د. جيهان عبد الرحمن جاد
باحثة متخصصة في الشؤون الإفريقية
تشهد القارة الإفريقية منذ مطلع الألفية الثالثة تحولاً هيكلياً عميقاً في بنية الفضاء الاتصالي الرقمي، مدفوعاً بالتوسع المتسارع في انتشار تقنيات الاتصال الحديثة وتزايد أعداد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي بشكلٍ غير مسبوق. ولم يقتصر أثر هذا التحول على توسيع قنوات التواصل وتدفق المعلومات فحسب، بل أفضى إلى ظهور فاعلين من غير الدول يمتلكون قدرات تأثيرية منهجية وموجَّهة إلى الرأي العام، قادرين على التدخل المباشر في عمليات تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه الخطاب السياسي والاجتماعي.
وتأتي في صدارة هؤلاء الفاعلين ما يُعرف بـ«الكتائب الإلكترونية» Electronic Brigades أو «الجيوش الإلكترونية»، التي تستخدم أساليب متقدمة في إنتاج السرديات ونشر المحتوى الموجَّه، بما في ذلك المعلومات المضللة والدعاية الممنهجة، بهدف تعزيز أجندات سياسية أو أيديولوجية أو اقتصادية محددة.
وفي سياق تحوّل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات صراع غير تقليدية؛ صارت هذه الفضاءات الرقمية بؤرةً لأنماطٍ جديدة من الحروب المعرفية والنفسية، تشارك فيها جهاتٌ متنوعة، تتراوح بين الأفراد والجماعات المنظمة، والتنظيمات غير النظامية، وحتى الدول التي باتت تُدير عمليات نفوذ رمزي وسياسي عبر هذه المنصات.
وفي الحالة الإفريقية تحديداً؛ تحولت هذه البيئة الرقمية إلى أرضٍ خصبة لنشأة وتوسع جماعات الضغط الإلكتروني، القادرة على التأثير في التوجهات الفكرية والسياسية للجمهور الإفريقي المعاصر.
تهدف هذه الورقة إلى تحليل الدور المتنامي والمعقّد الذي تضطلع به الكتائب الإلكترونية في إعادة تشكيل الوعي المجتمعي داخل القارة الإفريقية، وذلك من خلال تفكيك منظومة عملها، ورصد أدواتها التقنية والخطابية، وتقييم أثرها في البنية السياسية والاجتماعية السائدة. فعلى الرغم مما أتاحته الثورة الرقمية من فرصٍ واسعة لتعزيز الوعي المدني، وتمكين الفئات الشبابية، وتوسيع نطاق المشاركة الديمقراطية، فإنها في المقابل أسهمت في بروز تحديات إستراتيجية عميقة تمس الأمن المجتمعي والقومي على حدٍّ سواء.
وعليه؛ ستتناول الورقة هذه الظاهرة من خلال المحاور الآتية:
– أولاً: تعريف الكتائب الإلكترونية.
– ثانياً: السياق الإفريقي – لماذا تُعَدّ إفريقيا ساحة مثالية للكتائب الإلكترونية؟.
– ثالثاً: تأثير السياقين السياسي والاجتماعي في ديناميات النشاط الإلكتروني.
– رابعاً: آليات عمل الكتائب الإلكترونية في إفريقيا.
– خامساً: تأثير الكتائب الإلكترونية على الوعي المجتمعي في إفريقيا.
– سادساً: إستراتيجيات الحد من أثر الكتائب الإلكترونية.
– الخاتمة.
أولاً: تعريف الكتائب الإلكترونية:
تُمثّل الكتائب الإلكترونية تشكيلات منظّمة تُستخدم للتأثير في الرأي العام وصناعة سردياتٍ موجّهة تخدم أهدافاً سياسية أو اقتصادية أو ثقافية. وتعتمد في عملها على أدواتٍ مثل: الحسابات الوهمية، والحملات الرقمية المُنسَّقة، وشبكات الروبوتات البرمجية، وتحليل البيانات الضخمة، بما يسمح لها بإعادة تشكيل الفضاء المعلوماتي وصياغة اتجاهات رأي قد تبدو حقيقية رغم ابتعادها عن الواقع[1].
