آية محسب عبد الحميد مصطفى
باحثة دكتوراه/ معهد البحوث والدراسات الإفريقية ودول حوض النيل- جامعة أسوان
مقدمة:
يُعَدّ كتاب “الابتكار وريادة الأعمال والاقتصاد غير الرسمي في إفريقيا جنوب الصحراء: أجندة للتنمية المستدامة”، الصادر عن Springer Nature Switzerland AG, 2024))؛ عملًا أكاديميًّا جماعيًّا رائدًا بإشراف أيودوتون ستيفن إيبيدوني (Ayodotun Stephen Ibidunni) ، أويدلي مارتنز أوغندانا (Oyedele Martins Ogundana)، وماكسويل أولوكندون (Maxwell Olokundun).
يسعى الكتاب إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الابتكار والتنمية في القارة الإفريقية؛ من خلال مقاربة جديدة ترى في الاقتصاد غير الرسمي فضاءً للخلق والإبداع، لا عائقًا أمام النمو.
ينطلق الكتاب من فرضية جوهرية مفادها أن إفريقيا، رغم ما تزخر به من موارد بشرية وطبيعية، ما زالت تُدار بمنظومات اقتصادية ومؤسسية غير قادرة على استيعاب طاقات مجتمعها، وأن تحفيز الابتكار وريادة الأعمال في القطاع غير الرسمي يمكن أن يكون بوابة لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
يُقدّم هذا العمل قراءة متعددة التخصصات تجمع بين الاقتصاد، وعلم الاجتماع، والإدارة، والسياسات العامة، ليُفكّك بنية الاقتصاد الإفريقي من الداخل، مستعينًا بدراسات حالة ميدانية من نيجيريا ودول إفريقية أخرى تُوضِّح كيف تتجسَّد الريادة والابتكار المحلي في الممارسات اليومية للأفراد والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. ولا يقتصر الكتاب على توصيف الظاهرة، بل يسعى إلى بناء إطارٍ تحليلي مؤسسي يُفسِّر تفاعل الابتكار مع العوامل الثقافية والاجتماعية التي تُشكِّل النظام الإيكولوجي لريادة الأعمال في القارة.
يقع الكتاب في ستة عشر فصلًا مُوزّعة على ثلاثة محاور رئيسة تتناول: النظام الإيكولوجي لريادة الأعمال في إفريقيا جنوب الصحراء، والابتكار في الممارسات الريادية، والأثر الاقتصادي لريادة الأعمال. ومن خلال هذا البناء المنهجي، يرصد المؤلفون العلاقة الوثيقة بين التمكين الاقتصادي، الشمول المالي، والتعليم الريادي المبتكَر من جهة، وبين أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة من جهة أخرى، ولا سيما الهدف التاسع المتعلق بالصناعة والابتكار والبنية التحتية.
ويرى المحررون أن مستقبل التنمية في إفريقيا لا يمكن أن يتحقق عبر استنساخ النماذج الغربية، بل من خلال “الابتكار من الأسفل” الذي ينطلق من التجارب المحلية، والمبادرات المجتمعية، والشبكات غير الرسمية التي تُشكِّل العمود الفقري للاقتصاد الإفريقي.
ومن هذا المنطلق، يُشكِّل الكتاب منصة فكرية لتأصيل نموذج إفريقي بديل للتنمية قائم على المعرفة المحلية، والتمكين المؤسسي، والمشاركة المجتمعية، في سعيٍ نحو تجاوز الهشاشة البنيوية وبناء اقتصادات إفريقية أكثر شمولًا واستدامة.
ينطلق هذا العرض التحليلي من محاولة تفكيك البنية المفاهيمية والمنهجية التي اعتمدها الكتاب في معالجة العلاقة الجدلية بين الابتكار وريادة الأعمال والاقتصاد غير الرسمي؛ بهدف الوقوف على الكيفية التي أعاد بها المؤلفون صياغة هذه العلاقة داخل الإطار الإفريقي المعاصر. ومن خلال قراءة نقدية متأنية لفصول الكتاب ومحاوره، تسعى هذه المراجعة إلى إبراز أهم الإسهامات العلمية التي يُقدِّمها العمل في حقل دراسات التنمية الإفريقية، وتحديد موقعه ضمن الاتجاهات البحثية الحديثة التي تربط بين التحوُّل المؤسسي، والتمكين المجتمعي، والابتكار من الأسفل كمدخل لإعادة بناء المشروع التنموي الإفريقي.
