نشر معهد دراسات وأبحاث الأمن القومي “INSS”، وهو مركز أبحاث إسرائيلي تابع لجامعة تل أبيب، تقريرًا تحليليًّا في تبويب “رؤى واستطلاعات”، صادر في نوفمبر 2025م، بقلم د. آشر لوبوتزكي Dr. Asher Lubotzky؛ باحث بمعهد العلاقات الإسرائيلية الإفريقية وجامعة هيوستن، طارحًا التساؤل الذي دار في الآونة الأخيرة، وهو: هل يتعين على إسرائيل الاعتراف بالدولة الموالية للغرب والواقعة في القرن الإفريقي، وهي منطقة ازدادت أهميتها الأمنية بالنسبة لإسرائيل، بشكل ملحوظ، خلال العامين المُنصرمين؟
لقد أماط “لوبوتزكي” اللثام عن اعتبارات التعاون التي تدفع إسرائيل نحو تعزيز التعاون مع أرض الصومال، مُفنِّدًا حيثيات الاعتراف بها كدولة من عدمه في ضوء الأصوات المُؤيِّدة والمُعارِضَة لهذه الخطوة، مستعرضًا إذا ما كانت ستُؤثّر سلبًا أم إيجابًا على مستقبل التعاون الثنائي بين البلدين على أرض الواقع.
بقلم: د. آشر لوبوتزكي
ترجمة وتقديم: شيرين ماهر
ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
تقع أرض الصومال، الدولة المستقلة الموالية للغرب والتي لم تحظَ بعدُ باعترافِ المجتمع الدولي، في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وهما منطقتان ازدادت أهميتهما الأمنية والإستراتيجية لإسرائيل بشكلٍ لافت خلال العامين الماضيين.
تسعى أرض الصومال، في المقام الأول، إلى الحصول على الاعتراف الدولي وبناء تحالفات مع دول قادرة على دعمها في مواجهة خصمها؛ الحكومة الصومالية في مقديشو.
في السنوات الأخيرة، عزَّزت أرض الصومال علاقاتها مع الإمارات العربية المتحدة وتايوان. وقد علّقت قيادتها آمالًا كبيرة على إدارة ترامب، وفي هذا السياق، كثّفت جهودها لنَيْل الاعتراف بها، بما في ذلك من جانب إسرائيل.
يتناول هذا التقرير العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال من منظور إسرائيل، وتسليط الضوء على الاعتبارات المتعلقة بدعم الاعتراف الإسرائيلي وربما تأخره.
أرض الصومال: ما يربو على ثلاثين عامًا من الاستقلال والاستقرار
تُغطّي أرض الصومال الجزء الشمالي الغربي مما لا يزال المجتمع الدولي يَعترف به كجزء من الصومال. وقد نالت استقلالها لفترة وجيزة دامت خمسة أيام في عام 1960م، قبل أن تتَّحد مع الصومال، ثم استعادت استقلالها في عام 1991م بعد خروجها من الحرب الأهلية الصومالية الوحشية التي بدأت في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
على مدى القرن الماضي، طوّرت أرض الصومال هويةً مميزة. فقد خضعت للحكم البريطاني (على عكس الصومال الذي كان تحت السيطرة الإيطالية)؛ ويرتبط شعبها بعلاقات تاريخية طويلة مع جنوب اليمن عبر خليج عدن؛ وينتمي معظم سكانها إلى عشيرة إسحاق، على عكس العشائر الرئيسية الأخرى في الصومال. وقد عانت عشيرة إسحاق من التمييز والعنف، بل وحتى الإبادة الجماعية -وفقًا لسرد أفرادهم-، على أيدي العشائر التي حكمت الصومال، لا سيما خلال ثمانينيات القرن الماضي.
منذ إعلان استقلالها الفعلي، تباينت أرض الصومال بشكلٍ حادّ مع الصومال في جميع الجوانب تقريبًا: وضعها الأمني هادئ، وسياستها الداخلية مستقرة، ولا يوجد بها وجود يُذْكَر للجماعات المسلحة. ورغم وجود نزاعات حدودية في المناطق النائية التي تسكنها قبائل أخرى، إلا أن هذه النزاعات تظل محدودة النطاق.