ويكشف توسُّع هذه التشكيلات عن أزمةٍ معرفية تتعلق بقدرة الجمهور على التمييز بين الحقيقة والتلاعب، إذ تمنح كثافة التكرار للمعلومات المضللة ما يشبه «الشرعية الزائفة». وتتنوع الكتائب بين مجموعاتٍ تُنشئها الدول لتحقيق مصالحها، وأخرى توظفها جماعات متطرفة في الاستقطاب والتجنيد. وتتميّز بقدرتها على التخفي، وسرعة الانتشار، والفاعلية في التأثير غير المباشر، ما يجعل تتبُّعها وضبطها مهمةً معقدة[2].
وعلى الرغم من إمكانية توظيفها كأداةٍ ضمن القوة الإلكترونية للدولـة؛ فقد تتحول- إذا ما خرجت عن السيطرة- إلى مصدر تهديد للأمن القومي. وتبرز أهميتها الإستراتيجية في قدرتها على بناء سرديات مضادة، وتوجيه المزاج العام، والتأثير في الإدراك الجمعي، خصوصاً في سياقات الأزمات والصراعات[3].
ثانياً: السياق الإفريقي – لماذا تُعَدّ إفريقيا ساحة مثالية للكتائب الإلكترونية؟:
يُشكّل الانتشار المتسارع لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في إفريقيا، خلال العقد الأخير، متغيّراً بنيوياً فاعلاً، أعاد تشكيل أنماط السلوكَين السياسي والاجتماعي داخل القارة. فقد أسهم التوسع الكبير في استخدام الإنترنت ومنصّات التواصل الاجتماعي في إعادة تعريف المجال العام الإفريقي، منتقلاً به من فضاءٍ تقليدي محدود التأثير إلى بيئةٍ رقمية مفتوحة تُصاغ داخلها المواقف العامة، وتتبلور الاتجاهات السياسية، وتنشأ صراعات رمزية وإعلامية ذات أثر مباشر في مسارات الاستقرار السياسي.
تُظهر المؤشرات الإحصائية اعتماد مئات الملايين من الأفراد على المنصّات الرقمية باعتبارها المصدر الرئيس للمعلومات والتفاعل، الأمر الذي جعلها إحدى أكثر أدوات التأثير حضوراً في السياق الإفريقي المعاصر. ومع ذلك؛ فإن هذا التحول التكنولوجي لم يتحقق بوتيرةٍ واحدة؛ إذ تُسجّل دول شمال القارة وجنوبها، إضافةً إلى نيجيريا وكينيا، نسب انتشار أعلى للإنترنت مقارنةً بدولٍ أخرى لا تزال تعاني من ضعفٍ كبير في البنية التحتية الرقمية. ويخلق هذا التفاوت مساراتٍ متفاوتةً لفعالية الكتائب الإلكترونية في التأثير والاختراق، تبعاً لمستويات الإتاحة الرقمية وحجم الجمهور المتصل بالشبكة.
في ضوء ذلك؛ يصبح فهم التحولات الرقمية شرطاً منهجياً لتحليل الظاهرة، إذ لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيط ناقل للمحتوى، بل إطاراً يُعيد تشكيل طبيعة الحملات الإلكترونية، وأدواتها، وسرعة انتشارها، وقدرتها على التأثير في الوعي العام وإعادة إنتاجه[4].
ثالثاً: تأثير السياقين السياسي والاجتماعي في ديناميات النشاط الإلكتروني:
تعمل الكتائب الإلكترونية في إفريقيا ضمن بيئةٍ سياسية واجتماعية تتسم بدرجات عالية من التعقيد؛ حيث تتداخل مراحل انتقال ديمقراطي غير مكتمل مع صراعات ممتدة على الهوية والسلطة والموارد، إضافةً إلى تفاوتات اقتصادية حادّة. وفي ظل هذه الهشاشة البنيوية؛ يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحةٍ مثالية للقوى المحلية والإقليمية والدولية الساعية إلى التأثير في اتجاهات الرأي العام، أو دفع المجتمعات نحو مساراتٍ صراعية تُحقّق أهدافاً سياسية أو أمنية أو اقتصادية.
