مقدمة:
من المتوقع أن يُحقّق تزايد التجارة البينية بين الدول الإفريقية فوائد جمَّة، بما في ذلك المساهمة في تعزيز النمو الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، وتحقيق الأمن الغذائي، ومن الفوائد المحتملة الأخرى: مساهمتها في الاستدامة البيئية والاستخدام الفعَّال للموارد الطبيعية النادرة.
وتُعدّ آثار التجارة على البيئة مُعقَّدة. على الرغم من أن التجارة تستنزف الموارد وتُسهم في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، إلا أنها قد تُسهم أيضًا في الاستخدام المُستدام للموارد إذا أتاحت للدول التخصص في أنماط الإنتاج وفقًا لمواردها ومزاياها النسبية.
وفي سياق تقلبات المناخ ونُدرة المياه، يُمكن للتجارة أن تُساعد في تقليل الآثار السلبية من خلال نقل السلع من المناطق ذات وفرة المياه إلى المناطق التي تُعاني من ندرة المياه.
ولتقييم مساهمة هذه التجارة في الاستدامة، نلقي نظرة فاحصة على إمكاناتها في مُعالجة قضايا ندرة المياه والمساهمة في الاستخدام لها. من خلال تناول تجارة المياه الافتراضية؛ حيث تُقاس التجارة عادةً من حيث القيمة، ولكنّ القيمة النقدية للمُنتَج لا تعكس دائمًا الموارد المُستخدمة في إنتاجه.
وتعكس تدفقات التجارة، المُعبَّر عنها بتجارة المياه الافتراضية، كلًّا من الاحتياجات المائية المُحدَّدة للمنتجات والمحاصيل المختلفة، وتفاوت غلتها المُحصَّلة في مختلف البلدان.
إن دراسة التجارة البينية الإفريقية من حيث المياه الافتراضية، وتحديد تأثير موارد البلدان ومستويات إنتاجيتها المائية على تجارة المياه الافتراضية، يُساعد على تقييم مساهمة التجارة البينية الإفريقية في معالجة شحّ المياه ونُدرتها، والمساهمة في زيادة كفاءة استخدام المياه. وهو ما سوف نتناوله في المحاور التالية:
- أولًا: تجارة المياه الافتراضية والمصطلحات المرتبطة بها.
- ثانيًا: تجارة المياه الافتراضية.. الفوائد والانتقادات.
- ثالثًا: التحديات المائية في إفريقيا جنوب الصحراء.
- رابعًا: تجارة المياه الافتراضية بين البلدان الإفريقية.
- خامسًا: محددات التجارة الثنائية الإفريقية في المياه الافتراضية.
أولًا: تجارة المياه الافتراضية والمصطلحات المرتبطة بها
المياه الافتراضية The virtual water content (VWC):
مصطلح صاغه T.Allan في تسعينيات القرن الماضي للنظر في موارد المياه المضمّنة في السلع الغذائية المتداولة.
