مقدمة:
تصدَّرت ثلاثة ملفات إستراتيجية تخصّ قارة إفريقيا اهتمامات الإعلام العبري خلال شهر ديسمبر 2025م، وربما تكمن أهميتها في أنها تُواكب تطوُّرات إستراتيجية تَشهدها القارة وتراقبها تل أبيب عن كثب، وسيُسْهِم استعراضها في فَهْم طبيعة الخطوات الإسرائيلية التالية بالقارة مع حلول العام الجديد 2026م.
وبرز بشدة خلال ديسمبر 2025م اهتمام إسرائيل بمنطقة الساحل، التي تحوَّلت لمركز ثِقَل للإرهاب العالمي وتزايد النفوذ الروسي؛ حيث تسعى إسرائيل لطرح نفسها على الأنظمة العسكرية الجديدة هناك كبديل أمني وتقني يَمتلك حلولًا استخباراتية.
وفي الناحية الأخرى من القارة يظهر الملف الثاني متمثلاً في إثيوبيا، التي يركز البعض على تعاونها مع إسرائيل بشأن مشروع سد النهضة، ويتغافل حقيقة: أن بين البلدين شراكة إستراتيجية تطال أغلب المجالات.
وفي المقال الذي تتناوله هذه الورقة ستظهر طبيعة العقيدة الإسرائيلية السياسية تجاه أديس أبابا، فهي تراها حليفًا إستراتيجيًّا ومركزًا مستقبليًّا للصناعات الذكية، ومِن ثَم بدأت خطوات أولية لدعمها لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة (Industry 4.0)؛ والتي ستستفيد تل أبيب منها أيضًا عبر ترسيخ وجودها الاقتصادي في القرن الإفريقي وتحويل أديس أبابا إلى قطب صناعي قاري.
وأخيرًا، ثمة طرح ثوري مختلف شهده هذا الشهر في واحدة من الصحف العبرية الشهيرة، حمل رؤية مغايرة لما هو مطروح بشأن ملف هجرة اليهود؛ إذ خلص إلى أن وجود الجاليات اليهودية في الخارج يُشكّل ورقة دعم مهمة لإسرائيل، ومِن ثَم بَحَث عن أوجه دعم وتعزيز تلك الجاليات بدلًا من استقطابها، وساق مثالًا يتعلق بنموذج الجاليات اليهودية في جنوب إفريقيا.
ومن المهم التدقيق في المقالات التالية، وما بها من مصطلحات ومفاهيم؛ من منطلق أنها تعكس وجهة نظر كُتّاب أو باحثين أو خبراء إسرائيليين، في الغالب يؤمنون بالفكر والمشروع الصهيوني، إلا أن استعراض رؤيتهم يفيد في فَهْم طبيعة تفكير هؤلاء بشأن قضايا عدة، ومِن ثَم التعاطي بشكل متناسب.
حقيقة، ترتبط المقالات الثلاثة التي تعالجها تلك الورقة حول التدخل الإسرائيلي المحتمل في الساحل تحت ذريعة مكافحة “الجهاد العالمي” العابر للحدود، واستغلال الأسواق النامية تكنولوجيًّا، والحفاظ على الجاليات اليهودية كجسور نفوذ مستدامة داخل القارة، في حقيقة أن هناك إدراكًا إسرائيليًّا بضرورة تبنّي سياسات أكثر مرونة تقوم على المنفعة السياسية والإستراتيجية لتأمين المصالح الإسرائيلية بالقارة بغضّ النظر عن العقبات الأيديولوجية والمواقف السياسية.
