طرح “فريدريك نيتشه” (1844- 1900م) Friedrich Nietzsche في كتابه “العلم المرح” The Gay Science 1882م، ثم في كتاب “هكذا تكلم زرادشت” Thus Spoke Zarathustra 1883م؛ فكرة “موت الإله” God is dead بوصفها إعلانًا عن انهيار المرجعية الدينية التي كانت تَمنح المعنى والقِيَم للمجتمعات الأوروبية. لم يكن المقصود موتًا حرفيًّا، بل كان توصيفًا لتحوُّلات تاريخية وفكرية جعلت الدين يتراجع أمام صعود العقل والعلم والدولة الحديثة. هذا التحوُّل ارتبط بمسار العلمنة الغربية؛ حيث انتقلت السلطة من الكنيسة إلى الدولة، وأصبح الإنسان مُطالَبًا بإعادة بناء منظومة القِيَم بعيدًا عن المرجعيات التقليدية.([1])
لكنّ هذا النموذج الأوروبي لا ينطبق بشكل مباشر على السياقات الإفريقية المعاصرة. ففي إفريقيا، يظل الدين حاضرًا بقوة في المجال العام، سواء عبر الكنائس، أو الحركات الإسلامية، أو الموروثات الروحية المحلية التي تُواصل التأثير في الحياة السياسية والاجتماعية. هنا، لا يظهر الدين كقوة متراجعة، بل كفاعل رئيسي في تشكيل الهوية وتوجيه الصراعات السياسية.
في هذا السياق، يبرز كتاب “ما وراء موت الإله: الدين في السياسة الدولية للقرن الحادي والعشرين” Beyond the Death of God: Religion in 21st Century International Politics ليُقدِّم مدخلًا نقديًّا لفهم العلاقة بين الدين والسياسة في إفريقيا. فهو لا يكتفي باستدعاء أطروحة “نيتشه” كرمز لانهيار المرجعية الدينية في الغرب، بل يسعى إلى مساءلة كيف تُعاد صياغة هذه العلاقة في القارة الإفريقية؛ حيث تتقاطع الأسئلة حول السلطة والهوية والمعنى في سياق مختلف تمامًا عن التجربة الأوروبية. وهو ما يَفتح المجال أمام قراءة نقدية تتجاوز النموذج الغربي، وتضع الدين والسياسة في إفريقيا ضمن إطار تاريخي وثقافي خاص.([2])
ويُعدّ هذا التباين بين التجربة الأوروبية وبين الواقع الإفريقي الذي يُعيد إنتاج الدين كفاعل سياسي واجتماعي، مدخلاً يفتح الباب أمام ضرورة إعادة النظر في المفاهيم السائدة حول العلمنة والدين في المجال العام. فبينما افترضت النظريات الغربية أن التحديث يقود بالضرورة إلى تراجع الدين، تكشف التجربة الإفريقية عن مسار مغاير؛ حيث يظل الدين حاضرًا في بناء الشرعية، وتشكيل الهوية، وتوجيه الصراعات والتحالفات السياسية. ومن هنا، يصبح كتاب “الدين في السياسة الدولية للقرن الحادي والعشرين” نقطة انطلاق لقراءة نقدية تتجاوز حدود النموذج الغربي، وتبحث في كيفية توظيف الدين داخل السياقات الإفريقية المعاصرة. هذه القراءة لا تقتصر على نقد العلمنة، بل تسعى إلى إبراز إمكانات الفكر الإفريقي في صياغة نظرية سياسية متعددة المرجعيات، تُعيد الاعتبار للخصوصيات الثقافية والدينية للقارة، وتضعها في مواجهة التحديات العالمية الراهنة.
