ضمن المساعي الروسية لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في إفريقيا؛ أعادت روسيا الحديث عن افتتاح سفارة لها في جزر القمر؛ تلك الدولة الواقعة شرق القارة الإفريقية؛ حيث من المتوقع أن تُفتَتح هذه السفارة في عام 2026م.
تأتي هذه الخطوة في سياق إستراتيجية موسكو لتوسيع نفوذها في القارة الإفريقية، وتعميق علاقاتها الثنائية مع الدول الإفريقية، وخصوصًا تلك التي تبحث عن بدائل للشراكات الغربية التقليدية. فقد أعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف عن رغبة بلاده في فتح سفارة في جزر القمر في أوائل عام 2025م، ضمن سلسلة بعثات دبلوماسية جديدة أعلنت عنها روسيا في ذلك الوقت بعددٍ من الدول الإفريقية تشمل: غامبيا، وليبيريا، وتوغو، وجزر القمر. وتهدف روسيا من وراء هذه السفارة المرتقبة إلى تعزيز التعاون طويل الأمد مع جزر القمر، والذي يعود إلى عام 1976م؛ حيث كانت روسيا تُدير علاقاتها ومصالحها مع جزر القمر من خلال سفارتها في مدغشقر.
لذلك، فإن التحوُّل في طبيعة التعامل الروسي مع جزر القمر يثير تساؤلات حول دوافع الرغبة الروسية من وراء افتتاح هذه السفارة، والتي تأتي ضمن سعيها لتعزيز حضورها الإستراتيجي في المحيط الهندي، والقيام بالأعمال الدبلوماسية المباشرة مع الدول الصغيرة التي تمتلك موقعًا جغرافيًّا حيويًّا. فالانتقال من إدارة العلاقات عبر سفارتها في مدغشقر إلى وجود دبلوماسي مباشر يعكس رغبة موسكو في تعميق النفوذ السياسي والاقتصادي، وتأمين فرص استثمارية جديدة في قطاعات مثل الطاقة والسياحة والبنية التحتية، مع إمكانية توسيع نطاق التعاون الأمني والدبلوماسي بعيدًا عن الوسطاء؛ مما يجعل من جزر القمر منصة للتفاعل الإقليمي وتعزيز موقف روسيا في مواجهة النفوذ الغربي والصيني.
لذلك تناقش هذه الورقة الدوافع الروسية لافتتاح سفارة لها في جزر القمر من خلال المحاور التالية:
- أولًا: دوافع متعددة: جزر القمر مسرح دبلوماسي جديد لموسكو.
- ثانيًا: السفارة الروسية المرتقبة: تداعيات داخلية وخارجية.
- ثالثًا: السيناريوهات المستقبلية: فرص ومخاطر.
أولًا: دوافع متعددة: جزر القمر مسرح دبلوماسي جديد لموسكو
يُعدّ القرار الروسي بافتتاح سفارة في جزر القمر خطوة إستراتيجية تتجاوز مجرد التوسع الدبلوماسي؛ حيث يأتي هذا القرار متماشيًا مع حملة موسكو لإعادة فتح وإنشاء بعثات دبلوماسية في دول عدة بإفريقيا؛ من بينها إعادة افتتاح سفارات في بوركينا فاسو وغينيا الاستوائية، بما يتوافق مع هدفها في تنويع شراكاتها الدولية، لا سيما في المناطق التي تبحث فيها الدول الصغيرة عن بدائل للتحالفات الغربية التقليدية.
