بعد عامين ونصف من استعادة عضويتها في الهيئة الحكوميَّة الدوليَّة المعنية بالتنمية (إيغاد)؛ أعلنت إريتريا، في الـ12 من ديسمبر 2025م، انسحابها مجددًا من التكتل الإقليمي، معللةً قرارها بانحراف المنظمة عن أهدافها ومبادئها التأسيسية، وتقصيرها في الالتزام بمهامها على النحو الذي يُلبِّي تطلعات الحكومات وشعوب المنطقة، فضلًا عن اتهاماتها للتكتل بالتحوُّل إلى أداةٍ سياسيَّة للضغط على إريتريا وتبنّي سياسات منحازة ضد مصالحها، ولهذه الأسباب رأت أسمرة أنَّ سلطة “إيغاد” قد تآكلت وفقدت شرعيتها القانونيَّة، ولم يَعُد بمقدورها أنْ تُقدّم أي ميزة إستراتيجيَّة واضحة أو ملموسة، ونتيجة لذلك لم تَعُد هناك أيّ فائدة أو مبررات قوية تدعوها للبقاء في المنظمة، خاصةً وأنها لم تلمس أيّ تغيير جوهري في سياسات “إيغاد” بعد عودتها إليها، رغم وعود الإصلاح.
ويُجسِّد هذا القرار توجُّه إريتريا نحو إعادة ضبط أولويات سياستها الخارجيَّة، وتفضيلها نمطًا من الترتيبات الثنائية عِوضًا عن الأطر الإقليميَّة متعددة الأطراف، بما يُتيح لها مرونةً أكبر في إدارة علاقاتها الدوليَّة، وبما ينسجم مع مصالحها الوطنيَّة، كما يُثير هذا القرار عديدًا من التساؤلات المتعلقة بمدى قدرة المُنظمات الإقليميَّة على الحفاظ على تماسكها الداخلي ومُعالجة القضايا السياسيَّة والاقتصاديَّة المُلحة بطريقة عادلة وغير منحازة.
الهيئة الحكوميَّة الدوليَّة المعنية بالتنمية (إيغاد): النشأة، العضوية، والأهداف
تُعدّ الهيئة الحكوميَّة الدوليَّة المعنية بالتنمية (إيغاد)، منظمةً إقليميةً في منطقة شرق إفريقيا والقرن الإفريقي، تركّز على عدَّة مجالات كالتنمية، والتجارة، ومعالجة الصراعات الإقليميَّة وتعزيز السِّلم بين أطرافها، وتتخذ “إيغاد” من جيبوتي مقرًّا دائمًا لها.
تأسست هيئة “الإيغاد” عام 1996م خلفًا للهيئة الحكوميَّة المعنية بالجفاف (IGADD)، والتي كانت تهدف بالأساس إلى مواجهة ظاهرتي الجفاف والتصحر، والتصدي للكوارث الطبيعيَّة، ولم تكن لها أهداف سياسيَّة؛ لذلك تحوَّلت “إيغاد” بصيغتها الجديدة من مجرد منظمة بيئيَّة إلى هيئة تنمويَّة/ سياسيَّة، تأخذ على عاتقها مسؤولية مواجهة الفقر وتعزيز التنمية، فضلًا عن تمثيل مصالح حكوماتها وتسوية النزاعات الناشئة بين دولها، من خلال الاضطلاع بدور الوساطة، ومعالجة أسباب العنف والاضطرابات السياسيَّة التي تموج بها منطقة شرق إفريقيا.
تضم الهيئة الحكوميَّة الدوليَّة المعنية بالتنمية (إيغاد) ثماني دول في عضويتها، وهي: جيبوتي، كينيا، الصومال، السودان، جنوب السودان، أوغندا، إثيوبيا، بالإضافة إلى إريتريا التي أعلنت مؤخرًا انسحابها من الهيئة، ويُنظر إلى “إيغاد” بوصفها إحدى الركائز الإقليميَّة الرئيسية المُعترف بها مِن قِبَل الاتحاد الإفريقي (AU) لتسريع وتيرة التكامل الاقتصادي والسياسي في القارة. وتُغطّي الدول الثماني لـ”إيغاد” مساحةً قدرها 5.200.000 كم2 تقريبًا، أي ما يوازي 17% من مساحة إفريقيا، فيما يصل إجمالي عدد السُّكان إلى ما يقارب 325 مليون نسمة، أما الناتج المحلي الإجمالي (GDP) لدول “إيغاد” فيبلغ نحو 419 مليار دولار فقط، وهو ما يزيد بقليل عن الناتج المحلي الإجمالي لدولة جنوب إفريقيا بمفردها، مما يعكس ضعف الأداء الاقتصادي لهذا التكتل، وهو ما يُعدّ سببًا رئيسًا في عدم فاعليته، إلى جانب عامل آخر يتمثل في تقاطع المصالح والتنافس الجيوسياسي بين عدد من دوله.
