إفريقيا ليست بلدًا واحدًا Africa Is Noт a Country. هذه العبارة التي يضعها “ديبو فالويين”Dipo Faloyin عنوانًا لكتابه تبدو في ظاهرها بديهية، لكنها في الحقيقة صرخة ضد قرون من التبسيط والاختزال.
فالقارة التي تمتد من سواحل الأطلسي إلى ضفاف المحيط الهندي، والتي تحتضن مئات اللغات والديانات وآلاف القصص، كثيرًا ما تُقدَّم في الإعلام الغربي كصورة واحدة: أرض الفقر والمجاعات، أو أرض المغامرات البرية والسفاري.
بين هذين المشهدين تختفي الحياة اليومية، وتختفي المدن الصاخبة، وتختفي الجامعات والموسيقى والانتخابات والضحكات الصغيرة التي تصنع وجه إفريقيا الحقيقي.
“فالويين”، الصحفي النيجيري-البريطاني، يكتب كتابه كمن يزيح الغبار عن مرآة قديمة. يريد أن يقول للقارئ الغربي: أنتم لا ترون إلا نصف الصورة، بل أقل من نصفها.
يروي قصصًا عن السياسة والرياضة، عن الثقافة الشعبية، عن التاريخ الاستعماري، ليعيد رسم لوحة أكثر صدقًا. لكن هنا يبرز السؤال المربك:
هل يمكن فعلًا أن نعيد رسم إفريقيا في كتاب واحد؟ أليس هذا السعي نفسه نوعًا من التعميم، وإن كان في الاتجاه المعاكس؟
القيمة في هذا الكتاب ليست في أنه يقدّم “الحقيقة النهائية” عن إفريقيا، بل في أنه يفتح بابًا للنقاش. يذكّرنا بأن القارة ليست مجرد خلفية لأخبار الكوارث، بل فضاء حيّ، متنوع، مليء بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع معنى أكبر.
ومع ذلك، يظل الكتاب أسيرًا لخطاب موجَّه إلى الغرب، مكتوبًا بالإنجليزية، محكومًا بمنطق الردّ على الصور النمطية أكثر من بناء سردية ذاتية مستقلة.
في هذه القراءة، لن نكتفي بعرض الكتاب، بل سنسعى إلى تفكيك إشكاليته: كيف يمكن أن نكتب عن إفريقيا دون أن نقع في فخ التعميم؟ والسؤال الأهم هنا: هل استطاع “ديبو فالويين” أن يرى القارة بالعمق الذي رآه كُتّاب كبار مثل”نجوجي واثيونجو” Ngũgĩ wa Thiong’o الذي دعا إلى الكتابة باللغات الإفريقية، و”تشينوا أتشيبي” Chinua Achebe الذي جعل من الرواية ساحة لاستعادة الذاكرة، “موديمبي” V. Y. Mudimbe الذي تساءل إن كانت “إفريقيا” نفسها اختراعًا لغويًا غربيًا. وسنفتح نافذة على خطابنا العربي: كيف نتحدث نحن عن إفريقيا؟ هل نكرر الصور نفسها، أم نملك القدرة على صياغة سردية بديلة؟
الخلفية النظرية:
منذ أن بدأ الغرب يكتب عن إفريقيا، لم يكن يكتب عنها بقدر ما كان يكتب عنها لنفسه. القارة كانت دائمًا مرآةً يُسقط عليها الآخرون مخاوفهم وأحلامهم، أرضًا بعيدة تُختزل في رموز جاهزة: “القارة السوداء”، “أرض المجاعات”، “مسرح الحروب الأهلية”، أو في المقابل “جنة الطبيعة البرية”. هذه الصور لم تولد صدفة، بل هي نتاج قرون من الاستعمار، ومن خطابٍ إعلامي وأكاديمي جعل من إفريقيا موضوعًا أكثر مما جعلها ذاتًا.
في القرن التاسع عشر، حين كانت أوروبا ترسم خرائطها الاستعمارية، كان الأدب والرحلات يقدمان إفريقيا كفضاء غامض يحتاج إلى “اكتشاف”. كتب الرحالة والمستكشفون نصوصًا مليئة بالدهشة والغرابة، لكن هذه الدهشة كانت في حقيقتها أداة للسيطرة: كلما بدت إفريقيا مجهولة، بدت أكثر حاجة إلى “التدخل”. ومن هنا وُلدت الصور النمطية التي ما زالت تلاحق القارة حتى اليوم.