ومن خلال تعزيز وجودها الدبلوماسي؛ تسعى روسيا لأنْ تصبح لاعبًا رئيسيًّا في الجغرافيا السياسية الإفريقية، خصوصًا في المنطقة الإستراتيجية للمحيط الهندي. وتشمل الخطط دولًا مثل: النيجر، وسيراليون، وتوغو، وليبيريا، وغامبيا، وجنوب السودان؛ لذلك فإن دوافع روسيا من وراء الإعلان عن افتتاح سفارة لها بجزر القمر تنطلق من توجهات جيوسياسية كالتالي:
1-الموقع الإستراتيجي والقرب من الممرات المائية الدولية:
تقع جزر القمر على طول قناة موزمبيق، وهي واحدة من أكثر الممرات البحرية أهمية في النصف الشرقي من القارة الإفريقية؛ إذ يُعدّ هذا الممر شريانًا حيويًّا للتجارة العالمية، خاصةً ناقلات النفط والغاز؛ حيث يمر بها سنويًّا (500) مليون طن من النفط، وهو ما يُمثّل (30%) من حجم ناقلات النفط العالمية. وبالتالي، فإن وجود سفارة لها بالقرب من هذا الممر الدولي يمنحها موطئ قدم في شرق القارة، ويجعلها تستمر في التنافس مع القوى العظمى على الممرات المائية الدولية، بما في ذلك خطوط الشحن العابرة من آسيا إلى أوروبا.
أيضًا، يُمثّل الوجود الروسي في جزر القمر بوابة خلفية أخرى للوجود بالقرب من تنزانيا التي تبرز كمركز للطاقة والخدمات اللوجستية، وجزيرة مايوت التي تُعدّ نقطة نزاع دولي بين فرنسا وجزر القمر، مما يمنح روسيا نفوذًا سياسيًّا.
إضافةً إلى ما سبق، تُعدّ جزر القمر حالة مغايرة للدول التي ما تزال خارج نطاق التنافس المباشر بين القوى الكبرى، وهو ما يُتيح لروسيا فرصة صياغة رؤية إستراتيجية بعيدة المدى.
هذه الرؤية تُمكِّن موسكو من ترسيخ حضور مدروس في محيط ممرات الشحن الدولية الحيوية القريبة من جيبوتي وسيشل، وهي مناطق تشهد كثافة عالية للقواعد العسكرية التابعة لقوى دولية فاعلة مثل فرنسا، والولايات المتحدة، والهند، والصين، بما يفتح المجال أمام روسيا للعب دور مُؤثر ضمن معادلات الأمن البحري والتوازنات الجيوسياسية في المنطقة.
2-إكمال “السلسلة الجيوسياسية” من البر إلى البحر:
لا يمكن النظر إلى التحرُّك الروسي في جزر القمر باعتباره خطوة منفصلة عن السياسة الروسية في إفريقيا، بل يأتي ضمن الإطار العام للمشروع الجيوسياسي الذي تنتهجه موسكو، والقائم على تعزيز الربط بين غرب القارة وشرقها من خلال اتفاقيات متعددة تهدف إلى توسيع الشراكات في مختلف المجالات. يمنح هذا المشروع روسيا وجودًا ثلاثي الأبعاد: بري عبر الشراكات في وسط إفريقيا، ودبلوماسي عبر السفارات، وبحري من خلال إيجاد موطئ قدم لها بالقرب من قناة موزمبيق والموانئ البحرية.
وفي هذا السياق، تعمل روسيا على مدّ جسور التواصل بين دول غرب ووسط إفريقيا مثل بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وبين دول شرق القارة المُطِلَّة على المحيط الهندي أو القريبة منه، ومنها السودان وكينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وتنزانيا وإريتريا ومدغشقر وجزر القمر. ويتم ذلك عبر ترتيبات واتفاقيات تمنح موسكو مكاسب إستراتيجية، وتتيح لها إنشاء حلقات وصل بين غرب وشرق إفريقيا عبر الموانئ والمسارات البحرية(*)؛ بما يُعزّز حضورها البحري والتجاري في نطاق جغرافي واسع من القارة([1]). لذلك يُنْظَر لجزر القمر على أنها الموقع الجغرافي الذي تنتهي هذا المشروع.