ومنذ مطلع الألفية الثانية، حافظت أرض الصومال على نظام ديمقراطي متعدّد الأحزاب مستقر وفعّال، مع إجراء انتخابات دورية. وشهدت الانتخابات الأخيرة، التي جرت عام 2024م، انتقالًا سلميًّا ومُنظَّمًا للسلطة. جميع القوى السياسية الرئيسية في أرض الصومال مُوالية للغرب، وحذرة من الحركات المسلحة، وكذلك من الصين وروسيا. ورغم اختلافها في كيفية تحقيق ذلك، إلا أنها تشترك جميعًا في الهدف الأسمى المتمثل في الحصول على اعتراف دولي.
تتركز التوترات وعدم الاستقرار في الصومال، على نحو كبير، في الجنوب، مما ساهم في تعزيز استقرار أرض الصومال. فهي بعيدة عن مناطق الصراع الرئيسية، سواء أكانت نزاعات بين القبائل المتنافسة أم اشتباكات بين الحكومة وحركة الشباب القوية.
كما تجاور أرض الصومال جيرانًا يتمتعون باستقرار نسبي وعلاقات ودية: إثيوبيا، وبونتلاند (دولة تتمتع بحكم ذاتي بحكم الأمر الواقع داخل الاتحاد الصومالي)، وجيبوتي، وتحافظ على علاقات سلمية مع الدول الثلاث. وفي عام 2024م، وقَّعت أرض الصومال مذكرة تفاهم إستراتيجية مع إثيوبيا تمنح إثيوبيا، الدولة غير الساحلية، حق الوصول إلى ميناء بربرة الإستراتيجي، إلى جانب وعد ضمني بالاعتراف باستقلال أرض الصومال في المستقبل (تم تجميد الاتفاقية لاحقًا بشكلٍ فِعلي، وإن لم يتم إلغاؤها رسميًّا، بسبب ضغوط تركية صومالية). كما شهدت العلاقات مع جيبوتي تقدمًا، وفي أكتوبر 2025م، وقَّعت أرض الصومال “اتفاقية نيروبي” مع بونتلاند لتعزيز التعاون الأمني والتجاري.
في السنوات الأخيرة، وسّعت أرض الصومال علاقاتها مع دول أخرى موالية للغرب. ويُعدّ كلٌّ من تايوان والإمارات العربية المتحدة شريكين إستراتيجيين رئيسيين لأرض الصومال. فقد استثمرت تايوان، وهي قوة عالمية رائدة في صناعة الرقائق الإلكترونية، في قطاع المعادن النادرة في أرض الصومال، بينما استثمرت الإمارات العربية المتحدة بكثافة في تطوير ميناء بربرة. وبالنسبة للإمارات، تُمثّل أرض الصومال موطئ قدم إستراتيجي في القرن الإفريقي، يُكمِّل مواقعها الإقليمية الأخرى، مثل جزيرة سقطرى في اليمن، وبونتلاند، ودارفور.
لدى أرض الصومال أيضًا أسباب تدعو إلى التفاؤل الحذر بشأن علاقتها مع الولايات المتحدة. فقد زارها وفود أمريكية، من بينها ممثلون عن البنتاجون؛ ولذا تُهيئ البلاد نفسها لتكون قاعدة إستراتيجية محتملة للولايات المتحدة في المنطقة. وقد صرّح الرئيس ترامب بأن اعتراف الولايات المتحدة بأرض الصومال قَيْد الدراسة، ويعتزم الكونجرس حثّ وزارة الخارجية على إعادة النظر في العلاقات الثنائية بهدف تعزيزها.
وكخطوة مؤقتة، اقترح المشرّعون أن تبدأ وزارة الخارجية بالتمييز بين الصومال وأرض الصومال في نصائحها المتعلقة بالسفر. وقد أعرب كبار الجمهوريين، بمن فيهم السيناتور “تيد كروز” من ولاية تكساس، أكثر من مرة، عن دعمهم للاعتراف باستقلال أرض الصومال. ومع ذلك، لا تزال واشنطن تدرس وتُفنّد العديد من الحجج القوية ضد الاعتراف، وقد تباطأ المُضِي قُدمًا بسبب التأخير في التعيينات الرئيسية وفي صياغة سياسة أمريكية أوسع نطاقًا تجاه إفريقيا والبحر الأحمر.