المحور الأول: الخلفية العامة لمضمون الكتاب ومنهجه الأكاديمي
يُقدِّم كتاب “الابتكار وريادة الأعمال والاقتصاد غير الرسمي في إفريقيا جنوب الصحراء: أجندة للتنمية المستدامة” رؤية شمولية ومُعمّقة لإشكالية مركزية في مسار التنمية الإفريقية المعاصرة، وهي: كيف يمكن تحويل الاقتصاد غير الرسمي، بما يحويه من طاقات بشرية هائلة وإبداع عملي متجذّر في الثقافة المحلية، إلى مُحرّك فعّال لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في القارة. تنطلق خلفية الكتاب من إدراكٍ عميقٍ بأن القارة الإفريقية، رغم وفرة مواردها الطبيعية والبشرية، لا تزال أسيرة تحديات بنيوية في التشغيل، والحوكمة، والبنية التحتية، تجعل من القطاع غير الرسمي مظلةً أساسية لمعاش غالبية السكان، لا سيما الشباب والنساء.
يُؤطِّر الكتاب هذه القضية ضمن منظور التنمية المستدامة الشامل الذي أقرَّته الأمم المتحدة، وبالأخص الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بـ«الصناعة، والابتكار، والبنية التحتية». فبدلًا من التعامل مع الاقتصاد غير الرسمي كمُعيق للتنمية أو ظاهرة هامشية، يسعى الكتاب إلى إعادة قراءته كفضاء ديناميكي للابتكار الاجتماعي والاقتصادي، يُنتج حلولًا محلية تتحدَّى قصور النظم الرسمية. ومِن ثَمَّ، يُقدِّم المؤلفون مشروعًا فكريًّا يستند إلى فرضية أن التفاعل بين الابتكار وريادة الأعمال في الاقتصاد غير الرسمي يمكن أن يُشكِّل أساسًا لنمو أكثر شمولًا واستدامة في إفريقيا جنوب الصحراء.
من الناحية المنهجية، يعتمد الكتاب مقاربة متعددة التخصصات (Interdisciplinary Approach) تجمع بين التحليل الاقتصادي، والدراسة المؤسسية، والرؤية السوسيولوجية لريادة الأعمال. ويُبرز هذا المنهج تداخلًا بين النظرية والتطبيق؛ إذ تم توظيف دراسات حالة ميدانية من نيجيريا ودول إفريقية أخرى لتوضيح كيفية تَجسُّد الابتكار في الممارسات اليومية للرياديين غير الرسميين، جنبًا إلى جنب مع مقاربات نظرية تناولت الأطر المؤسسية الحاكمة لمنظومات الابتكار في القارة. كما اتسمت الفصول بتنوّع منهجي واضح؛ فبينما اعتمدت بعض الدراسات التحليل الكيفي القائم على المقابلات والنماذج المفاهيمية، لجأت دراسات أخرى إلى التحليل الكمي باستخدام بيانات مسحية وإحصاءات إقليمية لتفسير العلاقة بين المؤسسات، الابتكار، والأداء الريادي.
وقد تم تنظيم المحتوى العلمي للكتاب في ثلاثة محاور رئيسة مترابطة:
- النظام الإيكولوجي لريادة الأعمال في إفريقيا جنوب الصحراء، الذي يستعرض ملامح القطاع غير الرسمي والعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تُشكِّل بيئته المؤسسية.
- الابتكار في الممارسات الريادية، الذي يُقدِّم نماذج تعليمية وإدارية لتكريس ثقافة الابتكار في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
- الأثر الاقتصادي لريادة الأعمال، الذي يُحلّل الروابط بين الشمول المالي، التمويل الأصغر، وتمكين الفئات الهشَّة عبر آليات السوق المحلية.
من خلال هذا البناء المنهجي، يُوفِّر الكتاب إطارًا تحليليًّا متكاملًا لفهم الاقتصاد الإفريقي من الداخل، بوصفه منظومة متعددة المستويات تتفاعل فيها العوامل المؤسسية والثقافية والاقتصادية. كما يعكس المنهج الأكاديمي للكتاب التزامًا بالصرامة البحثية والدقة في العرض، مع انفتاح على البُعْد العملي في تطبيق مفاهيم الابتكار والتنمية المستدامة في السياقات الإفريقية.
