بقلم: د. مارتن أتشيمبونج
ترجمة: شيرين ماهر – ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
ملخص:
نشر «المعهد الألماني للدراسات العالمية ودراسات المناطق GIGA»، التابع لمعهد لايبنتز للدراسات العالمية والإقليمية ومقره هامبورج، دراسةً مطولة* أعدها دكتور «مارتن أتشيمبونج» Martin Acheampong، زميل باحث بمعهد جيجا للشؤون الإفريقية ومُحاضِر بجامعة أوتو فريدريش بامبرج، حول دخول الانتخابات في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى عصراً تكنولوجيّاً متقدّماً، تعتمد فيه الحكومات بكثافة على التقنيات الرقمية، مُقدّمةً وعوداً بتحسين جودة الانتخابات. لكنّ النتائج تُشير إلى خلاف ذلك، فالأعطال التقنية، وفضائح الصفقات المُتعلقة باللوجيستيات، وتزايد الدعاوى القضائية بشأن النتائج، تُظهر أن هذا التحول الرقمي لم يحلّ الإشكاليات القديمة، وإنما قد يُنشئ إشكاليات جديدة.
- إن الترويج الموسّع للتقنيات الرقمية، مثل أدوات «تسجيل الناخبين البايومترية»، وأنظمة «تحديد هوية الناخبين»، بمنزلة وسائل لتحسين استطلاعات الرأي، وجعل سجلات الناخبين أكثر مصداقية، وفرز النتائج بطريقة أكثر شفافية، والأهم من ذلك إضفاء مظهرٍ أكثر ديمقراطيةً على الانتخابات.
- هناك أمورٌ لا تزال شائعةً، فلا يزال الواقع أقل طمأنينةً في ظل استمرار أعطال الأجهزة يوم الاقتراع، وتأخر النتائج، وما يكتنف ذلك من غموض. وبدلاً من بناء الثقة؛ قوّضت مثل هذه الثغرات ثقة المواطنين، وأثرت في جودة العملية الانتخابية ذاتها، وأفرزت عدداً غير مسبوقٍ من الدعاوى القضائية بشأن النتائج.
- تكمن الإشكالية الرئيسية في السياسة التي تُحرّك الرقمنة، فغالباً ما يكون المحرك نحو تكنولوجيا الانتخابات أقل تركيزاً على النزاهة مقارنةً بالمُواكبة. وكثيراً ما يتعامل القادة مع عقود التكنولوجيا باعتبارها فرصاً للمحسوبية، إذ تنطوي الأنظمة البايومترية على صفقاتٍ ضخمة غالباً ما تُوجَّه نحو الحلفاء السياسيين.
- في الوقت نفسه؛ تستخدم النُّخب الحاكمة الإصلاحات الرقمية كأداة مساومة لإرضاء مطالب المعارضة، أو للترويج لمشهد الحداثة مع الحفاظ على السيطرة. ولقد شهدت الانتخابات في المنطقة تحديثات رقمية؛ دون معالجة الثغرات السياسية الأساسية التي تؤثر سلباً في جودة الانتخابات.
وعليه؛ يتعين على الجهات الفاعلة الدولية، وأصحاب المصلحة المحليين، إدراك أن التكنولوجيا وحدها لا تضمن نزاهة الانتخابات. وبدون الشفافية؛ قد تُتيح الأنظمة الرقمية ببساطة وسائل جديدة للتلاعب. ويتعين على الجهات المانحة وصانعي السياسات والمجتمع المدني التركيز على الدفع نحو المُساءلة، وتعزيز ثقة الجمهور، لضمان أن تخدم الإصلاحات الرقمية الشعب لا أصحاب النفوذ.
المحتوى:
– التحول الرقمي في انتخابات إفريقيا جنوب الصحراء.
– اعتماد تقنيات الانتخابات في إفريقيا جنوب الصحراء.
– النتيجة؟ مشكلات قديمة، وأعطال جديدة.
– من حلم رقمي بعيد المنال إلى كوابيس قانونية.
– نظرة عامة على أبرز قضايا الانتخابات التي تأثرت بالتكنولوجيا.
– سياسات التكنولوجيا المتقدمة، حيل قديمة: البحث عن الريع ومؤشرات الحداثة.
– إعطاء الأولوية للشفافية والنزاهة في رقمنة الانتخابات.
التحول الرقمي في انتخابات إفريقيا جنوب الصحراء:
على مدى العقدين الماضيين، شهدت الانتخابات في إفريقيا جنوب الصحراء تحوّلاً رقمياً جذرياً، وقد أعادت هذه العملية صياغة طريقة تسجيل الأصوات، والإدلاء بها، وفرزها، وإعلانها. وتعتمد جميع الدول- تقريباً- التي تُجري انتخابات متعددة الأحزاب في المنطقة الآن على أحد أشكال التكنولوجيا الانتخابية، بدءاً من أنظمة «تسجيل الناخبين البايومتري» (BVR)، ووصولاً إلى النقل الإلكتروني للنتائج. ولم تُطبّق الرقمنة هنا بحدّ ذاتها، بل جاءت استجابةً لتحديات طويلة الأمد تتعلق بالمصداقية، والتي قوّضت باستمرار ثقة الجمهور في العمليات الانتخابية. وتُصنّف إفريقيا جنوب الصحراء، تاريخيّاً، من بين أضعف المناطق عالمياً في تقييمات نزاهة الانتخابات (Norris, Frank, and Martínez i Coma 2014). وفي ظل هذه الخلفية، حظيت التكنولوجيا بتبنٍّ واسع النطاق كإجراء تصحيح مسارٍ واعد لتحسين جودة الانتخابات الإفريقية.
يُجادل مؤيدو التكنولوجيا؛ بأن أنظمةً مثل نظام التسجيل الإلكتروني (البايومتري) تُقدّم حلولاً تقنية لمشكلة التسجيلات المكررة وقوائم الناخبين المتضخمة التي تُشوّه الانتخابات في المنطقة. فعلى سبيل المثال: من خلال التقاط بصمات أصابع الناخبين و/أو ملامح وجوههم؛ تتمكّن هيئات إدارة الانتخابات (EMBs) من إنشاء هويات رقمية فريدة يُمكن التحقق من صحتها يوم الانتخابات. وفي مراكز الاقتراع؛ يُمكن بعد ذلك استخدام أجهزة التعرف على بصمات الأصابع والوجه للتحقق من هوية الفرد قبل إصدار أوراق الاقتراع، مما يُقلل من احتمالية انتحال الهوية وتكرار التصويت. ويرى المُؤيدون أن هذه الإجراءات تُعزز الثقة في شمولية ومصداقية حق الانتخاب. وانطلاقاً من هذا الرأي؛ ستصبح مزاعم «الناخبين الوهميين» والسجلات المتضخمة- والتي لطالما كانت مصدر خلاف في الانتخابات الإفريقية– مسألةً غير واردة.