3-تعزيز التنسيق الدبلوماسي في الأمم المتحدة:
تعمل موسكو على تنسيق مواقفها مع جزر القمر داخل المحافل الدولية، ولا سيما في الأمم المتحدة؛ بهدف كسب دعم سياسي لمواقفها العالمية مقابل إسنادها للقضايا الإفريقية. يأتي هذا النهج في إطار تبادل دبلوماسي يسعى إلى ضمان تأييد الدول الإفريقية لروسيا، خاصةً في ظل حالة الاستقطاب الدولي التي أعقبت الحرب في أوكرانيا عام 2022م؛ حيث اتجهت دول إفريقية عديدة إلى الامتناع عن التصويت أو معارضة القرارات التي تدين موسكو.
وضمن إطار التنسيق الدبلوماسي؛ كانت جزر القمر من الدول التي ساعدت روسيا في التغلُّب على مشكلة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والغرب عليها منذ اندلاع حربها مع أوكرانيا. فقد استفادت روسيا من الموقع الإستراتيجي لجزر القمر في إطار مساعيها للالتفاف على العقوبات النفطية الغربية؛ فمنذ عام 2022م، برز تصاعد ملحوظ في تسجيل ناقلات نفط مرتبطة بروسيا تحت عَلم جزر القمر، مما وفَّر لها قناة قانونية مَرِنة لتسهيل حركة شحناتها النفطية خارج منظومات العقوبات الغربية([2]).
أيضًا تتخذ روسيا موقفًا ثابتًا من قضية جزيرة “مايوت” باعتبار الجزيرة ملكًا لجزر القمر، وذلك منذ إقامة العلاقات بين البلدين عام 1976م، واعتبار أيّ وجود فرنسي في الجزيرة بأنه غير قانوني، ويهدف لعسكرة القضية([3]). كما قامت جزر القمر بسحب اعترافها حول استقلال كوسوفو تلك القضية التي تمسّ المصالح الروسية؛ مما جعل الخارجية الروسية تَعتبر ذلك دليلًا على نَهْج مسؤول قائم على القانون الدولي مِن قِبَل جزر القمر.
4-توسيع آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري:
تسعى روسيا اقتصاديًّا إلى زيادة التجارة والاستثمار والتعاون الأمني مع الدول الإفريقية، بما في ذلك جزر القمر؛ وعلى الرغم من أن حجم التجارة الثنائية الحالية بين روسيا وجزر القمر ضئيل؛ إذ يُقدَّر بنحو (250) ألف دولار، إلا أن هناك إمكانات للنمو في قطاعات مثل: صيد الأسماك، والزراعة، وتصدير التوابل([4]).
ترى روسيا أيضًا إمكانية تقديم المساعدة في مجالات مثل: الطاقة المتجددة، وتوفير المياه العذبة، ومشاريع البنية التحتية. وبالنسبة لجزر القمر، قد يُتيح استضافة سفارة روسية الوصول إلى فرص تجارية واستثمارية جديدة؛ إذ يوجد اهتمام متبادل بزيادة حركة السياحة والتبادل التجاري؛ حيث يرى الجانب القمري في السوق الروسية فرصة لجذب سياح واستثمارات جديدة؛ مما يساعد على تنويع اقتصادها وتقليل اعتمادها على الشركاء الغربيين التقليديين.
5-رفع مستوى العلاقات إلى “مستوى إستراتيجي”:
تُجسّد هذه الخطوة محاولة موسكو تعميق علاقاتها الثنائية بشكل مباشر مع “موروني”؛ فاعتماد موسكو سابقًا على سفارتها في مدغشقر لإدارة العلاقات مع “موروني” كان يعني أن جزر القمر لم تكن أولوية مستقلة في السياسة الخارجية الروسية، بل كانت جزءًا من نطاق دبلوماسي أوسع تُدار شؤونه عن بُعْد. وهذا النمط غالبًا ما يَحُدّ من فاعلية المتابعة السياسية، ويُقلّل من القدرة على استشعار التحولات الداخلية وبناء شبكات نفوذ محلية.