وبحسب الاتفاقية المُنشئة لـ”إيغاد”، يسعى هذا التكتل الإقليمي إلى تحقيق جملة من الأهداف؛ أهمها: تعزيز إستراتيجيات التنمية المُشتركة وتنسيق السياسات والبرامج الاقتصاديَّة في المجالات الاجتماعيَّة والتكنولوجيَّة والعلميَّة، وتنسيق السياسات المُتعلقة بالبيئة والتجارة والجمارك والنقل والاتصالات والزراعة والموارد الطبيعيَّة والبيئة، بالإضافة إلى ذلك، تسعى “إيغاد” إلى تهيئة بيئة مُواتية للتجارة والاستثمار الخارجيين والعابرين للحدود، وإطلاق برامج ومشاريع تهدف إلى تحقيق الأمن الغذائي الإقليمي والتنمية المُستدامة للموارد الطبيعيَّة وحماية البيئة([1]).
من الأهداف الأخرى التي تطمح الهيئة الحكوميَّة الدوليَّة المعنية بالتنمية إلى تحقيقها: تعزيز السِّلم والاستقرار الإقليميين في المنطقة؛ من خلال تطوير آليات لمنع النزاعات بين دولها وحلّها عبر الحوار ووسائل التسوية السلميَّة، فضلًا عن تيسير التعاون في مجال البحث والتطوير والتطبيق في العلوم والتكنولوجيا وتعزيزه، والعمل على توفير التدريب والقدرات اللازمة على المستويين الإقليمي والوطني على النحو الذي يُسهم في تطوير وتحسين بنية تحتية متكاملة في مجالات النقل والاتصالات والطاقة في المنطقة([2]).
وتعتبر جمعية رؤساء الدول والحكومات أعلى هيئة لصنع السياسات والتنظيم في الهيئة الحكومية الدوليَّة المعنية بالتنمية (إيغاد)، وتتولى مسؤولية تحديد أهداف الهيئة وتوجيهاتها وبرامجها، وتجتمع هذه الجمعية مرة واحدة سنويًّا، ويتم انتخاب رئيسها بالتناوب من بين الدول الأعضاء، أما مجلس وزراء الإيغاد، فيتألف من وزراء الخارجيَّة ووزير اتصال آخر تُعينه كل دولة على حدة، ويضطلع هذا المجلس بصياغة السياسات، فضلًا عن اعتماد برامج الهيئة والميزانية السنوية للأمانة العامة التي يرأسها أمين تنفيذي تُعينه جمعية رؤساء الدول والحكومات لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، ويضم هيكل الإيغاد أيضًا لجنة السفراء المعنية بتيسير عمل مجلس الوزراء وتوجيه الأمين التنفيذي للهيئة وتقديم المشورة له([3]).
سياق الانسحاب الإريتري من “إيغاد”:
أعلنت إريتريا، في بيان صادر عن وزارة الإعلام في 12 ديسمبر2025م، انسحابها رسميًّا من الهيئة الحكوميَّة الدوليَّة المعنية بالتنمية (إيغاد)؛ بعد اتهاماتها للتكتل الإقليمي بالتقصير في الوفاء بالتزاماته القانونية وفشله في تلبية مصالح حكوماته. ووفقًا لهذا البيان، أعلنت أسمرة أنها قد اضطلعت بدور محوري منذ تأسيس الإيغاد، وتعاونت مع الدول الأخرى من أجل تطوير الهيئة وتعزيز فعاليتها، ومع ذلك تحوَّلت المنظمة، بحسب البيان، إلى أداةٍ ضد مصالح إريتريا والمنطقة ككل، بسبب انحرافها عن أهدافها ومبادئها التأسيسية.
