تواصل الصين تسجيل قفزة تاريخية في صادراتها إلى القارة الإفريقية، في وقت تُلقي فيه التوترات التجارية مع الولايات المتحدة بظلالها الثقيلة على المبيعات الصينية المتجهة إلى الأسواق الأميركية. وعلى النقيض من ذلك، تشهد إفريقيا ديناميكية معاكسة تُوصف بأنها “شبه مذهلة”، جعلتها بحلول عام 2025 أسرع محركات نمو الصادرات الصينية، في تحول يعيد رسم جزء من خريطة التجارة العالمية.
فقد عززت بكين خلال عام 2025 توجّهها نحو إفريقيا بشكل لافت، رغم أنها تعدّ بالفعل أحد أبرز شركائها الاقتصاديين. ويعود جزء من هذا التوسع إلى الزخم الذي اكتسبته العلاقات خلال فعاليات منتدى التعاون الصيني الإفريقي (فوكاك) الذي استضافته بكين في 5 سبتمبر 2024 بحضور الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظرائه الأفارقة.
ووفقًا لأحدث بيانات الجمارك الصينية، ارتفعت الصادرات إلى إفريقيا بنسبة 25.9% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، بعدما باعت بكين سلعًا بقيمة 122 مليار دولار—وهو رقم يفوق ما سجلته في عام 2020 بأكمله—مع توقعات بتجاوز 200 مليار دولار بحلول نهاية 2025. اللافت أن إفريقيا ساهمت بربع الزيادة الإجمالية في الصادرات الصينية منذ بداية العام، مقارنة بنسبة 0.2% فقط في عام 2024، ما يحولها من مجرد هامش إحصائي إلى محرك بنيوي.
وتعكس هيكلة الطلب الإفريقي حاجة القارة إلى معدات بناء وإنتاج ونقل وطاقة، مع ارتباط النمو بعدة قطاعات رئيسية تشكل 55% من الواردات الإفريقية من الصين، أبرزها: الآلات والمعدات الثقيلة، المعدات الكهربائية، السيارات، السفن، ومنتجات الصلب والمعادن. وتمثل هذه القطاعات 75% من نمو الصادرات الصينية خلال 2025.
وشهد قطاع البناء تحديدًا طفرة غير مسبوقة، حيث وقّعت دول إفريقية عقودًا مع شركات صينية بقيمة 30.5 مليار دولار في النصف الأول من العام، بزيادة خمسة أضعاف عن العام الماضي. وارتفعت صادرات آلات البناء بنسبة 63%، فيما سجّلت صادرات الصلب نموًا ثنائي الرقم.
كما أسهم التحول السريع في قطاع الطاقة في تعزيز الطلب على المعدات الصينية؛ إذ زادت واردات الألواح الشمسية بنسبة 60%، وحققت بطاريات أيونات الليثيوم نموًا ثنائي الرقم، بينما ارتفعت صادرات معدات التحويل الكهربائي بنسبة 25%. وبذلك تكرّس الصين موقعها كمورد رئيسي لقارة لا تزال تعتمد على الديزل، لكنها تتطلع إلى حلول سريعة ومنخفضة التكلفة لتنويع مصادر الطاقة.
ويُعزى جزء معتبر من هذا الزخم إلى التحولات الجيوسياسية العالمية، إذ يدفع تراشق الرسوم الجمركية بين واشنطن وبكين الشركات الصينية إلى البحث عن أسواق أقل عرضة للتوترات، وتُعد إفريقيا في هذا السياق خيارًا مثاليًا. وترافق ذلك مع حزمة من التسهيلات الصينية، تشمل إعفاءات جمركية كاملة لـ 53 دولة إفريقية، وتسريع فتح أسواقها الزراعية أمام 19 دولة، فضلًا عن اتفاقيات تبادل تسمح بتوسيع استخدام اليوان في التجارة الثنائية.
وتتبنى الصين في إفريقيا سياسة تجارية تعزّز نفوذها الجيوسياسي، بالتوازي مع تخفيف الأعباء على صادراتها، لكن هذا النمو المتسارع لا يخلو من التحديات. إذ تتفاوت المكاسب بين دول القارة؛ فجنوب إفريقيا—أكبر اقتصاد إفريقي—سجلت زيادة محدودة قدرها 3.8% فقط بسبب أزمات الطاقة والبطالة التي أثّرت في الطلب المحلي.
كما أثرت الرسوم الأميركية المفروضة على بعض الصادرات الإفريقية في قدرة تلك الدول على الاستيراد، عبر تقليص عائداتها الخارجية. ويضاف إلى ذلك تنامي اعتماد القارة على الواردات الصينية، في ظل استمرار نموذج قائم على تصدير المواد الخام مقابل استيراد السلع المصنعة، مما ينذر بتعميق اختلالات تجارية تُوصف بأنها “هيكلية” ويصعب تصحيحها على المدى الطويل.
ولا يقتصر الدور الصيني في إفريقيا على تصدير السلع، بل يمتد ليشمل أنظمة متكاملة تجمع بين التمويل والهندسة والبناء والمعايير والمعدات، في إطار ما يُعتبر اختبارًا لنموذج التنمية الصيني القابل للتصدير، القائم على الأسعار المنخفضة والتنفيذ السريع والدعم الحكومي.
وتشير الاتجاهات الحالية إلى أن إفريقيا ستظل إحدى أهم ساحات توسع التجارة الخارجية الصينية، ما لم تطرأ اضطرابات سياسية كبرى.











