وتُظهر الدراسات المقارنة أن فعالية حملات التأثير الرقمي تتعزّز في سياقاتٍ تتوافر فيها مجموعة من عناصر الضعف البنيوي، أبرزها:
1- هشاشة النظام الإعلامي:
تعاني نسبة كبيرة من الدول الإفريقية من بنية إعلامية ضعيفة، تخلق فراغاً معلوماتياً يسمح بانتشار المحتوى المضلّل. ويُعزى ذلك إلى:
- محدودية المؤسسات الإعلامية المهنية القادرة على إنتاج محتوى موثوق.
- غياب أنظمة فعّالة للتحقق من المعلومات Fact-checking.
- ضعف التشريعات المنظمة للفضاء الرقمي، بما يتيح مساحةً كبيرة لأنشطة التأثير المنسق.
وفي ظل هذا الفراغ الإعلامي؛ يصبح المحتوى الذي تنتجه الكتائب الإلكترونية قادراً على استغلال الثغرات المعلوماتية، واحتلال مساحة واسعة من الوعي العام.
2- اتساع القاعدة الشبابية:
يمثل الشباب دون سن الثلاثين أكثر من 65% من سكان إفريقيا، وهم الفئة الأكثر تفاعلاً مع الوسائط الرقمية. وباعتبارها الفئة الأكثر قابليةً للتأثر بالخطاب التعبوي والسرديات الرقمية؛ تصبح قناةً محورية تعتمد عليها الكتائب الإلكترونية في تعزيز انتشار رسائلها، وتوسيع نطاق تأثيرها، عبر «موجات انتشار» سريعة ومتتابعة[5].
3- حدة الاستقطاب السياسي والعرقي:
تُسهم التعددية العرقية والقبلية، إلى جانب الصراعات السياسية حول السلطة، في جعل المجتمعات أكثر قابليةً للاشتعال الرقمي. فالاستقطاب يُمثّل بيئةً خصبة تُضاعِف قوة الرسائل التحريضية، التي قد تتحول خلال لحظات التوتر السياسي إلى أدوات تعبئة، أو محركات للعنف، أو وسيلة لتوجيه الرأي العام نحو خياراتٍ محددة[6].
4- التنافس الجيوسياسي للقوى الدولية:
أصبحت إفريقيا، خلال العقدين الأخيرين، الساحة الأبرز للتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى (الصين، الولايات المتحدة، روسيا، فرنسا، تركيا، الإمارات.. وغيرها)، حيث صار الفضاء الرقمي أحد أهم ميادين هذا الصراع غير التقليدي، والكتائب الإلكترونية إحدى أخطر أدواته.
تُوظَّف هذه الكتائب لتحقيق ثلاثة أهداف إستراتيجية رئيسية:
1- تعزيز المكاسب الاقتصادية: عبر الترويج لسرديات تُمجِّد شراكات المعادن النادرة والطاقة، وتُشوِّه المنافسين بتهم الاستعمار الجديد.
2- إعادة تشكيل التحالفات السياسية وتوجيه القرار السيادي: كما حدث في الساحل، حيث دعمت حملات روسية-الأصل عبر فيسبوك وتيليجرام الانقلابات في مالي (2020-2021م) وبوركينا فاسو والنيجر (2022-2023م)؛ مقابل تشويه الوجود الفرنسي.
3- دعم التموضع العسكري والأمني في مناطق حساسة (القرن الإفريقي، ليبيا، وسط إفريقيا): من خلال تضخيم الروايات المؤيدة لقواعد جديدة، وحملات تشويه ضد القواعد المنافسة.
ومن ثَمّ؛ لم تعد الكتائب الإلكترونية فاعلاً محلياً فحسب، بل أصبحت جزءاً عضوياً من منظومة نفوذ دولية مُموَّلة ومُوجَّهة من الخارج، مما يرفع قدرتها التدميرية، ويجعل مواجهتها تتطلب تعاوناً إقليمياً ودولياً غير مسبوق، لأنها لم تعد تُشوِّه الوعي المحلي فقط، بل تُعيد رسم خريطة النفوذ الجيوسياسي في القارة بأكملها[7].