إلى جانب التسجيل والمصادقة؛ يُروَّج للتحول الرقمي أيضاً باعتباره قادراً على إحداث نقلة نوعية في كيفية إدارة النتائج وإعلانها. ويمكن لأنظمة الفرز المُحوسَبة، ونقل النتائج إلكترونياً، والبوابات الإلكترونية، أن تُسرِّع عملية الفرز، وتُقلّل من احتمالات الخطأ البشري أو التلاعب، وتُضفي حالةً من الشفافية. ويجادل المؤيدون بأن نقل النتائج إلكترونيّاً من مراكز الاقتراع إلى خوادم مركزية، مدعوماً بلوحات معلومات إلكترونية، يمكن أن يجعل النتائج الأولية متاحة للجمهور توّاً. ولن تقتصر هذه الإصلاحات على الحدّ من الممارسات غير القانونية فحسب؛ بل ستُعالج أيضاً فجوة التصور بين ما يحدث في مراكز الاقتراع وما يُعلن عنه نهائياً في مركز الفرز الوطني- وهي فجوة لطالما غذّت النزاعات وأزمات ما بعد الانتخابات. وبشكلٍ عام؛ تُعتبر هذه الابتكارات التكنولوجية وسيلةً لاستعادة الثقة في انتخابات جنوب إفريقيا.
اعتماد تقنيات الانتخابات في دول إفريقيا جنوب الصحراء:
نظراً للاعتقاد السائد بأن التقنيات الرقمية تُحسّن جودة الانتخابات؛ فقد شهد اعتمادها توسّعاً سريعاً على مرّ السنين، وخاصةً منذ أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وقد وُثّق مدى هذا التحول في قاعدة بيانات أصلية تغطي 120 عملية انتخابية رئاسية في 35 دولة من دول إفريقيا جنوب الصحراء بين عامي 2006م و2025م. ويكشف تحليل هذه البيانات عن دمج الأدوات الرقمية، بشكلٍ منهجي، في جميع مراحل الدورة الانتخابية تقريباً. ففي مرحلة ما قبل الانتخابات، على سبيل المثال، أنشأت هيئات إدارة الانتخابات في العديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء- بما في ذلك بوركينا فاسو وليبيريا وأوغندا- قواعد بيانات مركزية تهدف إلى توحيد بيانات الناخبين، والحدّ من عمليات التسجيل المزورة، وتوفير أساسٍ موثوق لعمليات انتخابية ذات مصداقية.
وبحسب (الشكل 1) أدناه؛ يُعدّ هذا الابتكار بمنزلة الأداة الأكثر انتشاراً في المنطقة قبل الانتخابات. يليه مباشرةً أنظمة التسجيل الإلكتروني البايومتري (BVR)، التي تعززها إجراءات تفادي التكرار وتقنيات التحقق من الهوية البايومترية. إضافةً إلى ذلك؛ أدخلت بعض هيئات إدارة الانتخابات، مثل تلك الموجودة في كينيا وأوغندا، سجلات اقتراع إلكترونية مرتبطة بسجلات الناخبين المركزية، والتي تدعم بطاقات هوية الناخبين الإلكترونية. وتستفيد هيئاتٌ أخرى من تقنية رسم خرائط «نظام المعلومات الجغرافية»، ليس فقط لضبط حدود الدوائر الانتخابية؛ بل أيضاً لتحسين التخطيط اللوجستي.
الشكل (1): اعتماد التقنيات الرقمية عبر الدورات الانتخابية في جنوب إفريقيا:

المصدر: تجميع خاص بالمؤلف؛ البيانات التي جمعتها كاثرينا ديج.
وبالمثل؛ تتزايد أهمية الأدوات الرقمية في إجراءات التصويت يوم الانتخابات نفسه، فعلى سبيل المثال: تُستخدم أنظمة «التحقق من الناخبين بالبصمة» على نطاقٍ واسع في مراكز الاقتراع، بل وتُستكمل في بعض الحالات بمراقبةٍ فورية بطائرات بدون طيار. كما تكتسب آلات التصويت الإلكترونية زخماً متزايداً، حيث تُعدّ جمهورية الكونغو الديمقراطية وناميبيا رائدتَين في استخدامها، وتدرس جنوب إفريقيا بجدية اعتمادها.
تُظهر البيانات مجدداً أن الأدوات الرقمية تُستخدم، على نطاقٍ واسع، في مرحلة ما بعد الانتخابات أيضاً. فقد أصبحت أنظمة الإرسال الإلكتروني، وبرامج جمع النتائج، ولوحات المعلومات الإلكترونية التي تنشر نتائج مراكز الاقتراع توّاً، أساسيةً لتسريع عملية الفرز وتعزيز الشفافية، حيث تستثمر دولٌ مثل غانا ونيجيريا فيها بوتيرةٍ سريعة. وكثيراً ما تُستكمل هذه الإجراءات بالتواصل التفاعلي مع المواطنين عبر الرسائل النصية القصيرة، وتطبيقات الهاتف المحمول، ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتمكن الناخبون من الإبلاغ عن أيّ مخالفات، وتقديم ملاحظات فورية حول سير الانتخابات.
الشكل (2): نسبة الانتخابات الرئاسية الرقمية مقابل التقليدية في إفريقيا جنوب الصحراء (2006-2025م):

المصدر: تجميع خاص بالمؤلف؛ البيانات التي جمعتها كاثرينا ديج.
كما يوضح (الشكل 2) تطور رقمنة الانتخابات في إفريقيا جنوب الصحراء بوتيرةٍ سريعة ومعقدة، حيث لم يتبقَّ سوى عددٍ قليل من استطلاعات الرأي التناظرية. علاوةً على ذلك؛ يستلزم هذا التحول إضافة مجموعة من الأدوات الرقمية بمرور الوقت. والهدف النهائي هنا يتمثل في تحسين الكفاءة وتعزيز الثقة في الانتخابات.
