وليم بيتر
كاتب صحفي- جنوب السودان
يشهد القرن الإفريقي في السنوات الأخيرة تحولات أمنية وسياسية معقَّدة، تتداخل فيها النزاعات المحلية مع الديناميات الإقليمية والدولية، ما يجعل المنطقة واحدة من أكثر بُؤَر التوتر في إفريقيا والعالم. وتأتي الأزمة الحالية على الحدود الإثيوبية–الإريترية، وتصاعد نشاط تنظيم عفر البحر الأحمر الديمقراطي، كأحد أبرز الأمثلة على كيفية تشابك الصراعات المحلية مع الأبعاد الإقليمية الكبرى. فالتوترات المتجددة بين أديس أبابا وأسمرة لم تُعدّ مجرد خلافات حدودية تقليدية، بل أصبحت مسرحًا لتفاعلات سياسية وعسكرية تُؤثّر على استقرار الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر، وعلى الأمن الإقليمي بشكل عام.
تنطلق هذه الورقة البحثية من محاولة تقديم تقدير موقف متكامل للتطورات الأخيرة، مع التركيز على تحليل جذور التصعيد العفري، وأبعاده السياسية والإقليمية. إذ لا يقتصر الدور الذي يلعبه تنظيم عفر البحر الأحمر على كونه فاعلًا محليًّا، بل يمتدّ تأثيره إلى موازين القوى بين الدول المجاورة، بما في ذلك إثيوبيا، إريتريا، وجيبوتي، وربما الدول الخليجية التي تعتبر أمن البحر الأحمر وممراته البحرية جزءًا من مصالحها الحيوية.
كما تسعى الورقة إلى استكشاف العوامل المؤثرة في تصاعد هذا النشاط، بما في ذلك الاضطرابات الداخلية في الدول المعنية، ضعف المؤسسات الإقليمية، والدعم الشعبي المتنامي للتنظيم، مع تسليط الضوء على السيناريوهات المستقبلية المحتملة لتطور الأزمة.
تهدف الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية تجمع بين السياق التاريخي، والتحولات السياسية، والدلالات الجيوسياسية، بحيث تُوفّر إطارًا يمكن من خلاله فَهْم أبعاد الأزمة وإمكانيات تطورها، سواء على صعيد الأمن المحلي أو الاستقرار الإقليمي.
أولًا: الخلفيات والسياق العام للتصعيد
1- جذور التوتر الإثيوبي–الإريتري
تعود جذور الخلافات بين إثيوبيا وإريتريا إلى عقودٍ طويلة سبقت استقلال الأخيرة عام 1993م، حين كانت جزءًا من الإمبراطورية الإثيوبية. وقد لعبت النزاعات التاريخية على الهوية القومية والموارد الحدودية دورًا أساسيًّا في تعميق الصراعات بين الطرفين[1]. بعد الاستقلال، ورغم اعتراف إثيوبيا بسيادة إريتريا، بقيت القضايا الحدودية العالقة تُمثّل نقطة احتكاك مستمرة، خصوصًا في المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية مثل منطقة بأدمي وكسلا.
الحرب الحدودية التي اندلعت بين البلدين عام 1998م شكّلت نقطة تحول مركزية في مسار العلاقات الثنائية، إذ أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين والعسكريين وتدمير البنية التحتية الحدودية، وخلقت حالة دائمة من الشك والريبة المتبادلة بين الطرفين[2]. ورغم توقيع اتفاق السلام في الجزائر عام 2000م، ظل النزاع على المناطق الحدودية مصدر توتر دائم، وأدى إلى نشوء خطّ تماس أمني هشّ تتخلله عمليات محدودة لكنها متكررة من كلا الطرفين[3].
اتفاق السلام التاريخي في يوليو 2018م بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي فتح آفاقًا لإعادة تطبيع العلاقات بعد عقود من العداء[4]، وقد استُقبل الاتفاق بتفاؤل واسع، باعتباره نموذجًا لحل النزاعات الحدودية في المنطقة. ومع ذلك، فإن التباينات السياسية العميقة والريبة المتبادلة بين القيادتين حالت دون تحقيق انفراجه حقيقية على الأرض. فالإشكالية لم تكن مجرد نزاع حدودي، بل ارتبطت بتحولات السلطة الداخلية في كلا البلدين؛ حيث تسعى كل حكومة إلى ترسيخ نفوذها الإقليمي وتعزيز السيطرة على المناطق الحدودية الحيوية. ومنذ اندلاع الحرب في إقليم تيغراي عام 2020م، عادت العلاقات بين الطرفين إلى حالة من الغموض المشوب بالحذر، خصوصًا بعد انسحاب القوات الإريترية من شمال إثيوبيا تحت ضغوط دولية وإقليمية[5].