المحور الثاني: أهمية الكتاب وإسهامه في حقل الدراسات الإفريقية
يكتسب كتاب “الابتكار وريادة الأعمال والاقتصاد غير الرسمي في إفريقيا جنوب الصحراء: أجندة للتنمية المستدامة” أهميته من كونه يسدّ فجوة معرفية ملحوظة في أدبيات التنمية الإفريقية والدراسات الاقتصادية المقارنة؛ حيث يعيد تعريف العلاقة بين الابتكار وريادة الأعمال ضمن السياق الإفريقي من منظور مؤسسي وسوسيولوجي معاصر. فبينما انشغلت الأدبيات السابقة في الغالب بتوصيف الاقتصاد غير الرسمي بوصفه إشكالية هيكلية أو نتيجة لضعف الدولة، يأتي هذا الكتاب ليُقدِّم قراءة مغايرة ترى في هذا القطاع مجالًا خصبًا لتوليد الابتكار المحلي، ورافعة محتملة لتحقيق النمو الشامل والمستدام في القارة.
من خلال مقاربة نقدية تجمع بين النظرية والتطبيق، يقدّم الكتاب إطارًا تحليليًّا جديدًا لفهم الاقتصاد غير الرسمي كحاضنة للابتكار، وليس كعائق أمام التنمية. هذا التحوّل المفاهيمي يُعدّ من أبرز إسهامات الكتاب؛ إذ يفتح أفقًا جديدًا أمام الباحثين وصُنّاع القرار لإعادة التفكير في السياسات التنموية الإفريقية من منظور “الابتكار من الأسفل”(Innovation from Below)، أي من داخل التجارب المحلية، والمبادرات الفردية، والممارسات الاجتماعية التي تتولد تلقائيًّا خارج البنى الرسمية.
ويُضاف إلى ذلك أن الكتاب يُثري حقل الدراسات الإفريقية من خلال توطين النظرية الاقتصادية والتنموية في بيئة القارة؛ حيث يسعى إلى “أفرقة” (Africanization) مفاهيم الابتكار وريادة الأعمال عبر ربطها بالبنى الثقافية والمؤسسية المحلية، بعيدًا عن النماذج الغربية المهيمنة. فالتحليل الذي يُقدِّمه يبرز خصوصية التجربة الإفريقية في الجمع بين الاقتصاد غير الرسمي، روح المبادرة، والإبداع المجتمعي، بوصفها مسارات بديلة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
كما تكمن أهمية الكتاب في طابعه متعدد الأصوات والتخصصات؛ إذ شارك في تأليفه أكثر من ثلاثين باحثًا من جامعات ومراكز بحثية في نيجيريا، المملكة المتحدة، وجنوب إفريقيا، ما يمنحه ثراءً معرفيًّا وتنوعًا منهجيًّا يعكس الواقع المُركَّب للاقتصاد الإفريقي. هذا التعدد في الرؤى جعل من الكتاب مرجعًا أكاديميًّا يمكن الاعتماد عليه في تدريس مساقات ريادة الأعمال والتنمية الإفريقية، وفي تطوير سياسات عامة أكثر استيعابًا لدور الاقتصاد غير الرسمي في بناء اقتصادات مرنة وقادرة على التكيُّف مع الأزمات العالمية.
وفي سياق الدراسات الإفريقية الحديثة، يُمثِّل هذا العمل إضافة نوعية إلى النقاش الدائر حول التحول الهيكلي في اقتصادات الجنوب العالمي؛ حيث يطرح نموذجًا إفريقيًّا بديلًا للتنمية قائمًا على الابتكار المجتمعي والتعاون المؤسسي. إنه كتاب يُؤسِّس لمرحلة جديدة من التفكير في قضايا التنمية الإفريقية، تتجاوز الخطابات المعيارية نحو مقاربة واقعية تستلهم التجارب المحلية وتربطها بأُطُر التنمية المستدامة العالمية.
المحور الثالث: المحاور المركزية للكتاب
بنى كتاب “الابتكار وريادة الأعمال والاقتصاد غير الرسمي في إفريقيا جنوب الصحراء: أجندة للتنمية المستدامة” على ثلاثة محاور مركزية تُشكّل معًا الإطار المفاهيمي والبحثي الذي يُنظّم بنيته العامة، ويعكس الرؤية المتكاملة التي تبناها المحررون في معالجة العلاقة بين الابتكار، ريادة الأعمال، والتنمية المستدامة في القارة الإفريقية. هذه المحاور ليست مجرد تقسيم هيكلي للفصول، بل تمثل مستويات تحليلية مترابطة تتيح للقارئ فهمًا معمقًا للمنظومة الريادية الإفريقية في سياقها الاجتماعي والمؤسسي والاقتصادي.
