نشر البيت الأبيض، في 5 ديسمبر 2025م، وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية، وهي أول مراجعة شاملة لسياسة الأمن القومي في ولاية «ترامب» الثانية. وتمثل الوثيقة إعادة ترتيب للأولويات الجيوسياسية للولايات المتحدة، خاصةً أنها تعكس رؤية «أمريكا أولاً»، ويبدو أن الإستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي جاءت تطبيقاً لهذا المبدأ.
تكشف هذه الإستراتيجية عن توجُّه أمريكي نحو إعادة ترتيب أوراق الأمن القومي في نهجٍ يضع مناطق جغرافية محددة على رأس أولويات السياسة الخارجية الأمريكية وأمنها القومي، ويعيد صياغة رؤى جديدة للولايات المتحدة. وتصر الوثيقة على أن دور الولايات المتحدة يجب أن يكون براجماتياً وواقعياً وموجهاً نحو النتائج لا الأيديولوجيا؛ ولذلك يصبح كل التزامٍ خارجي مشروطاً بخدمة مصلحة أمريكية جوهرية، وإلا فهو قابل للمراجعة أو الإلغاء.
وضعت الإستراتيجية في تناولها للسياسات الأمريكية القارةَ الإفريقية ضمن مناطق النفوذ هذه، ولكن في تحوّلٍ جديد؛ فبدلاً من التركيز على المساعدات التقليدية تركز الإستراتيجية الجديدة على التجارة والاستثمار والشراكات الانتقائية مع الدول الإفريقية.
ولم يسبق لإفريقيا أن حظيت بهذا القدر من الأهمية في حسابات القوة، ومع ذلك غابت بشكلٍ كبير عن الرؤية الإستراتيجية لواشنطن؛ فقد أشارت الإستراتيجية إلى القارة في بضعة أسطر فقط، واصفةً إياها بأنها خزان للموارد والأسواق وروابط في سلاسل القيمة العالمية، بدلاً من كونها شريكاً سياسياً كامل العضوية.
وبشكلٍ عام، تناقش هذه الورقة كيف تناولت إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي قارة إفريقيا، وسيناريوهاتها المستقبلية، وذلك وفقاً للمحاور الآتية:
أولاً: الجديد في الإستراتيجية الأمريكية تجاه إفريقيا.. أولوية اقتصادية لا أمنية.
ثانياً: التوجهات الجديدة وأدواتها.
ثالثاً: سيناريوهات مستقبلية: إفريقيا ساحة للمصالح الوقتية وليست مجالاً إستراتيجياً.
أولاً: الجديد في الإستراتيجية الأمريكية تجاه إفريقيا.. أولوية اقتصادية لا أمنية:
يعكس تناول الإستراتيجية الأمريكية لإفريقيا تحوّلاً في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وهو تحوّل يحمل دلالات مباشرة على موقع إفريقيا ضمن الحسابات الأمريكية الجديدة لواشنطن، فبعد أن كانت القارة تحظى بحضورٍ أمني واسع ضمن إستراتيجياتٍ سابقة، سواءً في إطار مكافحة الإرهاب أو دعم التحولات السياسية، تشير الوثيقة الجديدة إلى تراجعٍ واضح في مركزية «الأمن الإفريقي» مقابل التركيز على «المصالح الاقتصادية»[1].
1- تراجع التوازن الأمني في إفريقيا:
يُلاحظ أن الإستراتيجية الجديدة لم تعد تنظر إلى إفريقيا بوصفها ساحةً مركزية للانتشار العسكري، كما كان الحال في مراحل سابقة. فمحدودية المساحة المخصصة للقارة، واقتصار الاهتمام على القضايا الاقتصادية ومكافحة الإرهاب بصورةٍ عامة، يعكسان توجهاً أمريكياً لإدارة العلاقة مع إفريقيا بأدوات منخفضة التكلفة، دون استثمار سياسي أو أمني واسع النطاق.