رابعاً: آليات عمل الكتائب الإلكترونية في إفريقيا:
تُوظِّف الكتائب الإلكترونية في إفريقيا طيفاً واسعاً من الأدوات الرقمية المتقدّمة، التي تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وتوجيه السلوك السياسي والاجتماعي وفق مصالح محددة. ويقوم هذا التوظيف على بنية تقنية وتنظيمية مركّبة، تشمل منظومات اتصال رقمي متطورة، وخوارزميات تحليل سلوكي للجمهور، وآليات دقيقة لاختراق النقاشات العامة والتأثير في الرأي العام.
ويمكن تصنيف أبرز أدوات التأثير وآليات عملها، مع الأمثلة التطبيقية، على النحو الآتي:
1- الحسابات الوهمية والبوتات الآلية:
تُعدّ الحسابات الوهمية والبوتات الآلية من الركائز الأساسية للعمليات الرقمية المنسّقة في إفريقيا، حيث تُنشأ الحسابات الوهمية لتُحاكي المستخدمين الحقيقيين؛ من خلال محاكاة اللغة المحلية، وأنماط التفاعل، والاهتمامات الثقافية والاجتماعية السائدة. وتعتمد البوتات الآلية على خوارزميات قادرة على توليد آلاف الرسائل في فترة زمنية قصيرة، مما يؤدي إلى توسيع الاستقطابات على الشبكات الرقمية، وخلق انطباع زائف بوجود رأي عام واسع يدعم موقفاً محدداً. وتتمثل أبرز آليات عمل هذه الأداة في تضخيم الرسائل، حيث تستخدم الكتائب آلاف الحسابات الوهمية، وروبوتات التغريد والنسخ الآلي، لتعزيز انتشار المحتوى وإظهار إجماع جماهيري مصطنع. وقد تجلّى هذا الاستخدام بوضوح في نيجيريا، حيث استُخدمت الحسابات الوهمية والبوتات على نطاقٍ واسع لنشر شائعات قبل أيامٍ من الانتخابات، مما ساهم في تشكيل انطباع شعبي حول دعم أو رفض مرشحين محددين[8].
2- الهاشتاجات المنسّقة وصناعة الترند:
تعتمد الكتائب الإلكترونية على إستراتيجية «الترند المصطنع»، إذ تُطلق مئات أو آلاف الحسابات وسماً معداً مسبقاً خلال فترة زمنية قصيرة، بهدف رفع احتمالات إدراجه ضمن قوائم المواضيع الأكثر تداولاً، وفرض أجندة محددة للنقاش العام. وتتمثل آلية العمل الأساسية في إعادة توجيه النقاش العام عبر حملات رقمية منسّقة تُظهر اهتماماً جماهيرياً غير واقعي، ما يخلق انطباعاً زائفاً بوجود إجماع شعبي حول قضية معيّنة[9].
ويظهر ذلك بوضوح في تجارب عدة دول إفريقية، حيث استخدمت كينيا وزيمبابوي وجنوب إفريقيا هاشتاجات منسقة للتأثير في النقاشات السياسية والتحشيد القبلي قبل الانتخابات، ما ساهم في فرض أجندة النقاش العام على المنصات الرقمية. وفي السودان، تشارك الأطراف المتصارعة في الحرب الرقمية عبر تشغيل كتائب إلكترونية تمارس حرباً معلوماتية منظمة، تهدف إلى تضخيم الروايات المؤيدة لكل طرف، وزعزعة مصداقية الخصوم، والتأثير في الرأي العام المحلي والدولي، بما يعكس أبعاداً متقدمة للصراع الإعلامي الرقمي في البلاد[10].
