مَثَّلَ فشل محاولة الانقلاب التي شهدتها بنين في السابع من ديسمبر الجاري نقطة تحوُّل جديدة نوعًا ما في مسار موجة الانقلابات في القارة الإفريقية، ويرجع ذلك إلى ضلوع دولة جوار (وهي نيجيريا) في كَبْح الانقلاب وإفشاله، على نحوٍ يُمثّل ضربةً استباقيةً ونموذجًا مغايرًا لديناميات العمل الجماعي الإقليمي في غرب إفريقيا أو في مناطق أخرى من القارة.
لكنّ قراءة أعمق للصلة التاريخية بين نيجيريا وبنين، وحكم ارتباطات الجوار الجغرافي، تكشف عن أُسس هذا التدخل المحكومة بالاعتبارات التي يجب ألا تُغْفَل، ومِن ثَم قراءة فشل الانقلاب في سياقات إقليمية ودولية تتجاوز حدود دولة بنين.
فشل الانقلاب في بنين: ما القصة؟
بادرت مجموعة من الجنود في الجيش البنيني صباح الأحد 7 ديسمبر الجاري بالإعلان، عبر ظهور مثير للتساؤل على شاشات التليفزيون الرسمي، عن حل الحكومة فيما بدا إعلانًا ضمنيًّا عن انقلاب على نظام الرئيس باتريس تالون، لا سيما أن المجموعة أطلقت على نفسها اسم “اللجنة العسكرية لإعادة التأسيس”([1]).
لكن الأمور سارت في مسار مغاير لموجة الانقلابات التي تشهدها منطقة غرب إفريقيا (وآخرها قبل أقل من شهر في غينيا بيساو)؛ إذ بادرت قوات من الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا- إيكواس بالانتشار في البلاد، وتمثلت في قوات من نيجيريا تدعمها أخرى من غانا وساحل العاج وسيراليون بحسب بيان للرئيس تالون في وقتٍ لاحق. فيما أشارت السلطات في بنين إلى بقاء تلك القوات، وأخرى متوقع إرسالها في الساعات المقبلة، في بنين لدعم الحكومة وجيش بنين الجمهوري في مساعي الحفاظ على النظام الدستوري وسلامة جمهورية بنين الإقليمية([2]).
ووردت تقارير عن هبوط ثلاثة طائرات عسكرية نيجيرية في بنين ثم عودتها إلى نيجيريا بعد الإعلان عن فشل الانقلاب، وأكَّد الناطق باسم رئيس نيجيريا هذه التقارير أمس، وأن مهمة الطائرات الثلاث كانت “للمساعدة في إجلاء المخططين للانقلاب من مقر التليفزيون الوطني وتفكيك المعسكر الذي كانوا قد تجمعوا فيه قبل الإعلان”([3])؛ وخرج الرئيس تالون ليعلن أن الوضع “تحت السيطرة الكاملة” بعد تمكُّن قوات الأمن من وضع نهاية لمحاولة الانقلاب التي قام بها جنود أقدموا على مهاجمة مؤسسات الدولة. وأوردت صحيفة الجارديان البريطانية تأكيدات بأن مجموعة إيكواس أصدرت على الفور أوامر بنشر عناصر من قوة الاستعداد الخاصة بها في بنين([4]).
وجاءت محاولة الانقلاب قبل شهور من موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في الدولة الغرب إفريقية في العام المقبل (أول أبريل 2026م)؛ الأمر الذي يثير تساؤلات حول هذا التوقيت، ومن هذه التساؤلات هل المحاولة كانت موجهة فعلًا ضد نظام الرئيس تالون؟ وفي ضوء السهولة التي تم بها القضاء على المحاولة ما هي جدية المحاولة؟ وهل تسهم المحاولة في المحصلة في تعزيز فرص تالون في الفوز في الانتخابات المقبلة بفترة رئاسة ثالثة، وتفادي أيّ ضغوط شعبية ضد إعادة انتخابه؟
لكنّ الإجابة عن هذه التساؤلات مسألة صعبة للغاية، لا سيما عند وضعها مع تساؤلات حول طبيعة الاهتمام النيجيري اللحظي بالمحاولة والعمل على إفشالها، وما أثاره مراقبون محليون في المنطقة من ترجيحهم قيام فرنسا بالتدخل بغطاء إيكواس، مما يؤشر إلى بداية عودة فرنسية جادة للعمل في المنطقة بشكل أكثر جدية وحسمًا، وبتعاون مع كبرى دول الإقليم: نيجيريا.
