بعد شهور من توتُّر مكتوم في العلاقات بين زعيمي إريتريا وإثيوبيا (الرئيس أسياس أفورقي، ورئيس الوزراء آبي أحمد)، ظهر ملف أمن البحر الأحمر في قلب هذا التوتر، وسط مخاوف حقيقية من وقوع حرب بين البلدين حال عدم توقُّف التصعيد الحالي، أو ما يمكن وَصْفه بالتراجع العملي التدريجي عن اتفاق السلام المُوقَّع في جدة (يوليو 2018م)، عقب تفاقم التهديدات الإثيوبية بسعي أديس أبابا بأيّ وسيلة كانت للاستيلاء على ميناء عصب الإريتري في جنوب سواحل الدولة المشاطئة على البحر الأحمر، والتي يبلغ إجمالي طول سواحلها عليه نحو 2234 كيلو مترًا، (وهي تأتي في المركز السادس من حيث ترتيب الدول الإفريقية صاحبة السواحل الأطول في القارة بعد مدغشقر والصومال جنوب إفريقيا وموزمبيق ومصر على الترتيب)([1]).
ووضع أديس أبابا ملف حصولها على منفذ بحري في قلب البحر الأحمر على قمة أولوياتها، وتصوير الأزمة على أنها أزمة إقليمية كاملة “تتورط فيها مصر”؛ حسبما أعلن مسؤولون إثيوبيون، وادعت وزارة الخارجية الإثيوبية نفسها في بيان رسمي (3 ديسمبر الجاري). وتفاقمت الأزمة بإعلان إريتريا (13 ديسمبر) خروجها من “الإيجاد” وحضور أزمتها مع إثيوبيا في قلب حيثيات هذا القرار، بالنظر إلى هيمنة الأخيرة على المنظمة الإقليمية ومقرها جيبوتي.
الاقتصاد ومخاوف إريتريا الإستراتيجية: خسارات بالجملة
يُمثّل الاقتصاد هاجسًا رئيسًا في مخاوف إريتريا الإستراتيجية من أيّ تهديدات تُلْحِق ضررًا بالبحر الأحمر، ولا سيما مسألة وصول إثيوبيا إلى مياه هذا البحر من بوابة ميناء عصب، ويتضح ذلك من إلقاء نظرة على هذا الاقتصاد الذي يُواجه تحديات كثيرة؛ فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من 2.6% في عام 2022م إلى ما يُقدَّر بنحو 2.9% في عام 2023م.
وقاد النمو قطاع الصناعة، ولا سيما التعدين والخدمات، من جانب العرض، واستهلاك الأُسَر والقطاع العام من جانب الطلب. واتسمت السياسة النقدية بالانكماش. وانخفض التضخم إلى 6.4%، مدعومًا بتحسُّن الإمدادات واستقرار سلاسل التوريد العالمية. ويُثبت سعر الصرف عند 15 ناكفا (عملة إريتريا) مقابل الدولار الأمريكي.
وقد انخفض العجز المالي إلى 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023م بفضل ضبط المالية العامة، مع استقرار نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي عند حوالي 17%. وقُدِّرت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 164% لعام 2022م، مع تمثيل الدين المحلي لـ68%، مما يعني الحد الأدنى من مخاطر العملات الأجنبية. وقد ارتفع فائض الحساب الجاري إلى ما يُقدر بنحو14.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023م، مع تحسن ميزان التجارة السلعية وزيادة الصادرات، وخاصة المعادن. كما انخفض معدل الفقر بين السكان من 55% في عام 2010م إلى 50% في عام 2020م، وقد يكون الارتفاع في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد في عام 2023م، قد أدَّى إلى مزيد من الحد من الفقر([2])؛ ورغم التحسن النسبي في السنوات الأخيرة فإن نسبة الفقر في إريتريا تفوق بقية الدول الإفريقية وتضعها في ذيل القائمة العالمية.
