرة، تجذب إليها القوى الإقليمية المتنافسة، بينما تستغل حركة الشباب الإرهابية الخلل الوظيفي في النظام الفيدرالي من أجل تمددها وكسب مزيد من الأراضي. على أن الأمر الأكثر إثارة للقلق على الاستقرار الإقليمي هو سابقة هذا الوضع: فبينما تُفكر إثيوبيا في الاعتراف بصوماليلاند مقابل الوصول إلى ميناء بربرة، ومع اشتداد التنافس الاقليمي على النفوذ في القرن الأفريقي، يُصبح الوضع الفيدرالي في لاسعانود نقطة ضغط للقوى الخارجية ولاسيما إسرائيل التي تسعى إلى تفتيت الصومال بدلاً من توحيده.
وختاما، يمكن القول أن لاسعانود تحولت من منطقة هامشية متنازع عليها إلى نقطة محورية تلتقي فيها الفيدرالية الصومالية، وسعي صوماليلاند للاعتراف الدولي، وتوجهات الحكم الذاتي لدى بونتلاند، والتنافس العالمي بين القوى الكبرى، مما يجعل مسارها السياسي ربما يكون الأكثر أهمية لإعادة تشكيل الصومال، بل والقرن الإفريقي خلال العقد القادم.











