3- التضليل المعلوماتي وصناعة الأخبار الكاذبة:
يُمثّل التضليل الرقمي إحدى الأدوات الرئيسة للكتائب الإلكترونية، إذ يتم من خلاله إنتاج محتوى مُضلِّل عالي الجاذبية، يشمل فبركة البيانات السياسية والاقتصادية، وتحريف تصريحات المسؤولين، واستخدام صور أو فيديوهات خارج سياقها الأصلي، وابتكار روايات خيالية تهدف إلى تأجيج الانقسامات المجتمعية. وتتمثل إحدى أبرز آليات العمل في هندسة الأزمات الرقمية، والتي تعتمد على خلق أزمات اصطناعية عبر نشر شائعات حول استقرار العملات الوطنية، أو تشويه سمعة مؤسسات حكومية، أو تأجيج خطاب الكراهية بين مجموعات إثنية أو قبلية. وقد تجلت خطورة هذه الآلية عملياً في إثيوبيا، حيث استُخدمت المعلومات المضللة وخطابات الكراهية لتصعيد النزاعات بين الجماعات الإثنية في مناطق تيجراي وأورومو، مما أسهم في انتقال الصراعات من الفضاء الرقمي إلى الواقع الميداني[11].
4- الحملات الرقمية المنسّقة:
تشنّ الكتائب الإلكترونية حملات رقمية متزامنة تستهدف شخصيات عامة أو قضايا محددة، عبر إغراق الحسابات برسائل عدائية أو تشويهية، ونشر محتوى إيجابي مكثّف لدعم سياسات أو مرشحين معينين، إضافةً إلى تنفيذ حملات ممنهجة تهدف إلى تقويض مصداقية الفاعلين السياسيين والاجتماعيين. وتعتمد هذه الحملات على آلياتٍ متقدمة تشمل استهداف النخب وقادة المجتمع، مثل الصحفيين المستقلين، والأكاديميين، والمؤثرين الرقميين، والقادة المحليين، بهدف إسكات الأصوات الناقدة، أو دفعها إلى مواقف محددة تحت ضغط الحملات الرقمية. ويُجسّد مثال حركة #EndSARS[12] في نيجيريا هذا الدور المزدوج للكتائب الإلكترونية، حيث ساهمت في دعم التعبئة والتنظيم عبر الوسائط الرقمية، وفي الوقت نفسه سعت إلى تشويه الحراك من خلال نشر محتوى مضلّل ضد المتظاهرين.
كما يشمل عملها التلاعب المنهجي بالمعلومات، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو ثلث المحتوى السياسي في إفريقيا يخضع لعمليات تضليل رقمية ممولة، سواءً من جهات محلية أو دولية، ما يعكس اتساع نطاق الظاهرة وتأثيرها العميق في تشكيل الوعي السياسي العام[13].
خامساً: تأثير الكتائب الإلكترونية في الوعي المجتمعي في إفريقيا:
يُحدِث نشاط الكتائب الإلكترونية في إفريقيا تأثيرات عميقة وبنيوية في الوعي المجتمعي، تتجاوز مجرد التلاعب المؤقت بالرأي العام؛ لتصل إلى إعادة تشكيل الإدراك الجمعي والهوية الاجتماعية والاستقرار السياسي.
ويمكن تلخيص هذه التأثيرات في المحاور الرئيسية الآتية:
1- صناعة واقع رقمي بديل وتشويه الإدراك الجمعي:
تسعى الكتائب الإلكترونية إلى بناء «حقيقة موازية»، من خلال التكرار المنهجي للرسائل المضللة، وفرض سرديات انتقائية، وتضخيم الروايات المؤيدة لأجندات محددة. ومع استمرار هذا التكرار، عبر آلاف الحسابات الوهمية والبوتات، تتحول المعلومات الرقمية تدريجياً إلى مرجع معرفي يُنظر إليه على أنه موضوعي وغير قابل للتشكيك، مما يُضعف قدرة الجمهور على التمييز بين الوقائع والتلفيق، ويُنتج ما يُعرف بـ«اليقين المعرفي الزائف». هكذا يصبح الوهم هو الحقيقة المتداولة يومياً، ويترسخ لدى شرائح واسعة من المجتمع إدراك مشوَّه للأحداث السياسية والاجتماعية.