أما افتتاح سفارة مباشرة في “موروني”، فيعني أن روسيا قرَّرت رفع جزر القمر إلى مستوى شريك ثنائي قائم بذاته، وليس مجرد ملف فرعي. وهذا يمنح موسكو أدوات أكثر مرونة وعمقًا في إدارة العلاقات السياسية، مثل: التواصل مع مؤسسات الدولة القمرية، والتأثير في النُّخَب السياسية والإدارية، ومتابعة الملفات الاقتصادية والأمنية بشكل مباشر وسريع.
كما أن هذا التحول الإستراتيجي لم يكن مفاجئًا، بل جاء نتيجة تراكم سياسي ودبلوماسي تصاعد خلال الفترة من 2019 وحتى 2023م عبر مشاركة الرئيس القمري “غزالي عثماني” في قمتي “روسيا وإفريقيا”؛ فهذه القمم ليست مناسبات بروتوكولية فقط، بل هي منصات روسية لإعادة بناء شبكة علاقات إستراتيجية مع القادة الأفارقة؛ حيث وضعت تلك الزيارات المجالات التي يمكن من خلالها تعزيز التعاون، وهي: (الأمن والدفاع، والصيد والنقل، والطاقة والزراعة)، بالإضافة إلى تقديم المِنَح الدراسية وافتتاح “البيت الروسي” (مركز ثقافي) في “موروني” عام 2024م.
6-الدوافع العسكرية والأمنية:
تقع جزر القمر على بُعد 300 كيلو متر قبالة سواحل شرق إفريقيا و400 كيلو متر من مدغشقر، بالقرب من قناة موزمبيق؛ وهي ممرّ حيوي في ظل التوترات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتنظر روسيا إلى هذا الموقع كموطئ قدم جيوسياسي لمراقبة التحركات البحرية، ولا سيما الأنشطة الفرنسية حول جزيرة مايوت.
وتندرج خطوة روسيا نحو إقامة سفارة لها في جزر القمر ضمن مقاربة أمنية عسكرية تعكس سعيها لتوسيع حضورها في الفضاء الإفريقي والمحيط الهندي، دون اللجوء إلى أدوات التصعيد المباشر؛ إذ تنظر روسيا إلى الموقع الجغرافي لجزر القمر على أنه نقطة ارتكاز جيوسياسية تقع عند تقاطع طرق بحرية إستراتيجية. فالسفارة المزمع افتتاحها في جزر القمر لا تؤدي وظيفة سياسية تقليدية فحسب، بل تمثل منصة مؤسسية تسمح لموسكو بتنسيق التعاون العسكري والأمني، وبناء قنوات اتصال مع المؤسسات الأمنية القمرية، وجمع المعطيات المتعلقة بالتحركات العسكرية في غرب المحيط الهندي، وبخاصة التحركات الفرنسية في جزيرة “مايوت”.
وفي هذا الإطار، قد تعمل روسيا في مراحل متقدمة على استثمار التوتر القائم بين جزر القمر وفرنسا حول جزيرة “مايوت”؛ لتقديم نفسها كفاعل مُوازن قادر على توفير الدعم الأمني والعسكري لجزر القمر بشروط سياسية أقل تكلفة من الغرب.
7-أخذ خطوات استباقية لتحجيم أيّ تحركات أوكرانية في شرق إفريقيا:
تندرج التحركات الروسية في منطقة المحيط الهندي وشرق إفريقيا ضمن إعادة تموضع جيوسياسي أوسع فرضَته تداعيات حربها مع أوكرانيا؛ حيث تسعى موسكو إلى نقل جزء من صراعها مع الغرب إلى ساحات بعيدة عن أوروبا، مستفيدة من الأهمية الإستراتيجية للمنطقة. وفي هذا الإطار، تعمل روسيا بشكل استباقي من خلال سفارتها التي أعلنت عنها في جزر القمر على محاولة تحجيم أيّ حضور أوكراني ناشئ؛ ليس بوصفه فاعلًا مستقلًّا، بل كامتداد للنفوذ الغربي، مستخدمةً في ذلك مزيجًا من الدبلوماسية المرنة، والدبلوماسية الغذائية، والتعاون الأمني غير التقليدي، بما يسمح لها بتعميق نفوذها دون فرض اصطفافات حادة.