في هذا السياق، تشنّ أرض الصومال حملة إعلامية وتمارس ضغوطًا لتعزيز مساعيها لنَيْل الاعتراف الدولي. ففي مايو 2025م، ناشدت رئاسة أرض الصومال الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الاعتراف بها كدولة مستقلة. وفي أكتوبر من العام نفسه، أفادت وسائل إعلام محلية بأن أكثر من 20 دولة، من بينها إسرائيل، تتَّجه نحو الاعتراف بها. كما أبْدَتْ أرض الصومال استعدادًا متزايدًا لتبنّي رموز سيادية إضافية. ففي نوفمبر 2025م، أعلنت سيطرتها الكاملة على مجالها الجوي، ما يَفْصلها عن السيادة الاسمية للصومال، واشترطت على جميع الطائرات الحصول على تصريح مباشر من سلطات أرض الصومال للتحليق عبر مجالها الجوي. كما أعلنت أنها لن تعترف بعد الآن بالتأشيرات الصادرة عن حكومة مقديشو.
لذا، كان الاعتراف الدولي الهدف الأسمى للحكومات المتعاقبة في أرض الصومال، وهو هدف لم يتغير رغم عمليات نقل السلطة الديمقراطية. ومن شأن هذا الاعتراف أن يُضْفِي الطابع الرسمي على وضع أرض الصومال، ويأمل القائمون عليها حمايتها من سيناريو مستقبلي قد تسعى فيه الصومال، بعد أن تعززت قوتها، سواء بمفردها أو مع حلفائها، إلى إعادة فرض سيطرتها على الإقليم بشرعية دولية. وإلى جانب الاعتراف، تسعى أرض الصومال إلى تأمين حلفاء أقوياء وموثوقين.
في الوقت الراهن، يبقى الخطر الذي تشكله الحكومة في مقديشو افتراضيًّا إلى حد كبير؛ حيث تُواجه أرض الصومال مخاوف أمنية أكثر إلحاحًا، بما في ذلك الحوثيون؛ وانتشار جماعات العنف العالمية (بعضها نَشِط حاليًّا في بونتلاند المجاورة)؛ والضغوط الانفصالية على طول حدودها؛ والأنشطة التخريبية المرتبطة بالصين وتركيا…؛ وهي تهديدات توجد أدلة ملموسة عليها على أرض الواقع.
أهمية أرض الصومال بالنسبة للغرب وإسرائيل:
تكمن أهمية أرض الصومال في موقعها الجيوسياسي وفي استعدادها -كدولة مستقرة ووسطية وجديرة بالثقة في منطقة مضطربة- للعمل عن كثب مع الدول الغربية. فموقعها عند مدخل خليج عدن -مقابل جنوب اليمن- الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، يمنحها أهمية جيوسياسية فريدة. هذه القيمة الإستراتيجية هي التي دفعت الإمبراطورية البريطانية إلى السيطرة على المنطقة في نهاية القرن التاسع عشر، وهي التي دفعت الولايات المتحدة إلى تأمين قاعدة عسكرية هناك خلال إدارة ريجان في ثمانينيات القرن العشرين، في ذُروة الحرب الباردة.
في الوقت الراهن، تقع سواحل وأراضي أرض الصومال على بُعْدٍ يتراوح بين 300 و500 كيلو متر تقريبًا من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، بما في ذلك ميناء الحديدة. ونظرًا لأن دول الخليج والولايات المتحدة وإسرائيل قد خاضت جميعها معارك ضد الحوثيين في السنوات الأخيرة دون تحقيق نصر حاسم، فإن موقع أرض الصومال -وإمكانية العمل انطلاقًا من أراضيها-، قد يُغَيِّر قواعد اللعبة.
يمكن أن تُشكِّل أرض الصومال قاعدةً متقدمةً لمجموعةٍ مُوسَّعة من المهام؛ تشمل: جمع المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة الحوثيين وحشدهم العسكري؛ وتقديم الدعم اللوجستي للحكومة اليمنية المعترَف بها دوليًّا في حربها ضد الحوثيين؛ والعمليات المباشرة، بدءًا من العمليات الهجومية وصولًا إلى اعتراض هجمات الحوثيين في البحر أو بواسطة الطائرات المسيّرة. ويُمكن تشبيه ذلك بتحالف إسرائيل الوثيق مع أذربيجان، الذي عزّز بقوة قدرة إسرائيل الإستراتيجية والعملياتية على مواجهة التهديد الإيراني. وبالمثل، يُمكن أن تُصبح أرض الصومال ركيزةً أساسيةً في جهود إسرائيل للتصدي لتهديد الحوثيين.