وينبع هذا التوجه من الرؤية الأمريكية الجديدة في هذه الوثيقة التي ترى أن العالم مُؤلَّفٌ من دول قومية ذات سيادة. لذلك؛ حملت الإستراتيجية الرغبة في الحد من التدخلات الأمنية الأمريكية خارجياً، وبخاصةٍ في الشرق الأوسط وإفريقيا[2]. وفي هذا السياق؛ ترفض الوثيقة بشكلٍ ضمني رؤية الولايات المتحدة لتوجهاتها السياسية التي صدرت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991م، والتي كانت تَرى الولايات المتحدة أنها ضامنٌ لا غنى عنه لنظامٍ عالمي ليبرالي يخدم المصالح الأمريكية.
2- أولوية وتعزيز الشراكات الاقتصادية:
اعتبرت الإستراتيجية أن القوة الاقتصادية والتكنولوجية محورٌ للأمن القومي الأمريكي، مع التركيز على إعادة قدرات التصنيع المحلية، وتأمين سلاسل التوريد، وتقليل الاعتماد على المنافسين في المواد الحيوية والتقنيات الحساسة. كما تُبرز أهمية «هيمنة الطاقة»؛ فهي لا تكتفي باعتبار الطاقة مصلحة اقتصادية، بل تعدُّها أداة نفوذ إستراتيجي في التنافس الجيوسياسي وممارسة الضغط على الدول الأخرى لتحقيق الأهداف الأمريكية في العالم[3]. ومن ثَمّ فإن الرؤية الاقتصادية تستند إلى محاور الصناعة الأمريكية وفقاً لثلاثة محاور رئيسية في هذه الإستراتيجية، هي: الصناعة، والطاقة، والتكنولوجيا، بما يسهم في تعزيز البنية الأساسية للأمن القومي الأمريكي.
وبالنظر إلى تطبيق ذلك في الرؤية الأمريكية تجاه إفريقيا؛ نجد أنها تنعكس في إطار تعزيز الشراكات الاقتصادية، بالتركيز على مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، دون ربط ذلك بإطارٍ متكامل لدعم الحوكمة الرشيدة أو مكافحة الفساد في الدول الإفريقية. ويشير هذا التحول إلى انتقال السياسة الأمريكية من خطاب «بناء الدولة» ودعم التحول الديمقراطي؛ إلى نموذج شراكة براجماتي قائم على المصالح المتبادلة[4].
ثانياً: التوجهات الجديدة وأدواتها:
تتمحور هذه الأدوات حول الرافعة الاقتصادية والدبلوماسية المشروطة، بهدف تسخير التجارة والاستثمار وتعزيز الشراكات الانتقائية كأولوياتٍ قصوى، بدلاً من مركزية القضايا الأمنية ومكافحة الإرهاب. وفي تحوّلٍ دبلوماسي لافت؛ أصبحت العلاقات التجارية وفرص التعاون الاقتصادي رهناً بتحقيق التسويات السياسية وإنهاء النزاعات الإقليمية. هذه المقاربة تضع إفريقيا في صميم التنافس الجيوسياسي، محوّلةً إياها من «قضية أمنية» إلى «ساحة تنافس اقتصادي إستراتيجي»، وتحدد معايير جديدة للمشاركة الأمريكية على أساس الخدمة المباشرة للمصالح الأمريكية الجوهرية. وتستند هذه الأدوات الجديدة إلى:
1- السياسات الاقتصادية:
كما سَبَق توضيحه، بأن الإستراتيجية الأمريكية اهتمت بالجانب الاقتصادي واعتبرته عاملاً قوياً ومحفزاً في تحركات الولايات المتحدة المستقبلية تجاه القارة، فقد وضعت الإستراتيجية الموارد الاقتصادية الإفريقية في صميم الأفق الإستراتيجي الأمريكي، ولم تربطها بالتنافس العسكري، بل ركزت بخاصةٍ في إطار سلاسل القيمة والممرات الاقتصادية الكبرى.