وقد أسهمت هذه المقاربة في دَفْع عدد متزايد من دول شرق إفريقيا والجزر الواقعة في المحيط الهندي إلى تبنّي مواقف تتراوح بين الحياد والامتناع عن التصويت، كما في حالتي كينيا ومدغشقر، أو الجمع بين دعم شكلي لأوكرانيا والانفتاح المتوازي على موسكو، كما في موريشيوس وجزر القمر؛ وهو ما يعكس نجاح روسيا في تقويض الرصيد الدبلوماسي الأوكراني رغم مبادرات مثل “حبوب من أوكرانيا”. وفي السياق ذاته، أعلنت روسيا عن نيتها تقديم تدريب واسع وتعاون أمني مع مدغشقر، مما يعكس إستراتيجية قائمة على بناء نفوذ تراكمي منخفض التصعيد في شرق إفريقيا عبر أدوات مثل التعاون الأمني؛ بهدف تقويض أي حضور أوكراني وتحقيق مكاسب دبلوماسية دون إثارة ردود فعل غربية قوية. هذا النهج يعكس رغبة روسيا في توسيع شبكة علاقاتها الرسمية في المنطقة، بما في ذلك رغبتها في افتتاح سفارة لها في جزر القمر، مما يندرج ضمن مساعيها لترسيخ حضور دائم على خطوط الملاحة الحيوية في المحيط الهندي، وتحويل الفضاء الإفريقي إلى ساحة تنافسية تُمكّنها من موازنة النفوذ الغربي، والحد من قدرة أوكرانيا على تعبئة الدعم الدولي
ثانيًا: السفارة الروسية المرتقبة… تداعيات داخلية وخارجية
ثمة مجموعة من التداعيات التي تترتب على القرار الروسي بفتح سفارة لها في جزر القمر، وذلك على النحو التالي:
1-التداعيات الداخلية على جزر القمر:
يمكن أن يسهم تعزيز العلاقات بين روسيا وجزر القمر -من خلال السفارة المزمع افتتاحها في 2026م- في تنويع العلاقات الدولية لموروني، بالإضافة إلى زيادة المنافع الاقتصادية بين الجانبين؛ فالاتصال المباشر من خلال السفارة سيُعزّز التعاون، مما قد يسهم في زيادة الاستثمارات الروسية في جزر القمر، وخاصةً في قطاع السياحة ومجالات البنية التحتية. ولكن بالرغم من هذه المزايا، إلا أن هناك تداعيات أخرى قد تكون مُرتقبة لهذه الخطوة، منها أن هذا التحرُّك الروسي قد يفتح الباب أمام الانخراط في تنافس بين القوى التي لديها مصالح في منطقة المحيط الهندي؛ مما قد يُعقِّد مواقف “موروني” في قضايا إقليمية، أو يُمارس عليها ضغوطًا سياسية.
2-التداعيات على دول الجوار:
من المتوقع أن يؤدي الوجود الروسي في جزر القمر إلى ردود فِعْل متباينة من الدول الإفريقية المجاورة، ولا سيما دول منطقة المحيط الهندي وشرق إفريقيا، وتشمل الاعتبارات الرئيسية ما يلي:
- تنزانيا وموزمبيق ومدغشقر: قد تنظر هذه الدول، التي تشترك في حدود بحرية أو تقع على مقربة من جزر القمر، إلى تحركات روسيا بعين الاهتمام؛ وهو ما دفَع روسيا إلى اتخاذ خطوة استباقية تجاه مدغشقر عندما أعلنت عن نيتها إقامة تعاون أمني مُكثّف معها. وبينما قد يُرحب بعضها بالاستثمارات الروسية أو التعاون الأمني، قد يَخشى البعض الآخر من تزايد العسكرة أو التنافس على النفوذ.
- الاتحاد الإفريقي: يدعم الاتحاد الإفريقي عمومًا الشَّراكات التي تُعزّز التنمية والاستقرار؛ ومع ذلك، قد يثير التدخل الروسي مخاوف إذا نُظِرَ إليه على أنه يُفاقم التنافسات الجيوسياسية أو يقوّض المبادرات الإفريقية.