بنين ونيجيريا: ارتباط دائم
كانت بنين (أو داهومي سابقًا) نقطة انطلاق ما عُرفت بموجة التحوُّل الديمقراطي في إفريقيا منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وسقوط سِلْمي لنظام الرئيس ماثيو كيريكو (الذي تبنى الماركسية العلمية بحسب أدبياته) في العام 1989م، لتعقبه تجربة تحول ديمقراطي بداية من تكون جمعية وطنية لوضع خرائط طريق لهذا التحول ووصولًا لإجراء انتخابات رئاسية تعددية “نزيهة”، وهي التجربة التي تلتها تجارب في عشرات الدول الإفريقية، وعلى خلفية تداعي النظام العالمي بطابعه الثنائي التقليدي مع سقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه في نفس الفترة تقريبًا.
لكن اللافت هنا أن تحولات بنين وسقوط نظام كيريكو ارتبط بالأساس –على الأقل في بدايات هذا التداعي- بالأزمة في نيجيريا المجاورة، والتي أخذت في الحدة منذ العام 1984م؛ فقد شهدت نيجيريا أزمة اقتصادية بترولية، ألقت بتبعاتها على الاقتصاد البنيني الذي كان يقوم (وهو زراعي بالأساس) على التجارة مع نييجريا، مع إقدام الرئيس النيجيري الأسبق محمد بخاري بإعلان غلق حدود بلاده مع بنين، وما ترتب عليه من منع تدفق الصادرات البنينية (رسميًّا وغير رسمي) إلى نيجيريا؛ مع ملاحظة أن هذا القرار سبق توقيع نيجيريا مع بنين (وكل من غانا وتوجو) بروتوكولًا أمنيًّا مكملًا في ديسمبر من العام نفسه([5]).
وكان لهذا القرار تبعات كارثية على بنين التي جمَّدت حكومتها إثر هذا القرار العديد من المعاملات المالية، وأغلقت المصارف الوطنية وصولًا لتجميد جميع الحسابات المصرفية، ووقف رواتب موظفي الخدمة المدنية، وصولًا إلى مرحلة إفلاس الدولة عمليًّا، وتصاعد حالة السخط الشعبي ضد نظام كيريكو، وضاعف من هذا الغضب تفشي الفساد والمحسوبية في دوائر واسعة سواء في الحزب الحاكم (الحزب الثوري الشعبي) وحكومته.
ولم تتوقَّف الصلات بين بنين ونيجيريا بعد التحول الديمقراطي في الأولى، لا سيما أن عامل الجغرافيا (تقع بنين غرب نيجيريا مباشرة، وتمثل حدودها مع نيجيريا الحدود الأطول، تليها حدود بنين مع توجو في الغرب وبوركينا فاسو في الشمال الغربي، والنيجر في الشمال، كما يقترب المركز الحضري الرئيس في بنين، أي العاصمة بورتو نوفو، من عاصمة نيجيريا لاجوس بشكل ملحوظ)، ظل حاكمًا لهذه الصلات وتوجه الاقتصاد البنيني نحو الاعتماد على السوق النيجيرية بالأساس.