2-تنظيم عفر البحر الأحمر: النشأة والمسار
تأسَّس تنظيم عفر البحر الأحمر الديمقراطي في عام 1999م على يد مجموعة من المنشقين عن الجيش الإريتري ينتمون إلى قومية العفر، احتجاجًا على ما وصفوه بالتهميش السياسي والاقتصادي لعفر إريتريا[6]. يُظهر هذا التنظيم كيف يمكن للصراعات القومية أن تتحول إلى عوامل ضغط على الحكومات المركزية، خاصة عندما تتقاطع مع ضعف المؤسسات الحكومية والإقليمية. ويُعدّ التنظيم مثالًا على كيفية استغلال الجماعات القومية للمناطق الحدودية الضعيفة أمنيًّا لتشكيل قواعد قوة؛ حيث يتخذ من المناطق الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا مسرحًا رئيسيًّا لعملياته، مع وجود دعم شعبي ملحوظ في الداخل الإثيوبي، خصوصًا في إقليم عفر، الذي طالما شعر بالإقصاء والتهميش مِن قِبَل السلطة المركزية في أديس أبابا.
خلال العقدين الماضيين، شهد التنظيم فترات من الجمود النسبي، لكنّه حافظ على شبكته التنظيمية وقدرته على التحرك داخل المناطق الحدودية. التطورات الأخيرة، بما في ذلك تنفيذ تدريبات عسكرية واسعة النطاق، تعكس رغبة التنظيم في إعادة تأكيد وجوده كفاعل سياسي وعسكري مهم في معادلة المنطقة[7]. كما تشير هذه التحركات إلى أن التنظيم لم يَعُد مجرد جهة محدودة القدرات، بل أصبح لاعبًا قادرًا على التأثير في ديناميكيات الأمن الإقليمي، خصوصًا في ظل حالة الفوضى الأمنية التي تشهدها المنطقة.
3-الأسباب المباشرة للتصعيد الأخير
يمكن تفسير موجة التصعيد الجديدة بعدة عوامل مترابطة ومتكاملة:
أولًا: الاستقطاب الإثيوبي–الإريتري المتجدد بعد انتهاء حرب تيغراي؛ إذ يسعى كل طرف إلى تعزيز نفوذه على المناطق الحدودية العفرية، مستفيدًا من ضعف الرقابة الأمنية ونقص التنسيق الإقليمي. هذا الاستقطاب يعكس ديناميكية أوسع تتعلق بمحاولة كل دولة إعادة ترتيب أوراق النفوذ بعد أزمات داخلية، وهو ما يجعل المنطقة الحدودية مجالًا للصراع غير المباشر بين الطرفين.
ثانيًا: ضعف المؤسسات الإقليمية العفرية في الداخل الإثيوبي، ما يفتح المجال أمام التنظيمات المسلحة للتمدد والسيطرة على مناطق إستراتيجية، خصوصًا في ظل غياب الخدمات الأساسية، وانعدام الرقابة الفعلية على الحدود[8]. هذا الوضع يتيح للتنظيم استقطاب قاعدة جماهيرية محلية، وتقديم نفسه كحامٍ لمصالح العفر ضد الإقصاء والتهميش المستمرين.
ثالثًا: استغلال التنظيم لحالة الفراغ الأمني في المنطقة، مع انشغال السلطات المركزية بأزمات داخلية في أقاليم أمهرة وأورومو، ما منح التنظيم مساحة للتحرك والتنظيم دون مواجهة مباشرة من القوات الحكومية. هذه الحالة تُحذّر من إمكانية تصعيد مستقبلي قد يمتد إلى نزاعات أكبر.
رابعًا: الدعم الشعبي المتنامي الذي بات يحظى به التنظيم بين أبناء العفر، في ظل شعورهم بالتهميش والإقصاء المستمرين من الحكومتين الإثيوبية والإريترية[9]. هذا الدعم يمثل قوة اجتماعية وسياسية يمكن أن تتحول إلى عامل ضغط على صانعي القرار، ويزيد من تعقيد أيّ محاولة لاحتواء الأزمة دون معالجة جذور المشكلة القومية.
