حضرت حالة الأمن في البحر الأحمر في قلب النقاشات الجارية بشان تداعيات خطوة إسرائيل الاعتراف “بإقليم أرض الصومال” دولة مستقلة بالمخالفة للقواعد الدولية والإقليمية المختلفة في صدد احترام سيادة الدول وحدودها ووحدتها؛ وكانت المسألة قائمة بالفعل بشكل مكثف للغاية منذ أحداث 7 أكتوبر 2023 في فلسطين وتصاعد الحرب وامتداد آثارها إلى جنوبي البحر الأحمر لاسيما بعد تبادل الضربات بين قوات الحوثيين في اليمن وإسرائيل، وما أدى إليه ذلك من اضطراب حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وفي ظل هذه التطورات جاء موقع أرض الصومال ووضعه القانوني (كإقليم يطالب بالانفصال عن جمهورية الصومال الفيدرالية ويتمتع بعلاقات ثنائية ممتازة مع إثيوبيا والإمارات وإسرائيل وكذلك مع الولايات المتحدة) الذي مكن إسرائيل وحلفاؤها في الإقليم من تغيير موازين المعادلة الأمنية بشكل سريع في الشهور التالية لصالحهم.
بينما لاحظت منافذ إعلامية إسرائيلية مهمة (جيروزاليم بوست، 28 الجاري) أن خطوة الاعتراف تمت باقتراح مباشر من جهاز الموساد، الأمر الذي يعكس “فهم إسرائيل الضحل للقرن الأفريقي”([1]).
إسرائيل والبحر الأحمر بعد الاعتراف بأرض الصومال: مكاسب بالجملة!
لم تمض ساعات على إعلان اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة إلا وخرجت عشرات التقارير في الميديا الإسرائيلية عن المكاسب التي ستجنيها إسرائيل، ومما ذُكر أن اليمن باتت على مرمى حجر من العسكرية الإسرائيلية، وأنه يصبح الآن من الممكن مراقبتها بشكل كامل.
وأن قرب المسافة بين سواحل أرض الصومال واليمن (في حدود 300-400 كم تقريبًا) تمكن إسرائيل –في مرحلة لاحقة وتحقيق اتفاقات عسكرية مع هرجيسا- من المراقبة المبكرة لتطورات الأمور في اليمن، وأن ذلك يتسق تمامًا مع استراتيجية “حلف الأطراف” التي تعود لعهد بن جوريون ومفادها الانخراط مع الفاعلين غير العرب أو غير المعادين لإسرائيل من أجل التغلب على التطويق الاستراتيجي الذي واجهته إسرائيل منذ قيامها (وتركز في الخمسينيات والستينيات على تعاون إسرائيل مع كل من تركيا وإثيوبيا وإيران بشكل رئيس)([2]).
كما يعزز الاعتراف المصلحة المشتركة بين إسرائيل وإثيوبيا في وصول الأخيرة للبحر الأحمر، في ضوء اتفاقات التعاون العسكري الاستراتيجية بين البلدين، ودور رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد كحليف رئيس لإسرائيل في الإقليم.
مع تعاظم دور أديس أبابا في صياغة سياسات القرن الإفريقي، لاسيما انها استضافت في الأسابيع الأخيرة رئيسي الصومال وكينيا لمناقشة التوتر الذي تصاعد في سواحل صوماليلاند الشمالية قرب ميناء زيلع([3])، لكن هذه الجهود الدبلوماسية لم تؤد إلى وضع حلول حقيقية لأزمات الإقليم بل توظيفها بشكل برغماتي لصالح الأطماع الإثيوبية.
وهكذا، تبدو إثيوبيا المستفيد الإقليمي الأكبر من مجمل التحركات الإسرائيلية (والإماراتية الداعمة لها في ضوء قراءة التطورات الأخيرة في الأزمة اليمنية وآثارها على الأمن القومي السعودي، وهو الأمر الذي لا ينفصل عن السياق الحالي)، وآخرها خطوة الاعتراف، لكن لا يتوقع أن تكون تلك الخطوة هي نهاية المطاف في مطالب إثيوبيا بمنفذ بحري، بل سيكون الوصول الإثيوبي إلى ميناء بربرة “بشكل رسمي” مجرد خطوة في قائمة اهداف أديس أبابا البحرية؛ ويتوقع أن ييسر وجود علاقات إسرائيلية مع أرض الصومال جهد حصول أديس أبابا على شريط ساحلي في الإقليم الصومالي (وكما يظل متوقعًا بتمويل ودعم لوجيستي إماراتي مباشر).
