لفتت صورة ميشيل كوكا مبولادينجا، مشجع فريق جمهورية الكونغو الديمقراطية لكرة القدم في فعاليات بطولة كأس الأمم الإفريقية المقامة حاليًا في المغرب متمثلًا شخصية الزعيم الراحل باتريس لومومبا أول رئيس وزراء للكونغو بعد استقلالها، الأنظار إلى استمرار حضور مأساة إفريقيا في مواجهة قوى استعمارية غاشمة في عقلية أبناء القارة والحرص على التذكير بهذه المأساة كإشارة لوضع قائم من زاوية مغايرة شكلًا، ومتطابقة مضمونًا.
وإلى جانب استحضار صورة لومومبا، في عالم يشهد هجمة شرسة لمنطق القوة الغاشمة التي تقتلع أية اعتبارات لسيادة الدول (كما في تجربة اختطاف فرقة النخبة الأمريكية لرئيس فنزويلا نيكولاس مادورو واقتياده للمثول أمام محكمة في نيويورك على خلفية اتهامه بجرائم جنائية)، أو تطلعات شعوبها (في إفريقيا والعالم النامي بالأساس) لعدالة اجتماعية مفتقدة، فإن ما أثاره مبولادينجا اكتسب أهمية كبيرة لوقوعه وسط حدث جماهيري كبير حظي بتغطية إعلامية غير مسبوقة عززتها مناقشات غزيرة بين الشباب ومختلف رواد منصات التواصل الاجتماعي تراوحت بين سؤال عن “لومومبا”، وإعادة طرح لتجربته المأساوية في مواجهة سلطة استعمارية غاشمة تواطأت معها قوى محلية للقضاء على مشروع استقلال وطني، ولصالح تكريس تبعية مطلقة على حساب حياة الملايين وتردي أحوال معيشة من بقي حيًا منهم رغم مرور عقود على “الاستقلال” ورحيل الاستعمار رسميًا.
كرة القدم الإفريقية: تمويل الترفيه؟
أعلن باتريس موتسيبي، رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، في نهاية ديسمبر 2025 زيادة كبيرة في القيمة المالية لجائزة الفوز بكأس الاتحاد المعروف باسم “توتال انيرجيز” TotalEnergies (نسبة للشركة الفرنسية العملاقة العاملة في قطاع الطاقة) وصلت إلى 43% دفعة واحدة لتصل إلى عشرة ملايين دولار (وكانت تبلغ في بطولة 2021 في الكاميرون خمسة ملايين دولار، ارتفعت في البطولة التالية 2023 في كوت ديفوار إلى سبعة بلايين دولار؛ مما يؤشر إلى اهتمام الشركة الفرنسية بدعم التنافسية في البطولة). على أن يقسم المبلغ إلى 4 مليون دولار للفائز بالبطولة، ويحصل الفائزان بالمركزين الثاني والثالث على 2.5 مليون دولار لكل منهما، ويخصص المليون دولار الباقية للمراكز التالية حصب لوجيستيات البطولة.
وقد بدأت شراكة توتال انيرجيز مع الاتحاد الإفريقي في العام 2016 بحيث باتت الشركة الفرنسية الراعي الرئيس لبطولات الاتحاد العشرة الكبرى بما فيها كأس الأمم الإفريقية التي تجري فعالياتها حاليًا في المغرب. وتعول الشركة على عائدات هائلة من حجم قاعدة مشاهدة البطولة والتي تصل إلى نحو بليون متفرج في أنحاء العالم، وتوصف بأنها ثالث أكبر بطولة لكرة القدم في العالم. وتم في يناير 2025 تمديد هذه الشراكة بين الجانبين إلى العام 2028، مع إضافة حدثين جديدين للشراكة.
وتسود سردية عالمية، تؤكد عليها الأمم المتحدة في واقع الأمر كما اتضح في قمة لصناعة كرة القدم في مدينة أوساكا باليابان منتصف العام الماضي، مفادها مبادرة الأمم المتحدة “كرة القدم من أجل أهداف التنمية المستدامة” Football for the Goals والتي يمكن تلخيصها في رؤية أن قوة كرة القدم وتأثيرها يلهم جماهير هذه الرياضة بالتحرك الإيجابي من أجل كوكب أكثر صحة ومجتمع أكثر عدالة، وقد تبنت أندية يابانية هذه المبادرة استباقًا لانعقاد كأس العالم في دورته المقبلة منتصف العام في الولايات المتحدة الأمريكية.
وتؤكد المبادرة، بغض النظر عن الواقع السياسي والاجتماعي في بقية دول العالم المتضررة من سياسات “التنافس الدولي الراهنة”، على أن المبادرة توفر “منصة لجماعة كرة القدم العالمية لدعم وتشجيع “أهداف التنمية المستدامة” المتفق عليها دوليًا.