التداعيات الدولية: تختلف التداعيات الدولية تجاه هذه الخطوة الروسية باختلاف الرؤى والتوجهات التي تؤثر في سياسة كل طرف من الأطراف الدولية؛ وقد تصبح جزر القمر ساحة جديدة للمنافسة بين القوى الكبرى، مع تأثيرات على الأمن البحري واستغلال الموارد والمحاذاة السياسية الإقليمية. وهذا قد يؤدي إلى زيادة الإنفاق العسكري مِن قِبَل الدول الإقليمية وبروز مشهد دبلوماسي أكثر تعقيدًا؛ حيث تتنقل الدول بين مصالح متنافسة، وذلك وفق التفصيل الآتي:
- الصين: تُعدّ الصين من أكثر الأطراف الدولية فهمًا لطبيعة المشهد الجيوسياسي في المحيط الهندي، خصوصًا بالقرب من جزر القمر. ومن هذا المنطلق، حرصت منذ عام 2024م على بناء تحالفات قوية مع جزر القمر، وارتقت بالعلاقات بينهما إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، كما بادرت بتمويل مشاريع البنية التحتية، لا سيما شبكات النقل والكابلات البحرية.
وفي هذا السياق، قد تنظر الصين إلى التحركات الروسية في المنطقة بنظرة ترقُّب وحذر. وعلى الرغم من أن الصين وروسيا عضوان في تجمع “بريكس” وتتقاطع مصالحهما غالبًا في القضايا الدولية؛ إلا أن اهتماماتهما في إفريقيا قد تختلف أحيانًا؛ فبينما تُركّز الصين على التنمية الاقتصادية ومشاريع البنية التحتية؛ ترى أن الوجود الروسي -وبالأخص العسكري- قد يُعقِّد هذه الجهود من خلال إدخال طبقة جديدة من المنافسة الجيوسياسية. ومع ذلك، قد تَعتبر الصين وجود روسيا فرصة لتحدي الهيمنة الغربية بشكل جماعي، مع ضرورة وجود تنسيق حَذِر لتجنُّب تضارب المصالح المباشر.
- فرنسا: تثير رغبة روسيا في تعزيز الانخراط مع جزر القمر -لا سيما تمثيلها الدبلوماسي الدائم عبر السفارة المزمع افتتاحها في 2026م، واحتمالية إقامة تعاون عسكري-؛ قلق فرنسا بشكل كبير. فوجود روسيا في هذه الجزيرة الإستراتيجية عند الطرف الشمالي لقناة موزمبيق قد يُهدّد النفوذ الفرنسي التقليدي في المحيط الهندي، ويُعقِّد القدرة الفرنسية على مراقبة مسارات التجارة البحرية وضمان التفوق البحري في المنطقة. ففرنسا تُحافظ على وجود عسكري طويل الأمد في المحيط الهندي، يشمل منشآت عسكرية في جزر متفرقة، وتُعد جزر القمر جزءًا مهمًّا من هذا الانتشار. لذلك، فإن أيّ توسع روسي محتمل قد يُضعف القدرة الفرنسية على التحكم في نقاط إستراتيجية بحرية، ويُهدّد الأمن البحري الإقليمي. كما تُبدي فرنسا قلقًا من أن أيّ حضور روسي قد يُقوّض جهودها في تأمين النفوذ الاقتصادي والتجاري، ويؤثر على علاقاتها مع الدول المجاورة مثل موزمبيق وتنزانيا.