في المقال الأول المنشور بمعهد العلاقات الإسرائيلية-الإفريقية، للباحث متان دانيال، والمنشور بتاريخ 1 ديسمبر 2025م، ثمة تركيز على منطقة الساحل الإفريقي، ولا سيما دول مثل: مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر بوصفها مركزًا للإرهاب العالمي؛ إذ يرى الباحث أن تنظيمات بعينها تستغل الصراعات العرقية بالمنطقة، ولديها روابط مع الجريمة المنظَّمة، هذا بخلاف الانقلابات العسكرية التي قادت إلى طرد القوات الغربية، ويُوصي بأن تستغلّ إسرائيل موقعها كشريك لتقديم المساعدة لدول الساحل في مجالي مكافحة الإرهاب والتكنولوجيا المناخية والمائية، وبناء علاقات إستراتيجية مع دول المنطقة وتقديم حلول عملية وفعَّالة لمواجهة التحديات الأمنية والإنسانية الكبرى.
وفي المقال الثاني للكاتب الخبير التكنولوجي إيلان ألتر والمنشور بتاريخ 10 ديسمبر 2025م بموقع أناشيم أومحشفيم، ثمة تركيز على محاولات إثيوبيا التَّحوُّل إلى مركز للصناعة الذكية في القارة الإفريقية، بدعم من خبراء إسرائيليين، ويكشف أن السفارة الإسرائيلية نظَّمت زيارة خبراء من تل أبيب إلى أديس أبابا لتعميق التعاون التكنولوجي بين البلدين، وأن جهود خبراء إسرائيل أثمرت عن قناعة لدى الإثيوبيين بأنه يتعيَّن تعزيز التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص والأكاديمي وإسرائيل؛ لتطوير الموارد البشرية هناك، وتعزيز مكانة إثيوبيا كمركز صناعي ذكي وفتح آفاق جديدة للعلاقات التجارية الثنائية.
وفي المقال الثالث بصحيفة ماكور ريشون العبرية، والمنشور بتاريخ 16 ديسمبر 2025م، يرى الكاتب عكيفا شفيجلمان أن دعوات الهجرة الفورية لليهود عقب الكوارث تتَّسم أحيانًا بعدم الحساسية تجاه صدماتهم، مؤكدًا أن زيارته لجنوب إفريقيا كشفت له عن مجتمعات قوية يمكنها دعم إسرائيل من الخارج، وأن الجاليات في الشتات باتت تعتمد على أَمْنها الذاتي وتدريباتها الخاصة، منتقدًا سياسات سَحْب السفراء التي تُضْعِف قدرة هذه الجاليات على الصمود والحصول على الدعم اللازم.
منطقة الساحل كساحة للإرهاب والمنافسة العالمية: اتجاهات وتداعيات عام 2025م([1])
يستهل الباحث الإسرائيلي متان دانيال مقالته بمعهد العلاقات الإسرائيلية-الإفريقية، بحديث عن البُعْد الإقليمي لحالة العنف في منطقة الساحل، التي تحوَّلت كما يرى إلى مركز للإرهاب العالمي خلال العام الماضي، لتشهد 50% من حالات الوفاة الناجمة عن الإرهاب في العالم بأَسْره خلال عام 2024م، فيما كانت بوركينا فاسو ومالي والنيجر من بين الدول الأكثر تضررًا.
أما التنظيمات المسؤولة عن ذلك بشكل أساسي، فهي: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) التابعة لتنظيم القاعدة، وأذرع تنظيم الدولة في الساحل/غرب إفريقيا (ISSP/ISWAP)، والتي وسّعت نطاق عملياتها ونفوذها على الرغم من التغيرات في الوجود العسكري الأجنبي.
تلك التنظيمات -كما يقول الباحث- حافظت على وتيرة عملياتها المرتفعة خلال عام 2025م؛ حيث استولت على قواعد عسكرية، وسيطرت على مدن لساعات عدة في مالي وبوركينا فاسو، وأحرزت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تقدمًا سريعًا في مالي، ويبدو أنها تقترب من العاصمة، باماكو، كما أنها تقوم بمنع إمدادات الغذاء والوقود عن المدينة، ما يُسبِّب نقصًا يُقوِّض قدرة قوات الأمن على الاستجابة بفعالية. أمَّا أذرع تنظيم الدولة في الساحل/غرب إفريقيا فقد تقدَّمت أيضًا شمالًا نحو بنين وتوغو، ونفَّذت هجمات دامية، وطوَّرت شبكات لوجستية واسعة وعابرة للحدود.