وأضاف البيان أنَّ هيئة الإيغاد لم تكتفِ بالفشل في تلبية تطلعات شعوب المنطقة، بل لعبت دورًا ضارًّا، كونها تحوَّلت إلى وسيلة للضغط ضد بعض الدول ولا سيَّما إريتريا، ولذلك تعتقد الحكومة الإريترية أنَّ استمرار عضويتها في “إيغاد” لم يعد ذا جدوى، بعد أنْ فقدت المنظمة الإقليميَّة سلطتها وولايتها القانونيَّة، ولم تعد تقدم أيّ فائدة إستراتيجية ملموسة، فضلًا عن عجزها عن المساهمة بشكل فعَّال في استقرار المنطقة.
ردًّا على ذلك، أعربت “إيغاد” عن أَسفها لهذه الخطوة، داعيةً أسمرة إلى إعادة النظر في قرارها، وفي هذا السياق أشارت الأمانة العامة لمنظمة “إيغاد” إلى أنَّ إريتريا، منذ عودتها إلى الهيئة عام 2023م، امتنعت إلى حد كبير عن حضور الاجتماعات والبرامج والأنشطة، مع تأكيد التزامها بأهداف التكتل وانفتاحها على المشاركة البنَّاءة، ويخشى محللون من أنَّ انسحاب أسمرة، والذي يعكس الانقسامات الكامنة بين أطراف التكتل الإقليمي، قد يُضعف من قدرة “إيغاد” على الوساطة في النزاعات وتنفيذ المشاريع العابرة للحدود([4]).
جدير بالذكر أنَّ القرار الإرتيري بالخروج من “إيغاد” لم يكن مفاجئًا؛ إذ سبق لأسمرة الانسحاب من التكتل الإقليمي قبل ثمانية عشر عامًا، وتحديدًا عام 2007م، على خلفية تدهور العلاقات مع إثيوبيا واتهامات الإيغاد لإريتريا بتأجيج الفوضى ودعم الجماعات المُسلَّحة في الصومال، ولا سيَّما حركة الشباب الإسلاميَّة، وفي ظل التصعيد بين الجانبين، طالبت دول “إيغاد” منظمة الاتحاد الافريقي والأمم المُتحدة بفرض عقوبات دوليَّة على أسمرة، وبالفعل أصدر مجلس الأمن الدولي قرارًا عام 2009م في إطار الفصل السابع، تضمَّن عقوبات بحظر التسليح وتجميد الأصول المالية لإريتريا، وقد ظلت هذه العقوبات الدوليَّة ساريةً حتى قرَّر مجلس الأمن رفعها عن إريتريا عام 2018م بعد تحسُّن علاقاتها مع جيرانها، والذي تجسَّد في إبرام اتفاق للسلام مع إثيوبيا واستئناف العلاقات معها.
هيَّأت هذه الظروف لعودة إريتريا إلى عضوية “إيغاد” مرةً أخرى، ويُعزى السبب الرئيس في هذه العودة إلى علاقات أسمرة المستقرة والمتوازنة مع نيروبي؛ حيث لعب الرئيس الكيني وليام روتو William Ruto دورًا محوريًّا في إقناع نظيره الإريتري أسياس أفورقي Isaias Afwerki بأنَّ الوقت قد حان لاستعادة بلاده مقعدها في الهيئة الحكوميَّة الدوليَّة المعنية بالتنمية (إيغاد)، وذلك خلال اجتماع ثنائي عُقد بين الرئيسين في فبراير 2023م بالعاصمة الكينيَّة، وبعد ثلاثة أشهر من هذا الاجتماع، أعلنت الحكومة الإريترية استئناف نشاطها في منظمة الإيغاد، وجاء ذلك عقب مشاركة إريتريا في القمة العادية الرابعة عشرة التي نظمتها دول التكتل في جيبوتي([5]).