نقد أطروحة نيتشه وربطها بالعالم المعاصر:
حين أعلن نيتشه أطروحته، كان يقصد انهيار المرجعية التي منحت أوروبا وحدتها القيمية عبر قرون طويلة. هذا الإعلان لم يكن مجرد موقف فلسفي، بل كان تعبيرًا عن أزمة حضارية عميقة؛ حيث وجد الإنسان الأوروبي نفسه أمام فراغ قِيَمي دفَعه إلى البحث عن بدائل جديدة للمعنى والشرعية. غير أن هذا الفراغ لم يُتَرْجَم إلى اختفاء الدين من حياة البشر، بل إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدين والسياسة والفكر، وهو ما جعل أطروحة نيتشه مثار جدل مستمر حتى اليوم.([3])
في العالم المعاصر، لم يتحقق ما توقَّعه نيتشه من تراجُع نهائي للدين، بل على العكس، شهدنا عودة قوية للدين إلى المجال العام. هذه العودة اتخذت أشكالًا متعددة؛ من الحركات الدينية العابرة للحدود، إلى دور الكنائس في أوروبا الشرقية، وصولًا إلى الإسلام السياسي في الشرق الأوسط وإفريقيا. هذا الحضور يؤكد أن الدين لم يَمُت، بل أعاد إنتاج نفسه كفاعل سياسي واجتماعي قادر على التأثير في مسارات السلطة والهوية والصراع.([4])
يوضح كتاب “الدين في السياسة الدولية للقرن الحادي والعشرين” أن أطروحة نيتشه، رغم قيمتها الفلسفية، لا تصلح لتفسير الواقع العالمي الراهن. فالدين اليوم ليس مجرد بقايا من الماضي، بل قوة تنظيمية ومعرفية تُعيد تشكيل المجال العام. في إفريقيا مثلًا، يظل الدين حاضرًا في بناء الشرعية السياسية، وفي صياغة الهويات الجماعية، وفي إدارة الصراعات والمُصالحة. هذا الواقع يضعنا أمام مفارقة: بينما أعلن نيتشه “موت الإله” في أوروبا، فإن الدين في إفريقيا والعالم المعاصر عاد ليؤكد حضوره كفاعل مركزي لا يمكن تجاوزه.([5])
وبذلك، يُصبح نقد أطروحة نيتشه ضرورة لفهم العالم الراهن؛ حيث لا يمكن اختزال الدين في خطاب ميتافيزيقي متراجع، بل يجب النظر إليه كقوة حية تتفاعل مع السياسة والاقتصاد والثقافة. إن العودة المعاصرة للدين تكشف حدود العلمنة الغربية، وتؤكد أن التجربة الأوروبية ليست معيارًا عالميًّا، بل هي سياق خاصّ يحتاج إلى إعادة تأويل في ضوء تعدُّد المرجعيات الثقافية والدينية عبر العالم.
نقد العلمنة الغربية من منظور إفريقي:
ارتبط مفهوم العلمنة تاريخيًّا بالتجربة الأوروبية الحديثة؛ حيث جرى فصل الدين عن الدولة وإعادة تعريف المجال العام بوصفه فضاءً عقلانيًّا مستقلًا عن المرجعيات الدينية. وقد افترضت كثير من النظريات السياسية الغربية أن التقدم الاجتماعي والسياسي يقتضي تراجع الدين عن المجال العام.([6]) غير أن هذا النموذج ظل مشروطًا بسياق أوروبي خاص، ولم يكن مسارًا عالميًّا يمكن تعميمه على بقية المجتمعات.
في إفريقيا يُقدّم “علي مزروعي” Ali Al-Amin Mazrui في كتابه “الأفارقة: تراث ثلاثي” The Africans: A Triple Heritage رؤية نقدية للعلمنة الغربية؛ من خلال إبراز خصوصية الهوية الإفريقية التي تقوم على تداخل ثلاث مرجعيات: الإسلام، والمسيحية، والديانات التقليدية. حيث يرى “مزروعي” أن أيّ محاولة لفصل هذه المرجعيات عن السياسة تمثل اختزالًا للتجربة الإفريقية؛ لأن الدين في إفريقيا ليس مجرد عنصر ثقافي، بل هو جزء من البنية السياسية والاجتماعية التي تُحدّد الشرعية والهوية.([7])
أما “فالنتين موديمبي” V.Y.Mudimbe في كتابه “اختراع إفريقيا” The invention of Africa فيذهب إلى انتقاد الخطاب الغربي الذي همَّش المرجعيات الدينية الإفريقية، وفرَض نموذج العلمنة باعتباره معيارًا عالميًّا. موضحًا أن العلمنة ليست مسارًا طبيعيًّا، بل أداة لإقصاء الدين من المجال العام، وهو ما يعكس استمرار الهيمنة الاستعمارية في التنظير السياسي. بالنسبة له، فإن إعادة الاعتبار للدين شرط أساسي لفهم التجربة الإفريقية بعيدًا عن التصنيفات الغربية.([8])
ويذهب “أشيل مبيمبي” Achille Mbembe في كتابه “حول مرحلة ما بعد الاستعمار” On the Postcolony إلى أن الدين ظل حاضرًا في إعادة إنتاج السلطة والذاكرة الاستعمارية حتى بعد الاستقلال. فهو يرى أن الدين في إفريقيا ليس مجرد بقايا من الماضي، بل قوة حية تُعيد تشكيل المجال العام وتؤثر في أنماط الشرعية والهوية. بهذا المعنى، فإن نقد العلمنة الغربية يتقاطع مع تحليل “مبيمبي” الذي يربط الدين بالسلطة والذاكرة، ويؤكد أن أيّ نظرية سياسية معاصرة يجب أن تدمج الدين في تفسيرها.([9])
من خلال هذه الأطروحات، يتَّضح أن الفكر الإفريقي يرفض اختزال الدين في مجرد تراث ثقافي أو عنصر هامشي، ويُؤكّد على دوره التنظيمي والمعرفي في الحياة السياسية. لذا فإن نقد مزروعي، وموديمبي، ومبيمبي للعلمنة الغربية يفتح المجال أمام بناء نظرية سياسية بديلة، تُقِرّ بتعدُّد المرجعيات وتُعيد الاعتبار للتجربة الإفريقية في مواجهة النموذج الغربي الأحادي.