النتيجة؟ مشكلات قديمة، وأعطال جديدة:
على الرغم من هذه الاستثمارات الضخمة، والتوقعات العالية المُصاحبة لها، تباينت النتائج في منطقة جنوب الصحراء الكبرى حتى الآن. لقد حققت تكنولوجيا الانتخابات تحسينات تدريجية في بعض المجالات، لكنها مع ذلك لم تفِ بوعودها الأوسع. وقد كشف ذلك عن فجوات مستمرة بين الطموحات التكنولوجية للمنطقة من جهة، والإدارة العملية للانتخابات من جهةٍ أخرى. ولا تزال الانتخابات تواجه مشكلات قديمة إلى جانب أعطال فنية جديدة، حيث تُعدّ أعطال المعدات المثال الأكثر شيوعاً على ذلك.
في جميع أنحاء المنطقة؛ غالباً ما تتعطل الأجهزة البايومترية في ظل الظروف الميدانية- سواءً بسبب انقطاع التيار الكهربائي، أو ضعف الاتصال، أو التلاعب المحض. في غانا ونيجيريا وأوغندا، على سبيل المثال، أبطأت الأجهزة البايومترية باستمرار عملية الاقتراع، حيث واجهت صعوبةً في قراءة بصمات الأصابع، مما أدى إلى الإحباط والتأخير واللجوء إلى التحقق اليدوي. في جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ تعطّل جهاز جديد بشاشة تعمل باللمس، يشبه الجهاز اللوحي، استُخدم في انتخابات عام 2018م لتسريع فرز الأصوات والحدّ من التزوير وتحسين العمليات اللوجستية، أثناء عرضٍ توضيحي مباشر أمام لجنة برلمانية، مما أثار على الفور شكوكاً حول موثوقيته. وقد رفضت أحزاب المعارضة استخدام هذه الأجهزة رفضاً قاطعاً، بحجة أنها قد تُسهّل التزوير أو تُستخدم كذريعة للتدخل في التصويت. وكما اتضح لاحقاً في يوم الانتخابات؛ انتشرت أنباءٌ عن تعطلها في جميع أنحاء البلاد (BBC 2018).
مع استمرار اتساع نطاق الانتخابات التي تستخدم الأدوات الرقمية؛ فإن حالات الأعطال التقنية لا تعرقل سير العمليات الانتخابية فحسب، بل تُغذّي أيضاً مناخ الشكوك في أن التكنولوجيا أداةٌ للتلاعب. في نيجيريا، على سبيل المثال، عندما تباطأت منصة تحميل النتائج (IReV) التي حظيت بـ«رواجٍ» واسع النطاق، بشكلٍ مفاجئ، خلال المرحلة الحاسمة التي أعقبت التصويت في الانتخابات الرئاسية لعام 2023م، ازدادت مخاوف الجمهور من التلاعب خلف الكواليس.
لا تُضعف هذه المخاوف ثقة الشعب باللجان الانتخابية في جميع أنحاء المنطقة فحسب (الشكل 3)، بل تُقوّض أيضاً نزاهة وجودة الانتخابات بشكلٍ عام (الشكل 4). كذلك تكشف بيانات أفروبارومتر من عام 1999م إلى عام 2025م أن نسبة المواطنين الذين لا يثقون باللجان الانتخابية «على الإطلاق» قد ارتفعت إلى أكثر من الضعف خلال العقدين الماضيين، حتى مع انتشار التقنيات الرقمية على نطاقٍ واسع. وخلال الفترة نفسها، انخفضت، بصفةٍ مستمرة، نسبة من لديهم «ثقة كبيرة» في العملية الانتخابية.
الشكل (3): ثقة الشعب في اللجان الانتخابية التابعة لهيئة الضمان الاجتماعي:

المصدر: مرصد أفروباروميتر، الجولات من 1 إلى 10 (1999-2025م).
وبالمثل؛ فيما يتعلق بجودة الوضع الديمقراطي للانتخابات، عموماً، هناك تراجعٌ مطرد، وإن كان طفيفاً، حيث يؤكد مقياس «الانتخابات الديمقراطية» التابع لمؤشر إبراهيم للحوكمة الإفريقية، والذي يرصد مدى حرية الانتخابات ونزاهتها، هذا التراجع.
الشكل (4): الانتخابات الديمقراطية في إفريقيا ككل:

المصدر: مؤشر إبراهيم للحوكمة الإفريقية (2014-2023م).
باختصار؛ تُغذّي التكنولوجيا- التي من المُفترض أن تبني الثقة في الانتخابات الإفريقية- الشكوك ذاتها التي يُفترض أن تقضي عليها. وتظهر هذه الملاحظة بوضوح في زيمبابوي مقارنةً بأيّ مكانٍ آخر، فسرعان ما تورطت قائمة الناخبين البايومترية، التي حظيت بترويجٍ كبير لانتخابات عام 2018م، في شكوك النخبة وانعدام الثقة الشديد بعد أن كشفت جماعات المعارضة عن العديد من الإدخالات المُكرَرة والوهمية. ومما زاد من هذه المخاوف فشل مجموعات البيانات الحيوية في العديد من مراكز الاقتراع، مما اضُّطر معه إلى العودة بقوةٍ إلى التصويت اليدوي (News24 2018)، وبدلاً من تعزيز الثقة عمّق النظام الشكوك جراء هذه الممارسات. كما تُظهر هذه التجارب واسعة النطاق: أنه في حين أعادت الرقمنة تشكيل آليات انتخابات جنوب إفريقيا؛ إلا أنها لم تَحلّ بعدُ الإشكاليات السياسية الرئيسية، مما أدى إلى ظهور نقاط ضعفٍ جديدة إلى جانب ثغراتٍ قديمة دون تحقيق الطموح الرقمي.
