أجرى موقع دير شبيجل “Der Spiegel” الألماني حوارًا حصريًّا مع بروفيسور دكتور “ماتياس بازيداو”/ Matthias Basedau”، مدير معهد جيجا للدراسات الإفريقية في هامبورج وأستاذ في جامعة هامبورج، والذي تتركز أبحاثه على تغيير الأنظمة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بهدف استقراء آرائه حول الانقلاب الذي وقع مؤخرًا في غينيا بيساو؛ حيث أطاح الجيش بالرئيس “عمر سيسوكو إمبالو”، على شاكلة ما يحدث مؤخرًا في دول إفريقية أخرى، بينما يشرح عالم السياسة “ماتياس بازيداو” متى يُدبّر العسكريون الانقلابات، ولماذا تُعدّ هذه الحالة في “غينيا بيساو” استثنائية.
أجرى الحوار: مورييل كاليش
ترجمة: شيرين ماهر
ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
كان من المفترض إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في غينيا بيساو، وهي دولة ساحلية صغيرة في غرب إفريقيا، يوم الخميس الماضي. إلا أن الجيش أعلن خلع الرئيس “عمر سيسوكو إمبالو”، مُعلنًا استيلاءه على السلطة. وزعم الجيش أنه تلقَّى أدلة على وجود تلاعُب بالانتخابات.
صرح “إمبالو”، الذي تولَّى السلطة لمدة خمس سنوات، في مقابلتين مع وسائل إعلام فرنسية أن الجيش يحتجزه في القصر الرئاسي، وهي خطوة غير مألوفة؛ إذ لا يسمح الجيش عادةً لرئيس قيد الاعتقال بالتحدُّث إلى وسائل إعلام أجنبية. رسميًّا، يتولى الجنرال “هورتا نتام” زمام الأمور الآن.
شهدت العديد من الدول الإفريقية انقلابات عسكرية في الماضي، ولكن بالمقارنة مع العقود السابقة، ازداد عددها مجددًا منذ عام ٢٠٢٠م. بما في ذلك حالة غينيا بيساو، شهدت البلاد الإفريقية بالفعل أحد عشر انقلابًا عسكريًّا ناجحًا؛ في العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين، وكان عددها أقل بكثير من ذلك.
في هذا الحوار، يشرح “ماتياس بازيداو”، الأستاذ بجامعة هامبورج، أسباب ارتفاع عدد الانقلابات.
وجاء نص الحوار كالتالي:
دكتور “بازيداو”… في نهاية الأسبوع الماضي، استولى الجيش على السلطة في غينيا بيساو، وهي دولة صغيرة تقع في غرب إفريقيا. يقول المحللون الآن: إن هذا الانقلاب ربما لم يكن انقلابًا حقيقيًّا. لماذا في رأيك يدور هذا التكهُّن؟
حتى الآن، الوضع غير واضح تمامًا. كانت الانتخابات قد أُجريت في غينيا بيساو قبل ذلك بوقت قصير، ورغم عدم صدور نتائج رسمية بعدُ، يبدو أن الرئيس المخلوع “عمر سيسوكو إمبالو” قد خسر، فيما تتهم المعارضة الحكومة بتدبير انقلاب ليتمكن “إمبالو” من مواصلة الحكم من منفاه.
تُعدّ غينيا بيساو من أكثر الدول اضطرابًا في إفريقيا. فمنذ تأسيسها، شهدت تسع محاولات انقلابية، منها انقلاب ناجح، بما في ذلك الانقلاب الحالي. ومع ذلك، شهدت دول أخرى في القارة عددًا ملحوظًا من الانقلابات العسكرية في السنوات الأخيرة. ما الأسباب التي تؤدي إلى ذلك؟
تختلف أسباب الانقلابات باختلاف البلد التي تقع فيه. فمنذ أوائل عشرينيات القرن الماضي، شهدت المنطقة العديد من الانقلابات الناجحة، لا سيما في منطقة الساحل، وهي سلسلة دول تقع جنوب الصحراء الكبرى. أما في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، فيعود ذلك، في المقام الأول، إلى الوضع الأمني، والجماعات المسلحة، والتوترات العرقية. كما لعب الوضع الاقتصادي المتردّي دورًا في ذلك. علاوة على ذلك، هناك معايير تنطبق على معظم الدول التي تشهد انقلابات.
أيّ منها؟
لا ينشأ الانقلاب من العدم؛ بل تسبقه عادةً أزمات سياسية، أزمات أمنية كما في منطقة الساحل، وصراعات على السلطة داخل الحكومة يتدخل فيها الجيش. أو كما هو الحال الآن في غينيا بيساو، للحفاظ على هيكل السلطة القائم.
النقطة الثانية هي أن الانقلابات تَحْدُث غالبًا حيثما يكون للجيش تقليدٌ في التصرف كقوة سياسية. كما هو الحال في العديد من الدول الإفريقية، وخاصة في غرب إفريقيا.
النقطة الثالثة هي: أن الانقلابات تُولّد انقلابات أخرى. فإذا حدث انقلاب بالفعل، تكون احتمالية حدوث انقلاب آخر أعلى بكثير. ثم تُطيح فصائل أخرى داخل الجيش بالحكومة الحالية. رأينا هذا، على سبيل المثال، في بوركينا فاسو ومالي عام ٢٠٢٢م.
وللانقلابات العسكرية تأثيرٌ أيضًا في دول أخرى. فإذا رأيت أنها تنجح، وأنها ممكنة، تدرك الجيوش في دول أخرى أيضًا أنها ممكنة. وهكذا تضعف القاعدة المناهضة للانقلابات وتصبح أكثر هشاشة.