يختلف هذا المصطلح عن أيّ كمية مادية من المياه قد تحتويها السلع الغذائية، مثل المحتوى المائي المادي لحبة طماطم. والمحتوى المائي الافتراضي لمحصول غذائي هو كمية المياه التي استهلكها المحصول خلال فترة نموّه، أي: جميع إمدادات الأمطار والري التي استهلكها المحصول. وقد استُخدمت مصطلحات أخرى للإشارة إلى استهلاك المياه المرتبط بالسلع الغذائية، مثل “البصمة المائية” أو “المياه المضمنة” التي تُعادل “المحتوى المائي الافتراضي” للمنتج.([1])
جدول (1) قِيَم المياه الافتراضية لبعض المنتجات الغذائية

Source: https://www.sciencedirect.com/journal/agricultural-water-management
توجد مجموعة من المصطلحات المترادفة للمياه الافتراضية التي يستعملها الأكاديميون في بحوثهم؛ أهمها: المياه المدمجة، المياه التقديرية، المياه غير المرئية، المياه الخفية. وتسمى أيضًا بالمياه المطمورة (embedded water)، وتسمى أحيانًا بالمياه خارجية المنشأ (exogenous water) والتي تعكس حقيقة ألا وهي استيراد المياه الافتراضية مِن قِبَل دولة ما تعني استعمالها لمياه خارجية المنشأ، وهذه المياه الخارجية تُضاف إلى المياه الداخلية (indigenous water) للدولة المستوردة، علمًا بأن المياه التي نعنيها هنا هي العذبة.([2])
تجارة المياه الافتراضية Virtual water trade (VWT):
تشير إلى عمليات تبادل المياه الافتراضية بين مناطق مختلفة، من خلال تبادل السلع المادية (مثل السلع الغذائية) التي تتطلب الماء لإنتاجها. طُرح هذا المفهوم لتسليط الضوء على الموارد المائية الخفية التي تستهلكها الدول التي تستورد الأغذية المنتجة في الخارج، وبالتالي تستورد فعليًّا بعض الموارد المائية لشركائها التجاريين. بمعنى آخر، يعتمد مستوردو الأغذية جزئيًّا على الموارد المائية المستخدَمة لإنتاج الغذاء في الدول الشريكة لهم. وبالمثل، استُخدم مفهوم البصمة الكربونية لتسليط الضوء على الدور المحوري للدول المستوردة للمنتجات الصناعية في انبعاثات غازات الدفيئة التي تحدث لدى شركائها التجاريين والمرتبطة بالإنتاج الصناعي.([3])
ميزان المياه الافتراضية والوفر المائي:
تتحدَّد مدى حاجة الدولة لاستيراد أو تصدير المياه عبر منظومة تجارة المياه الافتراضية من واقع الوفر المائي الذي تُحقّقه هذه الدولة في ميزان مياهها الافتراضية، وهذا يتشابه بدرجة كبيرة مع ميزان العجز والفائض التجاري؛ فعند زيادة نسبة ما يتم تصديره من مياه افتراضية على ما يجري استيراده تكون المُحصّلة لهذه الدولة تحقيق فائض في ميزانها من المياه الافتراضية، ومِن ثَمَّ يُعتبر ذلك إشارة دالة على الوفر المائي للدولة. إذن فمن النتائج الإيجابية المهمة التي تُسْفِر عنها تجارة المياه الافتراضية في الدول التي يتعين عليها استيراد المياه لتلبية العجز المائي هو تحقيق الوفر المائي عبر استيراد نسبة العجز مِن قِبَل دولة أخرى تتمتع بفائض أو وفرة مائية([4]).
وقد شهدت تجارة المياه تزايدًا يتناسب بمعدل أُسِّي مع تجارة الأغذية، فقد قُدِّر حجم تلك التجارة على المستوى العالمي عام 2000م بحوالي 1.34 بليون م3، أي ما يعادل ثلاثة أمثالها عام 1960م. وبلغ حجم هذه التجارة خلال الفترة (1997- 2001م) حوالي 987 كلم3 سنويًّا، وتحقق اليوم 250 مليار دولار، وكان من المتوقع أن تصل صفقات الاتجار بالمياه مبلغ 660 مليار دولار عام 2020م الفائت.
وتبين الخريطة العالمية لتجارة المياه الافتراضي أن عدد البلدان المصدرة أقل من عدد المستوردة، وأن بعض البلدان يتجاوز فيها حجم المياه الافتراضية المصدرة حجم تلك المستوردة بدرجة كبيرة مثل الولايات المتحدة والهند والأرجنتين وفرنسا وسوريا والسودان. وتعاني دول أخرى من تجاوز حجم المياه الافتراضية المستوردة تلك المصدرة مثل اليابان والصين وكوريا الجنوبية ومصر والسعودية والجزائر والمغرب والأردن وتونس.