الدين كفاعل سياسي في السياق الإفريقي:
يُظهر كتاب “الدين في السياسة الدولية للقرن الحادي والعشرين”، أن الدين لا يزال فاعلًا سياسيًّا في القرن الحادي والعشرين، خاصةً في السياقات التي تعاني من ضعف المؤسسات أو هشاشة الدولة. ففي إفريقيا، كثيرًا ما يُستخدم الدين كأداة لبناء الشرعية السياسية؛ حيث تلجأ الحركات الإسلامية في منطقة الساحل إلى الخطاب الديني لتبرير سُلطتها، بينما تعتمد الكنائس في نيجيريا على دورها الاجتماعي لتشكيل الولاءات السياسية.([10]) هذا الحضور يكشف أن الدين ليس مجرد عنصر ثقافي، بل قوة تنظيمية تُعيد إنتاج المجال السياسي.
وقد لعبت المؤسسات الدينية في العديد من الدول الإفريقية، دورًا موازيًا لمؤسسات الدولة الرسمية؛ كما في المدارس والجامعات الدينية، والمستشفيات التابعة للكنائس، وشبكات الرعاية الاجتماعية التي تديرها الجماعات الإسلامية، وكلها أمثلة على كيفية قيام الدين بمَلْء الفراغ الذي تتركه الدولة. هذه المؤسسات لا تقدم خدمات اجتماعية فحسب، بل تُعيد تشكيل الولاءات السياسية وتبني شرعية بديلة للسلطة القائمة. بهذا المعنى، يصبح الدين فاعلًا سياسيًّا مباشرًا في إدارة المجتمع وتوجيهه.
في كتابه “الدولة في إفريقيا” The state in Africa يُوضّح “جان فرانسوا بايارت” Jean-François Bayart أن السلطة في إفريقيا تتشكل عبر شبكات اجتماعية ودينية؛ حيث يُستخدَم الدين لتبرير السلطة أو لمقاومتها.([11])
أما “محمود مامداني” Mahmood Mamdani في كتابه “المواطن والتابع” Citizen and Subject فيُبرز دور الدين في إعادة إنتاج السلطة الاستعمارية وما بعدها، مُوضِّحًا أن الدين كان أداة لتقسيم المجتمعات بين “المواطن” الذي يعيش في المدن ويخضع للقانون الحديث، و”التابع” الذي يعيش في الريف ويخضع للقانون العرفي أو الديني.([12])
وبهذا يتضح أن دور الدين في إفريقيا لا يقتصر على الشرعية السياسية، بل يمتد إلى تشكيل الهوية الجماعية، وإدارة الصراعات، والمُصالَحة بين الجماعات المتنازعة. في السودان مثلًا، لعبت الطرق الصوفية دورًا في الوساطة بين الشمال والجنوب([13])، بينما في نيجيريا ساهمت المبادرات الدينية العابرة للطوائف في تخفيف حدة الصراعات الطائفية.([14]) هذه الأمثلة تُؤكّد أن الدين في إفريقيا ليس مجرد خطاب رمزي، بل قوة عملية تُعيد تشكيل المؤسسات والعلاقات السياسية.([15])
تحليل التداخل بين الدين والهوية السياسية في إفريقيا:
في السياق الإفريقي، لا يُنْظَر إلى الدين باعتباره مجرد منظومة إيمانية خاصة، بل يُعدّ عنصرًا أساسيًّا في تشكيل الهوية الجماعية. فالهويات السياسية والاجتماعية في القارة غالبًا ما تتداخل مع الانتماءات الدينية، بحيث يصبح الدين مُحدِّدًا رئيسيًا للانتماء والولاء. في نيجيريا مثلًا، يُستخدم الدين لتحديد الانتماءات السياسية بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي، وهو ما يجعل الهوية الدينية جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية.([16])