ما دلالة ذلك؟
يعني ذلك أن التغييرات غير الدستورية في السلطة تُرفض في الاتحاد الإفريقي، وتؤدي إلى تعليق العضوية. لكن السؤال هو: هل يقتصر الأمر على الاحتجاج أم يُتَّخذ إجراء؟ دأبت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) على تعليق عضوية الدول، مما دفَع قادة الانقلاب، حتى الآن، إلى الإعلان السريع عن انتخابات. وعقب الانقلاب في النيجر في يوليو 2023م، هددت المجموعة بالتدخل عسكريًّا إذا لزم الأمر، لكن هذا التهديد لم يُنفَّذ قط. لم تُجْرَ انتخابات في النيجر أو بوركينا فاسو أو مالي. علاوة على ذلك، يُعدّ الوضع الجيوسياسي مُواتيًا لقادة الانقلاب، مما يعني أنه يمكنهم بسهولة توقُّع الدعم الخارجي.
هل تقصد روسيا؟
هناك العديد من الجهات الفاعلة التي لا تعترض على الانقلابات. روسيا بطبيعة الحال بمنزلة أول ما يتبادر إلى ذهننا، ولكن هناك أيضًا جهات فاعلة أخرى مثل الصين وتركيا، التي تسعى لترسيخ وتوسيع نفوذها. هذا الوضع التنافسي يدفع الدول الأوروبية إلى أن تكون أكثر تقبلًا للانقلابات.
ما هو التأثير الذي لا تزال تملكه أوروبا على الحكومات الإفريقية؟ عند السفر عبر القارة، يتولد لدى المرء انطباع بأن الصينيين والأتراك منتشرون في كل مكان، بينما أوروبا غائبة وتترك فراغًا بشكل ملحوظ.
أصبح لدى الحكومات الإفريقية الآن نطاق أوسع بكثير من الشركاء للاختيار والمفاضلة بينهم. وهذا أمر جيد، لأننا غالبًا ما نتحدث عن علاقات قائمة على المساواة. إن وجود خيارات أوسع عند اختيار الشركاء يُسهّل كثيرًا ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص. غالبًا ما يربط الأوروبيون التعاون بشروط تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو أمر تجده بعض الحكومات غير مريح. نظرًا لماضيهم الاستعماري، يُنظَر إلى الأوروبيين، للوهلة الأولى، على أنهم أبويون أو مستعمرون جدد. ومع ذلك، لم تتعاون فرنسا وحكومات أوروبية أخرى مع الحكومات الديمقراطية فحسب في الماضي. ويتعين على أوروبا أن تتقبل أنها الآن مجرد طرف واحد من بين العديد من الأطراف الفاعلة. وعلينا أن نفكر فيما إذا كان بإمكاننا تقديم صفقات أفضل، وما إذا كنا مستعدين لتعديل قِيَمنا لتحقيق ذلك.
الرئيس المؤقّت لبوركينا فاسو، الضابط العسكري إبراهيم تراوري، نجمٌ لامعٌ بين الشباب الإفريقي، يتجاوز حدود ونطاق بوركينا فاسو. بالنسبة للكثيرين، يُمثّل تراوري نقيضًا للحكومات الديمقراطية المزعومة في بلدانهم، التي يرونها خاملة وفاسدة. هل هناك ثمة تطلُع لـ”رجلٍ قوي”؟
في العديد من البلدان، يسود استياءٌ واسع النطاق من الوضع الاقتصادي والطبقة السياسية. وهذا، بالطبع، أحد أسباب رغبة الناس في التغيير. لذلك تحظى الحكومات العسكرية بشعبية واسعة، على الأقل في البداية. لكن التاريخ يُظْهِر أن معظمها يُخْفِق في حلّ المشكلات. حتى في منطقة الساحل، لقد تدهور الوضع الأمني بدلًا من أن يتحسَّن.
هل هناك أيّ أمثلة إيجابية لحكومات عسكرية بادرت بالتغيير الذي طال انتظاره؟
في غانا، نفّذ “جيري رولينجز” عدة انقلابات، ثم أطلق فعليًا عمليات تحول اقتصادي. ورغم أن كل شيء ليس مثاليًّا، إلا أن غانا اليوم في وضع جيد نسبيًّا. بالطبع، يعتمد الأمر دائمًا على مدى كفاءة الحكومة. لكنني لا أظن أن الاعتقاد بأفضلية الحكومات العسكرية بطبيعتها في هذا المجال صحيحة. ففي النهاية، يكمن الحل في تلبية رغبات واحتياجات الشعب.
هل تتوقعون المزيد من الانقلابات خلال الأشهر والسنوات القادمة؟
التنبؤات صعبة. ولكن كما ذكرتُ، الحكومات العسكرية دائمًا ما تكون عُرضةً لانقلابات جديدة. لذلك، لا أستبعد حدوث انقلابات في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، تمامًا كما لا أستبعد احتمال حدوثها في الدول الأخرى التي شهدت انقلابات مؤخرًا. علاوة على ذلك، علينا أن نأخذ في الاعتبار مواطن الأزمات والمجالات التي لعب فيها الجيش دورًا بارزًا. بشكل عام، أعتقد أننا سنشهد المزيد من الانقلابات في الفترات القادمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط الحوار:











