هذا، ويتم تحقيق وفورات حقيقية عالمية كبيرة من المياه بفضل هذا النوع من التجارة؛ حيث تفيد التقديرات الأولية إلى أن وفورات المياه الناجمة من تحويل المياه التقديرية عن طريق الاتجار بالأغذية تبلغ 385 مليون م3 وفقًا لمنظمة الفاو عام 2003م.([5])
البصمة المائية:
تشير البصمة المائية إلى مؤشر تم تطويره مؤخرًا بهدف تحديد المحتوى الافتراضي للمياه في المنتجات والخدمات. وبشكل مبسّط تشير البصمة المائية إلى المقدار الفعلي من المياه المستهلك في إنتاج أو زراعة سلعة أو محصول ما؛ ومِن ثَمَّ تحديد مدى تأثير هذه السلعة أو هذا المحصول على النظام المائي.
والبصمة المائية هي مؤشر على استخدام المياه العذبة يحدد مقدار الاستخدام المباشر وغير المباشر للمياه مِن قِبَل المستهلك أو المُنْتِج. فمثلا، يتطلب إنتاج كيلو لحم بقري 15000 لترًا من الماء، ويحتاج إنتاج بنطلون جينز إلى 8000 لتر ماء.([6])
ويُعدّ فَهْم البصمة المائية لدولة ما أمرًا وثيق الصلة بتطوير سياسة وطنية مستنيرة لإدارة ملف المياه في هذه الدولة. إذ تقتصر حسابات استخدام المياه الوطنية التقليدية على إحصاءات ومعدلات استهلاك المياه داخل أراضيها، أما البصمة المائية فتعمل على توسيع هذه الإحصاءات من خلال تضمين بيانات حول استخدام مياه الأمطار وحجم استخدام المياه لاستيعاب النفايات، وإضافة بيانات حول استخدام المياه في البلدان الأخرى لإنتاج المنتجات المستوردة، فضلًا عن الإفادة من بيانات استخدام المياه داخل الدولة لصنع منتجات التصدير.([7])
كما يجري استخدام هذا المصطلح لتحديد طبيعة ومستوى تجارة المياه الافتراضية في جميع أنحاء العالم. وتتكون البصمة المائية من ثلاثة أجزاء (المياه الخضراء والزرقاء والرمادية) التي تجعل التقييم كاملًا وفقًا لشبكة البصمة المائية بما يتماشى مع الإصدار الأخير لمعيار الأيزو (ISO14046). وترتبط أهمية البصمة المائية بالحاجة إلى الوعي بالمحتوى المائي في المنتجات والخدمات والتغيرات القابلة للتحقيق في الإنتاج والوجبات الغذائية وتجارة السوق.
ويجري تقدير البصمة المائية لكل دولة من منظور الإنتاج والاستهلاك؛ حيث يتم تقدير التدفقات الدولية للمياه الافتراضية على أساس التجارة في السلع الزراعية والصناعية. ويبلغ المتوسط العالمي السنوي للبصمة المائية في الفترة 1996- 2005م 9087 مترًا مكعبًا في السنة، ويساهم الإنتاج الزراعي بالنسبة الكبرى منه، والتي تُقدَّر بنحو 92٪. وبلغ الحجم الإجمالي لتدفقات المياه الافتراضية الدولية المتعلقة بالتجارة في المنتجات الزراعية والصناعية 2320 جم مكعب سنويًّا، كما بلغ المتوسط العالمي للبصمة المائية لكل مستهلك 1385 مترًا مكعبًا سنويًّا. وعادة ما يتم حساب البصمة المائية على أساس متوسط الإنتاج المحلي للبلد الواحد.
ومؤشر البصمة المائية من المؤشرات متعددة الأبعاد التي تغطي مختلف مراحل عمليات التصنيع أو الزراعة؛ كما يتضمن المؤشر حجم استهلاك المياه، وحجم ونوع التلوث الناتج عن عمليات الإنتاج، وينطوي على ثلاثة مقاييس رئيسية هي المياه الخضراء والزرقاء والرمادية.