هذا التداخل بين الدين والهوية لا يقتصر على بناء الانتماء، بل يمتد إلى إدارة الصراعات والمصالحة. في السودان، شكَّل الدين محورًا للصراع بين الشمال والجنوب، لكنّه كان أيضًا أداة للوساطة عبر الطرق الصوفية والزعامات الروحية التي لعبت دورًا في تخفيف حدة النزاعات.([17]) وفي إثيوبيا، تداخلت المرجعيات الدينية مع الانتماءات الإثنية لتشكيل هوية سياسية مركبة؛ حيث أصبح الدين جزءًا من الخطاب السياسي الذي يحدد ملامح الصراع والشرعية.([18])
في كتابه “المسيحية، والإسلام، والعرق الزنجي” Christianity, Islam and the negro race أبرز “إدوارد بلايدن” Edward Wilmot Blyden أن الإسلام والمسيحية شكَّلا أدوات لإعادة بناء الهوية الإفريقية في مواجهة الاستعمار، وهو مثال مُبكّر على توظيف الدين في صياغة الهوية السياسية.([19])
ولذلك ينتقد الفكر الإفريقي التصورات الغربية التي اختزلت الهوية في ثنائية “التقليدي والحديث” أو “الديني والعلماني”؛ حيث يُوضّح موديمبي أن الدين جزء من البنية التفسيرية للعالم الإفريقي، وأن أيّ محاولة لفصله عن الهوية تمثل تشويهًا للتجربة الإفريقية.([20])
أما “كواسي ويريدو” Kwasi Wiredu في كتابه “الكليات والخصوصيات الثقافية” Cultural Universals and Particulars يؤكد أن الهوية السياسية الإفريقية يجب أن تُعاد صياغتها من داخل المرجعيات المحلية؛ حيث يندمج الدين والسياسة في بنية معرفية واحدة.([21])
من خلال هذه الأطروحات، يتضح أن الهوية في إفريقيا لا تُبْنَى على أساس علماني صِرْف، بل على تداخل المرجعيات الدينية والثقافية والإثنية. هذا التداخل يجعل الدين فاعلًا رئيسيًّا في صياغة الهوية السياسية، ويؤكد أن أيّ نظرية سياسية معاصرة يجب أن تأخذ في الاعتبار هذا البُعْد متعدّد المرجعيات لفهم الواقع الإفريقي.
نحو نظرية سياسية متعددة المرجعيات: اقتراح نموذج إفريقي بديل
ارتبطت أغلب النظريات السياسية الحديثة بالخبرة الأوروبية؛ حيث جرى التعامل معها باعتبارها النموذج المرجعي، وافترضت أن فصل الدين عن المجال العام هو المسار الطبيعي نحو التحديث والديمقراطية. لكن التجربة الإفريقية تكشف مسارًا مغايرًا؛ إذ يظل الدين عنصرًا محوريًّا في إنتاج الشرعية، وتشكيل الانتماء الجمعي، وإدارة التوترات الاجتماعية والسياسية. هذا الواقع يَفْرض تجاوز الرؤية الأحادية التي تُكرّس النموذج الغربي، والبحث عن مقاربة سياسية تنبع من الخصوصيات التاريخية والثقافية للقارة الإفريقية.([22])
في السياق الإفريقي، يتعذّر الفصل بين الدين والسياسة؛ إذ يظل الدين مُكوِّنًا أساسيًّا في البنية الفكرية والتنظيمية للمجتمع. وقد تجلّى ذلك في أعمال مزروعي، وموديمبي، ومبيمبي، وويريدو، ومامداني التي انتقدت النموذج الغربي للعلمنة، وطرحت الحاجة إلى مقاربة مغايرة. هذه المقاربة تفتح المجال أمام صياغة نظرية سياسية جديدة تعترف بتعدُّد المرجعيات، وتُعيد الاعتبار للتجربة الإفريقية في مواجهة التصور الغربي الأحادي. ويقوم هذا التصور السياسي الإفريقي البديل على جملة من الأسس:
- تعدُّد المرجعيات: حيث الاعتراف بتداخل الأديان السماوية والديانات التقليدية في تشكيل المجال السياسي.
- دَمْج الدين والسياسة: من خلال تجاوز الفصل القسري بينهما، والاعتراف بالدين كفاعل تنظيمي ومعرفي.
- إعادة بناء المفاهيم: عبر صياغة مفاهيم السلطة والشرعية والحرية في ضوء التجربة الإفريقية.