وبناءً على ذلك؛ أصبحت إفريقيا لاعباً أساسياً في الصناعات الكبرى، خاصةً تلك التي تعتمد على المعادن والموارد الاقتصادية النادرة، فعلى سبيل المثال: تساهم جمهورية الكونغو الديمقراطية بنحو أكثر من (70%) من إنتاج الكوبالت العالمي، وتمتلك غينيا أكبر احتياطيات معروفة من البوكسيت، بينما تُركز جنوب إفريقيا ومدغشقر وتنزانيا وبوروندي على معادن أخرى نفيسة، كالجرافيت الذي تمتلك موزمبيق منه أكثر من (40%) من الاحتياطيات العالمية[5]. وقد استندت الولايات المتحدة في هذا لمجموعة من الأدوات الاقتصادية بعيداً عن نموذج المعونات التقليدية؛ إلى نموذج يُعتمد فيه على التجارة والاستثمار، كما يأتي:
- التخلي عن الشراكات الواسعة:
شددت الإستراتيجية الامريكية في إطار علاقاتها الاقتصادية مع إفريقيا على ضمان النفوذ الأمريكي على احتياطيات المعادن الحيوية في إفريقيا، خاصةً تلك الغنية بالمعادن النادرة، ويُعتبر هذا هدفاً إستراتيجياً رئيسياً للإدارة[6]. لذلك؛ تتجه الإدارة الامريكية نحو تشجيع شركاتها على الاستثمار في هذا القطاع في القارة، وتعزيز تطوير مشروعات الطاقة النووية والغاز الطبيعي المسال.
- التحول من المعونات إلى التجارة والاستثمار:
تنص الوثيقة على الانتقال من علاقة معتمدة على المعونات إلى علاقة تركز على التجارة والاستثمار، تحت شعار «مبدأ التجارة لا المعونة». لذلك؛ تعتزم الولايات المتحدة العمل مع دول مختارة لتعزيز «علاقات تجارية ذات منفعة متبادلة»، ولاستغلال الموارد الطبيعية والإمكانات الاقتصادية[7].
وقد تَبَنَّت السياسة الأمريكية هذا المبدأ حتى قبل الإعلان عن هذه الإستراتيجية بشكلٍ رسمي، وذلك عقب قيامها بإغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، في إشارةٍ واضحة لمبدأ «أمريكا أولاً» وتجاهلٍ لأي اتفاقيات أبرمتها هذه الوكالة من قبل. وفي دلالةٍ أخرى على هذا التحول الأمريكي؛ فقد شملت قرارات ترامب حول فرض التعريفة الجمركية وزيادتها لأكثر من 10% على الواردات القادمة من 190 دولةً، والتي كان من بينها عددٌ من الدول الإفريقية، وذلك في الربع الأول من عام 2025م، بالإضافة إلى ضرائب إضافية محددة على منتجات معيّنة. وبالنسبة للاقتصادات الإفريقية؛ فقد قضت هذه القرارات على بعض مزايا قانون النمو والفرص في إفريقيا، الذي ضَمن على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية إمكانية دخول أكثر من 1800 منتج من 32 دولةً من دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى أسواقها معفاةً من الرسوم الجمركية[8].