وفي السياق ذاته، تتزامن المخاوف الفرنسية مع التحولات الكبرى على الصعيد الدولي، مثل تشكيل تحالف “أوكوس “(AUKUS)، الذي أجبر باريس على التركيز على تعزيز استقلاليتها الإستراتيجية. وفي هذا الإطار، يُنظَر إلى الوجود الروسي في جزر القمر على أنه عامل إضافي قد يُقوِّض قدرة فرنسا على حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية، ويزيد من المخاطر على توازن القوى في المحيط الهندي.( ([5]
الولايات المتحدة: من المتوقع أن يثير التحرك الروسي تجاه جزر القمر قلق الإدارة الأمريكية، التي تنظر إلى المنطقة باعتبارها موقعًا إستراتيجيًّا للتحكُّم في الملاحة البحرية؛ ولذلك سعت واشنطن إلى تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة في مجالات الأمن البحري([6]). لذلك، فإن وجود روسيا في جزر القمر سيُعتبر تحديًا مباشرًا لهذا النظام القائم؛ مما قد يؤدي إلى زيادة المراقبة والضغط الدبلوماسي على جزر القمر، وتكثيف الجهود لتعزيز التعاون الأمني مع شركاء إقليميين آخرين.
الهند: قد تُعقِّد تحركات روسيا في جزر القمر حسابات الهند الإستراتيجية، لا سيما إذا سعت موسكو إلى ترسيخ وجود بحري يُغيِّر موازين القوى في المحيط الهندي.
رابطة دول حوض المحيط الهندي (IORA): بصفتها عضوًا في رابطة دول حوض المحيط الهندي، قد يُعقّد تحالف جزر القمر مع روسيا التعاون الإقليمي؛ لا سيما إذا نُظِرَ إلى الوجود الروسي على أنه تحدٍّ لنفوذ أعضاء آخرين في الرابطة، كالهند وجنوب إفريقيا
ثالثًا: السيناريوهات المستقبلية: فرص ومخاطر
تمثل رغبة روسيا في افتتاح سفارة لها في جزر القمر خطوة دبلوماسية إستراتيجية ذات تداعيات متعددة على المستويات الاقتصادية والسياسية، إقليميًّا ودوليًّا. ويمكن لهذا التحرُّك أن يفتح أبوابًا لسيناريوهات متباينة؛ منها ما يدعم خلق شراكات جديدة للتعاون، ومنها ما قد يضع جزر القمر أمام تحديات تتعلق بإدارة التوازن بين القوى الكبرى والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وذلك على النحو التالي:
1-تعميق التعاون الاقتصادي والدبلوماسي مع روسيا:
قد يؤدي افتتاح السفارة الروسية في جزر القمر إلى تأسيس شراكة اقتصادية ودبلوماسية رسمية؛ تشمل تعزيز البرامج التعليمية والتدريبية، وجذب استثمارات في قطاعي الطاقة والسياحة، وإطلاق مشاريع تنموية مشتركة، بالإضافة إلى تعزيز الحضور الأحمر([7]).
يساهم هذا التوجُّه في جذب الاستثمارات المباشرة، وتوفير فرص عمل، وتقوية قدرات الدولة في القطاعات الحيوية؛ بينما يبقى التحدي متمثلًا في إدارة التوازن بين الاستفادة الاقتصادية والمحافظة على الاستقلالية السياسية؛ لتجنُّب الانجرار نحو تبعية اقتصادية أو سياسية.
2- تعزيز الدور الإقليمي متعدد الأقطاب:
يمكن أن يسهم وجود سفارة روسية في تحشيد الاهتمام بموروني بشكل كبير؛ بحيث تكون قادرة على لعب دور إقليمي محوري، مستفيدة من توازن العلاقات مع روسيا والقوى الغربية والصين، مما يُعزّز مكانتها الدبلوماسية في المحيط الهندي؛ حيث قد تتيح السفارة المشاركة الفاعلة في المبادرات الاقتصادية والأمنية الإقليمية، واستقطاب تمويل ومشاريع متعددة المصادر؛ بينما يبقى التحدي في إدارة علاقات القوى الكبرى بتوازن دبلوماسي دقيق؛ لتفادي الانقسامات أو الضغوط التي قد تُضْعِف موقع الدولة الإقليمي.