وهكذا فإن الارتباط “التاريخي” بين بنين ونيجيريا يستمر في التأثير القوي على العلاقات بين البلدين وجهود أبوجا تحديدًا للحفاظ على استقرار نظام تالون في بنين في ضوء المصالح المتعاظمة بين البلدين، وكذلك حجم التهديدات المشتركة التي تواجههما معًا لا سيما التهديدات الإرهابية. لكنّ المفارقة هنا تكمن في تقلبات “دعم الديمقراطية”، والانتقال إلى مرحلة حماية مصالح التخادم الإقليمية والدولية بشكل مباشر، وربما حماية الفساد الذي يستشري في دوائر نظام الحكم في البلدين الإفريقيين بشكل لافت للغاية، وتحت لافتة مواجهة الانقلاب الذي لم تظهر دلائل جديته وكذلك غياب حاضنة واضحة له.
تدخل فرنسي من بوابة نيجيريا؟
خرجت تقارير إعلامية في منتصف العام الماضي (2024م)، تؤكد استضافة بنين لقاعدة عسكرية فرنسية “بشكل سري”، وعلى نحوٍ يتناقض مع ما أعلنته السلطات في بنين رسميًّا من عدم وجود مثل هذه القواعد. وردًّا على هذه التقارير أكَّد مسؤولون بنينيون وقتها أن هذه التقارير عارية من الصحة، وأن الوجود الفرنسي يقتصر على عدد من الخبراء الذين يساعدون قوات الأمن في بنين على تعقب الجماعات المسلحة”([6]).
لكن متابعة أوثق بمسار الارتباط البنيني الفرنسي، حتى بعد موجة الانقلابات التي ضربت إقليم الساحل وخروج فرنسا الكبير من الإقليم؛ كانت تعزز هذه التقارير باعتبار الوجود العسكري الفرنسي في بنين مسألة حاسمة في بقاء نظام الرئيس باتريس تالون، وهو أحد أبرز رجال الأعمال في إفريقيا الناطقة بالفرنسية (صنَّفته مجلة فوربس منذ عقد كامل بأنه في المرتبة 15 في قائمة أغنى رجال الأعمال في إفريقيا جنوب الصحراء)([7])، بحجم ثروة يتجاوز 400 مليون دولار، وتتركز أنشطته في تصدير القطن والقطاع المصرفي (الذي تهيمن عليه فرنسا بشكل كامل) وامتيازات الموانئ. وبحسب هذه الصورة فإن مصالح فرنسا في بنين تُرجّح وجودًا عسكريًّا فرنسيًّا حاسمًا في هذه الدولة الإفريقية (التي لا يتجاوز عدد سكانها 15 مليون نسمة)؛ لحماية نظام تالون عشية الانتخابات الرئاسية المقررة في العام المقبل.
وفي المقابل، جاء إعلان السلطات البنينية والنيجيرية معًا عن تدخُّل قوات نيجيرية (بناء على طلب تالون)؛ لإفشال محاولة الانقلاب الأخيرة ليثير تساؤلًا بديهيًّا عن دور فرنسا في تسهيل التدخل النيجيري، أو على الأقل تنسيق العمل مع القوات النيجيرية داخل أراضي بنين في الساعات الأخيرة، وهو تنسيق يبدو منطقيًّا للغاية في ضوء اعتبارات السرعة والدقة والمواقف الدبلوماسية الفرنسية والنيجيرية المتقاربة في الشهور الأخيرة، والتي شملت إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (7 ديسمبر)([8]) عن عزم بلاده تلبية طلبات أبوجا بمزيد من الأسلحة الفرنسية الهامة لمساعدة نيجيريا في مواجهة التهديدات الأمنية والإرهابية، ومن بينها القادمة من جهة شمالي بنين والحدود مع النيجر.