- الهوية المركبة: عن طريق فَهْم الهوية الإفريقية بوصفها ديناميكية ومتعددة الأبعاد، لا تخضع للتصنيفات الغربية الثابتة.
هذا النموذج لا يسعى فقط إلى نقد العلمنة الغربية، بل إلى تأسيس خطاب سياسي إفريقي مستقل، قادر على تجاوز الهيمنة المفاهيمية الغربية، والمساهمة في إعادة تشكيل الحقل السياسي العالمي. إنه نموذج يضع الدين والسياسة في إفريقيا ضمن إطار تاريخي وثقافي خاص، ويمنح القارة موقعًا معرفيًّا مستقلًا في إنتاج النظرية السياسية.
وختامًا: يبدو أن نقد أطروحة نيتشه والعلمنة الغربية يقودنا ببساطة إلى إعادة الاعتبار للدين في إفريقيا، لكنّ المفارقة الأخطر أن الدين في القارة لا يكتفي بدور الشرعية والهوية، بل يتحوَّل أحيانًا إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة نفسها، سواء عبر الدولة أو الجماعات الدينية. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل نحن أمام دين يُحرّر السياسة الإفريقية من النموذج الغربي، أم أمام دين يُعيد إنتاج أشكال جديدة من السيطرة الداخلية؟
إن هذه المفارقة تفتح الباب أمام نقاش غير محسوم: هل يمكن للفكر الإفريقي أن يَصُوغ نظرية سياسية متعددة المرجعيات دون أن يقع في فخّ التوظيف السلطوي للدين؟ أم أن إعلان نيتشه في أوروبا قد يعود في إفريقيا بشكل آخر، لا كغياب للدين، بل كغياب للحرية تحت سلطة دينية متجدّدة؟
……………………………..
([1]) بلخير، محمدي. فكرة موت الإله عند نيتشه: قراءة تأويلية. الجزائر: الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، العدد 14. أبريل 2020. ص ص 13-39.
([2]) Raudino, Simone, and Patricia Sohn. Beyond the Death of God: Religion in 21st Century International Politics. Cham: Palgrave Macmillan, 2022.
([3]) Herrero, Montserrat. “Political Theologies Surrounding the Nietzschean ‘Death of God’ Trope.” Nietzsche-Studien 49, no. 1 (2020): 125–149. https://doi.org/10.1515/nietzstu-2020-0006
([4]) Potz, Maciej. Here to Stay: The Role of Religion in Contemporary Politics. In: Political Science of Religion. Palgrave Macmillan, Cham. (2020): 115-144. https://doi.org/10.1007/978-3-030-20169-2_5
([5]) Raudino, Simone, and Patricia Sohn. Loc. cit.
([6]) Taylor, Charles. A Secular Age. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2007.
([7]) Mazrui, Ali. The Africans: A Triple Heritage. Boston: Little, Brown, 1986.
([8]) Mudimbe, Valentin Y. The Invention of Africa: Gnosis, Philosophy, and the Order of Knowledge. Bloomington: Indiana University Press, 1988.
([9]) Mbembe, Achille. On the Postcolony. Berkeley: University of California Press, 2001.
([10]) Raudino, Simone, and Patricia Sohn. Loc. cit.
([11]) Bayart, Jean-François. The State in Africa: The Politics of the Belly. London: Longman, 1993.
([12]) Mamdani, Mahmood. Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton: Princeton University Press, 1996.
([13]) Mamdani, Mahmood. Saviors and Survivors: Darfur, Politics, and the War on Terror. New York: Pantheon, 2009.
([14]) Falola, Toyin. Violence in Nigeria: The Crisis of Religious Politics and Secular Ideologies. Rochester: University of Rochester Press, 1998.
([15]) Markakis, John. Ethiopia: The Last Two Frontiers. Oxford: James Currey, 2011.
([16]) Falola, Toyin. Loc. cit.
([17]) Mamdani, Mahmood. Loc. cit.
([18]) Markakis, John. Loc. cit.
([19]) ناصر كرم رمضان، الهوية والدِّين في الفِكر السياسي الإفريقي: دراسة لكتاب “المسيحية، والإسلام، والعرق الزنجي”، قراءات إفريقية، 9 أكتوبر 2025م، على الرابط: https://qiraatafrican.com/32500/
([20]) Mudimbe, Valentin Y. Loc. cit.
([21]) Wiredu, Kwasi. Cultural Universals and Particulars: An African Perspective. Bloomington: Indiana University Press, 1996.











