إلى جانب الموقع الإستراتيجي لأرض الصومال، من الجدير بالأهمية أن تسعى حكومتها إلى تعاون موسع مع الدول المُوالية للغرب. وهذا يعكس إرادة سياسية وقدرة عملية. ورغم أن إريتريا أقرب من أرض الصومال إلى المناطق التي يمكن منها شنّ عمليات ضد الحوثيين، إلا أن نظامها مُناهِض للغرب ويحافظ على علاقات ودية مع إيران. أما جيبوتي، فعلى الرغم من موقعها الإستراتيجي، تحافظ على حيادها الفعلي في النزاعات الإقليمية، بينما تفتقر إثيوبيا إلى منفذ بحري وتربطها علاقات متضاربة مع الولايات المتحدة.
لذا، تُقدّم أرض الصومال مزيجًا متميزًا من الموقع الجيوسياسي والاستعداد الواضح للتعاون الموسع مع الدول المتحالفة مع الغرب. وتؤكد علاقاتها المتنامية مع الإمارات العربية المتحدة -يدعمها جزئيًّا اهتمام أبو ظبي بالحرب ضد الحوثيين-، هذا الأمر. كما أشارت أرض الصومال إلى استعدادها لتطوير علاقات أمنية واسعة النطاق مع الولايات المتحدة، بما في ذلك إمكانية استضافة قاعدة أمريكية، وقد تكون منفتحة على التعاون مع إسرائيل.
أما فيما يتعلق بإسرائيل فقد حافظت حكومة أرض الصومال على موقف إيجابي، حتى خلال العامين الماضيين من حرب غزة، ومن المرجح وجود اتصالات غير رسمية بين شخصيات بارزة في كلا الطرفين. في الأشهر الأخيرة، أبدت أرض الصومال استعدادها للتعاون مع المبادرات المؤيدة لإسرائيل، بما في ذلك توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية. كذلك يميل الخطاب العام في أرض الصومال، بشكل عام، إلى تأييد إسرائيل، على الرغم من وجود أصوات ناقدة، لا سيما في ضوء الحرب والتقارير الواردة من غزة، فضلًا عن وجود حركات إسلامية سلمية في البلاد.
اعتبارات مؤيدة ومعارضة لـ”الاعتراف” بأرض الصومال:
بالنسبة لأرض الصومال، فإن الجائزة الكبرى هي اعتراف الولايات المتحدة بها، والذي من المتوقع أن يُحفِّز العديد من شركاء الولايات المتحدة الآخرين على أن يحذوا حذوها. ولذلك، تُكرِّس أرض الصومال الجزء الأكبر من جهودها الدبلوماسية للبيت الأبيض والكونجرس. وتُقدّم أرض الصومال نفسها باعتبارها تُعارض الصين بشدة، وأنها على استعداد لاتخاذ خطوات جادة لتعزيز المصالح الأمريكية في منطقة البحر الأحمر والمحيط الهندي الإستراتيجية.
وفي تعاملها مع الولايات المتحدة؛ تُسلّط أرض الصومال الضوء أيضًا على نظامها الديمقراطي، وحرياتها السياسية، ومعارضتها للأيديولوجيات المتطرفة. وقد أوضحت أرض الصومال، في محادثاتها مع المسؤولين الأمريكيين وفي خطاباتها العامة، رغبتها الشديدة في الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية. علاوة على ذلك، فإن رغبة أرض الصومال في اعتراف الولايات المتحدة بها قوية لدرجة أن حكومتها لم تنفِ علنًا التقارير التي انتشرت قبل عدة أشهر والتي تفيد بأن واشنطن كانت تدرس اقتراحًا لإعادة توطين سكان غزة في أرض الصومال، على الرغم من أن الفكرة كانت لا تحظى بشعبية كبيرة بين سكان أرض الصومال أنفسهم.
ومع ذلك، وعلى الرغم من حسن نية أرض الصومال تجاه واشنطن وموقعها الإستراتيجي، فإن الولايات المتحدة لا تزال مترددة في منحها اعترافًا رسميًّا؛ لعدة أسباب مهمة.