ومثلت الخطوة إضافة للمكاسب الإثيوبية في مواجهة الدبلوماسية المصرية النشطة في الإقليم، كونها تحقق أهدافًا إثيوبية بيد إسرائيلية.
ومن الملفت أيضًا أن تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو بترقية العلاقات مع أرض الصومال إلى “شراكة استراتيجية أكبر” قد مثل مؤشرًا إلى ترقب تل أبيب مكاسب هائلة من هذه الخطوة في محيط البحر الأحمر وديناميات حفظ الأمن فيه؛ إذ تخطط إسرائيل، حسب البيانات الرسمية من مسئولي حكومتها، للتعاون مع الصومال في مجالات التنمية الاقتصادية والزراعة والمبادرات الاجتماعية بحيث تكون “الخبرة الإسرائيلية أداة دبلوماسية”.
وبطبيعة الحال فإن اهداف إسرائيل تتجاوز هذا التعاون التنموي إلى الاستفادة القصوى من موقع أرض الصومال الاستراتيجي على السواحل الجنوبية لخليج عدن وقرب مضيق باب المندب، الأمر الذي يتيح لإسرائيل (وحليفيها الأساسيين في الإقليم إثيوبيا والإمارات) الإشراف اللصيق على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية على الإطلاق والذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر([4])؛ وما يعنيه ذلك من ضلوع إسرائيل بدور رئيس في ترتيبات الأمن في البحر الأحمر بغض النظر عن رؤية أهم دول الحوض( أي مصر والسعودية).
ويمكن توقع ان يكون التضييق الإسرائيلي على مصالح مصر (والسعودية) في جنوبي البحر الأحمر قيمة مضافة للاعتراف الصهيوني بإقليم أرض الصومال (مع ملاحظة تنامي عداء رسمي من قبل قيادة الإقليم تجاه مجمل سياسات مصر في الصومال والقرن الإفريقي)، وتهديدًا لا يستهان به لهذه المصالح على المدى القريب والمتوسط.
ملاحقة الصين في البحر الأحمر؟
تتمتع الصين بوضع بالغ التميز في البحر الأحمر، وترعى مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية عبر قاعدتها الضخمة في جيبوتي، والتي تتيح حرية الحركة للأسطول والقوات المسلحة الصينية في الإقليم والعمل على حماية تجارتها المارة بالبحر الأحمر وإلى أوروبا.
وهنا يلاحظ ان الصين تعارض بقوة مبدأ الاعتراف باستقلال “أرض الصومال” لعدة اعتبارات منها سياسات بكين التقليدية التي تحتم سيادة الدول بشكل مبدئي، إضافة إلى وجود علاقات متميزة للغاية بين تايوان و”أرض الصومال”، الأمر الذي يمثل انتهاكًا لسياسة الصين الواحدة، وتتيح الخطوة الإسرائيلية لتايوان نافذة للحركة في إفريقيا، وربما الانخراط في ترتيبات اقتصادية وعسكرية خلف سياسات إسرائيل في الإقليم.
إضافة إلى ذلك، فإن وجود إسرائيل في “أرض الصومال” والدخول في ترتيبات عسكرية ولوجيستية ضخمة سيؤدي بشكل مباشر إلى تراجع أهمية ميناء جيبوتي تراجعًا حادًا، ومن ثم ضرب أحد اهم الاستثمارات الصينية في القارة الأفريقية في مقتل.
كما رجحت تقارير أن تقوم الصين وجيبوتي بدعم جماعة العيسى في شمال أرض الصومال في مناهضتها لسلطة هرجيسا مستقبلًا، مما يثير تساؤلات حول التداعيات المرتقبة على مجمل الوضع في القرن الأفريقي وتعميق أزماته ودور الصين في ظل هذه التداعيات.
وكانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد ألمحت في أكثر من مناسبة إلى نظرها في مسألة الاعتراف “بجمهورية صوماليلاند”، وقدم مشرعون في الكونجرس الأمريكي مشروعًا بقانون لمناقشة مثل هذه الاحتمالات وموازنة أهمية الخطوة لحماية مصالح واشنطن الأمريكية، كما أطلق الكونجرس مناقشات موسعة حول نفس المسألة. وقد سادت في أروقة الإدارة الأمريكية قناعة بأهمية “أرض الصومال” في “مقاومة نفوذ بكين في القرن الأفريقي”.