في القرن العشرين، ومع استقلال الدول الإفريقية، لم تختفِ هذه الصور، بل تغيّرت أشكالها. الإعلام الغربي بدأ يركز على الحروب الأهلية، الانقلابات العسكرية، المجاعات، والأوبئة. وكأن إفريقيا لا تُرى إلا في لحظة الأزمة. حتى حين تُذكر في الأخبار الاقتصادية، تُذكر غالبًا كـ”قارة فقيرة تحتاج إلى المساعدات”. هذه النظرة أحادية، تختزل ملايين الحيوات في مشهد واحد، وتُقصي التنوع الهائل الذي يميز القارة.
هنا يأتي كتاب “فالويين” ليقف في مواجهة هذا التاريخ الطويل من الاختزال. لكنه ليس الأول. قبله كتب “موديمبي” كتابه الشهير “اختراع إفريقيا” The Invention of Africa، حيث طرح سؤالًا صادمًا: هل “إفريقيا” نفسها مفهوم اخترعه الغرب أكثر مما هو واقع؟ “موديمبي” يرى أن القارة صارت إطارًا لغويًا وفكريًا يُستخدم في الخطاب الغربي، وأن الكتابة عنها كثيرًا ما تكون إعادة إنتاج لهذا الإطار. بمعنى آخر، حتى حين نحاول أن نصحح الصورة، نظل نعمل داخل نفس القالب.
“إدوارد سعيد”، في كتابه “الاستشراق”، قدّم فكرة مشابهة عن الشرق، وكيف أن الغرب صنع صورة عن “الآخر” ليبرر سيطرته عليه. إفريقيا، مثل الشرق، كانت موضوعًا للاستشراق، لكن بشكل مختلف: ليست أرض الحضارات القديمة، بل أرض “البدائية” و”الطبيعة”. هذه الثنائية جعلت القارة دائمًا خارج الزمن، وكأنها لا تعيش حاضرًا، بل تظل عالقة بين الماضي والغرابة.
أما “نجوجي واثيونجو”، الكاتب الكيني الكبير، فقد جعل من اللغة ساحة معركة حقيقية ضد الاستعمار. في كتابه “تحرير العقل من الاستعمار” Decolonising the Mind دعا إلى الكتابة باللغات الإفريقية، معتبرًا أن الاستعمار لم يسرق الأرض فقط، بل سرق الذاكرة حين فرض لغته على الشعوب.
بالنسبة له، لا يمكن أن تتحرر إفريقيا ما دامت تكتب بألسنة الآخرين، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء للهوية وذاكرة الجماعة. حضور “نجوجي” في هذا النقاش يذكّرنا بأن تفكيك الصورة النمطية لا يكتمل إلا إذا استعدنا أصواتنا الأصلية، وأن الحكايات الصغيرة التي يرويها “فالويين”، مهما كانت صادقة، تظل محكومة بلغة المستعمر.
أما “تشينوا أتشيبي”، فقد اختار طريقًا آخر: طريق الرواية بوصفها ذاكرة جماعية. في عمله الأشهر “الأشياء تتداعي” Things Fall Apart أعاد بناء صورة إفريقيا من الداخل، عبر قصة قرية نيجيرية تواجه انهيار عالمها التقليدي أمام الاستعمار. “أتشيبي” لم يكتب ردًا على الغرب، بل كتب سردية ذاتية، جعل من الأدب ساحة لاستعادة التاريخ والهوية.
روايته تحولت إلى رمز عالمي، لأنها لم تكتفِ بتصحيح الصورة، بل قدّمت بديلًا حيًا، صوتًا إفريقيًا يتحدث عن نفسه بنفسه. وهنا يظهر الفرق: “فالويين” يروي تفاصيل يومية ليكسر التعميم، بينما “أتشيبي” يبني ملحمة رمزية تعيد للذاكرة صوتها المفقود.
أما في السياق العربي، فالصورة عن إفريقيا ما زالت في طور التشكل. كثيرًا ما يظهر حضور القارة في الإعلام من خلال موضوعات مثل المجاعة أو الهجرة أو الرياضة، وهي زوايا محدودة لا تعكس بالضرورة ثراء التجربة الإفريقية. ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود محاولات أدبية وبحثية تسعى إلى تقديم صورة أعمق وأكثر تنوعًا، لكنها ما زالت بحاجة إلى أن تتسع وتترسخ لتصبح جزءًا من خطاب ثقافي شامل.
