قراءات إفريقية
موجةٌ جديدة من الانقلابات شهدتها إفريقيا خلال الأسابيع الأخيرة، انقلابان ناجحان وانقلابٌ فاشل، في غضون ثمانية أسابيع. في أكتوبر الماضي أطاح الجيش في مدغشقر بالرئيس بعد أسابيع من الاحتجاجات، وفي نوفمبر أطاح جنود في غينيا بيساو برئيس الدولة خلال الانتخابات الرئاسية وقبل إعلان النتائج اعتبروها مزوّرة، وفي أوائل ديسمبر أعلن بعض الجنود الذين أطلقوا على أنفسهم اسم «اللجنة العسكرية للتجديد» استيلاءهم على السلطة في بنين أيضاً، لكنهم اعتُقلوا في النهاية بعد تدخّل الحرس الرئاسي وقوى إقليمية.
لقد شكّلت الانقلابات العسكرية أحد أبرز ملامح التاريخ السياسي الإفريقي بعد الاستقلال، فمنذ ستينيات القرن الماضي، ارتبط اسم إفريقيا– في المخيال السياسي العالمي– بسلسلةٍ متتابعة من الانقلابات العسكرية، حتى أصبح «الانقلاب» أحد أكثر أدوات التغيير السياسي شيوعاً في القارة، فخلال العقود الثلاثة الأولى بعد الاستقلال، شهدت إفريقيا أكثر من نصف الانقلابات العسكرية التي وقعت في العالم. وقد ارتبطت هذه الظاهرة بعوامل بنيوية، من أبرزها هشاشة الدولة الوطنية، وضعف المؤسسات المدنية، وتسييس الجيوش، فضلاً عن الإرث الاستعماري الذي ترك دولاً بحدود مصطنعة، ونخباً سياسية غير متجذرة اجتماعياً.
وعلى الرغم من التراجع النسبي للانقلابات خلال عقدَي التسعينيات والألفية الأولى، مع انتشار الانتخابات التعددية والدساتير الجديدة، فإن العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين شهد عودةً قوية لهذه الظاهرة، في دولٍ مثل مالي، غينيا، بوركينا فاسو، النيجر، الغابون، غينيا بيساو، مدغشقر.
الموجة الجديدة من الانقلابات التي شهدتها إفريقيا منذ عام 2020م، تطرح أسئلةً مختلفة؛ فهي لا تأتي في سياق التحرر من الاستعمار المباشر، ولا في ظل صراعات الحرب الباردة، بل في عالمٍ يُفترض أنه انتقل إلى مرحلة ترسيخ نظم الحكم الرشيد والمؤسسات الدستورية. وهذا ما يجعل هذه الانقلابات أكثر دلالةً على فشل نماذج الحكم المدني نفسها، لا مجرد عودة للحكم العسكري بوصفه خياراً سلطوياً تقليدياً.
تعكس عودة الانقلابات، في السنوات الأخيرة، ضعف مؤسسات المجتمع المدني، وتفاقم المظالم الاجتماعية والاقتصادية، والإحباطات من تعامل الحكومات المدنية مع الأزمات الأمنية. في العديد من الدول، حيث لا تزال الجيوش منخرطةً بعمق في السياسة اليومية، غالباً ما توجد الأزمات مبرراً للعسكر للتدخل وإقصاء الحكم المدني؛ بحجة الفشل وسوء إدارة هذه الأزمات.
بشكلٍ عام؛ يمكن ملاحظة ثلاثة دوافع هيكلية متكررة للانقلابات ومحاولات الانقلاب: الضغوط الاقتصادية، والأزمات الأمنية (كما هو الحال منذ سنوات في منطقة الساحل)، وكذلك التوترات المحيطة بالانتخابات (كما حدث مؤخراً في غينيا بيساو)، حيث تزيد الانتخابات من المخاطر، خاصةً عندما يرغب شاغلو المناصب في الاحتفاظ بالسلطة أو عندما تكون المؤسسات ضعيفة.
هذه الانقلابات شهدت حالةً من التعاطف الشعبي، خاصةً من الشباب، نظراً لأن المواطن الإفريقي أصبح يرى أن الانتخابات هي مجرد طقس دوري لإعادة إنتاج النخب الفاسدة نفسها، فعندما يفقد الناس الأمل في أن «الصندوق» يمكن أن يُغيّر واقعهم المعيشي؛ يبدؤون في النظر إلى «البندقية» كأداة تغيير وحيدة ممكنة، وعندما يقوم رئيس مدني بتعديل الدستور لتمديد فترات حكمه فإنه يرتكب «انقلاباً قانونياً»، هذا الفعل يكسر العقد الاجتماعي، ويجعل تحرك الجيش يبدو في نظر الشارع وكأنه «رد فعل» شرعي على خرق الرئيس للقانون.
الانقلابات هي «عَرَض» لمرضٍ أعمق، وهو أزمة الحكم في إفريقيا، وبينما قد توفر العسكرية استقراراً مؤقتاً أو شعوراً بالكرامة الوطنية؛ فإن التاريخ يعلمنا أن الحكم العسكري غالباً ما ينتهي بدوراتٍ جديدة من العنف؛ ما لم يتحول إلى مشروع بناء دولة حقيقي.