هذه العوامل مجتمعة تُوضّح أن التطور الأخير ليس مجرد مناوشات حدودية عابرة، بل يمثل عودة البُعْد القومي كعامل رئيسي مُهدِّد للاستقرار الإقليمي. كما يُظهر تصعيد التنظيم كيف يمكن للتوترات المحلية أن تتفاعل مع النزاعات الإقليمية لتعقيد المشهد الأمني في المنطقة، مما يجعل أيّ تحليل للأمن الإقليمي يتطلب دراسة متأنية للتداخل بين السياسة الداخلية، الديناميات القومية، والمصالح الإقليمية الكبرى.
ثانيًا: التحولات السياسية ودلالاتها الإقليمية
1- انعكاسات التصعيد على معادلة التوازن الإثيوبي–الإريتري
يُمثِّل التصعيد الأخير الذي أعلنه تنظيم عفر البحر الأحمر الديمقراطي تحديًا مزدوجًا لكل من أسمرة وأديس أبابا، ويعكس هشاشة التوازنات الإقليمية الراهنة. فمن منظور الحكومة الاريترية، يُعدّ التنظيم تهديدًا مباشرًا لأمنها الداخلي، نظرًا لانحدار غالبية مقاتليه من قومية العفر التي تمثل أحد المكونات الأساسية لساحل البحر الأحمر الإريتري، ولا سيما في إقليم عصب الإستراتيجي[10]. وقد أظهرت التجربة السابقة أن أيّ تصعيد مسلح في هذه المناطق يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات محلية سريعة الانتشار، الأمر الذي يزيد من تعقيد إدارة أسمرة لأمن حدودها الشرقية والشمالية[11].
من جانبها، تجد إثيوبيا نفسها أمام مُعضلة مزدوجة؛ فهي من جهة لا ترغب في مواجهة مباشرة مع النظام الإريتري في الوقت الذي تحاول فيه التركيز على استقرار الداخل، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والأزمات الداخلية في أمهرة وأوروميا[12]. ومن جهة أخرى، قد يُنظَر إلى دعمها الضمني للتنظيم أو تجاهل تحركاته على أنه محاولة لإعادة ضبط موازين القوى مع أسمرة، وهو ما يضع إثيوبيا في موقف حساس بين تعزيز نفوذها الإقليمي والحفاظ على علاقات هشَّة مع جارها الشمالي[13].
وفي هذا السياق، يسعى التنظيم العفري إلى استثمار هشاشة الوضع الإثيوبي الداخلي لتعزيز موقعه الإقليمي، مستفيدًا من انشغال الحكومة المركزية بصراعات الأقاليم الداخلية، ومن ضعف القدرات العسكرية الاثيوبية على ضبط الحدود الشرقية. يُتيح هذا التوقيت للتنظيم مساحة سياسية واسعة للمناورة، ويُعيده إلى دائرة التأثير في المعادلة الجيوسياسية بين أديس أبابا وأسمرة، بما يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد مستمر وتحوُّل الصراع إلى حرب بالوكالة بين الجارتين؛ حيث تُستخدم التنظيمات القومية كأدوات ضغط متبادل[14].
2-الأثر على العلاقات الإثيوبية–الجيبوتية والإريترية–الجيبوتية
تمتلك قضية العفر بُعدًا إقليميًّا يتجاوز إثيوبيا وإريتريا ليشمل جيبوتي، التي تضم أيضًا شريحة واسعة من أبناء العفر ضمن تركيبتها السكانية. وقد عبّرت السلطات الجيبوتية عن قلقها المتزايد من أيّ تصعيد مسلح، خشية امتداد النزاع إلى أراضيها، ما قد يفاقم هشاشتها السياسية، ويؤثر على أمن الموانئ الحيوية، خصوصًا ميناء جيبوتي الذي يُشكّل نقطة محورية للوصول إلى البحر الأحمر وخطوط التجارة العالمية[15].
في هذا الإطار، تُكثِّف جيبوتي اتصالاتها الأمنية مع كلٍّ من إثيوبيا وإريتريا، سعيًا لتقليل احتمالات تحول أراضيها الحدودية إلى ملاذٍ للمسلحين أو ممرٍ آمِن لقيادات التنظيم. ومع ذلك، فإن ضعف التنسيق بين أديس أبابا وأسمرة في إدارة الملف العفري يُضْعِف من قدرة جيبوتي على فرض استقرارها، ويجعلها في موقف حرج أمام أيّ تصاعد محتمل. ويُتوقَّع أن يؤدي أيّ تدهور أمني في المثلث الحدودي بين إثيوبيا–إريتريا–جيبوتي إلى اضطراب واسع في حركة التجارة الإقليمية، مع انعكاسات مباشرة على مصالح الشركاء الخارجيين، ولا سيما دول الخليج التي تعتمد على استقرار هذه الممرات لضمان انسيابية حركة الطاقة والبضائع[16].