أولًا: النظام الإيكولوجي لريادة الأعمال في إفريقيا جنوب الصحراء
يتناول هذا المحور الأُسس البنيوية والاجتماعية التي يقوم عليها الاقتصاد غير الرسمي في القارة، من خلال تحليل بيئة ريادة الأعمال بما تحمله من فرص وتحديات. ويبرز المؤلفون كيف أن محدودية البنية التحتية، وضعف التشريعات، ونقص التمويل الرسمي لم تمنع نشوء منظومة ريادية حيوية قائمة على المرونة، والتجريب، والابتكار المحلي. يناقش هذا المحور مفاهيم مثل “الاعتماد على الذات”، و”التكيّف المؤسسي” كآليات لاستمرار المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مواجهة الأزمات الاقتصادية، إلى جانب إبراز دور الفاعلين الاجتماعيين –ولا سيما الشباب والنساء– في تحريك عَجَلة الاقتصاد غير الرسمي وتشكيل ملامح ريادة الأعمال الإفريقية الحديثة.
ثانيًا: الابتكار في الممارسات الريادية
يُركّز هذا المحور على البُعْد المعرفي والمؤسسي للابتكار في إفريقيا، موضحًا كيف يمكن تحويل التعليم والتدريب وريادة الأعمال إلى أدوات إستراتيجية لتعزيز الإبداع والإنتاجية. وقد تَميَّز هذا الجزء بطرحه النموذج التكاملي للتعليم الريادي المبتكر (IMIEE) الذي يهدف إلى دمج التعليم النظري بالخبرة العملية من أجل إنتاج رواد أعمال يمتلكون قدرات ابتكارية حقيقية. كما يعرض المحور دراسات ميدانية حول تأثير الابتكار التكنولوجي في قطاعات النقل، الاتصالات، والتصنيع، مسلطًا الضوء على التجارب الناجحة في تطبيق الحلول الرقمية والخضراء في بيئات محدودة الموارد. ويبيّن المؤلفون أن الابتكار في السياق الإفريقي لا يقتصر على التكنولوجيا، بل يشمل كذلك الابتكار الاجتماعي والتنظيمي الذي يُعيد تعريف طرق العمل والتفاعل الاقتصادي في المجتمعات المحلية.
ثالثًا: الأثر الاقتصادي لريادة الأعمال
يستعرض هذا المحور النتائج الاقتصادية والإنمائية لريادة الأعمال في إفريقيا جنوب الصحراء، موضحًا كيف يمكن للابتكار أن يتحوَّل إلى أداة لمكافحة الفقر وتعزيز العدالة الاقتصادية. ويتناول الكتاب في هذا السياق موضوعات الشمول المالي، التمويل الأصغر، والمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة (MSMEs) باعتبارها ركائز أساسية لدعم التنمية القاعدية. كما يُقدِّم تحليلًا عميقًا لدور المؤسسات المالية المحلية في تمكين النساء والفئات الهشَّة من الوصول إلى الموارد الإنتاجية، مؤكدًا أن التمكين الاقتصادي لا يتحقق إلا من خلال بناء منظومة مالية شاملة ومستدامة. ويربط هذا المحور بين الريادة الاقتصادية والتحول الهيكلي في الاقتصادات الإفريقية، مقترحًا نموذجًا تنمويًّا يعتمد على رأس المال البشري والمعرفة المحلية كبدائل للموارد الطبيعية التقليدية.
المحور الرابع: محتويات الكتاب
يتألف كتاب “الابتكار وريادة الأعمال والاقتصاد غير الرسمي في إفريقيا جنوب الصحراء: أجندة للتنمية المستدامة” من ستة عشر فصلًا موزعة على ثلاثة أقسام رئيسة، إضافة إلى مقدمة تمهيدية وخاتمة تحليلية. تتكامل هذه الفصول لتشكل رؤية معرفية متسقة حول الدور الحيوي للابتكار وريادة الأعمال في دعم التنمية المستدامة داخل الاقتصادات الإفريقية، وخاصة في فضاء الاقتصاد غير الرسمي الذي يمثل العمود الفقري للنشاط الاقتصادي في القارة.