أما المياه الزرقاء فتشير إلى مياه الأنهار والمياه الجوفية؛ ومِن ثَمَّ فمن المفترض أن يقيس مؤشر البصمة المائية الزرقاء مقدار المياه الزرقاء التي يجري استهلاكها، أو فقدها، أو هَدْرها في مختلف خطوط ومراحل وعمليات الإنتاج لأيّ سلعة أو محصول. وبالنسبة للمؤشر الثاني وهو البصمة المائية الخضراء فيركز بالأساس على مياه الأمطار التي يجري الاستفادة منها مباشرة في الزراعة أو تنمية الثروة الحيوانية من خلال المراعي الطبيعية وما شابه ذلك. ويعني هذا أن مياه الأمطار إذا ما تم الاستفادة منها في مكان سقوطها تكون مياهًا خضراء، أما إذا جرت وانتقلت إلى مكان آخر فإنها ينطبق عليها حينئذ حكم المياه الزرقاء، وثالث المؤشرات هو البصمة المائية الرمادية.([8])
ويتم قياس البصمة المائية على ثلاث مستويات. يتعلق المستوى الأول منها بالبصمة المائية للمنتج؛ أي المقدار الفعلي للمياه المستهلكة في العمليات المختلفة للإنتاج. أما المستوى الثاني فيركز على البَصمة المائية للدولة ككل، ويُغطِّي مقدار المياه العذبة المستهلكة، والمفقودة، والمُهْدَرَة، والملوثة داخل أراضي الدولة. وينطوي هذا المستوى على إجمالي الاستهلاك الوطني للمياه والتجارة الخارجية للدولة في المياه. أما المستوى الثالث فيتعلق بمستوى استخدام الفرد من المياه، ويطلق عليه البَصمة المائية للمستهلك.([9])
ثانيًا: تجارة المياه الافتراضية.. الفوائد والانتقادات
يمكن أن تُؤدي الاستفادة من تجارة المياه الافتراضية إلى فائدتين رئيسيتين:
- تُتيح هذه التجارة للمناطق التي تُعاني من ندرة المياه المزمنة استيراد السلع كثيفة الاستهلاك للمياه بدلًا من إنتاجها محليًّا، مما يُحافظ على مواردها المائية المحدودة. وبدون هذه التجارة في المياه الافتراضية، فمن المرجح أن تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نقصًا في الحبوب، فضلًا عن مجموعة كبيرة من التحديات البيئية والسياسية والتغذوية أيضًا.
- تُعدّ تجارة المياه الافتراضية مفيدةً أيضًا من خلال توفير حلول سريعة ومرنة للكوارث التي تُواجه الدول الغنية بالمياه عجزًا غير متوقع.
في حين أن مفهوم تجارة المياه الافتراضية يوحي بفرصةٍ كبيرةٍ لتحقيق مزايا نسبية، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا. نظريًّا، يُفترض أن تكون الدول الغنية بالمياه، أو تلك التي لديها أدنى تكاليف الفرصة البديلة لإنتاج سلعٍ كثيفة الاستهلاك للمياه، هي المُصدِّر الرئيسي للمياه الافتراضية. وتُعدّ العديد من الدول ذات الموارد المائية المحدودة والمُعرَّضَة بشدة لتغيُّر المناخ، من بين أكبر مُصدِّري موارد المياه الشحيحة.
غير أن الدول التي لديها الكثير لتخسره في عالمٍ يعاني من نُدْرة المياه هي الأكثر خسارة. ويرجع ذلك إلى أن “المياه تتدفق صعودًا نحو المال”. وتميل الدول الغنية إلى استيراد واستهلاك سلعٍ كثيفة الاستهلاك للمياه أكثر بكثير من نظيراتها الأقل ثراءً. وتشير الأبحاث إلى أنه مع تضاعف الدخل، ترتفع كمية المياه المُضمّنة المُستهلكة والمستوردة بنسبة 82% و86% على التوالي. في حين أن الولايات المتحدة من بين أكبر مُصدّري المياه الصافيين، إلا أنها لا تزال مُستوردًا صافيًا بشكل عام، وبالتالي يُمكنها الحفاظ على هذا النمط من الحياة. وباستثناء أستراليا، فإن جميع المُصدِّرين الصافيين للمياه الافتراضية هم من الدول النامية. ونتيجةً لذلك، فإن العديد من الدول التي تُعاني من نُدْرة المياه لا تفشل فقط في الاستفادة من هذا النظام، بل إنها تستنزف إمداداتها المائية لدعم استهلاك الدول الأكثر ثراءً.