3-الارتدادات على أمن البحر الأحمر والممرات الإستراتيجية
تتجاوز تداعيات النشاط العفري حدود الجغرافيا السياسية المحلية لتَطال الأمن الإقليمي في البحر الأحمر، الذي يُعدّ شريانًا إستراتيجيًّا للتجارة والطاقة العالمية. فالمناطق التي ينشط فيها تنظيم عفر البحر الأحمر الديمقراطي تقع بالقرب من الممرات البحرية الحيوية التي تربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر مضيق باب المندب، ما يجعل أيّ توتر مسلح فيها مصدر قلق دولي[17].
ويرى مراقبون أن استمرار التصعيد قد يُحوّل التنظيم إلى فاعل غير حكومي مؤثر في معادلة الأمن البحري، سواء عبر أنشطة تهريب الأسلحة أو المناورات العسكرية قرب السواحل، أو من خلال استقطاب أطراف خارجية تسعى إلى الاستثمار في الصراعات الهامشية لتعزيز نفوذها الإستراتيجي في البحر الأحمر. ويبرز هذا التحرك العفري كعامل مُعقَّد يُضاف إلى المنافسة الإقليمية والدولية القائمة في البحر الأحمر، التي تشهد تنافسًا مباشرًا بين السعودية والإمارات وتركيا والصين وإيران، كلٌّ وفق حساباته الجيوسياسية.
4-البعد الخليجي في المشهد الإقليمي الجديد
تلعب دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، دورًا محوريًّا في قضايا القرن الإفريقي والبحر الأحمر، من خلال الاستثمارات في الموانئ والبنية التحتية، وكذلك الأدوار السياسية والأمنية في الوساطة. وعليه، فإن أيّ تصعيد في المثلث العفري يُمثّل مصدر قلق لهذه الدول، نظرًا لتأثيره المباشر على أمن الملاحة، استقرار خطوط الإمداد، والتجارة النفطية، التي تُعتبر شريان حياة حيويًّا للاقتصادات الخليجية.
ولا يقتصر القلق الخليجي على الجانب الأمني فحسب، بل يتجاوز إلى التأثير على المشروعات التنموية والاستثمارية في موانئ عصب وجيبوتي وبربرة. وفي حالة استمرار النزاع العفري، قد تضطر الإمارات إلى إعادة النظر في إستراتيجياتها التنموية، وربما اتخاذ تدابير لحماية مصالحها الاقتصادية من أيّ استغلال محتمل للنزاع مِن قِبَل أطراف دولية مُنافِسَة تسعى لإعادة توزيع النفوذ في البحر الأحمر[18].
وبهذا، تكشف التحركات العفرية عن هشاشة التوازنات القائمة في القرن الإفريقي، وعن مدى تأثرها بأيّ تحرُّك قومي محلي ذي بُعْد عابر للحدود، ما يجعل المنطقة أكثر عُرْضَة للتحولات الجيوسياسية المفاجئة، ويضع اللاعبين الإقليميين والدوليين أمام تحديات مُعقَّدة تتطلب مقاربة متوازنة بين الضغوط الأمنية والسياسية والاقتصادية.
ثالثًا: السيناريوهات المحتملة
يمكن تصنيف السيناريوهات المستقبلية للتصعيد العفري ضمن ثلاثة مسارات رئيسية، تتوقف على مدى تدخل الأطراف الإقليمية والدولية، وسلوك الحكومتين الإثيوبية والإريترية، وقدرة التنظيم العفري على إدارة عملياته العسكرية والسياسية داخل مناطق نفوذه. ويعكس هذا التصنيف طبيعة الصراع وتداخل الأبعاد المحلية والإقليمية، إضافة إلى التحديات الأمنية والاقتصادية التي قد تترتب على استمرار الأزمة[19].
1-سيناريو التصعيد المتدرج
في هذا السيناريو، يواصل التنظيم العفري نشاطه العسكري على طول الحدود الإثيوبية–الإريترية، مع احتمالية اندلاع مواجهات محدودة بين القوات الإريترية والمقاتلين العفر[20]. ويتميز هذا المسار بأنه الأكثر احتمالًا على المدى القصير؛ إذ يعتمد على قدرة التنظيم على استغلال الثغرات الأمنية، وضعف التنسيق بين أديس أبابا وأسمرة، وعدم وضوح الإستراتيجية الحكومية تجاه الجماعات العفرية[21].