2- الأدوات الأمنية والدبلوماسية:
في الجانب الأمني والدبلوماسي؛ تعتمد الإستراتيجية على أدوات تعزيز الشراكات الإفريقية على المستوى السياسي والأمني، سعياً لتسوية النزاعات وبناء علاقات سياسية مستقرة. وقد تبنت الإستراتيجية نهجاً دبلوماسياً يضع العلاقات التجارية رهن التسويات السياسية، في تحوّلٍ جديد عن سياسة التسويات التقليدية التي كانت تعتمد عليها سابقاً في التعامل مع النزاعات الإفريقية. لذلك؛ نصت الوثيقة على أن فرص المشاركة وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثمارات تشمل التفاوض على تسويات للنزاعات القائمة (مثل: النزاع بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، والحرب في السودان)، ومنع نشوب نزاعات جديدة (مثل: إثيوبيا، وإريتريا، والصومال). وقد تبلورت الرؤية الأمريكية في هذا الشأن على:
- تعزيز تسوية النزاعات بالتعاون مع القوى الإقليمية الإفريقية:
تهدف هذه السياسة إلى لعب دور الوساطة في فض النزاعات الإقليمية المهمة في إفريقيا، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين. وقد أدرجت الإستراتيجية صراحةً السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية كمحطتين للمشاركة الدبلوماسية؛ إذ تعتبر الأزمة في السودان «فرصة للعمل» تُستغل عبر الضغط الدبلوماسي وبرعاية تحالفات إقليمية. وبذلك؛ تفضل واشنطن الاعتماد على حل النزاعات عبر مسارات دبلوماسية وإقليمية، وتدعو إلى دعم الجانب الدبلوماسي في التعامل مع القضايا الأمنية. وقد أبرزت الإستراتيجية أهمية الاتفاقات الإقليمية، مثل اتفاقية السلام بين رواندا والكونغو الديمقراطية التي وُقِّعَت بدعم أمريكي.
- مكافحة الإرهاب دون تورط ميداني:
أشارت الوثيقة إلى طبيعة التهديدات الإرهابية التي تواجه القارة، مع التأكيد على تجنب التورط الميداني في مواجهات مباشرة[9]. وقد جدَّدت الاعتراف بخطورة الإرهاب في إفريقيا، واعتبرته أولوية أمنية رئيسية، معلنةً في الوقت نفسه رفضها إقامة وجود عسكري أمريكي دائم أو التزامات إستراتيجية طويلة الأمد. كما حددت مجموعة من الأدوات للتعامل مع هذه الظاهرة، يأتي في مقدمتها مراقبة أنشطة الجماعات الإرهابية، والسعي إلى مواجهتها من خلال عمليات سريعة وخاطفة ومحدودة. وأكدت في الوقت ذاته ضرورة توخي الحذر إزاء تنامي أنشطة تنظيمَي (داعش والقاعدة)، خاصةً في مناطق الساحل والقرن الإفريقي.
- التعامل مع أزمة اللاجئين كقضية أمنية:
تناولت الإستراتيجية الهجرة غير الشرعية القادمة من إفريقيا وقضايا اللاجئين باعتبارهما مشكلةً أمنية، إذ أعلنت أن «عصر الهجرة الجماعية قد انتهى». ويُعبّر هذا الموقف عن الرؤية الأمريكية التي سبق وأن عبر عنها ترامب في خطاباته، بوصفه للدول الإفريقية بمصطلحات عنصرية، فضلاً عن هجماته الكلامية المتجددة ضد دولٍ مثل الصومال. وهذا يؤكد النظرة السائدة إلى الجنوب العالمي باعتباره «مكاناً فوضوياً وخطيراً» غير جدير بالاهتمام، لا يصلح إلا لتوفير المواد الخام أو العمالة[10].