شرعية الدبابة مهما بدت جذابةً في لحظات الانهيار؛ تظل شرعيةً مؤقتة وهشّة. فالقوة العسكرية لا تنتج شرعيةً مستدامة، بل سرعان ما تتحول من أداة «إنقاذ» إلى وسيلة احتكار للسلطة. وتاريخ إفريقيا حافلٌ بأمثلة قادة عسكريين وصلوا إلى الحكم تحت شعارات وطنية كبرى، ثم انتهوا إلى تكريس أنظمةٍ استبدادية أكثر قسوةً من سابقتها.
إنّ مستقبل القارة يعتمد على قدرة النخب الإفريقية على ابتكار نموذج حكم ينبع من خصوصيتهم، ويحقق الأمل والأمن معاً، بعيداً عن صخب المدافع أو وعود الصناديق الفارغة. ولكيلا يصبح الانقلاب مجرد حلقة في سلسلةٍ من الفشل؛ فإنه يجب أن يتحول إلى «مرحلة انتقالية حقيقية»، تهدف إلى بناء مؤسسات لا ترتبط بالأشخاص.
«الاستقلال السياسي» الذي نالته دول القارة، في منتصف القرن الماضي، كان استقلالاً منقوصاً، لأنه لم يتبعه «استقلال فكري» في ابتكار أنظمة الحكم، لقد ورثت النخب الإفريقية هياكل الدولة الاستعمارية، وحاولت تشغيلها بـ«كتيبات تعليمات» غربية، فكانت النتيجة هي ما نراه اليوم من انفصالٍ تام بين الدولة والمجتمع، وفشل مشاريع الإصلاح والنهوض، وباتت الحاجة ملحّة لابتكار «مشروع جديد».
هذا المشروع يتطلب:
– صياغة عقد اجتماعي جديد: لا يقتصر على الانتخابات، بل يضمن توزيعاً عادلاً للثروة، واعترافاً بالتنوع العرقي والمجتمعي.
– إصلاح المؤسسة العسكرية: لإعادتها إلى دورها المهني تحت الرقابة المدنية، بدلاً من كونها طرفاً في اللعبة السياسية.
– الاستثمار في الإنسان: التعليم والخدمات الأساسية هي الحصن الوحيد ضد الانقلابات؛ فالمواطن الذي يملك ما يخسره لن يصفّق للدبابة التي تحطم استقراره.
إنّ ما تشهده إفريقيا اليوم هو مخاض عسير، فالانقلابات هي صرخةٌ من «قارة شابة» لم تجد مكانها في المنظومة الدولية القديمة، لكن الدبابة، مهما كانت براقة، تظل أداةً للهدم أو الدفاع، وليست أداةً للبناء والنهضة.
إنّ تحويل الانقلاب إلى مشروع بناء دولة هو أصعب مهمّة سياسية على الإطلاق، لأنها تتطلب من القادة العسكريين أن «ينتصروا على شهوة السلطة» لصالح مستقبل الوطن. التاريخ يعلمنا أن المؤسسات التي لا ترتبط بالأشخاص هي وحدها القادرة على الصمود أمام تقلبات الزمن، وبدون ذلك؛ ستبقى إفريقيا رهينةً لـ«عدوى الدبابات»، حيث يهدم كلُّ قادمٍ جديد ما بناه سلفه، ويظل المواطن يبحث عن الأمل والأمن في دائرةٍ مفرغة.
إنّ بناء الدولة الحقيقي يتطلب الانتقال من «شرعية الدبابة» إلى «شرعية المؤسسات»، والانتقال إلى «شرعية المؤسسات» يعني تحويل الولاء من «الجندي الذي يحمل البندقية» إلى «النظام الذي يحمي الجميع»، بناء الدولة الحقيقي يبدأ عندما يصبح «القانون» أقوى من «الجنرال».
إنّ الفرق بين «الدولة الفاشلة» و«الدولة الناجحة» في إفريقيا ليس في كمية السلاح التي يمتلكها الجيش، بل في مدى قدرة المؤسسات المدنية على البقاء صامدةً عندما يصمت الرصاص، بناء الدولة الحقيقي هو الذي يجعل «الرصاصة» في خدمة «المؤسسة»، وليس العكس.
تعيش إفريقيا اليوم لحظةً مفصلية؛ فإما أن تستمر في الدوران داخل حلقة مفرغة من الانقلابات والفشل المؤسسي، وإما أن تنجح في تحويل أزماتها إلى فرصةٍ لإعادة بناء الدولة على أسسٍ جديدة. والانتقال من شرعية الدبابة إلى شرعية المؤسسات ليس مجرد خيار سياسي، بل هو شرط أساسي للاستقرار والتنمية.
قد تبدو الطريق طويلةً وشاقة، لكن التجارب الناجحة- وإن كانت محدودة- تُثبت أن بناء المؤسسات ممكن حين تتوافر الإرادة السياسية، ويجري الاستثمار في الإنسان، لا في أدوات القمع.
…………………………………………………………………
المصدر: مجلة قراءات إفريقية- افتتاحية العدد (67)










