أولًا، من حيث المبدأ، اتسمت سياسة الولايات المتحدة تجاه الصومال في العقود الأخيرة بالثبات في دعم سياسة “الصومال الموحدة”، أي الموقف القائل بضرورة بقاء الصومال دولة واحدة موحدة بدلًا من تقسيمها إلى كيانات سيادية منفصلة. وقد سعت واشنطن إلى تعزيز الحكومة في مقديشو، لا سيما في ضوء حربها التي استمرت عقدين ضد حركة الشباب. ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، يُعدّ الصومال حليفًا -وإن كان ضعيفًا ومتعثرًا-، وتقدم الولايات المتحدة مساعدات عسكرية دورية، بما في ذلك شنّ ضربات ضد عناصر الجماعات المسلحة العالمية.
في المقابل، سوف يُنظَر إلى الاعتراف بأرض الصومال في مقديشو باعتباره خيانة أمريكية، وقد يُثير ردود فعل سلبية داخل الصومال الهشّ، على سبيل المثال، من خلال تشجيع الانفصال الرسمي لـ “بونتلاند” و”جوبالاند”، اللتين لا تزالان ملتزمتين رمزيًّا بسلطة مقديشو، أو من خلال تقوية حركة الشباب. ويتواكب هذا القلق مع تردُّد دولي أوسع نطاقًا في الاعتراف بتغييرات الحدود الأحادية أو الدول الانفصالية، خشية فتح بابٍ واسعٍ لزعزعة استقرار الحدود في أماكن أخرى، لا سيما في الشرق الأوسط وإفريقيا.
وعلى الرغم من أن هذا الأمر يُعدّ اعتبارًا هامًّا بالنسبة لـ”واشنطن”، التي تميل عمومًا إلى الحفاظ على الوضع الراهن، فمن الممكن أن تُخالف “إدارة ترامب” الممارسة الراسخة المتمثلة في دعم “وحدة الصومال” ومقاومة الاعتراف بالدول الانفصالية. مع ذلك، يُرجَّح أن يلعب عامل آخر دورًا أكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة في الوقت الراهن، ألا وهو موقف معظم الدول العربية، بما فيها السعودية وقطر ومصر، فضلًا عن تركيا، التي تدعم جميعها الحفاظ على وحدة الصومال. وباستثناء الإمارات العربية المتحدة، تدعم دول جامعة الدول العربية، رسميًّا وعمليًّا، وحدة أراضي الصومال، وتعارض بشدة الاعتراف بأرض الصومال. أما بالنسبة لتركيا، فيُعدّ الصومال حليفًا محوريًّا في منطقة البحر الأحمر، ويقترب من مكانة الدولة التابعة. وقد أوضحت هذه الدول القوية، التي تحظى آراؤها بثقل في واشنطن، معارضتها الشديدة للاعتراف بأرض الصومال.
وعلى الرغم من أن نفوذهم في واشنطن محدود للغاية، فإن الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي تميل أيضًا إلى معارضة الاعتراف الرسمي بالكيانات الانفصالية، خوفًا من حدوث تأثير متسلسل في جميع أنحاء القارة.
بالمقارنة مع الولايات المتحدة، تُواجه إسرائيل اعتبارات إضافية. ففى الوقت الذي لا تُعدّ فيه معارضة قطر وتركيا للاعتراف بأرض الصومال ذات أهمية كبيرة بالنسبة لإسرائيل -بل قد يكون لها أثر معاكس-؛ فإن موقف مصر، وربما موقف الصين، قد يكون أكثر أهمية. في الوقت نفسه، تُعزّز علاقة إسرائيل الوثيقة مع الإمارات العربية المتحدة موقفها الداعم لأرض الصومال. ولكن، لطالما ترددت إسرائيل في الاعتراف بالدول الانفصالية، جزئيًّا خشية أن يُرسّخ ذلك لسوابق قد تأتي بنتائج عكسية في سياق قيام دولة فلسطينية. هذا القلق أقل أهمية اليوم، نظرًا للاعتراف الدولي الفعلي وشبه العالمي الذي حظيت به “الدولة” الفلسطينية في السنوات الأخيرة.
ثمة عاملٌ أكثر خطورة بالنسبة لإسرائيل، يستدعي الحذر والتفكير العميق قبل منحها اعترافًا رسميًّا بأرض الصومال، وهو عاملٌ واقعي ذو طابع براجماتي. فالاعتراف بأرض الصومال دون اعترافٍ أمريكي مُوَازٍ قد يُفْضِي إلى تداعيات سلبية على كلٍّ من إسرائيل وأرض الصومال.