دوافع إريتريا للانسحاب من الهيئة الحكوميَّة الدوليَّة المعنية بالتنمية (إيغاد):
يُمكن القول بأنَّ قرار الحكومة الإريترية بالانسحاب من الهيئة الحكوميَّة الدوليَّة المعنية بالتنمية (إيغاد)، في ديسمبر 2025م، جاء مدفوعًا بجملة من الأسباب والمُبررات المتداخلة، والتي يُمكن تناولها على نحو ما يلي:
1- تصاعد الخلافات مع إثيوبيا وعجز “إيغاد” عن احتوائها
على الرغم من عدم إشارة إريتريا إلى خلافاتها مع إثيوبيا كدافع صريح لإعلان خروجها من الإيغاد، إلا أنَّ هذا القرار الإريتري جاء نتيجةً لتصاعد التوتر بين أديس أبابا وأسمرة، بعدما أكد رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد”، مجددًا، رغبة بلاده في الوصول إلى البحر الأحمر، الأمر الذي عدّته الحكومة الإريترية محاولةً لإحياء أطماع إثيوبيا التوسعية في المنطقة. والخلافات بين البلدين ليست وليدة الأشهر أو السنوات القليلة المنصرمة، بل هي نتاج تراكمات طويلة ترتد بجذورها إلى العام 1993م عندما أعلنت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا وحرمت هذه الأخيرة من أيّ وصول مباشر إلى البحر، وخلال السنوات التالية تفاقمت التوتُّرات بين الجانبين، خاصةً فيما يتعلق بالنزاعات الحدودية التي ما لبثت أنْ تطورت إلى صدام مسلَّح بين عامي 1998- 2000م، أدَّى إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا من الجانبين، وأفضى إلى وقوع كارثة إنسانيَّة واقتصاديَّة واسعة النطاق في القرن الإفريقي، قبل أنْ يتوصل الجانبان إلى اتفاقية الجزائر التي قضت بوقف الحرب وتشكيل لجنة حدودية مستقلة، وهي لجنة الحدود الإريتريَّة الإثيوبيَّة، ومع ذلك ظلت التوتُّرات السياسيَّة والمُناوشات الحدودية قائمةً بين البلدين إلى أنْ أنهت مبادرة السلام لعام 2018م أكثر من عقدين من العداء، ومهَّدت لاستئناف العلاقات التجاريَّة والدبلوماسيَّة.
وبلغ التقارب بين الجارتين ذُروته مع تدخُّل إريتريا في الحرب الأخيرة ضد جبهة تحرير شعب تيغراي (2020- 2022م) دعمًا للحكومة الإثيوبيَّة، لكن سياسة التوافق لم تعمر طويلًا؛ بعدما أظهر كل طرف أنَّ لديه أهدافًا ومصالح متعارضة مع الآخر؛ حيث تتهم أديس أبابا النظام السياسي في أسمرة بدعم فصائل مسلَّحة في إقليم أمهرة الإثيوبي بهدف زعزعة استقرار الحكومة المركزية، وزاد التوتر مع إعلان إثيوبيا حقها الطبيعي والقانوني في الوصول إلى البحر، معتبرةً أنَّ حرمان الشعب الإثيوبي من هذا الحق لصالح دولة صغيرة كإريتريا يُعدّ أمرًا غير منطقي، وضمن هذا السياق دعا بعض الجنرالات في الجيش الإثيوبي إلى ضرورة استعادة أديس أبابا لميناء عصب الإريتري بأيّ ثمن، وقد اعتبرت أسمرة هذه التصريحات بمثابة تهديد مباشر لأمنها، ومحاولة لإعادة إحياء مشروع إثيوبيا التوسعي في المنطقة، ورغم محاولات الإيغاد لرأب الصدع وتهدئة التوتر بين الجانبين عبر الحوار، ألا أنها لم تحقق نتائج ملموسة في هذا الصدد، ما دفع إريتريا إلى اتهامها بالفشل في معالجة مخاوفها الأمنيَّة، والتحيز لصالح إثيوبيا.