النتائج المحتملة لهذا السيناريو تشمل استمرار حالة عدم الاستقرار على الحدود، ما يزيد من احتمال انزلاق النزاع نحو مناطق أوسع داخل إقليم العفر الإثيوبي، ويؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة البحرية في البحر الأحمر، ويزيد من مخاطر تهريب الأسلحة والمقاتلين[22]. كما قد يؤدي هذا التصعيد إلى تفاقم الوضع الإنساني في المناطق الحدودية نتيجة النزوح المحلي وتصاعد الاحتكاكات بين المدنيين والقوات العسكرية، ما يعزز الضغط على مؤسسات الدولة والهياكل الإدارية المحلية[23].
العوامل المؤثرة في هذا السيناريو تتمثل في ضعف التنسيق الأمني بين الحكومتين الإثيوبية والإريترية، واستغلال التنظيم للثغرات الأمنية، إضافة إلى قوة الدعم الشعبي الذي يحظى به التنظيم داخل مناطق العفر، مما يمنحه هامشًا أكبر لمواصلة عملياته العسكرية بشكل متقطع دون مواجهة مباشرة من الدولة[24].
2- سيناريو الاحتواء الدبلوماسي
يُمثّل هذا السيناريو مسارًا أكثر تحفظًا واستقرارًا؛ حيث يمكن للهيئات الإقليمية، مثل الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا، التدخل للوساطة بين الأطراف المتنازعة[25]. ويشمل هذا التدخل فتح قنوات للحوار بين الحكومة الإثيوبية والتنظيم العفري، وربما إشراك الحكومة الإريترية لضمان عدم توسُّع دائرة النزاع، مع التركيز على التهدئة السياسية وتقوية آليات المراقبة على الحدود[26].
في هذا المسار، النتائج المحتملة تتضمَّن تهدئة مؤقتة للأوضاع، وتعزيز التعاون الأمني بين الدول المعنية لمراقبة الحدود ومنع أيّ خروقات مسلحة، إلى جانب فتح مسارات للتفاوض السياسي، تستهدف مشاركة المجتمع العفري في التنمية المحلية والتمثيل السياسي، بما يُقلّل من حدة الاحتقان الاجتماعي والسياسي[27]. كما يتيح هذا السيناريو أرضية للتفاهم المستقبلي بين الأطراف المتنازعة، ويقلل من احتمالات تحول النزاع المحلي إلى أزمة إقليمية[28].
العوامل المؤثرة في نجاح هذا السيناريو تشمل قدرة الهيئات الإقليمية على فرض الضغوط الدبلوماسية، واستعداد الأطراف المتنازعة لقبول حلول وسط، إلى جانب المستوى الشعبي للقبول بهذا المسار، خصوصًا داخل المجتمع العفري الذي قد يرى في التهدئة فرصة لتعزيز حقوقه السياسية والاجتماعية[29].
3-سيناريو التدويل
يظهر هذا السيناريو في حال استمرار التصعيد وتهديد الممرات البحرية الحيوية، مما قد يدفع الدول الكبرى إلى التدخل لضمان حماية مصالحها الإستراتيجية[30]. ويتسم هذا المسار بتحويل النزاع المحلي إلى أداة للتنافس الدولي؛ حيث يمكن استغلاله لفرض وجود عسكري أو اقتصادي أكبر في الموانئ والمناطق الحيوية، مما يزيد مستوى التعقيد السياسي في المنطقة، ويجعل الحلول المحلية أكثر صعوبة[31].
النتائج المحتملة في هذا السيناريو تشمل زيادة التعقيد الأمني والسياسي في البحر الأحمر، وربما تصاعد العنف نتيجة الدعم الخارجي الذي قد يحصل عليه التنظيم العفري لمواجهة الحكومتين الإثيوبية والإريترية، إضافة إلى استغلال الأطراف الإقليمية والدولية النزاع لتحقيق مصالحها الجيوسياسية، سواء عبر تقليص نفوذ بعض الدول أو تعزيز وجودها العسكري والاقتصادي في المنطقة[32].
العوامل المؤثرة في هذا السيناريو تتعلق بأهمية البحر الأحمر كممر تجاري عالمي، والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، وإمكانية استثمار الأطراف الخارجية النزاع لصالحها، مع الأخذ في الاعتبار قدرة التنظيم العفري على التكيف مع المتغيرات الإقليمية واستثمارها لتعزيز موقفه السياسي والعسكري[33].