2- تحويل المجتمع من «تحليلي» إلى «تفاعلي انفعالي»:
تعمل الكتائب الإلكترونية على تعزيز ثقافة التفاعل الفوري والعاطفي مع المحتوى الرقمي؛ على حساب التفكير النقدي والتحقق المنهجي. ونتيجةً لذلك؛ يتحول الفرد الإفريقي – وخاصةً الشباب الذين يشكلون غالبية مستخدمي المنصات– إلى كائن سريع الغضب، سريع التصديق، وسريع المشاركة دون تمحيص. ويؤدي هذا التحول إلى تسريع انتشار الموجات الفيروسية للمعلومات المضللة، وتضاعف تأثير الحملات الإلكترونية، وتقليص مساحة المقاومة المجتمعية أمام التضليل، مما يجعل المجتمعات أكثر عرضةً للاستقطاب والتعبئة الآنية.
3- تقويض الاستقرار السياسي وإعادة رسم ديناميات السلطة:
ساهمت حملات الكتائب الإلكترونية في إثارة اضطرابات سياسية واجتماعية واسعة النطاق، وفي التأثير المباشر في نتائج العمليات الانتخابية ومسارات الانتقال السياسي في عدد من الدول الإفريقية. فقد استُخدمت البوتات والهاشتاجات المنسقة في كينيا (2017-2023م) لتأجيج الاستقطاب العرقي وتشويه سمعة المعارضة، وشنَّت حملات تضليل واسعة في نيجيريا (2019 و2023م) ضد حركة #EndSARS وخلال الانتخابات العامة، بينما دعمت منصات مرتبطة بروسيا روايات الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو. وقد أدى ذلك كله إلى تعميق الاستقطاب السياسي، وتراجع الثقة في المؤسسات الديمقراطية، وارتفاع وتيرة العنف السياسي، لتصبح الكتائب الإلكترونية أداةً فعلية لإعادة رسم ديناميات السلطة والصراع في القارة[14].
4- تفكيك التماسك الاجتماعي وإعادة تشكيل الهوية الثقافية:
تُشكّل الكتائب الإلكترونية تهديداً وجودياً للنسيج الاجتماعي الإفريقي من خلال تضخيم خطاب الكراهية العرقية والدينية، كما حدث في إثيوبيا أثناء نزاع تيجراي (2020-2022م) وفي السودان منذ 2023م، ومن خلال صناعة «أبطال رقميين» و«أعداء افتراضيين» يُعاد على أساسهما تعريف الانتماء والهوية. كما تعمل على تطبيع الانقسامات القبَلية والطائفية وتحويلها إلى هويات سياسية صلبة غير قابلة للتوفيق، مما يؤدي إلى إضعاف الروابط الاجتماعية التقليدية، وتعميق الانشطارات داخل المجتمعات المتعددة الأعراق والأديان[15].
5- تهديد الأمن القومي والمجتمعي والاقتصادي المتعدد الأبعاد:
تمتد آثار الكتائب الإلكترونية إلى شل عمليات اتخاذ القرار الإستراتيجي وتقويض الثقة في مؤسسات الدولة، وإثارة أزمات اقتصادية فورية عبر شائعات انهيار العملة أو نقص السلع الأساسية– كما حدث في زيمبابوي 2019م وغانا 2022م-، وتحويل النزاعات المحلية المحدودة إلى صراعات شاملة يصعب احتواؤها. وبهذا؛ يصبح الفضاء الرقمي امتداداً فعلياً لساحات الحرب غير التقليدية، وأداةً قادرة على زعزعة الاستقرار الشامل للدول والمجتمعات الإفريقية في آنٍ واحد[16].
سادساً: إستراتيجيات الحد من أثر الكتائب الإلكترونية:
تُعدّ الكتائب الإلكترونية تهديداً متزايداً للوعي المجتمعي والأمن الوطني في إفريقيا، مما يستدعي تبنّي إستراتيجيات متعددة الأبعاد لمواجهتها.
وتشمل هذه الإستراتيجيات ما يلي:
1- تعزيز الثقافة الرقمية والوعي الإعلامي:
يُعدّ تعليم الجمهور كيفية التحقق من المعلومات ومصادرها أداةً مركزية لمقاومة التضليل الرقمي. يشمل ذلك: إدراج برامج التثقيف الرقمي في المناهج الدراسية، وتنظيم ورش عمل مجتمعية، وإطلاق حملات توعية على المنصات الرقمية لتعزيز القدرة على التمييز بين الأخبار الصحيحة والمضللة.