من حلم رقمي بعيد المنال إلى كوابيس قانونية:
من أبرز الاتجاهات المصاحبة لرقمنة الانتخابات في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تصاعُد المعارك القانونية حول النتائج. من بين 120 جولة انتخابية رئاسية، خضعت للتحليلات المكثفة في جميع أنحاء المنطقة، شهدت 82 منها (68%) دعاوى قضائية ذات صلة خلال الفترة بين عامي 2006م و2025م، وبالمقارنة؛ لم تنتهِ سوى 38 حالة اقتراع (32%) بنزاعات قانونية (انظر: الشكل 5 أدناه). وقد شملت الالتماسات المرفوعة أمام المحاكم طيفاً واسعاً من الممارسات الانتخابية غير المشروعة، بدءاً من التلاعب والمُخالفات في تسجيل الناخبين وتجميع قوائم الناخبين، وصولاً إلى ملء صناديق الاقتراع بأصوات مزورة، والتصويت المُتعدد وبالوكالة، والتلاعُب بأوراق النتائج. وتمحورت قضايا أخرى متكررة حول مخالفات في التحقق من هوية الناخبين، والحرمان من حق التصويت نتيجة تعطل الأجهزة البايومترية، ومزاعم التصويت المُتعدد.
إن انتشار دعاوى التقاضي بعد الانتخابات في المنطقة لا يؤكد فقط انعدام الثقة المستمر في مصداقية العمليات الانتخابية؛ بل يؤكد أيضاً حقيقة أن الإصلاحات التقنية لم تَحلّ، إلى حدٍّ كبير، الطعون كما كان مأمولاً، بل خلقت، بدلاً من ذلك، أُسساً جديدة للطعن القانوني. وتُفسِّر آليتان معززتان ذلك؛ أولاً: يتطلب إدخال تكنولوجيا الانتخابات حتماً أطراً قانونية أو نصوصاً دستورية جديدة، تُنظم هذه القوانين واللوائح مجال الانتخابات الرقمية، بما في ذلك التسجيل البايومتري، والتحقق الإلكتروني، ونقل النتائج، وتخزين البيانات، والعمليات ذات الصلة. فهي لا تُحدد الإجراءات والجداول الزمنية والمسؤوليات فحسب، بل تُهيئ أيضاً فرصاً جديدة للطعن. وتُصبح أوجه الغموض في هذه الأطر مثل كيفية معالجة المشكلات الميدانية العملية، مثل انقطاع التيار الكهربائي أو فشل التحقق البايومتري أو فقدان سجلات الإرسال، أرضاً خصبة للتقاضي. ويستغل الفاعلون السياسيون، وبخاصةٍ المرشحون الخاسرون، هذه الثغرات بالقول إن الأحكام القانونية قد انتُهكت، مما يُشكك في مصداقية العملية الانتخابية برمّتها أمام المحاكم.
على سبيل المثال: في الالتماس الرئاسي، الذي قُدّم في غانا عام ٢٠١٢م، جادل محامو مرشح المعارضة «نانا أكوفو أدو» والحزب الوطني الجديد (NPP) أمام المحكمة العليا بوجوب إلغاء ملايين الأصوات، لأسبابٍ منها: تعطل أجهزة التحقق البايومترية في العديد من مراكز الاقتراع، مما يُخالف كلّاً من النص الدستوري الصادر عن اللجنة الانتخابية الذي يتطلب المصادقة البايومترية والدستور نفسه، ورغم أن المحكمة العليا أيدت في النهاية فوز الرئيس الحالي؛ فإن هذه القضية شكلت سابقةً في جعل القواعد الانتخابية محوريةً للتقاضي. تكررت هذه الحادثة في انتخابات ٢٠٢٠م، عندما طعن حزب المؤتمر الوطني الديمقراطي المعارض ومرشحه «جون ماهاما» في اللجنة الانتخابية بشأن تناقضات النتائج المنقولة إلكترونياً، متهمين إياها بخرق لوائحها الخاصة المتعلقة بجمع الأصوات والإبلاغ العام. ومن المفارقات أن هذه الجهود ذاتها لتدوين وتنظيم الاقتراع الرقمي لم تحدّ من النزاعات، بل ضاعفت بدلاً من ذلك من الحجج المتاحة للطعن القانوني.
الشكل (5): الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها في جنوب إفريقيا (2006-2025م):

المصدر: تجميع خاص بالمؤلف؛ البيانات التي جمعتها كاثرينا ديج.
ثانياً: تُولّد الرقمنة سيلاً من الأدلة الإلكترونية، بدءاً من سجلات الخوادم والسجلات البايومترية، وصولاً إلى لقطات شاشة لبوابات النتائج. والآن أصبحت الأحزاب السياسية والمرشحون يمتلكون مجموعةً واسعة من البيانات التي يُمكن استخدامها في سياق النزاعات القانونية. تُخفّض هذه الوفرة من الأدلة، أو فائض المعلومات، من عتبة التقاضي، إذ لم يعد المرشحون بحاجةٍ إلى الاعتماد فقط على روايات شهود العيان أو كشوفات النتائج الورقية، بل أصبح بإمكانهم تقديم قرائن رقمية لإثبات ادعاءات سوء الممارسة. حتى عندما تكون الأدلة المُقدّمة هنا غير قاطعة أو متناقضة، فإنها تُوفّر مادةً لعرائض المحكمة وتُطيل الإجراءات القانونية. إن وجود هذه البيانات، في حدّ ذاته، يُولّد توقعات بالشفافية، والتي، في حال عدم تحققها، تُؤجّج الشكوك وتؤدي إلى رفع دعاوى قضائية. ففي عام 2017م، قام محامو المعارضة الكينيون بفحص سجلات الخوادم والنماذج الإلكترونية بدقة، بحثاً عن أيّ دلائل على اختراق أو مخالفات في الإرسال، وقدّموها كأدلة إلى المحكمة العليا، التي قضت في النهاية بأن المخالفات جسيمة للغاية بحيث لا يُمكن تجاهلها. وتوضح هذه الديناميكيات لماذا تعمل الرقمنة على نقل الصراعات التي تلي الانتخابات إلى قاعات المحاكم بكثافةٍ غير مسبوقة.