وبحسب قراءة مصرفية إفريقية ذات صلة، فإنه كان متوقعًا أن يستقر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي عند 2.9٪ في عام 2024م على أن يرتفع في العام الجاري (2025م) إلى 3.1٪ في عام 2025م، لكن مؤشرات حالية تشير إلى صعوبة تحقق ذلك. كما توقع البنك أن يقود التعدين والخدمات النمو على جانب العرض، بما يتماشى مع النمو القوي في قطاع التعدين. وعلى جانب الطلب، سيقود الاستهلاك الخاص والاستثمار النمو، مما يعكس تحسُّن دخل الفرد والتوسع المخطط له في قطاع التعدين.
ومن المتوقع أن ينخفض التضخم إلى أقل من 5٪، بما يتماشى مع تحسن إمدادات الغذاء. ومن المتوقع أن يتحسن الميزان المالي لإريتريا إلى فائض في عامي 2024 و2025م، بدعم من ضبط المالية العامة. وأن ينخفض فائض الحساب الجاري إلى 12.4٪ في عام 2024م، مما يعكس التقلبات في الطلب العالمي وأسعار السلع الأساسية. وتشمل المخاطر السلبية الرئيسية التأخير في الإنتاج في منجم كولولي للبوتاس بسبب التحديات في تعبئة التمويل اللازم، والتقلبات في الأسعار العالمية للمعادن، وانعدام الأمن في منطقة القرن الإفريقي([3])، وسط تهديدات إثيوبية متكررة بالدخول في حرب مع إريتريا للحصول على ميناء عصب بالمخالفة لأولويات التعاون الإقليمي.
وستمثل أيّ تهديدات عسكرية إثيوبية لإريتريا ضربة قاصمة للاقتصاد الإريتري الذي يحاول جاهدًا التعافي من ضربات متلاحقة مثل جائحة كوفيد-19، واضطراب أمن الملاحة في البحر الأحمر، وغيرهما.
إريتريا وإثيوبيا: الحضور المصري
وفي ضوء التقارب الواضح بين إريتريا ومصر في العامين الأخيرين، كما يتضح مثالًا في الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين وحلول الرئيس أفورقي مرارًا في القاهرة وفي محطات فاصلة كان آخرها نوفمبر الماضي؛ فإن مسألة التوتر بين إثيوبيا ومصر تظل حاضرة في رؤية أسمرا لأمن البحر الأحمر، وفي المقابل تنظر إثيوبيا لهذه الصلة المصرية-الإريترية على أنها مُحفّزة للتصعيد بين الجارتين في القرن الإفريقي؛ ففي مقال أخير لسفير إثيوبيا في مقديشو سليمان ديديفو، المعروف بإثارته للجدل بين حين وآخر، نشرته “أفريكا ريبورت” (3 ديسمبر الجاري)([4])؛ يرى أن “محاولات مصر (في البحر الأحمر والقرن الإفريقي) تأتي لإعادة ترسيخ وجودها في منطقة القرن الإفريقي تحت شعار “إعادة تأكيد دورها وتحمُّل مسؤولياتها في القرن الإفريقي”، على خلفية تاريخية من التدخلات التي ساهمت في الاحتكاك السياسي والانقسام في المنطقة. في محاولة لإخفاء طموحات مصر الإقليمية على أنها جهد حميد يهدف إلى “استعادة التوازن الإستراتيجي”، يحاول الوزير بدر عبد العاطي تصوير موقف إثيوبيا على أنه الأحدث في سلسلة من “التوجهات المهيمنة”؛ وهي مشاريع يُزْعَم أنها زعزعت استقرار القرن الإفريقي. ويرى السفير “أن هذه الرواية ليست فقط غير دقيقة تاريخيًّا، بل إنها تتجاهل بشكل ملائم المصدر الأكثر وضوحًا لزعزعة الاستقرار الأخيرة في القرن الإفريقي: مصر. إن عسكرة مصر للقرن الإفريقي (في إشارته لاتفاق التعاون العسكري بين القاهرة ومقديشو ومشاركة مصر في القوات الإفريقية العاملة في الصومال إلى جانب عدد من الدول الإفريقية)، بالإضافة إلى انحيازها العلني والسري إلى قوى معادية لدول في المنطقة، تُمثل العامل الأكثر أهمية الذي يُغذِّي عدم الاستقرار في المنطقة.