2- تطوير أنظمة رصد وتحليل البيانات الرقمية:
تستخدم الحكومات والمؤسسات المدنية التكنولوجيا لرصد الحسابات الوهمية وتحليل أنماط انتشار المعلومات المضللة، وتحديد الحملات الرقمية المنسقة. تُمكّن هذه الأنظمة من اكتشاف الهجمات الإلكترونية مبكراً، واتخاذ إجراءات وقائية قبل أن تتوسع تأثيراتها.
3- تحديث التشريعات والسياسات التنظيمية:
يشمل ذلك: وضع أطر قانونية لمكافحة الحسابات المنسقة، ومعاقبة الجهات المروّجة للمعلومات المضللة، وضمان شفافية الحملات الرقمية. وتساهم هذه الأطر في الحد من قدرة الكتائب الإلكترونية على التأثير في الرأي العام والعمليات الانتخابية.
4- تعزيز التعاون الدولي والإقليمي:
نظراً للطبيعة العابرة للحدود للفضاء الرقمي؛ يصبح التعاون بين الدول الإفريقية والمنظمات الإقليمية والجهات الدولية ضرورياً لمواجهة التضليل الرقمي، وتبادل المعلومات، ووضع إستراتيجيات مشتركة للتدخل السريع عند اكتشاف حملات منسقة.
5- دعم وسائل الإعلام المستقلة ومنصات التحقق من الأخبار:
يُعدّ الإعلام الحر والمنصات المتخصصة في التحقق من الأخبار خط الدفاع الأول ضد التضليل. ويتضمن ذلك: تعزيز استقلالية الصحفيين، وتمويل منصات التحقق، وتوفير أدوات للجمهور لمراجعة المعلومات، ما يقلّص قدرة الكتائب الإلكترونية على التأثير في الرأي العام.
6- تعزيز مرونة المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية:
يساهم تشجيع النقاشات المفتوحة، ودعم البحث العلمي حول التهديدات الرقمية، وتدريب القادة المحليين على إدارة الأزمات الرقمية، في تعزيز قدرة المجتمع على التكيف وتقليل التأثير السلبي للكتائب الإلكترونية، وتحويل الأفراد من جمهور تفاعلي إلى جمهور تحليلي قادر على التمييز بين الحقيقة والزيف.
الخاتمة:
لم تعد الكتائب الإلكترونية مجرد مجموعات تبث تعليقات موجهة، بل أصبحت أدوات تأثير ناعمة تعيد تشكيل الوعي داخل المجتمعات الإفريقية، عبر التأثير في الاستقرار السياسي، وتوزيع الثروة، والعلاقات الدولية، ووحدة المجتمع ومسار التنمية. وقد تحولت إلى أحد مكونات حروب الجيل الخامس، تمارس أدواراً تتجاوز الدعاية التقليدية لتصبح منظومات تأثير متقدمة، قادرة على إعادة صياغة السلوك السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
ويُبيّن تحليل الظاهرة أنها نتاج تفاعل معقد بين عوامل سياسية وأمنية واقتصادية وثقافية، ما يستدعي فهماً متعدد التخصصات لفك آليات عملها ورصد أهدافها وقياس آثارها على الوعي المجتمعي وبنية الدولة. وتواجه الدول الإفريقية تحدياً أساسياً في بناء منظومات حماية رقمية ومجتمعية؛ توازن بين صون حرية التعبير وحماية الأمن القومي.
ويقتضي ذلك تعزيز الوعي النقدي، وتطوير التشريعات الرقمية، ودعم الإعلام المهني، والاستثمار في الأمن السيبراني، وبناء مؤسسات قادرة على الرصد والتحليل والاستجابة. إن إدراك خطورة الكتائب الإلكترونية يُمثل الخطوة الأولى لبناء مجتمع مُحصّن وواعٍ، ودولة قادرة على حماية استقرارها في عصر تحوّل فيه الفضاء الرقمي إلى ساحة الصراع الأساسية. ويأمل هذا البحث أن يُسهم في دعم صناع القرار والباحثين والمجتمع المدني في فهم هذه الظاهرة والتعامل معها بفعالية، بما يعزز استدامة التنمية في إفريقيا.