البُعد العالمي:
أوضح الباحث أن الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر في أعوام 2020 و2022 و2023م، على التوالي، أدَّت إلى وصول المجالس العسكرية إلى السلطة، فأنشأت هذه الأنظمة تحالفًا أمنيًّا جديدًا يسمى تحالف دول الساحل (AES)، فيما انسحبت دول هذا التحالف من التحالفات الإقليمية والمبادرات المشتركة لمكافحة الإرهاب.
وتابع إن فرنسا، القوة الاستعمارية التاريخية التي حافظت على نفوذ قوي ووجود عسكري طويل الأمد في المنطقة، سحبت قواتها بحلول عام 2023م بناءً على طلب تحالف دول الساحل، وفي العام التالي، غادرت أيضًا القوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة، ما يُمثِّل نهاية التدخل العسكري الغربي في هذه الدول للمرة الأولى منذ عقود. وفي المقابل ملئت روسيا الفراغ الذي خلَّفه انسحاب الدول الغربية؛ حيث دعتها دول تحالف الساحل للمساعدة في العمليات ضد الإرهاب، وتأسست قوة روسية تعرف باسم “الفيلق الإفريقي” في عام 2024م عِوَضًا عن مجموعة فاغنر المنحلّة، ما يُمثِّل توسعًا أعمق في المشاركة الأمنية والاقتصادية لروسيا في المنطقة.
ترسيخ الجماعات المسلحة:
ويذكر الكاتب أن دول الساحل الأكثر تضررًا من التنظيمات المسلحة هي بوركينا فاسو والنيجر ومالي، ففي عام 2024م، بلغ عدد الوفيات الناجمة عن الإرهاب في هذه الدول 1532 في بوركينا فاسو، و930 في النيجر، وفي مالي بلغ العدد 604، ما يجعلها من بين الدول الخمس الأكثر تضررًا في هذه الفئة.
وكانت أذرع تنظيم الدولة في الساحل/غرب إفريقيا؛ مسؤولة عن الغالبية العظمى من هذه الوفيات متَّبعة تكتيكات تعتمد على الغارات الجماعية على المراكز المدنية والمنشآت الأمنية، والكمائن، وعمليات الخطف مقابل فدية. وتزعم بعض التقارير أن التنظيمات تُوسّع استخدامها للطائرات المُسيَّرة لأغراض الاستطلاع، وهناك محاولات لاستخدامها أيضًا لمهاجمة الأهداف، ما يؤكد على تزايد الخبرة التكنولوجية بين التنظيمات.
دور إسرائيل المحتمل:
يعتقد الكاتب الإسرائيلي أن المجالس العسكرية الحالية في منطقة الساحل تميل نحو موالاة روسيا ومعاداة أمريكا، وبالتالي معاداة إسرائيل أيضًا، ويقول: إن هذا الموقف ينبع جزئيًّا من المشاعر طويلة الأمد بين سكان المنطقة التي تربط الغرب بالاستعمار، ومن فشل الغرب (وبخاصة فرنسا) في هزيمة التنظيمات الجهادية.
ومع ذلك يزعم أنه لا توجد أسباب جوهرية لعداء هذه الأنظمة لإسرائيل؛ بل ربما العكس، ففي نهاية المطاف، تُواجه إسرائيل وحكومات الساحل أعداءً متشابهين –تنظيمات جهادية–، وتتمتع إسرائيل ودول الساحل بتاريخ طويل من التعاون والصداقة.