وهكذا يبدو، من الوهلة الأولى، أن صناعة كرة القدم تحظى باهتمام أجندة الأمم المتحدة والشركات الطاقوية الدولية وبعض الجهات الأخرى المعنية بصناعة الترفيه، وأن هذه الصناعة (بالنظر إلى حجم الجمهور المستهدف) تحقق أرباحًا طائلة سواء نتيجة لحصيلة إعلانية مباشرة، أم لعائدات مستهدفة على المدى البعيد، وأن نصيب إفريقيا –في هذه الحالة- يظل هامشيًا ومحدودًا للغاية.
اغتيال لومومبا: قصة العنف الاستعماري والتواطؤ المحلي
ظلت أفكار الزعيم الكونغولي الشاب باتريس لومومبا (1925-1961، والذي تحل ذكرى وفاته في 17 يناير)، حتى يونيو 1956 تدور في فلك التيار الوطني الرئيسي حينذاك، والذي كان يميل للتدرج في الاستقلال عن المستعمر. وبدأ التغير في أفكاره في ذلك التاريخ عقب اعتقاله وسجنه بتهمة الاختلاس الملفقة له في وظيفته بالبريد، وبدأ في انتقاد بلجيكا كبلد استعماري وليست “بلدًا أمًا”.
وبدأ لومومبا عقب الإفراج عنه في سبتمبر 1957 البدء من جديد في العاصمة ليوبولدفيل (كينشاسا الحالية) في نشر أفكار الاستقلال والتحرر السياسي.
واُنتخب في نوفمبر 1958 لقيادة حزب “الحركة الوطنية الكونغولية”، فيما كثفت بلجيكا من سعيها بث الفرقة بين الأحزاب السياسية الناشئة بالتضافر مع مصالح الدول الغربية المختلفة (وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا) على ألا يهدد استقلال الكونغو المحتمل استثماراتها الاقتصادية به، لاسيما الاستثمارات الأمريكية المستقرة هناك منذ مطلع القرن العشرين.
وكانت النقطة الفاصلة في تحول لومومبا لنهج راديكالي تمامًا ضد الاستعمار البلجيكي في بلاده أحداث العنف التي وقعت في ليوبولدفيل في 4 يناير 1959 التي تمت احتجاجًا على سياسات الاستعمار، وما واجهته من قوة مفرطة من قبل القوة العامة Force Publique (وهي عناصر الجيش البلجيكي الاستعماري)؛ ومقتل مئات الكونغوليين في الأحداث.
كما كلفت مواقف لومومبا خلال جولاته الخارجية، ومنها في بلجيكا نفسها، منذ أبريل 1959 ورفضه النهج التوفيقي مع الاستعمار والقوى ذات المصالح في بلاده، اعتقاله وضربه بشكل وحشي في نهاية العام 1959 ولم يفرج عنه إلا مع انطلاق مفاوضات الاستقلال في بروكسل في يناير 1960، والتي رفض خلال مشاركته بها تقسيم دولة الكونغو (بالإقرار بانفصال إقليم “كاتنجا”)، أو قبول فكرة بقاء ملك بلجيكا رئيسًا للكونغو عند استقلاله، وتقرر تحديد 30 يونيو 1960 تاريخًا لهذا الاستقلال، تسبقه انتخابات عامة في مايو.
وفاز حزب لومومبا بهذه الانتخابات باكتساح رغم جهود بروكسل لدعم منافسيه. وبادرت بلجيكا بورقتها الأثيرة في يوليو من نفس العام بتعزيز انفصال إقليما كاتنجا (الذي اقتيد له لومومبا لقتله في أحراشه) وكاساي Kasai الغنيين بالموارد المعدنية، واعترفت بالدولتين الجديدتين على الفور وزودتهما بالسلاح، وحظيت هذه الجهود بدعم إثني كونغولي ملفت.
واجهت تطلعات لومومبا، رئيس الوزراء بمقتضى انتخابات مايو 1960، هجمات ضارية من جوزيف موبوتو الذي حثته المخابرات المركزية الأمريكية علنًا على ترتيب انقلاب في سبتمبر. وبحلول أكتوبر 1960 تمت أربعة محاولات لاغتيال لومومبا، وسط دعوات من الحكومات الغربية بعزل حكومته. وفر من العاصمة في نوفمبر ليصل إلى معقل مؤيديه في ستانلي فيل، قبل أن تنجح عملية اعتقاله بها.
وعندما أسرت قوات موبوتو لومومبا في نهاية الأمر ثارت مخاوف دولية، في مقدمتها الأمم المتحدة حيث عبر أمينها داج همرشولد عن تعهده علنًا بسلامة لومومبا وحاول ترتيب وصول اللجنة الطبية للصليب الأحمر داخل معسكر اعتقاله، وسط أنباء وتقارير مؤكدة عن ضربه وتعذيبه بشكل منهجي.