وتَعتبر الوثيقة أن النزاعات الإفريقية والاضطرابات الأمنية التي تمر بها القارة عاملٌ أساسيٌ في تصاعد أزمات الهجرة غير الشرعية وتدفق اللاجئين نحو الولايات المتحدة؛ فركَّزت على حل هذه الأزمات محلياً بالضغط الدبلوماسي على الحكومات المعنية، في إشارةٍ إلى الترابط بين توجهات ترامب السياسية ومُقوِّمات الأمن القومي الأمريكي. ومن منظورٍ إفريقي؛ يطرح هذا النهج تساؤلاتٍ حول قدرته على معالجة الجذور البنيوية للتهديدات الأمنية، مثل هشاشة الدول، وضعف مؤسسات الحكم، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ثالثاً: سيناريوهات مستقبلية: إفريقيا ساحة للمصالح الوقتية وليست مجالاً إستراتيجياً:
تكشف هذه الإستراتيجية الجديدة أنها لا تُقدّم إطاراً شاملاً طويلَ الأمد تجاه إفريقيا، بل تعكس مقاربةً انتقائية تركز على المصالح الاقتصادية وإدارة الأزمات، بدلاً من تقديم معالجات هيكلية لأزمات القارة التي تتصاعد حتى في تلك التي شهدت محاولات أمريكية في التعامل معها، وعلى سبيل المثال: حالة الصراع في الكونغو الديمقراطية التي تتجدد فيها الاشتباكات من وقتٍ لآخر؛ بالرغم من الدور الأمريكي في فرض التهدئة والحل.
يوضح هذا الأمر: أن هناك غياباً لخطط أمريكية واضحة في التعامل مع المشكلات الإفريقية، مما يعكس النظرة الأمريكية التي تَعتبر إفريقيا ساحةً للمصالح الوقتية وليست مجالاً إستراتيجياً طويلَ الأمد. ويشير هذا، من المنظور الاستشرافي لمستقبل هذه الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في إفريقيا، إلى أنها تعكس حقيقة الرغبة الأمريكية في تقليص التزاماتها الخارجية نحو إعادة ترتيب أولوياتها الجغرافية، مما يفتح الباب أمام سيناريو تتراجع فيه الولايات المتحدة على الساحة الإفريقية، وهو ما دفع بروسيا إلى الترحيب بهذه الإستراتيجية[11].
ولذلك؛ فإن السيناريوهات والتبِعات المستقبلية لهذه الإستراتيجية في إفريقيا قد تتمثل فيما يأتي:
1- إتاحة الفرصة لقوى دولية أخرى في تعزيز نفوذها:
على الرغم من أن الإستراتيجية تشير بشكلٍ ضمني من بين سياقاتها إلى ضرورة اعتماد إفريقيا على نفسها[12]؛ فإن ذلك قد يسهم في إتاحة مساحة أوسع لقوى دولية منافسة لتعزيز نفوذها في إفريقيا، ولا سيما في المجالات الأمنية والسياسية، في ظل تراجع الانخراط الأمريكي المباشر. وفي السياق ذاته؛ تكمن إحدى نقاط الضعف الرئيسية في تبنّي مبدأ «أمريكا أولاً» عند تطبيقه على إفريقيا في أنه يتماهى غالباً مع سياق التنافس المنهجي مع كلٍّ من روسيا والصين، بدلاً من تقديم إستراتيجية متوازنة تلبي أولويات التنمية والاستقرار في القارة.
أيضاً؛ قد تجد الدول الإفريقية نفسها أمام معادلةٍ معقدة، تتمثل في الاستفادة من الشراكات الاقتصادية الأمريكية؛ دون وجود التزامٍ أمريكي موازٍ بدعم الاستقرار السياسي والأمني، وهو ما قد يقلل من فاعلية هذه الشراكات على المدى المتوسط والبعيد، وبخاصةٍ أن حجم الاستثمارات الأمريكية التي تدفقت إلى إفريقيا خلال عام 2024م لم يتجاوز (2) مليار دولار، في حين ضخت الصين استثمارات بنحو (3.4) مليار دولار في إفريقيا خلال العام نفسه، بتبادل تجاري وصل إلى (296) مليار دولار؛ في مقابل (104) مليارات دولار للولايات المتحدة.