نظرة عامة على أبرز قضايا الانتخابات التي تأثرت بالتكنولوجيا:
يتحدث مراقبو السياسة الإفريقية الآن عن «إضفاء الطابع القضائي» على الانتخابات، وذلك للتنبؤ بالميل المتزايد نحو تسوية النزاعات والطعون ذات الصلة في المحاكم بدلاً من التفاوض السياسي أو إدارة الانتخابات. وتوضح تجربة كينيا هذا الأمر بوضوح، فعندما تحولت الانتخابات العامة في البلاد عام 2007م إلى أعمال عنفٍ واسعة النطاق، أودت بحياة أكثر من 1000 شخص وشُرّد ما يُقدّر بنحو 600 ألف شخص، تكشفت عيوبٌ جسيمة في إدارة التصويت ومصداقية النتائج. واستجابةً لذلك؛ استثمرت السلطات بكثافةٍ في التقنيات البايومترية قبل انتخابات عام 2013م، حيث أدخلت أجهزة التسجيل البايومتري وأجهزة تحديد هوية الناخبين الإلكترونية، على أمل استعادة النزاهة ومنع تكرار مأساة عام 2007م. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الاستثمار غير المسبوق، أثارت نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2013م معركةً قانونية كبرى. لقد قدّم مرشح المعارضة «رايلا أودينجا» التماساً إلى المحكمة العليا، زاعماً وجود أعطالٍ واسعة النطاق في أجهزة تحديد الهوية البايومترية، وانهيار نظام إرسال النتائج، واختلافات جسيمة في فرز الأصوات تُخالف المعايير الدستورية والقانونية. ورغم أن المحكمة العليا أيّدت في النهاية فوز «أوهورو كينياتا»؛ فإن استعدادها للاستماع إلى أدلةٍ تقنية شاملة بشأن الأعطال الرقمية شكّل سابقةً قانونيةً بالغة الأهمية.
أثبتت هذه السابقة أنها حاسمةٌ بعد أربع سنوات، عندما طعن «أودينجا» مرّةً أخرى في نتائج الانتخابات الرئاسية في البلاد عام 2017م. وقد نجح في هذه المرة. وفي حكمٍ تاريخي، ألغت المحكمة العليا الانتخابات، مشيرةً إلى مخالفاتٍ مرتبطة، إلى حدٍّ كبير، بالنقل الإلكتروني لنتائج التصويت. في الواقع؛ أصبح النظام الرقمي نفسه موضع نزاع، حيث زعمت المعارضة أن بوابة النتائج قد تم اختراقها والتلاعب بالبيانات. كافحت اللجنة المستقلة للانتخابات والحدود لدحض هذه الادعاءات، بسبب وجود ثغرات في سجلات التدقيق وعدم وجود سجلات نقل قابلة للتحقق، فيما يُظهر إلغاء النتائج كيف أن الإصلاحات الرقمية المُصمّمة في الأصل لبناء الثقة قد خلقت ثغرات قانونية جديدة وحاسمة.
وبالمثل؛ اتبعت الانتخابات الرئاسية في ملاوي لعام 2019م نمط كينيا الواضح في الإحالة القضائية. وقد زعمت المعارضة وجود مخالفات واسعة النطاق، بما في ذلك وجود «أصوات وهمية» وتعديل كشوف النتائج، وكان أبرزها: الاستخدام سيئ السمعة لسائل التصحيح (تيبكس) على كشوفات الفرز للتوفيق بين التناقضات بين العد الرقمي واليدوي، والذي أصبح رمزاً لانتهاك نزاهة العملية الانتخابية برمّتها. وعقب أشهُرٍ من الإجراءات القانونية؛ أصدرت المحكمة الدستورية حكماً تاريخياً في فبراير 2020م، ألغى الانتخابات، لأن المخالفات كانت منتشرةً لدرجة أنها قوّضت مصداقية النتيجة. وقد أمرت المحكمة الدستورية بإجراء انتخابات جديدة في غضون 150 يوماً، مما جعل ملاوي ثاني دولة إفريقية فقط، بعد كينيا، تُلغي انتخابات رئاسية. وفي حين أن هذه الإلغاءات البارزة ستكون غير مسبوقة في العصر الرقمي في إفريقيا؛ إلا أنها تشير إلى اتجاهٍ قاري أوسع، ألا وهو: تزايد شعبية التقاضي الانتخابي في المنطقة.
ينعكس هذا الاتجاه بشكلٍ أوسع في البيانات (انظر: الشكل 6 أدناه). من بين 80 التماساً للانتخابات الرئاسية خضعت للتحليلات بين عامي 2006م و2025م، ركزت 59 قضية (73.7%) بشكلٍ مباشر على النزاعات المتعلقة بالأدوات الرقمية. في المقابل؛ لم تُثر 12 التماساً (15%) قضايا تتعلق بالتكنولوجيا الرقمية، بينما تضمنت الالتماسات التسعة المتبقية (11.3%) إشارات جزئية أو غامضة إلى المسائل التكنولوجية.
الشكل (6): الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها في جنوب إفريقيا التي بها خلل في الرقمنة (2006-2025م):

المصدر: تجميع خاص بالمؤلف؛ البيانات التي جمعتها كاثرينا ديج.
ولكن الأهم من ذلك؛ لم تُسفر جميع الطعون القضائية عن إبطال النتائج كما حدث في كينيا عام 2017م وملاوي عام 2020م، ففي معظم الحالات أيدت المحاكم نتائج الانتخابات، محافظةً على الوضع الراهن على الرغم من وجود أدلةٍ على وجود مخالفات. لكن مجرد تقديم الالتماسات قد رسّخ القضاء كساحةٍ مركزية للسياسة الانتخابية في المنطقة. وتعكس نيجيريا هذه الديناميكية بوضوح، فقد أُدينت انتخابات عام 2007م- وهي الأولى التي تُدمِج التكنولوجيا الرقمية في البلاد- على نطاقٍ واسع باعتبارها مَعيبةً للغاية، مما دفع إلى تقديم أكثر من 1200 التماس إلى المحكمة طعنت في 86 بالمائة من المقاعد المتنافس عليها (Omenma 2019). وتُوجّت الإصلاحات الرقمية اللاحقة بانتخابات الرئاسة لعام 2023م التي وُصفت بأنها الأكثر تقدّماً من الناحية التكنولوجية في البلاد، مع اعتماد البيانات الحيوية وتحميل النتائج في الوقت الفعلي. ولكن مرّةً أخرى؛ يتعرقل سير العملية بسبب أعطال فنية واسعة النطاق، مما أدى إلى أول طعن قضائي موسّع بعد الانتخابات في نيجيريا من قِبَل اثنين من المرشحين الرئاسيين البارزين يسعيان إلى إلغاء النتائج. ورغم رفض الالتماسات، في نهاية المطاف، فإن نمط اللجوء إلى المحاكم الذي بدأ في عام 2007م عاد بقوّةٍ في عام 2023م.