2- الفشل المؤسسي لـ”إيغاد” في التصدي للأطماع الإقليميَّة
تتهم إريتريا الهيئة الحكوميَّة الدوليَّة المعنية بالتنمية (إيغاد) بالانحراف عن الأهداف المرسومة لها، وتحوُّلها إلى أداة سياسيَّة بيد بعض الحكومات (في إشارة منها إلى إثيوبيا) ضد مصالح أطرافٍ أخرى، ويُمكن تفسير هذه الاتهامات الإريترية في سياق صمت الأمانة العامة لـ”إيغاد” تحت رئاسة وزير الخارجية الإثيوبي الأسبق والأمين التنفيذي الحالي للمنظمة ورقني قبيهو Workneh Gebeyehu إزاء المسائل الخلافية والأطماع الإقليميَّة لبعض حكومات الإيغاد، كالخلافات المستمرة بين إثيوبيا وإريتريا التي سبقت الإشارة إليها. وأيضًا التوتُّرات المُتصاعدة بين الصومال وإثيوبيا على خلفية توقيع هذه الأخيرة لاتفاق ثنائي مع حكومة “أرض الصومال” الانفصالية في يناير 2024م، يقضي بحصول أديس أبابا على منفذ بحري مقابل الاعتراف بحكومة أرض الصومال، وهو ما اعتبرته مقديشو تعديًا وانتهاكًا صارخًا لسيادتها، كما لم تتخذ الأمانة العامة لـ “إيغاد” أيّ خطوات ملموسة ضد تصريحات الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني Yoweri Museveni في نوفمبر 2025م، والتي عبَّر خلالها عن حق بلاده السيادي في الوصول إلى مياه المُحيط الهندي وما ينطوي عليه ذلك من تهديد مباشر للحكومة الكينيَّة([6]).
ولا شك أنَّ هذا التقاعس مِن قِبَل “إيغاد” وعدم تأكيدها على الالتزام باحترام سيادة الدول وضمان سلامة أراضيها، يعكس فشلها المؤسسي من منظور أسمرة، كما يعكس عجزها عن الوفاء بالتزاماتها السياسيَّة والدفاع عن مصالح أطرافها، مما يُقوِّض شرعيتها القانونيَّة كمؤسسة إقليميَّة مستقلة، ويبرز فشلها في تقديم أي ميزة إستراتيجية ملموسة لأطرافها واخفاقاتها في تلبية تطلعات شعوب المنطقة، وهو ما دفَع أسمرة إلى الاعتقاد بعدم جدوى بقائها في هذا المنتدى الإقليمي متعدد الأطراف.
3- حسابات النظام السياسي في أسمرة والتحالفات الخارجيَّة
يكشف قرار إريتريا بالانسحاب من الهيئة الحكوميَّة الدوليَّة المعنية بالتنمية (إيغاد) عن رفض نظامها السياسي التعايش مع الرقابة متعددة الأطراف، ورغبته في حماية شرعيته في وجه الاتهامات الموجهة إليه، كالتورط في نزاع أمهرة والتدخل في شؤون الدول المُجاورة، فضلًا عن دعم بعض الكيانات والتنظيمات المسلَّحة في القرن الإفريقي. من ناحية أخرى، يُمكن تفسير القرار الإريتري من منظور التنافس الإقليمي والتحالفات الخارجيَّة؛ حيث يتزامن القرار مع تصعيد مصر لجهودها الإستراتيجيَّة في منطقة القرن الإفريقي وسعيها لتقويض النفوذ الإقليمي لإثيوبيا، وتعزيز نفوذها الجيوسياسي في البحر الأحمر، وفي هذا السياق، تتطلع إريتريا، بوصفها حليفًا إقليميًّا للقاهرة، إلى تقويض منظمة “إيغاد” التي تتمتع فيها إثيوبيا وجيرانها بنفوذ كبير، بهدف إضعاف الدبلوماسية الإقليميَّة الجماعية، حتى وإنْ كانت النتيجة عزلة إريتريا([7]).
4- غياب عوائد سياسيَّة واقتصاديَّة ملموسة
خلافًا للتصوُّرات المتوقعة حول دور “إيغاد” باعتبارها منصة إقليميَّة لتعزيز التعاون والمصالح المتبادلة بين الدول الأطراف؛ فقد تحوَّلت إلى هيكل يفرض التزامات دون أن يقدّم مزايا حقيقية توازي تلك الالتزامات، ولم تجد إريتريا في “إيغاد” منذ عودتها إليها عام 2023م مبررات قوية تدعوها للاستمرار في عضويتها؛ حيث لم تُحقق لها هذه العضوية أي منافع سياسيَّة أو اقتصاديَّة حقيقية تعود بشكل مباشر على مصالحها الوطنيَّة. ويُعزَى ذلك بشكل رئيس إلى غياب مشاريع تنموية مشتركة ذات تأثير فعلي، وضعف التنسيق الأمني، مما قلّل من أهمية هذه العضوية لتصبح رمزية أكثر من كونها ذات فائدة حقيقية، ولا شك أنَّ هذا التقييم الواقعي الذي يوازن بين كلفة العضوية وعوائدها المتواضعة يُعدّ أحد العوامل المُحفّزة لصناع القرار في أسمرة لاتخاذ قرار الخروج من “إيغاد”، والاعتماد بدلًا من ذلك على ترتيبات ثنائية دون التقيد بأُطُر متعددة الأطراف ذات جدوى محدودة وتأثير ضعيف([8]).