القسم الأول: النظام الإيكولوجي لريادة الأعمال في إفريقيا جنوب الصحراء
يضم هذا القسم أربعة فصول تركّز على البيئة المؤسسية والاجتماعية التي تحتضن ريادة الأعمال في القارة، وتحلل طبيعتها غير الرسمية ودورها في الاقتصاد الكلي.
- الفصل الأول: مقدمة الكتاب يضع المحررون – أيودوتون ستيفن إيبيدوني، أويدلي مارتنز أوغندانا، وماكسويل أولوكندون – الإطار المفاهيمي العام للكتاب، موضحين التفاعل الجدلي بين الابتكار وريادة الأعمال والاقتصاد غير الرسمي. يُقدّم الفصل تأصيلًا نظريًّا للعلاقة بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في دعم أو إعاقة النشاط الريادي، مع إشارة إلى الفجوات البحثية التي يسعى الكتاب إلى معالجتها.
- الفصل الثاني: “القفز على العربة – موقعنا في نقاش النظام الريادي“ (Oladele Seun وآخرون) يناقش تطور مفهوم النظام الإيكولوجي الريادي عالميًّا، ثم يُطبّقه على السياق النيجيري. يبرز الفصل ضعف الدراسات الإفريقية في هذا المجال، ويقترح أسئلة بحثية موجهة لبناء إطار وطني لريادة الأعمال.
- الفصل الثالث: “إستراتيجيات استدامة المشروعات الصغيرة والمتوسطة بعد الأزمات البيئية“ (Babatunde Daniel Agbi & Ayodotun Ibidunni) يستند إلى دراسة ميدانية في نيجيريا توضح كيف تتكيَّف المشروعات الصغيرة والمتوسطة مع الصدمات الاقتصادية والصحية مثل جائحة كورونا، وتعرض نماذج مبتكرة للبقاء والنمو في ظل انعدام الدعم المؤسسي.
- الفصل الرابع: “تحفيز الأنشطة الريادية لتحقيق التنمية المستدامة“ (Chioma Onoshakpor & Oyedele Ogundana) يبحث في دوافع النساء والرجال نحو ريادة الأعمال في إفريقيا، موضحًا الفوارق الجندرية في الحوافز والدوافع الريادية، وداعيًا إلى سياسات أكثر حساسية للنوع الاجتماعي.
- الفصل الخامس: “الاقتصاد غير الرسمي في إفريقيا وأهداف التنمية المستدامة 8 و9“ (Muhammed Olawale Hakeem Amuda) يقدم إطارًا تحليليًا يربط بين الاقتصاد غير الرسمي، التشغيل اللائق، والتصنيع المستدام. يناقش عوامل نمو القطاع غير الرسمي كالفقر الحضري والبطالة، ويقترح مسارات لتقنينه عبر الابتكار المؤسسي والتدريب المهني.
القسم الثاني: الابتكار في الممارسات الريادية في إفريقيا جنوب الصحراء
يحتوي هذا القسم على ستة فصول، تعالج التفاعل بين المعرفة، التعليم، والابتكار في دعم ريادة الأعمال، مع استعراض تطبيقات واقعية في قطاعات مختلفة.
- الفصل السادس: “نحو نموذج تكاملي للتعليم الريادي المُبتكَر من أجل الاستدامة المؤسسية“
Mercy Ogbari) وآخرون)؛ يقدّم النموذج التكاملي للتعليم الريادي المبتكر (IMIEE) الذي يدمج بين التعلم التجريبي، التفكير التصميمي، والتطبيق العملي لتخريج جيل من رواد الأعمال المبدعين القادرين على التغيير المؤسسي. - الفصل السابع: “النظام الريادي ودور الشركات متعددة الجنسيات في تحقيق الهدف التاسع للتنمية المستدامة“ Ugbede Umoru)وآخرون)؛ يحلل كيف تساهم شركات الاتصالات متعددة الجنسيات في دعم الابتكار وريادة الأعمال في نيجيريا عبر الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وحاضنات التكنولوجيا.