ومِن ثَمَّ يتمسك الباحث بقناعته بأن إسرائيل يمكنها أن تُقدّم لهذه الحكومات المساعدة في مجالين أساسيين هما: مكافحة الإرهاب وحلول لتحديات التغيُّر المناخي؛ إذ سيكون النشاط الإسرائيلي بالتعاون مع أنظمة الساحل مفيدًا في عدة جوانب كما يرى، وقد يبرهن على قدرة إسرائيل على مواجهة التحديات العالمية، ويخلق علاقات مع شركاء مسلمين إستراتيجيين جدد (ربما كجزء من توسيع اتفاقيات إبراهيم كما يُذْكَر)؛ ويساعد في إعادة بناء صورة الغرب في المنطقة؛ ويَخْلُق وصولًا إلى أسواق نامية مهمة وموارد الساحل.
ومضى قائلًا: إن إسرائيل تتمتع بنقاط القوة التقنية (الاستخبارات، مكافحة العبوات الناسفة، تكنولوجيا مكافحة الطائرات المُسيَّرة، الصمود أمام المياه/المناخ، التكنولوجيا الزراعية)، التي يمكن أن تكون جذابة لحكومات الساحل التي تُواجه ضغوطًا أمنية وضغوطًا ناتجة عن أزمات المناخ. ومع ذلك، فإن الشراكة مع أنظمة المجالس العسكرية تحمل مخاطر تتعلق بالسمعة والقانون وحقوق الإنسان؛ وأوصى بضرورة أن تضع بلاده كل مشاركة لها على ميزان “الفائدة مقابل التكلفة”.
ويحدّد الباحث الإسرائيلي المجالات التي يمكن لدولة الاحتلال أن تُقدّم فيها مشاركة بناءة؛ وهي كالتالي:
1-الاستخبارات والتدريب: التدريب المُوجَّه، ومراقبة الحدود، والاستخبارات السيبرانية، وتكتيكات مكافحة العبوات الناسفة، وتحليل البيانات المتقدّم، الذي يتم بالشراكة مع إشراف متعدّد الأطراف وإجراءات حماية حقوق الإنسان، ويمكن أن يساعد في منع الهجمات التي تُسبِّب خسائر جماعية مع تقليل الأضرار الجانبية.
2-التعاون في مجال المناخ والمياه: التكنولوجيا الزراعية عالية الإنتاجية وسريعة المفعول، والبذور المقاومة للجفاف، وتجميع المياه، والمراقبة عن بُعْد؛ إذ تبني هذه المشاريع المرونة الاجتماعية ويمكن تقديمها كشراكة إنسانية/تنموية وليست مساعدة أمنية بحتة.
3-بناء القدرات للدفاع المدني واللوجستيات الإنسانية: تحسين الإخلاء الطبي، وإدارة مخيمات اللاجئين والنازحين، والاستجابة السريعة للكوارث تُقلّل من الوفيات غير المباشرة، ويمكن أن تزيد من النوايا الحسنة للشراكات.
4-الموقف الإقليمي: النشاط بالشراكة مع المنظمات الإقليمية والعالمية (مثل ECOWAS/UN/EU أو الاتحاد الإفريقي)؛ للحد من وضوح الانحياز الأحادي الجانب للمجالس العسكرية، وتعزيز شرعية المساعدة الإسرائيلية.
إثيوبيا في طريقها لتصبح مركز الصناعة الذكية للقارة الإفريقية([2]) :
استهل الكاتب الإسرائيلي إيلان ألتر مقاله في موقع أناشيم أومحشڤيم (الناس والحواسب)، بالإشارة إلى حقائق عن إثيوبيا، منها أن عدد سكانها يبلغ حوالي 140 مليون نسمة، وتُعدّ الدولة غير الساحلية الأكثر اكتظاظًا بالسكان في القارة الإفريقية، وتَحُدّها إريتريا شمالاً، والسودان وجنوب السودان غربًا، وكينيا جنوبًا، والصومال شرقًا، وجيبوتي شمال شرق.
وأضاف: إن العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، هي أكبر مدينة في إثيوبيا، ويبلغ عدد سكانها حاليًّا حوالي 10 ملايين نسمة.