وينطبق الشيء نفسه على الانتخابات الرئاسية في غانا، والتي خضعت مرتَين لالتماسات المحكمة العليا في عامي 2012م و2020م على التوالي. وفي عام 2012م، وهي المرّة الأولى التي أدخلت فيها غانا الانتخابات الرقمية، طعن الحزب الوطني الجديد في النتائج، مُدّعياً وجود مخالفات مرتبطة بالسجل البايومتري الجديد، مثل التصويت المتكرر والتصويت دون التحقق. كما أيدت المحكمة العليا، في قرارٍ محدود بأغلبية لا تتجاوز 5 أفراد، فوز ماهاما، مشيرةً إلى وجود ثغرات ولكن دون تأثير حاسم. وفي عام 2020م، طعن «ماهاما» في إعادة انتخاب «أكوفو أدو»، متهماً اللجنة الانتخابية بأخطاء دستورية وحسابية، بينما رفضت المحكمة العليا بالإجماع الالتماس، وقضت بأن الادعاءات غير مُثبتة ورفضت إجبار رئيس اللجنة الانتخابية على الإدلاء بشهادته. ومن ثَمّ؛ توضح كلتا الحالتين التدخُل المتزايد للقضاء في العملية الانتخابية في غانا، وهي ظاهرةٌ جديدة نسبياً ظهرت بالتزامن مع اعتماد الدولة الواقعة في غرب إفريقيا للتكنولوجيا الرقمية منذ عام 2012م فصاعداً.
سياسات التكنولوجيا المتقدمة، حيل قديمة: البحث عن الريع ومؤشرات الحداثة:
إذاً لم تُسفر الرقمنة دوماً عن انتخاباتٍ فائقة الجودة، وإنما عن انتخاباتٍ مثيرة للجدل، فلماذا يواصل قادة دول جنوب الصحراء الكبرى الاستثمار فيها؟
هناك سببان رئيسيان لذلك؛ الأول: هو البحث عن الريـع، والثاني: هو إعطاء بوادر ومؤشرات على الحداثة.
يشير البحث عن الريـع إلى الجهود المبذولة لتأمين منافع اقتصادية من خلال الحصول على امتيازاتٍ حكومية خاصة، مثل التراخيص الحصرية، والإعفاءات الضريبية، أو القواعد التي تكبح جماح المنافسين. وفيما يتعلق برقمنة الانتخابات، يتجلى البحث عن الريـع في التلاعب بالسياسات أو اللوائح التنظيمية لضمان الاحتكارات، والتعريفات الجمركية الحمائية، وقواعد المشتريات المواتية، والإعفاءات الضريبية، أو الإنفاذ التقديري، دون إحداث أيّ تغييرٍ في جَودة الانتخابات بحدّ ذاتها، العُملة هنا هي الربح الفائض أو الامتياز المُنتزع من الدولة.
يُبرز الخطاب الإعلامي حول اعتماد التقنيات الرقمية في انتخابات جنوب إفريقيا الـ120 محلّ الدراسة هنا، السعي وراء الربح والمحسوبية، وضرورة الاحتفاظ بالسلطة، باعتبارها من العوامل التي غالباً ما تكون خفية، ولكنها مع ذلك عوامل رئيسية مؤثرة في هذا السياق. تميل تقنيات الانتخابات إلى أن تكون باهظة الثمن، مما يُنشئ عقوداً مربحة لمن يُورِّدون الأجهزة والبرمجيات وخدمات الدعم، في العديد من الدول الإفريقية تُصبح هذه العقود فرصاً لسلوك النُّخب في السعي وراء الربح (Cheeseman, Lynch, and Willis 2018).
غالباً ما تُثير التغطية الإخبارية، وخاصةً عبر التقارير الاستقصائية، بالإضافة إلى إشراف هيئات مراقبة المجتمع المدني والمنافذ ذات التوجهات المعارضة، مزاعم حول التعتيم المتعمد في شراء مجموعات البيانات الحيوية وغيرها من معدات الانتخابات الرقمية، مما يخلق فرصاً لتَضخُّم التكلفة والعمولات. بعد انتخابات عام 2011م في جمهورية الكونغو الديمقراطية، على سبيل المثال، ظهرت مزاعم بأن صفقة الحكومة لمجموعات الناخبين الحيوية كانت مَشوبةً بالفساد، تمت مقاضاة الشركة البلجيكية ZETES))، لاحقاً، بتهمة الاحتيال المرتبط بالعقد. فيما يتعلق بانتخابات عام 2018م في الدولة الواقعة في وسط إفريقيا، اشترت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات (CENI)، من جانبٍ واحد، آلات تصويت تعمل باللمس باعتها شركة Miru Systems الكورية الجنوبية، قوبلت هذه الخطوة بانتقاداتٍ محلية ودولية شديدة بشأن قانونيتها وشفافيتها، وفي حين أن القانون الكونغولي يشترط أن تخضع عقود المشتريات العامة لعملية مناقصة شفافة؛ فإن هذه الصفقة- التي بلغت قيمتها حوالي 160 مليون دولار أمريكي- لم تخضع لذلك CRG 2018)). وقد جادلت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، لاحقاً، بأنه لم يكن هناك وقتٌ كافٍ لمتابعة عملية الشراء، وهو وضعٌ يسمح به القانون. في خضم هذا الجدل؛ جادل بعض النقاد بأن نجل نائب رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات قد استغل علاقاته الشخصية مع موظفي شركة «ميرو سيستمز» للتفاوض على العقد(Mulongo 2018). وقد استمرت العلاقة، التي أُقيمت مع الشركة الكورية الجنوبية حتى انتخابات جمهورية الكونغو الديمقراطية عام ٢٠٢٣م، على أساس عقودٍ مُنحت لتوريد بطاقات هوية الناخبين والخدمات اللوجستية الانتخابية ذات الصلة. وعادت مزاعم البطاقات المعيبة، إلى جانب المخاوف واسعة النطاق بشأن السرية المحيطة بقرارات الشراء، لتتصدر عناوين وسائل الإعلام (Rolley 2024).