- الفصل الثامن: “النقل والتنمية الاقتصادية: الابتكار التكنولوجي والاستدامة في قطاع النقل“
Toyin Olowogbon) وآخرون)، يقدم دراسة ميدانية عن تطبيقات النقل الذكي (O-Pay) في نيجيريا، موضحًا أثرها على الإنتاجية، الدخل، وفرص العمل. - الفصل التاسع: “دوافع الابتكار البيئي في المصانع النيجيرية“ (Olufemi & Grace Popoola) يعتمد على بيانات البنك الدولي لتفسير تبنّي الابتكار البيئي (Eco-Innovation) في القطاع الصناعي، مؤكدًا دور السياسات التنظيمية والتعاون المؤسسي في التحوُّل نحو الاقتصاد الأخضر.
- الفصل العاشر: “الابتكار المفتوح عبر سلسلة القيمة الابتكارية: منظور إفريقي“ (Lerato Mdaka & Mpumelelo Longweni) يقدم نموذجًا مفاهيميًّا جديدًا للابتكار المفتوح، يوضح آليات الانتقال من الفكرة إلى السوق في السياق الإفريقي، مع التركيز على دور التعاون بين القطاعين العام والخاص.
- الفصل الحادي عشر: “تحليل تجريبي لتأثير المؤسسات على ريادة الأعمال المبتكرة“ (Muftau Olarinde & Shehu Auta) ، يستخدم بيانات من 20 دولة إفريقية لتأكيد أن جودة المؤسسات ترتبط إيجابيًّا بنشاط ريادة الأعمال الابتكارية، داعيًا إلى إصلاحات هيكلية تعزز بيئة الأعمال.
القسم الثالث: الأثر الاقتصادي لريادة الأعمال في إفريقيا جنوب الصحراء
يضم هذا القسم خمسة فصول تُركّز على العلاقة بين ريادة الأعمال، الشمول المالي، والتنمية المستدامة، مع تطبيقات على السياسات المالية والقيادة الاقتصادية.
- الفصل الثاني عشر: “التمويل الأصغر كأداة للقضاء على الفقر والمساواة بين الجنسين“ (Damian Kalu Ude) ، يبرهن على أن التوسع في خدمات التمويل الأصغر يعزز تمكين النساء ويقلل معدلات الفقر في نيجيريا، داعيًا إلى إصلاحات تنظيمية لدعم المؤسسات الصغيرة.
- الفصل الثالث عشر: “الشمول المالي والحدّ من الفقر في إفريقيا جنوب الصحراء“
Achugamonu Bede Uzoma) وآخرون)، يقدم تحليلًا قياسيًّا لعلاقة الشمول المالي بالنمو الاقتصادي في 27 دولة إفريقية، ويقترح تطوير البنية الرقمية للأنظمة المالية. - الفصل الرابع عشر: “قدرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة على التكيّف في أوقات الأزمات“
Ayodotun Ibidunni) وآخرون)، يناقش كيف أعادت المشروعات الصغيرة هيكلة عملياتها خلال جائحة كورونا عبر التحول الرقمي، مسلطًا الضوء على مرونتها التنظيمية. - الفصل الخامس عشر: “ريادة الأعمال والتنمية الاقتصادية: إطار قيادي جديد“
Abdullah Promise Opute) وآخرون(، يقدم إطارًا مزدوجًا للقيادة يجمع بين دور الدولة والرياديين في توجيه النشاط الاقتصادي نحو النمو المستدام. - الفصل السادس عشر: “خاتمة الكتاب: الاقتصاد غير الرسمي كمنصة للابتكار والتنمية“،
يُلخّص المحررون مضامين الفصول، مؤكدين أن الاقتصاد غير الرسمي في إفريقيا ليس مجرد استجابة للقصور الهيكلي، بل قاعدة صلبة لبناء نموذج إفريقي للتنمية المستدامة قائم على الابتكار والتمكين المؤسسي.
ويتضح مما سبق، أن المحتوى الغني للكتاب يجعله مرجعًا متعدد المستويات؛ فهو يجمع بين التنظير العميق، التحليل الكمي والكيفي، والدراسة التطبيقية عبر مجالات الاقتصاد، الإدارة، والسياسات العامة. كما أن تنوع موضوعاته بين التعليم الريادي، الابتكار المؤسسي، الشمول المالي، والتمكين الاجتماعي يعكس الوعي بترابط عناصر التنمية الإفريقية الحديثة. يُمثّل هذا الكتاب مشروعًا فكريًّا متكاملًا لإعادة التفكير في التنمية من الداخل، عبر منظور إفريقي يزاوج بين المعرفة المحلية والممارسة الابتكارية، ويفتح آفاقًا جديدة أمام الباحثين وصنّاع القرار في القارة.