ففي حين قد يبدو اتفاقٌ بين إسرائيل وأرض الصومال مُعززًا لمكانة إسرائيل الإقليمية؛ إلا إنه قد يُثير أيضًا ردود فعلٍ عنيفة في بعض أجزاء العالم الإسلامي. وهذا قد يضع أرض الصومال في مرمى الانتقادات الإقليمية، وقد يدفعها إلى تقليص أو تجنُّب توسيع تعاونها العلني مع إسرائيل. ومن المفارقات، أن الاعتراف الإسرائيلي قد يُعقِّد الجهود المبذولة لتوسيع نطاق الاتفاقيات الإبراهيمية لتشمل دولًا إسلامية أخرى.
دون عتبة الاعتراف: على الأقل في الوقت الراهن
تحتاج إسرائيل إلى حلفاء في منطقة البحر الأحمر لأسباب إستراتيجية عديدة؛ من بينها إمكانية شنّ حملة مستقبلية ضد الحوثيين. وتُعدّ أرض الصومال مرشحًا مثاليًّا لهذا التعاون؛ إذ تُتيح لإسرائيل الوصول إلى ساحة عمليات قريبة من منطقة النزاع. وإلى جانب التعاون الأمني، تحمل العلاقات مع أرض الصومال قيمة اقتصادية وسُمعة طيبة لأمن إسرائيل القومي، نظرًا للمعادن الموجودة فيها واهتمام إسرائيل بتوطيد علاقاتها مع السكان المسلمين في المنطقة. لذا، يتعين على إسرائيل العمل على توسيع تعاونها مع أرض الصومال، بالتنسيق مع الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة.
وعلى الرغم من الاعتبارات سالفة الذِكر، فإن لدى إسرائيل أسبابًا وجيهة للامتناع عن أن تكون أول دولة تعترف بأرض الصومال. ولعل أبرز هذه الأسباب هو القلق من أن الاعتراف المبكّر قد يُعيق في الواقع بناء علاقات وثيقة، نظرًا لردود الفعل والديناميكيات الإقليمية المحتملة. وطالما أن الولايات المتحدة (أو على الأقل الإمارات العربية المتحدة) لا تعترف بأرض الصومال كدولة مستقلة، فلا ينبغي لإسرائيل أن تتصرّف، بشكل منفرد، في هذا الشأن.
لذا، يُوصَى بتطوير العلاقات مع أرض الصومال إلى ما دون عتبة الاعتراف الرسمي. ففى الوقت الذي تتمكن فيه إسرائيل وشركاؤها في واشنطن من مساعدة أرض الصومال في جهودها لإقناع إدارة ترامب بالاعتراف بها، ينبغي للولايات المتحدة أن يكون له السَبق في اتخاذ أيّ خطوة علنية. بالتوازي مع ذلك، وقبل الاعتراف الرسمي، يمكن لإسرائيل وأرض الصومال تعزيز شراكاتهما الأمنية والاقتصادية، وإنشاء مكاتب معنية بالعلاقات (كما تفعل دول عديدة مع أرض الصومال)، بل واتخاذ خطوات رمزية مثل الاعتراف بجوازات سفر أرض الصومال.
من شأن هذه الخطوات تلافي مخاطر الاعتراف الرسمي، مع تمكين كلا الجانبين من تعزيز مصالحهما الأساسية. ولا يتطلب الوجود الأمني والاقتصادي الإسرائيلي في أرض الصومال بالضرورة اعترافًا رسميًّا، بل قد تُفضّل أرض الصومال في الوقت الراهن علاقات وثيقة وهادئة مع إسرائيل على التصريحات العلنية.
ومن المتوقع أن تجني أرض الصومال مكاسب كبيرة من هذا التعاون، لا سيما في ظل التحديات الأمنية التي تواجهها في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. أما بالنسبة لإسرائيل، فقد تُشكِّل أرض الصومال عاملًا حاسمًا في الصراع ضد الحوثيين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط التقرير:
https://www.inss.org.il/publication/somaliland/
**تم كتابة هذا المقال قبل الاعتراف الرسمي من قبل إسرائيل بأرض الصومال.











