تلك المقدمة التعريفية المبسطة كانت مدخلًا لشرح ملابسات الزيارة التي قام بها الكاتب نفسه، بوصفه خبيرًا في الصناعات الذكية، ومديرًا تنفيذيًّا لشركة إسرائيلية مختصة بتقديم استشارات في هذا المجال، وهي الزيارة التي جرت أخيرًا برعاية السفارة الإسرائيلية في أديس أبابا، واستمرت يومين، ألقى خلالها ألتر، إضافة إلى الخبير إيلي شارئيل، محاضرات عديدة، وشارَكَا في سلسلة اجتماعات مكثفة مع مسؤولين حكوميين، ومديري مصانع، وشركات ناشئة تعمل في هذا المجال، أي الصناعات الذكية.
يشير ألتر إلى أن الزيارة نُظّمت بالتزامن مع فعالية لمبادرة (UNDP Timbuctoo) التابعة للأمم المتحدة، والتي تهدف إلى تعزيز الابتكار وريادة الأعمال في إفريقيا، وعقدت حول هذا الموعد اجتماعات مع مسؤولين حكوميين، بالإضافة إلى زيارات للمصانع والمجمعات الصناعية، وكان الحدث الأبرز هو الاجتماع مع كبار رجال الأعمال في إثيوبيا، والذي حظي بتغطية وسائل الإعلام المحلية الرئيسية.
وخلال الزيارة، عُقدت ورشتا عمل حول موضوع الصناعة 4.0 (Industry 4.0)، وهو مصطلح يشير إلى “الثورة الصناعية الرابعة القائمة على دمج التقنيات الرقمية الذكية مثل: الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والروبوتات في عمليات التصنيع”، ويقول الكاتب: إن واحدة من بين ورشتي العمل خُصِّصَت لفئة من الشركات الناشئة في مبادرة (UNDP Timbuctoo)، والأخرى لمجموعة من كبار المديرين التنفيذيين، شملت هيئة الشركات الحكومية، ووزارة الصناعة، ووزارة الابتكار والتكنولوجيا، وكبار الأكاديميين، ومؤسسة المجمعات الصناعية.
وتابع أنه في مرحلة النقاش جرى تسليط الضوء على قضايا أساسية؛ مثل: الأهمية التي تُوليها إثيوبيا للتعاون مع إسرائيل في هذا الشأن، والحاجة إلى التعاون بين الجهات الحكومية، والأكاديمية، والصناعة الخاصة، والهيئات العامة والاقتصادية، لتعزيز تطبيق الثورة الصناعية الرابعة (الصناعة 4.0) في إثيوبيا، مع معالجة شاملة للموارد البشرية، التي يَعتبر الكاتب أن تكلفة أجورها منخفضة، مما يجعل الاستثمار في التقنيات المكلفة (التي تُقلّل من استخدام الموارد البشرية) أمرًا صعبًا. وانتهت ورشة العمل بدعوة متجددة لتعاون أوثق بين إسرائيل وإثيوبيا لتحويل الأخيرة إلى مركز الصناعة الذكية للقارة الإفريقية وفتح فرص عمل جديدة بين البلدين.
وشملت الزيارة أيضًا، حسبما أفاد الكاتب لقاءً مع إدارة إحدى المجمعات الصناعية ومع مصنعين داخلها؛ حيث يقوم أحدهما، الذي تقع إدارته في كوريا الجنوبية، بتصنيع الملابس لشركات عملاقة ويعمل به حوالي 7.500 عامل، والمصنع الآخر هو مصنع أحذية، يعمل في خط إنتاجه حوالي 180 عاملًا، وتتم جميع مراحل الإنتاج فيه يدويًّا على حزام النقل، وهو فارق هائل بين الوضع القائم وبين مفهوم (الصناعة 4.0).