المحور الخامس: خاتمة تحليلية وتقييم عام للكتاب
يُختتم كتاب “الابتكار وريادة الأعمال والاقتصاد غير الرسمي في إفريقيا جنوب الصحراء: أجندة للتنمية المستدامة” برؤية تحليلية تُعيد قراءة مجمل مباحثه في ضوء هدفه المركزي: إعادة تعريف الاقتصاد غير الرسمي كمنصة للابتكار والتنمية في القارة الإفريقية. ومن خلال ستة عشر فصلًا توزعت على ثلاثة أقسام مترابطة، استطاع الكتاب تقديم مساهمة علمية رصينة في حقل دراسات التنمية الإفريقية وريادة الأعمال؛ حيث جمع بين الإطار النظري المتين، والبحث الميداني الدقيق، والتحليل المؤسسي العميق.
من الناحية المفاهيمية، يبرز الكتاب كأحد المحاولات الجادة لتفكيك النظرة النمطية السائدة حول الاقتصاد غير الرسمي، والتي طالما صورته كمجرد نتاج للفقر وضعف الدولة. في المقابل، يقترح المحررون والمساهمون في هذا العمل أن هذا الاقتصاد يُشكّل فضاءً حيًّا للابتكار الاجتماعي والاقتصادي، وأن قدرته على الصمود والتكيّف تمثل ركيزة أساسية لأيّ مشروع تنموي إفريقي مستدام. لقد نجح الكتاب في إظهار أن الفاعلين الاقتصاديين في هذا القطاع –من رواد الأعمال، والنساء، والمشروعات الصغيرة– يمتلكون استراتيجيات إبداعية تستحق أن تُدرَس بوصفها نموذجًا للتنمية من القاعدة إلى القمة .(Bottom-up Development)
ومن الناحية المنهجية، تميز الكتاب بتطبيقه منهجًا متعدد التخصصات (Interdisciplinary Approach) جمع بين الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وإدارة الأعمال، والسياسات العامة. فقد استخدم الباحثون مقاربات كمية وكيفية متنوعة: تحليلات إحصائية، دراسات حالة ميدانية، مقابلات نوعية، ونماذج مفاهيمية، وهو ما أضفى على العمل ثراءً منهجيًّا ومصداقية علمية عالية. كما حافظت الفصول على ترابط منطقي بين المستويات التحليلية الثلاثة التي بُني عليها الكتاب:
- المستوى البنيوي: تحليل النظام الإيكولوجي الريادي والمؤسسي في القارة.
- المستوى التطبيقي: عرض الممارسات الابتكارية في التعليم، الصناعة، والخدمات.
- المستوى التأثيري: قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي لريادة الأعمال في تحقيق التنمية المستدامة.
من حيث القيمة العلمية، يسهم الكتاب في إثراء النقاش حول أفرقة مفاهيم الابتكار والتنمية، أي: إعادة صياغتها بما يتناسب مع التجارب الإفريقية المحلية بدلًا من تبني النماذج الغربية المعيارية. فالباحثون لم يكتفوا بوصف الظواهر الريادية، بل سعوا إلى تأسيس نظرية بديلة تنطلق من الواقع الإفريقي ذاته، ما يجعل الكتاب مرجعًا مهمًّا في اتجاه “التحرر المعرفي” (Epistemic Decolonization) الذي تتبناه الدراسات الإفريقية الحديثة.
كما يُحسَب للكتاب تركيزه على التمكين الجندري والشمول المالي باعتبارهما بُعْدين أساسيين في مشروع التنمية المستدامة. فقد جاءت الفصول المتعلقة بالنساء الرياديات، والتمويل الأصغر، والاقتصاد الرقمي لتؤكد أن التنمية في إفريقيا لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كانت شاملة لجميع الفئات، قائمة على العدالة الاقتصادية، والمشاركة المجتمعية الواسعة.
ــــــــــــــــــــــ
المصدر:
Ibidunni, A. S., Ogundana, O. M., & Olokundun, M. A. (Eds.). (2024). Innovation, entrepreneurship and the informal economy in sub‑Saharan Africa: A sustainable development agenda. Palgrave Macmillan (Springer Nature). https://doi.org/10.1007/978‑3‑031‑46293‑1











