2- تعزيز التدخل الأمريكي القائم على المصالح الذاتية:
من المرجح أن تتصاعد الاهتمامات الأمريكية بحل النزاعات الإفريقية، ولكن حتى في هذه الحالة؛ سينصب التركيز على الحالات التي توجد بها مواد خام وموارد اقتصادية تحتاج إليها الإدارة الأمريكية. لذلك؛ قد يتصاعد الاهتمام الأمريكي بالتدخل في منطقة البحيرات العظمى مروراً بالجنوب، حيث المعادن الأخرى، ويكون الهدف الحقيقي هو السيطرة على المواد الخام في دولها، وعلى رأسها الكونغو الديمقراطية، لإنتاجها وتصديرها بما يخدم المصالح الذاتية للولايات المتحدة.
لهذا؛ فإن المشروعات المستقبلية والشراكات الأمريكية الإفريقية ستكون قائمةً على دعم القطاع الخاص الأمريكي، في مشاريع التعدين والبنية التحتية الإفريقية، لتنويع سلاسل الإمداد بعيداً عن الصين التي تهيمن على استخراج المعادن في القارة. هذا النموذج التبادلي قد يعزز الأمن الاقتصادي الأمريكي، لكنه يحمل مخاطر تُفاقم عدم المساواة إذا لم يقترن بالتنمية المحلية. لذا؛ فإن نهج العلاقات الأمريكية الإفريقية مستقبلاً قائمٌ على تعميق العلاقات مع عدد محدود من الدول الإفريقية ذات الأهمية الجيو-اقتصادية؛ مقابل تراجع الاهتمام بدولٍ أخرى تعاني من هشاشةٍ أمنية أو ضعفٍ اقتصادي، ما قد يعزز من التفاوت داخل القارة نفسها.
3- إعادة إفريقيا لهندسة العلاقات:
من المتوقع أن تدفع هذه الإستراتيجية العديد من الدول الإفريقية نحو إعادة النظر في علاقاتها الخارجية، خاصةً في ظل النظرة الشعبية السائدة في الكثير من الشعوب الإفريقية نحو الولايات المتحدة والغرب بشكلٍ عام، والقائمة على اتهامهم بممارسة سياسات استعمارية جديدة في القارة، وهو ما كان أحد مبررات الانقلابات العسكرية التي شهدتها منطقة غرب القارة.
لذلك؛ قد تسعى الدول الإفريقية لمحاولة الاستفادة من هذه الإستراتيجية في إعادة ضبط موازين القوى في علاقاتها الدولية. وقد يصبّ ذلك في صالح الصين، التي سبق أن استفادت من تبنّي الإدارة الأمريكية نهجاً مماثلاً في إطار التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب، حيث قامت بإلغاء الرسوم الجمركية على جميع الواردات الإفريقية في خطوةٍ رمزية وسياسية ترسل رسالةً مفادها التمايز عن النهج الأمريكي[13].
4- تعزيز الشراكات الأمنية بدوافع اقتصادية:
قد تتجه الولايات المتحدة، بناءً على هذه الإستراتيجية، إلى تعزيز التسويات التفاوضية والاستقرار الإقليمي لتأمين طرق التجارة والوصول إلى الموارد، بما يتماشى مع أهدافٍ أوسع، تتمثل في حماية سلاسل الإمداد ضد «الضغط القسري من القوى المنافسة». وقد يشمل ذلك الشراكة مع آليات الاتحاد الإفريقي، أو حلفاء محددين مثل كينيا ونيجيريا. كما قد تهتم الإدارة الأمريكية بإقامة شراكات دولية مع الأمم المتحدة لتعزيز جهودها في إفريقيا، وبخاصةٍ لإحلال السلام هناك.