وفي الاجتماع مع نائب وزير الصناعة، أعطى المسؤول المحلي التزامًا بدعم مفهوم (الصناعة 4.0)، وتحويل إثيوبيا إلى مركز الصناعة الذكية للقارة الإفريقية بأكملها، بينما تم وضع الأساس للتعاون بشأن عقد دورات للماجستير في موضوع الصناعة الذكية، وجرى الوقوف بشكل عميق على الواقع الميداني والاحتياجات المحلية خلال الاجتماعات الفردية مع الشركات الناشئة ورواد الأعمال.
صهيونية ذات حساسية: هذا ما تعلمته من يهود جنوب إفريقيا عن الأمن والانتماء والهجرة([3]) :
يزعم الكاتب الإسرائيلي عكيفا شفيجلمان عبر مقالته بصحيفة ماكور ريشون العبرية أنه بعد كل كارثة تَحلّ بما أطلق عليها “مجتمعات يهود الشتات”، من عمليات يصفها بـ”الإرهابية المروعة والهجمات المعادية للسامية” ضد المؤسسات والسكان؛ تتصاعد الدعوات لتلك الجاليات المكلومة للهجرة الجماعية إلى البلاد على وجه السرعة، ويقول: إن هذه الدعوة أصبحت شبه تلقائية في السنوات الأخيرة، لكنها في الغالب تستند إلى شعور ربما لا ينتاب تلك الجاليات ذاتها، وتُبنَى بالأساس على لحظات الخوف الأولى، قبل تقدير الأضرار والخسائر في الأرواح.
ولا يُخْفِي الكاتب أنه كان مِن بين أولئك الذين أطلقوا مثل هذه الدعوات، وأنه بوصفه مهاجرًا شابًّا طالما فكَّر في أنه لا مفرّ من الانتقال إلى إسرائيل، وأن الحياة اليهودية في الخارج تفتقر إلى الأمان والقدرة على الفخر بيهوديته، لكنه سرعان ما تراجَع وأقرَّ بأنه مخطئ، فخلال زيارته الصيف الأخير إلى جنوب إفريقيا، اكتشف مجتمعًا يهوديًّا حيويًّا، متماسكًا وقويًّا، يعرف كيف يتَّحد في لحظات الأزمة والفرح على حدٍّ سواء، يعيش براحة كبيرة في مكانه، مع أنه عُرْضة لخطرٍ لا يختلف جوهريًّا عن ذلك الذي يعيشه جيرانه غير اليهود، على حد قوله.
وذهب الكاتب إلى أن ما يصفها بـ”الهجمات المعادية للسامية” من كولورادو إلى مانشستر وحتى سيدني ليست مجرد أحداث معزولة، بل هي ظاهرة عالمية، وأن الرد اليهودي العميق والتاريخي يجب أن يكون إستراتيجيًّا، أي العمل على تعزيز الهجرة الفعَّالة (لليهود) من دول الغرب.
وأضاف: إن اللقاءات التي أجراها في أنحاء جنوب إفريقيا جعلته يُعيد حساباته في هذا الشأن، وقادته لاستكشاف المجتمعات قبل أن يُصرّح أمامهم بأن عليهم نقل حياتهم إلى دولة أخرى (إسرائيل)، التي يصفها بأنها “منارتهم الدائمة”، ويُفسّر تراجعه عن اعتقاده القديم بضرورة تشجيع الهجرة بأنه يتعين تقوية “دولة إسرائيل” أيضًا عن بُعْد؛ من خلال مجتمعات قوية (في الخارج)، هو فَهْم يجب أن يتغلغل في وعي الإسرائيليين، كما يعتقد.