وعلى سبيل المثال فقد رأت لجنة الكونجرس حول الحزب الشيوعي الصيني في سبتمبر الفائت([5]) أن تقوية العلاقات بين واشنطن وهرجيسا “يمكن أن تقوي الأهداف الأمنية والاستراتيجية الأمريكية في إقليم القرن الإفريقي”، الأمر الذي يضع الخطوة الإسرائيلية بالضرورة في سياق سياسات ترامب الأفريقية، ولا يترك مساحة للتعويل الجاد على تصريحات الأخير (27 ديسمبر) بأن الإدارة الأمريكية لن تنظر حاليًا في مسألة الاعتراف بصوماليلاند، أو حتى طرح المسألة في القمة المرتقبة بين ترامب ونيتانياهو (الاثنين 29 ديسمبر)، أي بعد بعد نحو 48 ساعة فقط من خطوة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال.
تظل صوماليلاند مسألة هامة في سياق التنافس الأمريكي الصيني في القرن الإفريقي، ضمن مساحات صراع وتنافس أخرى، ورغم تصريح ترامب أنه لن يعترف بالإقليم الصومالي (في الوقت الحالي)، فإن الخطوة قد جاءت بتنسيق وتفاهم كامل بين إسرائيل والولايات المتحدة، وأنها تهدف إلى تعميق مصالحهما في البحر الأحمر والقرن الأفريقي بالتعاون مع أطراف رافعة أخرى لمثل هذا التعاون.
ورغم تفهم الصين الكامل لمدى ما تمثل الخطوة من تهديد كامل للواقع الجغرافي والديموغرافي في الإقليم وأنها سابقة خطيرة تهدد السلم والأمن العالميين وخطوط الملاحة البحرية في البحر الأحمر، فإن رؤية بكين ستظل محل اختبار في الأيام المقبلة، بل وستكون حاسمة للغاية في تحديد نجاح بالون الاختبار الإسرائيلية من عدمه، لاسيما أن احتمالات مرجحة بانتهاج بكين سياسة “مرنة” في هذه المسألة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مزيد من اعتراف دول أخرى بالإقليم.
بأي حال، فإنه بينما تراقب واشنطن التطورات الجارية في أرض الصومال وتبعات إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل (والتي كانت ضالعة بكل تأكيد في صنعها وتنسيقها) فإن السلطات في هرجيسا تواصل تقديم أوراق اعتمادها لدى واشنطن والتي تتضمن فتح ميناء بربرة أمام المشروعات الإسرائيلية والإقليمية المختلفة برعاية أمريكية([6])، كما تترقب هرجيسا موجة معارضة قوية من قبل دول فاعلة في الصومال (أبرزها تركيا والسعودية ومصر)، وكذلك مناورات متاحة أمام حكومة الصومال الفيدرالية لتقليص مساحة “أرض الصومال”، والبناء على تيار رافض للعلاقات مع إسرائيل، وكذلك، وهو الأخطر في السياق الحالي، فكرة تهجير مئات الالاف من فلسطيني غزة إلى أرض الصومال.
……………………………….
[1] Habtom Ghebrezghiabher, Strategic misfire? Israel’s Somaliland move fuels new tensions – opinion, The Jerusalem Post, December 28, 2025 https://www.jpost.com/opinion/article-881566
[2] Jose Lev Alvarez Gomez, Israel and Somaliland: Red Sea Lines of Fire, The Times of Israel, December 27, 2025 https://blogs.timesofisrael.com/israel-and-somaliland-red-sea-lines-of-fire/
[3] Nardos Yoseph, Red Sea Pressures Intensified; Ethiopia’s Search for Access Reordering the Horn, The Reporter, December 27, 2025 https://www.thereporterethiopia.com/48361/
[4] M. A. Hossain, Israel’s recognition of Somaliland: A diplomatic earthquake in the Horn of Africa, Blitz, December 29, 2025 https://weeklyblitz.net/2025/12/29/israels-recognition-of-somaliland-a-diplomatic-earthquake-in-the-horn-of-africa/
[5] East Africa: U.S. Congress Committee Highlights Somaliland’s Strategic Role in Countering China in Horn of Africa, Horn Diplomat, September 2025 https://allafrica.com/stories/202509120544.html
[6] Christian Putsch, Somaliland has a deal ready for Trump. But China is second in line, NZZ, July 11, 2025 https://www.nzz.ch/english/somaliland-has-a-deal-ready-for-trump-but-china-is-second-in-line-ld.1892726











