5- تفضيل نمط العزلة الإستراتيجيَّة عن الانخراط متعدد الأطراف:
منذ استقلالها عن إثيوبيا عام 1993م، انتهجت إريتريا، في عهد الرئيس أسياس أفورقي، سياسةً خارجيَّة تركّز على الاكتفاء الذاتي والأمن، مع تقليل التزاماتها المُتعددة الأطراف، وحتى بعد عودتها إلى “إيغاد” عام 2023م ظلت أسمرة أكثر انغلاقًا وأقل انخراطًا في التفاعلات الإقليميَّة متعددة الأطراف؛ حيث دأبت على اتباع نهج خارجي، تميز بقلة مشاركتها الدبلوماسيَّة وضعف تكاملها الاقتصادي، ومِن ثَمَّ فإنَّ قرار إريتريا بالخروج من “إيغاد” لا يمثل قطيعةً في سياستها الخارجيَّة، بقدر ما يُمثل عودةً إلى وضع إستراتيجي مألوف([9]).
ختامًا، فإنَّ انسحاب إريتريا من الهيئة الحكوميَّة الدوليَّة المعنية بالتنمية (إيغاد)، بعد أقل من ثلاث سنوات من استئناف نشاطها في التكتل الإقليمي، يعكس تزايد حالة عدم الاستقرار في شرق إفريقيا، ويُبرز أزمة ثقة عميقة، خاصةً مع إثيوبيا فيما يتعلق بأطماعها البحريَّة بالنفاذ إلى البحر. ويُهدّد هذا التطور بتقويض مصداقية “إيغاد” ودفع أسمرة إلى تبنّي سياسات أكثر انعزالية، مما قد يؤدي إلى تأجيج الصراعات بالوكالة ومُفاقَمة حدة التوتر في منطقة القرن الإفريقي؛ حيث من المتوقع أن يُضعف انسحاب إريتريا تماسك “إيغاد” ويظهر هشاشة التعاون الإقليمي متعدد الأطراف، في وقتٍ تعاني فيه المنطقة أزمات أمنيَّة وسياسيَّة متداخلة، من حروب أهليَّة وتوتُّرات جيوسياسية بين دولها.
…………………………….
([1])Aims and Objectives of IGAD, IGAD Peace, Prosperity, and Regional International, available at https://igad.int/
([3]) Intergovernmental Authority on Development (IGAD), TARC LTD, available at https://n9.cl/19i6x
([4]) Taha Saqr, Eritrea Exits IGAD, Citing Regional Bloc’s Failures; IGAD Calls for Reconsideration, DNE Africa, 14 December 2025, available at https://n9.cl/vu45z
([5]) Jerry Franklin, Eritrea: Back to the IGAD after 16 years, NIAS Course on Global Politics, 20 June 2023, available at https://n9.cl/5bskv
([6]) محمود أبو بكر، انسحاب إريتريا من “إيغاد”: الأسباب والتبعات، إندبندنت عربية، منشور في 15 ديسمبر 2025، متاح على https://n9.cl/txq4j
([7]) Abdirezak Sahane Elmi, Eritrea’s exit from IGAD: A Regime’s political maneuver, not the voice of its people, Wardheer News, 16 December 2025, available at https://n9.cl/goo6a
([8]) Ahmed Hussein Abo deif, Eritrea’s Exit from IGAD in a Volatile Regional Order, Democratic Arabic Center, 14 December 2025, available at https://n9.cl/jiree
([9]) Eritrea Withdraws from IGAD: Strategic Isolation and Renewed Fractures in the Horn of Africa, African Security Analysis (ASA), 16 December 2025, available at https://n9.cl/vxvi99











