وينظر الكاتب إلى ما أسماه الهجوم الإرهابي القاتل في بوندي بيتش بأستراليا كتذكرة مؤلمة بأن المجتمع اليهودي في الشتات يعتمد أولًا وقبل كل شيء على نفسه، ولا يمكنه الاعتماد بشكل كامل على السلطات المحلية لحمايته، ومع ذلك، فهو لا يركن إلى الراحة؛ ففي السنوات الأخيرة أقيمت مبادرات محلية عديدة للتدريب العملي على مهام الحراسة، وتدريبات على تقديم الإسعافات الأولية وحيازة السلاح، وبُنِيَت إجراءات عمل تهدف إلى إنقاذ حياة البشر في ساعة الطوارئ، مشيرًا إلى أن جزءًا من التدريبات نُفِّذ بمساعدة وزارات حكومية مختلفة، ومعظمها مُموَّل بشكلٍ مستقل.
وشدَّد على أنه قبل دعوة اليهود إلى الهجرة الجماعية إلى إسرائيل، وتشجيع الهجرة “علينا أن نتذكر أن الجالية التي نحثّها على الهجرة إلى البلاد تعيش في ذُروة الحداد، والذعر، والصدمة، والوداع المؤلم لأحبائها، وأن أعضاءها ليسوا في وضع مثالي لإعادة حساب مسار حياتهم، وهذه الدعوات قد تُفسَّر على أنها تفتقر للحساسية بل ومنفصلة عن الواقع”، على حد قوله.
ويرى عكيفا شفيجلمان أن “تكتيك سحب السفراء والقناصل لا يُعاقِب الدولة التي تُعارض نشاط إسرائيل، مثل إيرلندا وجنوب إفريقيا، بل يُعاقِب المجتمع اليهودي نفسه، حين يمسّ بقدرته على الحصول على المساعدة، وجلب فتيات الخدمة الوطنية اللواتي يقوين النشاط في الميدان والقيام بعمليات حرجة أخرى، كما أنها تترك بابًا مفتوحًا لمن يُضْمِرون لنا السوء”، كما يدعي.
ويختم الكاتب مقاله بالادعاء بأن “إسرائيل ستستمر في كونها نورًا للأمم، منارة أمل لإخوتنا في الشتات، وستعرف كيف تشدّ على أيديهم في كل وقت”، مضيفًا: “للأسف، نحن متدربون على الكوارث، والخبرة التي تراكمت لدينا نشاركها برغبة مع المحتاجين للمساعدة، يهودًا وغير يهود على حدّ سواء”، وهذا زعم آخر أطلقه الكاتب الإسرائيلي.
وأخيرًا قدّر هذا الكاتب أن الهجرة هي عمل يتطلب سلسلة واسعة من الظروف؛ فهي ليست قرارًا بسيطًا أو لحظيًّا، وأنه من واجب الإسرائيليين في الداخل احترام ذلك مع تقديم حاضنة للمجتمعات اليهودية المكلومة، ظنًّا منه أن تلك الإستراتيجية تَحْمِل بين طياتها ما أُطلق عليها “قوة إسرائيل العظمى، وقوتنا كشعب يهودي مُوحَّد وقوي”؛ على حد تعبيره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) متان دانيال، “منطقة الساحل كساحة للإرهاب والمنافسة العالمية: اتجاهات وتداعيات عام 2025م”، معهد العلاقات الإسرائيلية-الإفريقية (هرتسليا، الأراضي المحتلة)، 1 ديسمبر 2025م، على الرابط المختصر (بالعبرية): https://n9.cl/42ko5c
([2]) إيلان ألتر، “إثيوبيا في طريقها لتصبح مركز الصناعة الذكية للقارة الإفريقية”، موقع أناشيم أومحشافيم (الأراضي المحتلة)، 10 ديسمبر 2025م، على الرابط (بالعبرية): https://www.pc.co.il/featured/442444/
([3]) عكيفا شفيجلمان، “صهيونية ذات حساسية: ما تعلمته من يهود جنوب إفريقيا عن الأمن والانتماء والهجرة”، صحيفة ماكور ريشون (الأراضي المحتلة)، 12 ديسمبر 2025م، على الرابط (بالعبرية): https://www.makorrishon.co.il/opinions/article/222246











