إن دراسة هذه السيناريوهات الثلاثة تظهر أن مستقبل الأزمة العفرية مرتبط بشكل كبير بقدرة الأطراف المحلية والإقليمية على إدارة التوترات، وبمدى قدرة التنظيم العفري على توسيع نفوذه أو الاستجابة للضغوط السياسية والدبلوماسية. وتشير التحليلات إلى أن أيّ تصعيد مستقبلي لن يقتصر على نطاق محلي، بل سيؤثر على الأمن الإقليمي واستقرار الممرات البحرية الحيوية، ما يستدعي تحركًا استباقيًّا لتجنّب الانزلاق نحو نزاع مفتوح يصعب السيطرة عليه[34].
الخاتمة:
تُظهر الدراسة أن تصاعد نفوذ تنظيم عفر البحر الأحمر الديمقراطي يُمثّل مؤشرًا واضحًا على هشاشة التوازنات السياسية والأمنية في القرن الإفريقي، وعلى قدرة الصراعات المحلية على التأثير في الديناميات الإقليمية. فقد أظهرت الورقة أن جذور التوتر الإثيوبي–الإريتري والتاريخ الطويل للصراعات القومية، إلى جانب ضعف المؤسسات الإقليمية والدعم الشعبي المتنامي للتنظيم، تشكل عوامل مترابطة تدفع المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار. كما يوضح التحليل أن النشاط العفري لم يَعُد مجرد تحدٍّ محلي، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في المعادلة الجيوسياسية للبحر الأحمر، مع انعكاسات مباشرة على أمن الممرات البحرية الحيوية، وعلى مصالح الدول الإقليمية والدولية، بما في ذلك دول الخليج التي تعتبر المنطقة جزءًا من إستراتيجيتها الأمنية والتجارية.
وتؤكد السيناريوهات المستقبلية الثلاثة التصعيد المتدرج، الاحتواء الدبلوماسي، والتدويل أن مسار الأزمة مرتبط بشكل أساسي بقدرة الأطراف المحلية والإقليمية على إدارة التوترات، واستجابة التنظيم العفري للضغوط السياسية والدبلوماسية. وفي هذا الإطار، يبدو أن أيّ تجاهل لتداعيات الصراع المحلي قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة وتحوُّلها إلى نزاع أوسع نطاقًا، مع آثار مباشرة على حركة التجارة والطاقة في البحر الأحمر.
وعليه، تبرز الحاجة إلى مقاربة متعددة المستويات لمعالجة الأزمة، تجمع بين الإجراءات الأمنية والسياسية والتنموية، وتستند إلى الحوار والتفاوض مع المجتمع العفري؛ لضمان دمجه في العملية السياسية والتنموية. كما ينبغي تعزيز التنسيق الإقليمي بين إثيوبيا، إريتريا، وجيبوتي، وتفعيل آليات الاتحاد الإفريقي والهيئات الإقليمية للوساطة والمراقبة الحدودية، بما يقلل من احتمالات التصعيد، ويَحُدّ من النفوذ السلبي للتنظيمات المسلحة. وفي الوقت ذاته، يتطلب الوضع الرقابة الدولية على أمن الممرات البحرية، وتنسيقًا إستراتيجيًّا مع الدول الكبرى لحماية المصالح الاقتصادية الحيوية دون تحويل النزاع إلى أداة للتنافس الدولي.
…………………………….
[1] Cambridge University Press, “The Ethiopian–Eritrean conflict: diasporic vs. hegemonic states in the Horn of Africa, 1991–2000”, The Journal of Modern African Studies, 26 February 2001
https://doi.org/10.1017/S0022278X00003499
تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2025.
[2] de Guttry, Andrea; Post, Harry H.G.; Venturini, Gabriella (eds.) — The 1998–2000 Eritrea–Ethiopia War and Its Aftermath in International Legal Perspective: From the 2000 Algiers Agreements to the 2018 Peace Agreement”, T.M.C. Asser Press, 2021, https://link.springer.com/book/10.1007/978-94-6265-439-6
تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2025.
[3] Abigail Abrams “Landmark Peace Declaration Ends ‘State of War’ Between Ethiopia and Eritrea.” Time Magazine, 12 July 2018, https://time.com/5336629/ethiopia-eritrea-peace/
تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2025.
[4] Human Rights Watch, “Ethiopia: Eritrean Forces Massacre Tigray Civilians”, Human Rights Watch, 5 March 2021, https://www.hrw.org/news/2021/03/05/ethiopia-eritrean-forces-massacre-tigray-civilians
تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2025.