وختاماً؛ يمكن القول:
إن إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025م تمثل تحوّلاً نوعياً في التعامل مع إفريقيا، حيث ينتقل التركيز من تقديم المساعدات التقليدية وبناء المؤسسات، نحو علاقاتٍ اقتصادية وتجارية انتقائية ترتكز على المصالح الاقتصادية الأمريكية المباشرة. وتعكس هذه الإستراتيجية اعتماداً أكبر على الشراكات التبادلية التي تحقق منفعةً اقتصادية مشتركة، مع تقليل الالتزامات العسكرية أو الإنسانية طويلة الأمد. ويبرز هذا التحول في الاهتمام المتزايد بالتجارة والاستثمار في الموارد الحيوية التي تمتلك القارة احتياطيات كبيرة منها، والتي تُعدّ ضروريةً للاقتصاد التكنولوجي الحديث. وتُعتبر هذه الخطوة جزءاً من الجهود الأمريكية للتنافس مع نفوذ قوى أخرى، ولا سيما الصين، التي باتت فاعلاً اقتصادياً مهماً في القارة.
ومع ذلك؛ فإن إعطاء الأولوية للمكاسب الاقتصادية وحدها قد لا يكون كافياً لضمان استقرارٍ طويل الأمد؛ إذا لم يصاحبه إطارٌ أوسع يدعم السلام والتنمية والحوكمة، خاصةً أن النهج المعاملاتي الذي تعتمد عليه الإستراتيجية قد يجعل الخيارات الأمريكية مبنيةً بشكلٍ أساسي على المصلحة المباشرة، مما يحدّ من قدرة واشنطن على لعب دورٍ متوازن ومستدام في إفريقيا.
علاوةً على ذلك؛ تشير الإستراتيجية بشكلٍ ضمني إلى الاستعداد للعمل مع مختلف الحكومات ما دام أنها تخدم الأهداف الاقتصادية والأمنية. في المقابل؛ يعني هذا أن الدول الإفريقية ستتحمل مسؤوليةً أكبر في إدارة أمنها وتنميتها، مع ارتباط الانخراط الأمريكي بشروط محددة.
في المجمل؛ تمثل إستراتيجية 2025 تحوّلاً من نهجٍ شامل إلى مقاربةٍ انتقائية تضع المصالح الاقتصادية في الواجهة، وتضع إفريقيا في موقع شريك اقتصادي محتمل؛ أكثر منه هدفاً للتغيير السياسي أو الإنمائي على المدى الطويل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
[1] Blen Mamo, The 2025 U.S. National Security Strategy & Ethiopia’s Strategic Future, Horn Review, 9 Dec, 2025, at: https://shorturl.at/jRPi0
[2] The White House, National Security Strategy Of The United States Of America, November 2025, p.8.
[3] Bui Gia Ky, U.S. National Security Strategy 2025: The Return of Realism, modern diplomacy, December 7, 2025, at: https://shorturl.at/vNcTS
[4] Martina Schwikowski, Will Trump’s security strategy benefit resource-rich Africa?, Deutsche Welle, 12/12/2025 December 12, 2025, at: https://shorturl.at/vEEJy
[5] Cherkaoui Roudani, US National Security Strategy: Africa Debuts as a Global Player, Geopolitical monitor, December 12, 2025, at: https://shorturl.at/enGND
[6] New U.S. Security Strategy For Africa Prioritizes Energy and Minerals Over Aid, Ug diplomat, December 7, 2025, at: https://shorturl.at/xeaxN
[7] Martina Schwikowsk, Op.cit.
[8] Noureddine ZOBIR, Trump pourrait, sans le savoir, rendre sa grandeur à l’Afrique, Le Diplomate, 11 décembre 2025, at: https://shorturl.at/tBJ28
[9] The White House, Op.cit., November 2025, p.8.
[10] Noureddine Zobir, Op.cit.
[11] Russia Welcomes Donald Trump’s New US National Security Strategy, news week, Dec 07, 2025, at: https://shorturl.at/ZDPsB
[12] Martina Schwikowsk, Op.cit
[13] عكس السياسات التجارية الأمريكية.. الصين تعلن عن إلغاء الرسوم الجمركية على 53 دولة إفريقية، أفريكا بريس، 17 يونيو 2025م، متاح على الرابط الآتي: https://shorturl.at/MuJSS











