3- تصاعد التوتر الجيوسياسي وتأثيره على الاستقرار الداخلي:
مِن المُرجَّح أن يؤدي افتتاح السفارة الروسية إلى وضع جزر القمر تحت الأنظار الدولية؛ مما قد يُفرز ضغوطًا من القوى الكبرى لتوجيه السياسات الخارجية أو دَفْعها نحو الانحياز في التنافس الجيوسياسي. هذا السيناريو قد يزيد من تعقيد صناعة القرار الداخلي، ويؤثر على الاستقرار السياسي والاقتصادي؛ حيث سيكون على النظام السياسي القمري العمل على تحقيق التوازن في علاقاته الخارجية، وتطوير سياسات مرنة لإدارة المصالح الدولية المتعارضة.
في الختام يمكن القول: إن قرار روسيا حول افتتاح سفارة لها في جزر القمر عام 2026م؛ يُمثّل تحولًا جوهريًّا في إستراتيجية موسكو تجاه شرق إفريقيا وحوض المحيط الهندي؛ فهي خطوة تتجاوز في أبعادها التمثيل الدبلوماسي التقليدي لتستقر في قلب التنافس الجيوسياسي العالمي. فمن خلال هذا الوجود المباشر، تسعى روسيا إلى تأمين موطئ قدم إستراتيجي على ممرات التجارة والملاحة الحيوية، وتوفير منصة لإدارة مصالحها الأمنية والاقتصادية بعيدًا عن ضغوط العزلة الغربية.
إن نجاح هذا المسعى الروسي يضع جزر القمر أمام فرصة استثنائية لتنويع شراكاتها الدولية، وجذب استثمارات حيوية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، لكنّه في الوقت ذاته يضعها أمام اختبار دبلوماسي عسير يتطلب موازنة دقيقة بين القوى الكبرى (روسيا، الصين، فرنسا، والولايات المتحدة).
وفي نهاية المطاف، سيظل مدى فاعلية هذا الحضور الروسي رهنًا بقدرة موسكو على تقديم بدائل تنموية مستدامة، وقدرة “موروني” على توظيف هذا التنافس الدولي لخدمة استقرارها الداخلي وموقعها الإقليمي دون الانجراف نحو استقطابات حادة قد تؤثر على توازنات المنطقة.
…………………………………..
(*) تستهدف شركة السكك الحديدية الروسية تحديث شبكات السكك الحديدية في بوركينا فاسو وغانا (غرب إفريقيا)، وجنوب إفريقيا وليبيا، بهدف إنشاء ممرات إقليمية تُسهّل الربط بين الشرق والغرب عبر القارة. ويشمل الاهتمام التاريخي المشاركة في خط سكك حديدية عابر لإفريقيا من داكار إلى بورتسودان ثم كيب تاون، يربط غرب إفريقيا بشرقها.
[1]– Russia’s navy now has privileged access to the Gulf of Guinea, lemonade, November 25, 2025,at: https://shorturl.at/PEfG5
[2]– Comoros: How its maritime flag fuels Russia’s shadow fleet, Maritimes crimes, October 7, 2025,at: https://shorturl.at/KYZHd
[3]– Author Mathieu Gotteland, Russie : une véritable stratégie à l’égard des Comores?, Regard Sur l’est, at: ,26/05/2025.
[4] -Russia To Open Embassy In The Comoros Islands , Russia’s Pivot to Asia, March 29, 2025,at: https://shorturl.at/a7RTn
-[5] حمدي بشير، لماذا يتزايد اهتمام الولايات المتحدة بتعزيز العلاقات مع جزر القمر؟، مركز الحائط العربي، 15 أغسطس 2023م، متاح على الرابط التالي: https://shorturl.at/U7SAx
[6]– U.S. Secretary Blinken congratulates Comoros on National Da, Federal Newswire, Jul 6, 2024,at: https://shorturl.at/KZLQd
[7] Olivier d’Auzon, ANALYSE – Comores : L’offensive russe qui inquiète Paris — et menace l’équilibre autour de Mayotte, Le Diplomate media, 26/12/2025










