ومع ذلك، تختلف هذه الهيمنة الاقتصادية في تجارة المياه الافتراضية داخل المناطق النامية نفسها. ففي التجارة بين الدول الإفريقية، ثمة اتجاه مماثل؛ حيث غالبًا ما تُصدِّر الدول ذات الموارد المائية المحدودة كميات من المياه الافتراضية أكبر من جيرانها ذوي الوفرة المائية؛ ولكن في هذه الحالة، فإن الوضع الاقتصادي الأفضل للمصدرين هو ما يُحفِّز هذا النمط. فتحسين البنية التحتية، وتيسير التجارة، والتكامل الإقليمي يُمكّن هذه الدول من الوصول إلى موارد المياه واستخدامها بكفاءة أكبر من شركائها. مثلا تُهيمن جنوب إفريقيا على صادرات الحبوب داخل (السادك) رغم محدودية مواردها المائية، مستفيدةً من قوتها الاقتصادية وتخصصها الزراعي، بينما لا تزال إفريقيا الوسطى الغنية بالمياه غائبة عن أسواق المياه الافتراضية.
ومع التغير المناخي والارتفاع الهائل في معدلات السكان، لا سيما في إفريقيا جنوب الصحراء، من المتوقع أن يزداد الطلب على المياه بنسبة 163% بحلول عام 2050م، مما سيجبر الدول ليس فقط على الحفاظ على إنتاج الصادرات الأساسية في ظل نُدْرة الموارد المتزايدة، بل أيضًا على توزيع كميات أقل من المياه على عدد أكبر من الناس.([10])
ثالثًا: التحديات المائية في إفريقيا جنوب الصحراء
لا يزال الوصول إلى المياه والصرف الصحي في إفريقيا جنوب الصحراء ضعيفًا؛ إذ يفتقر حوالي 400 مليون شخص إلى خدمات إمدادات المياه الأساسية، في حين أن أكثر من 700 مليون شخص لا يحصلون على الصرف الصحي اللائق. وما زال ما يقرب من 200 مليون شخص يقضون حاجتهم في العراء، ولا يستطيع 750 مليون شخص الوصول إلى النظافة. ويتطلب تحقيق الأمن المائي والصرف الصحي للجميع استثمارات واسعة النطاق في إمدادات المياه والصرف الصحي، وتحسين إدارة موارد المياه وعملياتها، وتصميم البنية التحتية المقاومة للمناخ.([11])
وعلى الرغم من أن المياه الافتراضية تُعدّ مكونًا رئيسيًّا للإنتاج ومُقيدًا له، إلا أن إدارتها لا تزال مهملة. تعجز العديد من المناطق التي تعاني من نُدْرة المياه عن تلبية احتياجاتها الغذائية محليًّا، وتميل إلى استيراد الغذاء من دول أخرى بسبب نقص المياه. وتُعدّ ندرة المياه والإجهاد المائي من بين القضايا العالمية الرئيسية التي تؤثر سلبًا على التنمية. وتشمل الأسباب الرئيسية لندرة المياه تغيُّر المناخ، والنمو السكاني السريع، وزيادة الاستهلاك البشري، والاستغلال المفرط لطبقات المياه الجوفية، وزيادة الطلب على المياه العذبة، بالإضافة إلى الكوارث الطبيعية. ويمكن أن تؤدي هذه القضايا إلى تدهور الصحة، وانخفاض إنتاجية الأراضي، وانعدام الأمن الغذائي، وتقييد النمو الاجتماعي والاقتصادي.
ويؤدي النمو السكاني السريع إلى زيادة الطلب على الغذاء ونُدْرة المياه، مما يُهدِّد بدوره بانعدام الأمن الغذائي. ومع ذلك، تُمثِّل إفريقيا 9% من موارد المياه العذبة في العالم. الدول الشمالية في إفريقيا (مثل الجزائر ومصر)، وكذلك بعض الأجزاء الوسطى (مثل الكاميرون والجابون)، والجزء الجنوبي الشرقي (مثل جنوب إفريقيا وموريشيوس)، والجزء الغربي (مثل غانا ونيجيريا) تسير نسبيًّا على الطريق الصحيح لتحقيق بعض أهداف التنمية المستدامة، ولكنها تُواجه طلبًا كبيرًا على الموارد مما يُعيق التوازن البيئي الدائم.