في غانا؛ أعلنت اللجنة الانتخابية عام 2020م أن تكلفة شراء أجهزة تسجيل الناخبين البايومترية وأجهزة التحقق ستبلغ 56 مليون دولار أمريكي. وقد طعنت منظمة IMANI-Africa، وهي منظمة مجتمع مدني معنية بمراقبة الانتخابات، بشدة في هذا الادعاء، مدعيةً وجود «عَطاء وهمي»، وتكاليف مُبالغ فيها، وتبريرات مبهمة لإلغاء بنية تحتية لا تزال تعمل (Cudjoe 2020). وقد أثار ذلك احتجاجات حادة ونقاشات ساخنة حول مدى ضرورة المشروع لبلدٍ لديه بالفعل سجل ناخبين بايومتري. وبينما كان نقص الشفافية في الصفقة واضحاً؛ لم يُشر أيّ تحقيق أو حكم قضائي رسمي بشكلٍ مباشر إلى الفساد.
لم يكن هذا هو الحال بالنسبة لعقود تسجيل الناخبين وبطاقات الهوية لعامي 2022/2023م المُبرمة في سيراليون، زعمت صحيفة «أفريكانيست برس» (Bah, Anderson, and Feldman 2022) أن لجنة الانتخابات في سيراليون منحت عقود مشتريات، تزيد قيمتها عن 10 ملايين دولار أمريكي، لشركتين في «فريتاون» تفتقران إلى القدرة التقنية اللازمة لتوفير تكنولوجيا تسجيل الناخبين والبرمجيات اللازمة لانتخابات البلاد لعام 2023م. وبالمثل، في عام 2015م، أطلقت هيئة تنظيم المشتريات العامة في تنزانيا تحقيقاً في مناقصةٍ مثيرة للجدل، بقيمة 117 مليون دولار أمريكي، لشراء تقنية تسجيل الناخبين البايومتري من شركة «ليثو تيك إكسبورتس» في جنوب إفريقيا (The Citizen 2014)، كما انتقدت المعارضة التنزانية بشدة هذه العملية لغموضها في اختيار الموردين وتبرير تكلفتها.
اللافت للنظر، في كل هذه الأمثلة، هو أن إدخال تكنولوجيا الانتخابات الرقمية لم يعد مجرد مسألة تقنية فحسب، بل أصبح مصدراً لصراعٍ سياسي حادٍّ يكتنفه الغموض، ظاهرياً حول الريع والسيطرة. وتُجسّد حلقات النزاع في ليبيريا بين رئيس اللجنة الانتخابية ورئيسها المشارك، بشأن الشفافية والمحسوبية السياسية في اختيار مُورِّدي أجهزة تسجيل الناخبين الرقمية، هذه النقطة من سيطرة النُّخبة والغموض في مضمار المشتريات. وفي نهاية الأمر؛ تدخلت لجنة المشتريات والامتيازات العامة سعياً لمعالجة هذه المخالفات، حيث منحت الامتياز النهائي لمجموعة لاكستون (Dodoo 2022).
الأمثلة المذكورة ليست شاملةً بشكلٍ مُطلق، حيث ستظهر خلافات مماثلة حول المشتريات، من بين حالاتٍ أخرى، في سياق عقد أجهزة التصويت البايومتري في الكاميرون لعام 2012م (Cameroon24 2012)، وكذلك فضيحة أجهزة التصويت الإلكتروني وأوراق الاقتراع في زيمبابوي لعام 2024م(Donovan and Marchant 2024) ، ومخالفات العطاءات في زامبيا في العام نفسه (Zambia Monitor 2025). هذا لا يعني أن جميع الإصلاحات الرقمية تنطوي على دوافع مثيرة للرثاء والسخرية كهذه، ولكن من الواضح أن المصلحة السياسية الذاتية تلعب هنا دوراً كبيراً يفوق روح الابتكار بصفةٍ عامة. تُظهر الأبحاث الحالية أنه في السياقات التي تتسم بالفساد المستشري؛ قلّما التزمت مثل هذه التقنيات بتعزيز مصداقية الانتخابات، وإنما اهتمت بالأكثر باستغلال الفرص التي تخلقها وتتيحها هذه التقنيات لتوسيع شبكات المحسوبية (Cheeseman, Lynch, and Willis 2018). وهذا يؤكد أيضاً نقطةً أكثر شمولاً، وبعيداً عن كونها تتعلق بالتحسين التقني المباشر، فقد أصبحت رقمنة الانتخابات ساحةً أخرى للمساومة والتلاعب السياسي.
إلى جانب السعي وراء الريع والمحسوبية؛ تُوفر رقمنة الانتخابات رصيداً سياسيّاً مرناً هائلاً، فهي تُمكّن القائمين على السلطة من استعراض الحداثة، وبالتالي كسب ودّ المانحين الدوليين الساعين إلى تمويل الإصلاح الديمقراطي. كما تُتيح الرقمنة مساحةً لتقديم تنازلاتٍ واسترضاء المنتقدين المحليين، وخاصةً أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني. هناك حالاتٌ كشفت فيها الحكومات، وخاصةً تلك التي تواجه صعوبات، عن تقنياتٍ انتخابية جديدة استجابةً لضغوط المعارضة أو المجتمع المدني من أجل الإصلاح، بينما اتضح في النهاية أن هذه الخطوات كانت ذات طابعٍ إستراتيجي على نحوٍ كبير.
على سبيل المثال: جاء إدخال تقنية التحقق البايومتري في غانا عام ٢٠١٢م نتيجة ضغوط شديدة من أحزاب المعارضة والمنظمات غير الحكومية لتحسين إجراءات المصادقة يوم الانتخابات. وقد عكس هذا الإصلاح الحداثة، وحظي بموافقةٍ دولية ومحلية، إلا أن أحزاب المعارضة رفعت لاحقاً دعوى قضائية ضد لجنة الانتخابات أمام المحكمة العليا بسبب التطبيق الانتقائي لهذه التقنية، حيث زُعم أن عدداً من الأفراد لم يخضعوا للتحقق قبل التصويت. من جانبها؛ سارعت كينيا إلى التسجيل البايومتري عام ٢٠١٣م لإرضاء المانحين والمعارضين المحليين، في حين لا تزال هناك تحدياتٌ تشغيلية جوهرية. بعد عشر سنوات، قدمت لجنة الانتخابات الوطنية المستقلة في نيجيريا منصة (IReV) كإنجازٍ في مجال الشفافية، حيث تعرضت لضغوطٍ مماثلة من أجل أن يعكس الإصلاح الانتخابي الحداثة، وهو ما انتهى به الأمر إلى المحكمة بعد انهيار هذه التقنية. ربما أيضاً تُدخل النُّخب الحاكمة التكنولوجيا ليس بالضرورة لإظهار انتخابات سليمة ومُحسّنة؛ بل لتعزيز الشرعية وتهدئة المعارضة السياسية. وبالتالي؛ يمكن أن تمضي الرقمنة قُدماً دون التنازل عن أيّ مزايا حقيقية. حتى عندما تنتشر التقنيات على نطاق واسع؛ فإن الغموض في تشغيلها ربما يُحيّد فوائد سلامتها.