كما أسهب المقال في التأكيد على أن سعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر يرتكز على فكرة “الضرورة الجيوسياسية” التي تُقر بالأهمية الإستراتيجية الحيوية للبحر، والاعتراف به كثروة مشتركة، والقلق العميق من “هشاشة وضعه البحري في مواجهة تنامي عدم الاستقرار الإقليمي والعالمي”. ترتبط هذه الرؤية ارتباطًا وثيقًا بضرورة المساهمة في التعاون الإقليمي من أجل أمن البحر الأحمر في ظل مواجهته لصدمات جيوسياسية وجيواقتصادية متصاعدة، والتي تتطلب، الآن أكثر من أيّ وقت مضى، بحسب ديديفو، جهودًا متضافرة. قبل أن يختتم المقال بملاحظة أن “تجاهل مساعي إثيوبيا، وحضورها التاريخي، ومساهمتها المحتملة في أمن البحر الأحمر، وهشاشتها، هو عملٌ مضلل، نابعٌ من رغبة خبيثة في إيداع البلاد في دوامةٍ من انعدام الأمن والتخلف([5])؛ الأمر الذي يكشف حجم التوتر الإقليمي الراهن.
وبين طرفي نقيض كون العلاقات الإريترية مع مصر مسألة منطقية، ويمكن إدراجها في مسار العلاقات الثنائية بين بلدين إفريقيين تربط بينهما مصالح متنوعة ومستدامة بحكم الموقع على الأقل، ووجود “تحفظ” أو مخاوف إثيوبيا من هذه العلاقة فإن مصر تُمثّل أهمية كبيرة لإريتريا باعتبارها كبرى بلدان حوض البحر الأحمر الإفريقية، وحجم التنسيق المصري-السعودي في هذا الحوض، وما تكشف منتصف ديسمبر الجاري عن إطلاق الرياض (التي استضافت أفورقي في 13 الجاري) خططًا استثمارية ضخمة في إريتريا لا تتضمن بالضرورة تنسيقًا مع إثيوبيا، مما يمثل بدوره مرحلة جديدة تمامًا مغايرة لما كان متوقعًا بعد رعاية السعودية للتقارب الإريتري الإثيوبي، ومضافًا له توقُّعات بمشاركة مصرية مضافة لهذه الخطط السعودية.
البحر الأحمر واحتمالات الحرب:
لعبت إريتريا دورًا رئيسًا في إنقاذ نظام “آبي أحمد” من السقوط خلال حرب تيجراي الأخيرة بفضل تنسيق جهودها من قوى إقليمية داعمة لهذا النظام بشكل تحالفي وأبرزها إسرائيل وإيران والإمارات؛ فبين عامي 2015 و2021م، أنشأت الإمارات وجودًا عسكريًّا ولوجستيًّا هامًّا في ميناء عصب، الذي أصبح مركزًا عملياتيًّا رئيسيًّا لمشاركتها في الصراع اليمني ثم الإثيوبي أو حرب التيجراي.