ماذا بعد؟
يُرجّح أن تُسفر المحاولة الانقلابية عن فوز سهل للحزب الحاكم الذي يرئسه تالون في الانتخابات المقبلة، لا سيما أنه حقَّق –منذ وصوله للسلطة في العام 2016م- نجاحًا اقتصاديًّا مهمًّا؛ إذ أطلقت الحكومة البنينية منذ العام 2016م برنامجًا تحديثيًا شاملًا ضمن خطة التنمية الوطنية للفترة 2016 -2021م، وبدعم وفرته استثمارات بلغت 9.39 بليون فرنك إفريقي. وقد جمع هذا البرنامج الأول بين الإصلاحات الهيكلية ومشاريع البنية التحتية الكبرى والسياسات الاجتماعية المستهدفة ضمن إطار مؤسسي مُبسّط بعناية.
في عام 2021م، واصلت خطة التنمية الوطنية الثانية، الأكثر طموحًا، والتي بلغت قيمتها 12.11 بليون فرنك إفريقي، وأسهم كل ذلك في تعزيز أُسُس الاقتصاد الكلي وتسريع وتيرة تحول النسيج الإنتاجي الوطني.
بين عامي 2016، و2024م، ارتفع نمو الناتج المحلي الإجمالي من 3.3% إلى 7.5%، مما عكس توسعًا اقتصاديًّا مستدامًا على الرغم من الصدمات الخارجية الكبرى، لا سيما جائحة كوفيد-19، التي حافظت خلالها البلاد على نموّ إيجابي بنسبة 3.8% تم احتواء التضخم، المتقلب تاريخيًّا، عند 2.2% في عام 2024م، بينما لا يزال الدين العام، المتوقع أن يبلغ 52.4% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الحالي 2025م، أقل بكثير من الحد الأدنى الإقليمي البالغ 70%. ومن المتوقع أن ينخفض عجز الموازنة، الذي بلغ 6% في عام 2015م، إلى 2.9% في عام 2025م، وفقًا للتوقعات الرسمية، وهو ما يُشير إلى ضبط مالي تدريجي ومطرد([9]).
ومن المتوقع أن يعمل حزب تالون -حال إعادة انتخابه- على تعميق نجاحه، وبمساعدة من شركاء دوليين في مقدمتهم فرنسا ورواندا ونيجيريا؛ الأمر الذي يبرز الوضع الفريد الذي يمكن وضع محاولة الانقلاب الأخيرة في سياقه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش
[1] Benin’s president condemns foiled coup bid, says mutineers ‘fleeing’, CNN, December 7, 2025 https://edition.cnn.com/2025/12/07/africa/benin-soldiers-announce-apparent-coup-intl
[2] Benin: ECOWAS troops deployed after failed coup attempt, DW, December 7, 2025 https://www.dw.com/en/benin-ecowas-troops-deployed-after-failed-coup-attempt/a-75050722
[3] Paul Njie, Benin coup thwarted by loyalist troops, president tells nation, BBC, December 7, 2025 https://www.bbc.com/news/articles/c62v7n9wzkyo
[4] Troops and warplanes deployed in Benin after ‘failed coup attempt’, The Guardian, December 7, 2025 https://www.theguardian.com/world/2025/dec/07/troops-and-warplanes-deployed-in-benin-after-failed-coup-attempt
[5] Amuwo, Kunle, Nigeria’s Foreign Policy Before Buhari: Global Expectations amid Domistic and Regional Challenges, Occasional Paper 245, South African Institute of International Affairs (November, 2016), p. 22
[6] Witness Unveils France’s Discreet Military Base in Benin, DTurDef. June 2, 2024 https://turdef.com/article/witness-unveils-france-s-discreet-military-base-in-benin
[7] David Zuber, Patrice Talon (1958- ), Black Past, March 8, 2022 https://blackpast.org/global-african-history/patrice-talon-1958/
[8] Nigeria turns to France for help to combat insecurity – Macron, Business Insider Africa. December 8, 2025 https://africa.businessinsider.com/local/lifestyle/nigeria-turns-to-france-for-help-to-combat-insecurity-macron/c267lcn#google_vignette











