من هنا تأتي أهمية مثل هذه القراءات النقدية، فهي تذكّرنا بأننا نحن أيضًا مدعوون إلى صياغة سردية عربية عن إفريقيا، سردية تنبع من الاهتمام الحقيقي بتاريخها وثقافتها، لا من الصور الموروثة وحدها.
“فالويين” إذن يدخل في هذا النقاش من زاوية مختلفة: لا يريد أن يكتب دراسة أكاديمية، بل أن يروي قصصًا صغيرة، يوميات، تفاصيل، ليقول إن إفريقيا ليست مجرد أزمة أو مغامرة. يريد أن يعيد الإنسانية إلى الصورة. لكن السؤال يبقى: هل يمكن لهذه القصص أن تكسر الإطار الكبير الذي صنعه الغرب؟ أم أنها تظل مجرد محاولة لتزيين الصورة داخل نفس القالب؟
عرض الكتاب:
حين نفتح كتاب Africa Is Not a Country، نشعر أننا ندخل إلى سلسلة من الحكايات الصغيرة التي يريد “ديبو فالويين” أن يضعها في مواجهة الصورة الكبرى المهيمنة. لا يقدّم لنا دراسة أكاديمية جافة، بل يروي قصصًا أقرب إلى اليوميات، كأنها لوحات متجاورة، كل واحدة منها تكشف زاوية من زوايا القارة التي لا تُرى عادة في الإعلام الغربي.
- السياسة كحكاية يومية:
في أحد الفصول، يتحدث “فالويين” عن الانتخابات في نيجيريا، لا بوصفها حدثًا سياسيًا مجردًا، بل كطقس اجتماعي يشارك فيه الناس بفرح وقلق في آن واحد. يصف طوابير الناخبين، النقاشات في الشوارع، والجدل حول الفساد والوعود. هنا، السياسة ليست مجرد “انقلاب عسكري” كما تُختزل غالبًا في الأخبار، بل ممارسة يومية مليئة بالتفاصيل الإنسانية.
لكن السؤال يظل حاضرًا: هل يكفي أن نروي هذه التفاصيل لنكسر الصورة النمطية؟ أم أن القارئ الغربي سيظل يقرأها كاستثناء، لا كجزء من المشهد العام؟
- الرياضة كذاكرة جماعية:
“فالويين” يخصص فصلًا لكرة القدم، اللعبة التي تُوحّد القارة وتكشف عن طاقتها الجماعية. يروي قصص اللاعبين الذين صاروا رموزًا، والمباريات التي تحولت إلى لحظات وطنية. هنا، إفريقيا ليست “أرض الفقر”، بل أرض الحلم والبطولة.
لكن حتى هذه الصورة تحمل إشكاليتها: هل الرياضة تُقدَّم كوسيلة للهروب من الواقع، أم كجزء من بناء هوية جديدة؟ وهل يمكن أن تكون كرة القدم أكثر من مجرد “مشاهدة” للقارئ الغربي الذي يرى فيها غرابة أو حماسة زائدة؟
- الثقافة الشعبية كصوت خفي:
في فصل آخر، يتحدث عن الموسيقى والرقص والأزياء، عن الثقافة الشعبية التي تصنع هوية يومية لا تُرى في نشرات الأخبار. يصف حفلات الهيب هوب في لاجوس، والأزياء التي تجمع بين التقليدي والحديث، والأغاني التي تحمل رسائل سياسية مبطنة. هذه التفاصيل تجعل القارئ يرى إفريقيا كفضاء حيّ، مليء بالإبداع.
لكن هنا أيضًا يظهر التوتر: “فالويين” يكتب بالإنجليزية، لجمهور غربي، فهل هذه الثقافة تُقدَّم كـ”غرائبية” جديدة، أم كجزء من سردية ذاتية مستقلة؟
- التاريخ الاستعماري كظل حاضر:
لا يغفل الكتاب عن التاريخ الاستعماري، بل يضعه كخلفية دائمة لكل الحكايات. “فالويين” يذكّر القارئ بأن الحدود التي نراها اليوم ليست طبيعية، بل رسمها الاستعمار، وأن كثيرًا من الأزمات السياسية والاقتصادية تعود جذورها إلى تلك الحقبة.
لكن هنا يطرح سؤالًا آخر: هل التركيز على الاستعمار يجعلنا أسرى الماضي؟ أم أنه شرط ضروري لفهم الحاضر؟ الكتاب يميل إلى الخيار الثاني، لكنه يظل محكومًا بمنطق الردّ على الغرب، أكثر من بناء سردية جديدة تنبع من الداخل الإفريقي.