[5] United Nations, “ OHCHR & Ethiopian Human Rights Commission — Joint Investigation into Alleged Violations in Tigray (EHRC–OHCHR Tigray Report”, EHRC، 2021, https://www.ohchr.org/sites/default/files/2021-11/OHCHR-EHRC-Tigray-Report.pdf
تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2025.
[6] International Crisis Group, “Ethiopia and Eritrea Slide Closer to War amid Tigray Upheaval”, International Crisis Group, 27 March 2025,
https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/ethiopiaeritrea
تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2025.
[7]. Reuters, “ Major violations of international law at Tigray refugee camps — U.N”, Reuters, 14 January 2021, https://www.reuters.com/world/major-violations-international-law-tigray-refugee-camps-un-2021-01-14/
تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2025.
[8] Ashami, Maknun Gamaledin, “The Political Economy of the Afar Region in Ethiopia: A Dynamic Periphery”, Halle (Saale): Max Planck Institute for Social Anthropology (Field Notes and Research Projects — Serie, Vol. XXII)، 2018, https://www.eth.mpg.de/5242605/FN_Vol22_PoliticalEconomyAfarRegion_web.pdf
تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2025.
[9] . Reuters, “ Major violations of international law at Tigray refugee camps — U.N”, Reuters, 14 January 2021, https://www.reuters.com/world/major-violations-international-law-tigray-refugee-camps-un-2021-01-14/
تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2025.
[10] Alemu, Mu’uz Gidey, “The geopolitics and human security of the Afar in the post‑Cold War period”, African Journal of Political Science & International Relations, 6, June 2015,
تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2025.
[11] Berhe, T, “Afar: The Impact of Local Conflict on Regional Stability”, ETH Zürich, May 2007, https://www.files.ethz.ch/isn/123909/2007_05_01_Afar.pdf
تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2025.
[12] Vertin, Zach, “ Toward a Red Sea Forum: The Gulf”, the Horn of Africa, & Architecture for a New Regional Order. Brookings Doha Center Analysis Paper, 27, November 2019.
https://www.brookings.edu/wpcontent/uploads/2019/11/Red_Sea_Forum_English_Web.pdf
تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2025.
[13] Rynn, Simon & Nickels, Benjamin P, “ Enhancing Security in the Red Sea Arena”, George C. Marshall Center / RUSI, 2023,
https://www.marshallcenter.org/sites/default/files/files/2024-03/CLOCKTOWER_RedSeaArena.pdf
تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2025.
[14] International Crisis Group, “ The Horn of Africa: Security and Regional Power Dynamics”, Africa Report No. 300, April 2025. https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/ethiopia-eritrea/horn-africa-security-and-regional-power-dynamics
تاريخ الدخول 30 أكتوبر 2025.
[15] All Africa, “Africa: State Fragmentation and New State Imaginaries – Maritime Access in the Horn of Africa” All Africa , 30 October 2024,
https://allafrica.com/stories/202410300185.html
تاريخ الدخول 30 أكتوبر 2025.
[16] Al Monitor, “Gulf states eye Red Sea instability with concern”, All Monitor, 30 October 2025.
https://www.al-monitor.com/originals/2025/10/gulf-states-eye-red-sea-instability-concern
تاريخ الدخول 30 أكتوبر 2025.
[17] Lons, Camille, “Anatomy of a Chokepoint: Mapping Power and Conflict in the Red Sea”, European Council on Foreign Relations (ECFR), 9 May 2025
https://ecfr.eu/special/anatomy-of-a-chokepoint-mapping-power-and-conflict-in-the-red-sea/
تاريخ الدخول 30 أكتوبر 2025.
[18] Ardemagni, Eleonora, “Saudi Arabia Has a Red Sea Vision, Not Yet a Strategy”, AGSIW Analysis, 17 May 2024, https://agsi.org/analysis/saudi-arabia-has-a-red-sea-vision-not-yet-a-strategy/?utm_source=chatgpt.com
تاريخ الدخول 30 أكتوبر 2025.
[19] Lons, Camille, “ Anatomy of a Chokepoint: Mapping Power and Conflict in the Red Sea”, European Council on Foreign Relations, 9 May 2025,
https://ecfr.eu/special/anatomy-of-a-chokepoint-mapping-power-and-conflict-in-the-red-sea/
تاريخ الدخول 30 أكتوبر 2025.
[20] Federico Donelli, “Maritime Disruption in Yemen: The Making of a Hybrid Red Sea”, Wiley Online Library, 26 October 2025.
https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/mepo.70018?af=R
تاريخ الدخول 30 أكتوبر 2025.