……………………………………….
[1] إيهاب خليفة، الكتائب الإلكترونية الملامح العامة لحروب مواقع التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط، ص11.
[2] Bradshaw, S., and P. Howard, Troops, Trolls and Troublemakers: A Global Inventory of Organized Social Media Manipulation, Computational Propaganda Research Project, Oxford Internet Institute, 2017, p.16.
[3] Vosoughi, Soroush and (eds.), The spread of true and false news online, Science. Vol. 359, Issue 6380, 9 Mar 2018, p.1148.
[4] Roberts, Tony; Hamandishe Karekwaivanane, George, Digital Disinformation in Africa: Hashtag Politics, Power and Propaganda. The Institute of Development Studies and Partner Organisations, 2024, p.8.
[5] حمدي عبد الرحمن حسن، إفريقيا والاستعمار الرقمي، 9 يوليو 2023م.
https://acpss.ahram.org.eg/News/20944.aspx
[6] Terren, Ludovic and (eds.), The last line of defence: measuring resilience to foreign information manipulation and interference in West Africa, 24 November 2023.
[7] مصطفى جالي، الأمن السيبراني في إفريقيا بين التحديات المحلية والرهانات الإستراتيجية، 20 يوليو 2025م.
https://studies.aljazeera.net/en/node/6270
[8] Zouzou, Yasser and Varol,Onur, Unsupervised detection of coordinated fake-follower campaigns on social media, EPJ Data Science, Vol.13, No.62, 2024, P.2.
[9] Robinson, Sophie, African elections under rising threat from online disinformation, 26 April 2024.
[10] Allen, Karen, Africa, beware the dangers that digital influence poses for elections, 7 August 2023.
https://issafrica.org/iss-today/africa-beware-the-dangers-that-digital-influence-poses-for-elections
[11] Igwe, Dickson Ogbonnaya, Students’ Involvement in Social Media Fraud: a Case study of Lagos State University, African Journal of Social and Behavioural Sciences, Vol. 13, No.2, 2023, p.678.
[12] هو هاشتاج وشعار لحركة اجتماعية لامركزية ظهرت في نيجيريا، وتفجّرت في أكتوبر 2020م في شكل احتجاجات جماهيرية سلمية ضد الانتهاكات الجسيمة المنسوبة إلى وحدة الشرطة الخاصة المعروفة بـ«فرقة مكافحة السرقة الخاصة» (SARS). وقد ارتبطت هذه الوحدة على مدى سنوات بممارسات منهجية شملت الابتزاز، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والاعتداء الجنسي، والقتل خارج إطار القانون، مع استهدافٍ واضح لفئة الشباب وحملة الشهادات. بدأت حركة EndSARS كحملة رقمية على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2017م، لكنها استعادت زخمًا واسع النطاق في عام 2020م عقب انتشار مقطع فيديو يوثّق مقتل شاب على يد عناصر الوحدة في ولاية دلتا، ما أشعل موجة احتجاجات وطنية تطالب بحلّ الوحدة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وإصلاح القطاع الأمني.
[13] Online Disinformation Poses Escalating Threat to African Elections, January 7, 2025.
https://disa.org/online-disinformation-poses-escalating-threat-to-african-elections
[14] Roberts, Tony, Hamandishe Karekwaivanane, George, Digital Disinformation in Africa: Hashtag Politics, Power and Propaganda. The Institute of Development Studies and Partner Organisations, 2024, p.9.
[15] Fombad, C.M. 2022, ‘Democracy and fake news in Africa’, Journal of International and Comparative Law, Vol.9, No.1, pp.143-144.
[16] Roberts, Tony, Hamandishe Karekwaivanane, George, Op. Cit, p.10.











