وسحبت مصر ويوغسلافيا وسيرلانكا قواتها على الفور من قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة على خلفية التأكد من عجز مجلس الأمن عن التحرك. ولفت همرشولد في بيانه أمام مجلس الأمن (10 ديسمبر في الاجتماع 917 لمجلس الأمن) أن اعتقال لومومبا تم وفق مذكرة اعتقال من السلطة الشرعية (وربما موقعة من الرئيس كازافوبو الذي تعترف به الأمم المتحدة)، ومن ثم فإن أي تحرك لتحرير لومومبا بالقوة سيكون، في الواقع، بمثابة تجاهل لسلطة “رئيس الدولة”.
واقتيد لومومبا إلى إليزابيث فيل في 17 يناير 1961، وقيل إنه مات، مع رفيقين ظلا معه، بعدها بأيام من التعذيب على يد جنود جودفرود مونونجو Godefroid Monuno، رجل تشومبي القوي في الجيش، وعملاء من الاستخبارات البلجيكية والأمريكية؛ وأُعلنت وفاته في فبراير 1961 مما استدعى ردود أفعال دولية غاضبة، من بينها اعتذار شفهي من مندوبي بلجيكا والولايات المتحدة للجمعية العامة عما وقع.
وحسب تحليل المندوب الأمريكي أدلاي ستيفنسون Adlai Stevensonفإن تداعيات ملابسات قتل لومومبا قادت إلى النظر لأي تدخل عسكري دولي في شئون الكونغو على أنه مساعي غربية لإعادة فرض الاستعمار، لافتًا –في ترديد للمكارثية الأمريكية المألوفة- إلى تنامي الأفكار الشيوعية بين أهالي الكونغو، وان أي تدخل غربي مباشر سيواجه رفض شعبي كبير مما يهدد فاعلية هذا التدخل.
لومومبا والنضال الجنوب عالمي: ذاكرة متآكلة
واجهت أفكار الجنوب العالمي ضربة قاصمة مع إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير الجاري؛ إذ لم تحرك الصين أو روسيا (وهما قطبي هذا الجنوب اقتصاديًا وعسكريًا) ساكنًا تجاه الخطوة، واكتفيتا بإدانات دبلوماسية وسط تقارير بوجود مساومات أمريكية مع البلدين في ملفي تايوان وأوكرانيا.
وفي المقابل كانت الانتقادات الشعبية في إفريقيا لسلوك بكين وموسكو غير مسبوقة، ومتضمنة وعيًا أكبر بطبيعة ديناميات “السياسة الدولية”، وهامشية إفريقيا حتى في سياسات الجنوب العالمي، وربما تحول القارة لورقة مساومة (بين قوى أمريكية وصينية وأوروبية) ترقبًا لموعد التلاعب بها.
وقد طرح كتاب باتريس لومومبا، الذي أصدرته دار نشر Panaf-London 1973 وعُد من أوائل الكتب التي تناولت سيرة لومومبا تفصيلًا خاتمة مهمة للغاية تستدل على معنى نضال لومومبا بالنسبة للكونغو والعالم النامي، أو الجنوب العالمي في سردية النظام الدولي الحالي.
ورأت الخاتمة أن ما تشهده إفريقيا حينذاك من نضال طبقي في السبعينيات كان لأحداث الكونغو الفضل الأبرز فيه؛ وان على كل من ينخرط في الثورة الإفريقية أن يستوعب تجارب الكونغو، وفي مقدمتها حياة لومومبا واغتياله، كما استفاد ماركس وانجلز من تجربة كوميونة باريس Paris Commune التاريخية في العام 1871، وقالا أن “الطبقة العاملة لا يمكنها ببساطة الاستيلاء على آلة الدولة الجاهزة واستغلالها لأغراضهم”، وهي المقولة التي فسرها لينين لاحقًا بأنها تعني أن الأمر لم يعد سؤال نقل الآلة البيروقراطية من يد لأخرى، لكن على الطبقة العاملة تحطيمها.
وبغض النظر عن التقييم التاريخي لصحة هذا التفسير، ومدى واقعية خيار القضاء على “البيروقراطية الحاكمة” واقتلاعها ثم تنصيب أخرى جديدة في السياق الإفريقي على الأقل، فإن حادثة المشجع الكونغولي وما أثارتها من ردود أفعال وسط الشباب الإفريقي، والتذكير بذكرى لومومبا (التي تحل الذكرى السنوية لوفاته بالتزامن مع نهاية فعاليات كأس الأمم الإفريقية وأجندة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم برئائسة باتريس آخر يجيد التوصل لصفقات مع شركة توتال انيرجيز) قد وصلت ذروتها بالفعل، وبدأت ذكرى لومومبا في التآكل من جديد. لكن ربما تكون الحادثة إشارة مهمة إلى استمرار الوعي لدى قطاعات من الشباب ريثما يزداد هذا الوعي، وتدفعه مجريات “السياسة الدولية” ورهانات الصين وروسيا على “حرق” ورقة الجنوب العالمي في الوقت المناسب إلى تبني رؤية إفريقية أصيلة لمشكلات القارة وسبل حلها واستلهام تاريخها بشكل جدي.











