إعطاء الأولوية للشفافية والنزاهة في رقمنة الانتخابات:
لمواكبة المصلحة العامة، بدلاً من التخطيط الإستراتيجي النُّخبوي، يتطلب الأمر تضافر جهود الجهات المانحة الدولية، وهيئات الرقابة في المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، للتحول من عمليات الشراء التكنولوجية المبهرة لمرّةٍ واحدة إلى الشفافية والمساءلة. الأمر الذي يعني بدوره ربط التمويل بعمليات شراء مفتوحة وتنافسية، وعمليات تدقيق مستقلة لتقنيات الانتخابات الجديدة. بمعنى آخر؛ ينبغي على الجهات المانحة والأحزاب السياسية الإصرار على توفير التدريب الفني لموظفي اللجنة الانتخابية، وإجراء اختبارات دقيقة للأنظمة قبل الانتخابات، بدلاً من افتراض أن نظاماً جديداً مكلّفاً سيعمل تلقائياً.
بالإضافة إلى ذلك؛ يتعين على المجتمع المدني ومُراقبي الانتخابات ضمان خدمة تكنولوجيا الانتخابات للناخبين. وبناءً على ذلك؛ يتعين على هيئات الرقابة المحلية والمنظمات غير الحكومية المطالبة بالشفافية في كل مرحلةٍ من مراحل النشر الرقمي، ويشمل ذلك ليس فقط مراقبة شراء المعدات والإبلاغ عن أي مخالفات لوسائل الإعلام وهيئات مكافحة الفساد؛ بل يشمل أيضاً اختبار هذه الأجهزة قبل الاقتراع، والتأكد من أن السلطات الانتخابية تتيح سجلات الناخبين ونماذج النتائج وسجلات التدقيق للجميع بصيغٍ بسيطة وسهلة الوصول، حتى يتمكن جميع أصحاب المصلحة من التحقق من العملية الانتخابية ونزاهتها، وبالتالي اكتساب الثقة بها.
ينبغي للمجتمع المدني أن يُطالب مجدداً بأطرٍ قانونية تضمن الوصول إلى المعلومات المتعلقة بتقنيات الانتخابات، مثل نشر شفرة المصدر أو إصدار شهادات مستقلة للأجهزة. وفي حال حدوث أعطالٍ أو مخالفاتٍ رقمية؛ يتعيّن على المنظمات غير الحكومية وأحزاب المعارضة التنسيق لجمع الأدلة والتقاضي- وذلك بمسؤوليةٍ عند الضرورة. والأهم من ذلك؛ أن تضع حملات توعية الناخبين توقعات مدروسة وواقعية. ويمكن للرقابة الشعبية أن تُسهم في إعادة توجيه تركيز التحول الرقمي إلى خدمة الناخبين بمنأى عن سيطرة النُّخب السياسية وحدها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
1- Bah, Chernoh Alpha M., Matthew Anderson, and Mark Feldman (2022), Sierra Leone: Electoral Commission Inflated Election Procurement Contract by US$6.3 Million, in: The Africanist Press, 28 September, accessed 18 May 2025.
2- BBC (2018), DR Congo Election: Presidential Poll Hit by Delays, 30 September, accessed 3 July 2025.
3- Cameroon24 (2012), Elecam crée un scandale en Allemagne, 23 October, accessed 16 August 2025.
4- Cheeseman, Nick, Gabrielle Lynch, and Justin Willis (2018), Digital Dilemmas: The Unintended Consequences of Election Technology, in: Democratisation, 25, 8, 1397–1418, accessed 13 October 2025.
5- CRG (2018), The Electronic Voting Controversy in the Congo, Congo Research Group Election Brief No.1.
6- Cudjoe, Franklin (2020), IMANI: The Dangerous Games of The Electoral Commission, in: Modern Ghana, 24 February, accessed 12 August 2025.
7- Dodoo, Lennart (2022), Liberia: NEC Chair, Co-Chair Disagree over Selection of LAXTON for Biometric Voter Registration Exercise, in: Front Page Africa, 13 September, accessed 5 August 2025.
8- Donovan, Nick, and Michael Marchant (2024), South African Company, Ren-Form, and Wicknell Chivayo Embroiled in R570m Zimbabwe Corruption Scandal, in: Daily Maverick, 17 July, accessed 15 June 2025.
9- Mulongo, Freddy (2018), CENI: Marcellin Mukolo Basengezi, mafieux négociant des machines à voler!, Mediapart Blogs, 11 March, accessed 11 July 2025.
10- News24 (2018), Zimbabwe Defends Electoral Roll Over «Ghost Voters», 19 July, accessed 12 September 2025.
11- Norris, Pippa, Richard W. Frank, and Ferran Martínez i Coma (2014), Measuring Electoral Integrity around the World: A New Dataset, in: PS: Political Science & Politics, 47, 4, 789–798, accessed 13 October 2025.
12- Omenma, J. Tochukwu (2019), Courts’ Involvement in the Electoral Process and Their Impact on Improving Election Quality in Nigeria, in: Politeia, 38, 1, accessed 13 October 2025.
13- Rolley, Sonia (2024), Smudged ID Cards, Missing Names Blemish Congo’s $1 Billion Election, in: Reuters, 14 March, accessed 12 September 2025.
14- The Citizen (2014), Procurement Watchdog Should Stop Politicking, 7 October, accessed 12 September 2025.
15- Zambia Monitor (2025), Transparency International Raises the Alarm Over Suspected Irregularities in Biometric Voter Registration Equipment Tender, 7 August, accessed 12 September 2025.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رابط الدراسة:











