- الحياة اليومية كجوهر للصورة:
أجمل ما في الكتاب ربما هو اهتمامه بالحياة اليومية: الأسواق، المدارس، العائلات، الضحكات الصغيرة. هذه التفاصيل تجعل القارئ يرى إفريقيا كفضاء طبيعي، لا كاستثناء. لكنها أيضًا تكشف عن حدود المشروع: “فالويين” يريد أن يقول “انظروا، نحن مثل الآخرين”، لكن هل هذا يكفي؟ أليس المطلوب أكثر من مجرد إثبات التشابه، بل بناء سردية خاصة تُظهر الاختلاف والتنوع؟
- أسلوب الكتابة:
“فالويين” يكتب بلغة صحفية سلسة، مليئة بالصور، أقرب إلى السرد الأدبي منها إلى التحليل الأكاديمي. هذا يمنح الكتاب جاذبية، لكنه أيضًا يضعه في موقع حساس: هل يمكن للصحافة أن تبني سردية نقدية عميقة؟ أم أنها تظل محكومة بالسطح واللحظة؟
القارئ يجد نفسه مشدودًا إلى الحكايات، لكنه في النهاية يواجه السؤال الكبير: هل هذه الحكايات تكفي لتفكيك الصورة الكبرى؟
- الإشكالية الكامنة
الكتاب إذن ليس مجرد “تصحيح” للصورة، بل نص يثير إشكالية أعمق: كيف نكتب عن إفريقيا؟ هل نروي القصص الصغيرة لنكسر التعميم، أم أننا بحاجة إلى مشروع فكري أكبر يُعيد بناء المفهوم نفسه؟ “فالويين” يختار الطريق الأول، لكنه يترك الباب مفتوحًا للنقاش. وهذا ما يجعل الكتاب مادة مثالية للقراءة النقدية: ليس لأنه يقدّم أجوبة، بل لأنه يثير أسئلة.
- خلاصة العرض:
الكتاب ممتع، ومليء بالحكايات، لكنه أيضًا كتاب إشكالي. يريد أن يحرر إفريقيا من الصورة النمطية، لكنه يظل أسيرًا لها بطريقة ما. يكتب عن القارة كفضاء متنوع، لكنه يظل يتحدث باسمها ككل. يروي قصصًا صغيرة، لكنها تظل موجّهة إلى قارئ غربي. هذه التوترات هي ما تجعل الكتاب يستحق القراءة والنقد، لا لأنه يقدّم الحقيقة، بل لأنه يفتح النقاش حولها.
وختامًا: إفريقيا ليست بلدًا واحدًا، لكنها أيضًا ليست الصورة التي يُصرّ العالم على رؤيتها. ما يكشفه كتاب “ديبو فالويين” ليس مجرد خطأ في التمثيل، بل إخفاق فكري ممتد: قارة كاملة تُختزل منذ قرون في مشهد واحد، ويُعاد تدوير هذا المشهد حتى في محاولات “تصحيحه”. إن أخطر ما في الكتاب أنه يفضح هشاشة وعينا نحن أيضًا، إذ يضعنا أمام سؤال لا مفر منه: هل نحن شركاء في إعادة إنتاج هذه الصورة حين نكتفي بالردّ على الغرب، بدل أن نبني سرديتنا الخاصة؟
الصادم حقًا أن القارة التي أنجبت “نجوجي” و”أتشيبي” و”موديمبي”، والتي تحمل ذاكرة أشجار “الباوباب” وأغاني الأسواق، ما زالت تُقدَّم للعالم كـ”موضوع” لا كـ”ذات”. وإذا لم نجرؤ نحن على كسر هذا القالب، فإن كل محاولة لتصحيح الصورة ستظل مجرد قناع جديد فوق الوجه القديم. ربما آن الأوان أن نكفّ عن القول إن “إفريقيا ليست بلدًا واحدًا”، ونبدأ بطرح السؤال الأشد قسوة: هل سمحنا نحن لأنفسنا أن نصبح مجرد بلد واحد في خيال الآخرين؟
……………………….
Faloyin, Dipo. Africa Is Not a Country: Notes on a Bright Continent. New York: W. W. Norton & Company, 2022











