وقد وثّقت صور الأقمار الصناعية والتحقيقات المستقلة توسعات كبيرة في البنية التحتية، بما في ذلك مهابط الطائرات وحظائر الطائرات ومرافق الإمداد. وتعول إثيوبيا حاليًّا على تكرار السيناريو “الإماراتي” في إريتريا في نسخة إثيوبية، لا سيما أن الحكومة الإريترية لم تُصوِّر “وجود الإمارات العربية المتحدة على أنه انتهاك للسيادة أو مشكلة مستوردة، بل نُظِرَ إليه على أنه شراكة إستراتيجية”، ورأى محللون إثيوبيون أن خطاب أسمرا الرسمي “لم يتغير إلا بعد أن قلّصت الإمارات عملياتها في اليمن وبدأت الانسحاب من عصب”، وهو ما ينقض ادعاءات أسمرا بتأكيدها “خطاب السيادة والاستقلال الإقليمي” كمرتكز ثابت في سياساتها الخارجية، بل إنه انتقائي حسب حجم المصالح المترتبة على عدم الالتزام بهذا المبدأ([6])؛ لذلك يُمكن، بحسب هؤلاء المحللين الذين يتجاهلون ذكر دور إريتريا في حرب التيجراي لصالح أديس أبابا، تفسير موقف إريتريا ليس على أنه رفضٌ لجميع التدخلات العسكرية الأجنبية، بل كمعارضة انتقائية تُشكّلها السياقات والنفوذ والتوقيت([7]).
وتشير مراقبة سلوك رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد منذ وصوله للسلطة إلى احتمالات حقيقية لوقوع حرب بين بلده وإريتريا على خلفية طموحه الشخصي لاستعادة إطلالة “إثيوبيا الإمبراطورية” على البحر الأحمر، وهو ما عززته تصريحاته منذ افتتاح سد النهضة رسميًّا قبل أسابيع، معتبرًا أن الاستيلاء على ميناء عصب الإريتري “مسألة وقت”، وأن الأمر برُمّته “تصويبًا لخطأ تاريخي”، بحسب نص كلامه، كما عزّز تصريحاته مسؤولون عسكريون في جيش البلاد مِن قبيل أن إثيوبيا بسكانها الذين يتجاوز عددهم 130 مليون نسمة لها الحق في نَيْل ما تريد من إريتريا التي لا يتجاوز سكانها 2 مليون نسمة. كما أكد محللون أن توجهات “آبي أحمد” للوصول إلى البحر الأحمر تستهدف، تكتيكيًّا، صرف الانتباه عن أزمات بلاده الداخلية([8]).
لكنّ مراجعة تجربة سد النهضة والمراوغات الماراثونية في المحادثات مع مصر، ثم إعلان أديس أبابا انتصارها التاريخي في هذا المسار يكشف عن عمق جدية التهديدات الإثيوبية، وليس كونها مجرد تكتيكات، أو على أقل تقدير أن هذه التكتيكات عتبة أُولى لإستراتيجية التوسُّع الإثيوبي نحو البحر الأحمر، واستمرار رهان أديس أبابا على الاستفادة من التناقضات الإقليمية القائمة في دوائر الشرق الأوسط والبحر الأحمر والقرن الإفريقي.
……………………………………………….
[1] Countries in Africa With the Longest Coastlines, World Atlas https://www.worldatlas.com/articles/countries-in-africa-with-the-longest-coastlines.html
[2] Eritrea Economic Outlook https://www.afdb.org/en/countries/east-africa/eritrea/eritrea-economic-outlook
[3] Ibid.
[4] Suleiman Dedefo, Horn of Africa: Egypt’s ‘strategic balance’ disguises regional ambitions, The Africa Report, December 2, 2025 https://www.theafricareport.com/400816/horn-of-africa-egypts-strategic-balance-disguises-regional-ambitions/?w
[5] Ibid
[6] Yonas Yizezew, Foreign Military Presence and Eritrea’s Calculus in the Red Sea, The Horn Review, November 6, 2025 https://hornreview.org/2025/11/06/foreign-military-presence-and-eritreas-calculus-in-the-red-sea/
[7] Abel Tewodros, Abiy Ahmed’s War for the Red Sea: The Horn of Africa on the Brink of Catastrophe, Borkena, December 14, 2025 https://borkena.com/2025/12/14/ethiopia-abiy-ahmeds-war-for-the-red-sea-the-horn-of-africa-on-the-brink-of-catastrophe/
[8] Ibid











