[21] Reuters, “No decision yet on Saudi plans to invest in area along Egyptian Red Sea”, minister says, Reuters, 26 October 2025.
تاريخ الدخول 30 أكتوبر 2025.
[22] Market screener, “Saudi’s Red Sea Global will launch a luxury project in Italy, CEO tells Reuters, Market screener, 22 October 2025.
تاريخ الدخول 30 أكتوبر 2025.
[23] Nileena Sunil, “Saudi Arabia plans to refocus $925 billion fund for better returns”, American Bazaar Online, 29 October 2025,
تاريخ الدخول 30 أكتوبر 2025.
[24] Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), “Navigating the Red Sea: Addressing threats and harnessing potential”, SIPRI, 2 September 2024, https://www.sipri.org/commentary/blog/2024/navigating-red-sea-addressing-threats-and-harnessing-potential
تاريخ الدخول 2 نوفمبر 2025.
[25] Amir Imam, “Can Ethiopia, Egypt, and Sudan Trade Peace for Prosperity?”, Ink Stick, 16 October 2025,
https://inkstickmedia.com/can-ethiopia-egypt-and-sudan-trade-peace-for-prosperity/
تاريخ الدخول 2 نوفمبر 2025.
[26] Firat Bolat, “Modeling the Impact of Houthi Attacks on Red Sea Trade Routes with the GEO‑SHIP Framework.” Transactions on Maritime Science, Vol. 14, No. 3 (Oct 2025), DOI: 10.7225/toms.v14.n03.004.
https://www.toms.com.hr/index.php/toms/article/view/924?utm_source=chatgpt.com
تاريخ الدخول 2 نوفمبر 2025.
[27] Gupta, Tarasha & Ganguly, A. N, “Choke Point of Power: The Red Sea Crisis and Extension of Geopolitical Rivalries.” International Journal of Social Science Research (IJSSR), Vol. 2, No. 2 (Mar‑Apr 2025). DOI: 10.70558/IJSSR.2025.v2.i2.30292. https://doi.org/10.70558/IJSSR.2025.v2.i2.30292
تاريخ الدخول 2 نوفمبر 2025.
[28] Saripudin, Mohamad Hery, and Mansur Juned, “Red Sea Crisis Impacts on Gulf of Aden’s Maritime Security”, Aliansi: Jurnal Politik, Keamanan dan Hubungan Internasional, Vol. 4, No. 2 (Aug. 2025), pp. 70‑80. DOI: 10.24198/aliansi.v4i2.64701.
https://jurnal.unpad.ac.id/aliansi/article/download/64701/26060
تاريخ الدخول 2 نوفمبر 2025.
[29] Firat Bolat, “Modeling the Impact of Houthi Attacks on Red Sea Trade Routes with the GEO‑SHIP Framework”, Transactions on Maritime Science, Vol. 14, No. 3 (Oct 2025). DOI: 10.7225/toms.v14.n03.004.
https://www.toms.com.hr/index.php/toms/article/view/924?utm_source=chatgpt.com
تاريخ الدخول 2 نوفمبر 2025.
[30] Federico Donelli, “Maritime Disruption in Yemen: The Making of a Hybrid Red Sea”, Wiley Online Library, 26 October 2025.
https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/mepo.70018?af=R
تاريخ الدخول 2 نوفمبر 2025.
[31] Nileena Sunil, “Saudi Arabia plans to refocus $925 billion fund for better returns”, American Bazaar Online, 29 October 2025,
تاريخ الدخول 2 نوفمبر 2025.
[32] World Bank, “The Deepening Red Sea Shipping Crisis: Impacts and Outlook, world Bank, February 2025 https://documents1.worldbank.org/curated/en/099253002102539789/pdf/IDU10b8b59671dbc814cfc19c4a1299ff54854ba.pdf
تاريخ الدخول 2 نوفمبر 2025.
[33] Reuters, “No decision yet on Saudi plans to invest in area along Egyptian Red Sea”, minister says, Reuters, 26 October 2025.
تاريخ الدخول 2 نوفمبر 2025.
[34] Gupta, Tarasha & Ganguly, A. N, “Choke Point of Power: The Red Sea Crisis and Extension of Geopolitical Rivalries.” International Journal of Social Science Research (IJSSR), Vol. 2, No. 2 (Mar‑Apr 2025). DOI: 10.70558/IJSSR.2025.v2.i2.30292. https://doi.org/10.70558/IJSSR.2025.v2.i2.30292
تاريخ الدخول 2 نوفمبر 2025.











