تتزايد المساحة المزروعة وإنتاجية المحاصيل في إفريقيا، مما يساهم في إحداث بصمة مائية شديدة (WF) واحتياجات عالية لاحقة لاستيراد مياه الري (VWI) في دول مثل السنغال ومالي والسودان وتشاد، وفي منطقة القرن الإفريقي. وعلى الرغم من أن زيادة كفاءة استخدام مياه المحاصيل يمكن أن ترتبط بزيادة صادراتها في بعض الحالات، إلا أن هذا قد لا يكون الحال بالنسبة لإفريقيا. ولم يتضح بعدُ كيف ستُنظِّم الدول الإفريقية توازن الصادرات والواردات بين القطاعات المختلفة.
وقد توصلت العديد من الدراسات إلى أدلة على أن استيراد الأغذية الاستهلاكية المُنتجة في مناطق أخرى ذات وفرة مائية أمر بالغ الأهمية لإدارة موارد المياه؛ إذ تُخفِّف تجارة المياه الافتراضية الضغط على المناطق التي تعاني من شحّ المياه. وقد ركّزت الدراسات التمهيدية في الغالب على كميات نقل المياه، مع التركيز على المياه الخضراء والزرقاء، ونادرًا ما أُخذت المياه الرمادية في الاعتبار. كما ركزت على الكمية المتبادلة على أساس عالمي، بين المناطق، عبر الحدود بين البلدان، داخل بلد واحد في مدن محددة، وتتراوح من إنتاج المحاصيل إلى المنتج النهائي.
كما سلطت الضوء على ارتباط التعميم العالمي لمدخرات/ خسائر المياه بالتجارة الدولية، على الرغم من التقليل من شأن وضع نُدْرة المياه، وكيف تؤثر تجارة المياه على الاكتفاء الذاتي المستدام للمياه واستخدامها في إفريقيا. خلال العقود القليلة الماضية، زادت تجارة المياه بسبب زيادة التجارة الدولية. ومع ذلك، فإن إستراتيجية المياه الافتراضية الجديدة محدودة من منظور صنع القرار.
جدير بالذكر أن النتائج أظهرت أن آسيا وإفريقيا مستوردان صافيان للمياه الجوفية؛ حيث تمثلان 46٪ من إجمالي المياه المستوردة من المياه الجوفية. بالمقارنة مع آسيا، تتخلف إفريقيا عن الركب بواقع 1.1 متر مكعب/فرد/يوم من المياه الافتراضية المستوردة.
تواجه إفريقيا تحديًا متزايدًا فيما يتعلق بندرة المياه (WS)، وهناك قلق كبير بشأن تجارة المياه الافتراضية (VW)، والتي تلعب دورًا رئيسيًّا في إدارة موارد المياه واستدامة الأمن الغذائي. وباستخدام بيانات التجارة الثنائية، لتقييم التغيير والتجارة المتوازنة للحبوب الرئيسية، وتدفقات المياه الافتراضية، وحالة نُدرة المياه، والاعتماد على المياه (WD)، والاكتفاء الذاتي للمياه (WSS)، ومدخرات/خسائر المياه داخل 5 مناطق فرعية إفريقية وشركائها من عام 2000م إلى عام 2020م. واستخدام نسبة استخدام المياه إلى توافر المياه لتقدير ندرة المياه WS.
وقد تم تحديد كمية الاعتماد على المياه WD من خلال نسبة صافي استيراد المياه الافتراضية VW إلى تخصيص المياه الإقليمي، كما تم تحديد كمية وفورات/خسائر المياه الإقليمية من خلال ضرب التجارة بين المناطق في محتوى المياه الافتراضي للحبوب المستوردة/المصدرة. ووُجِد أن متوسط العجز التجاري الإجمالي للمناطق الإفريقية قد ارتفع إلى -1364.22 × 106 أطنان، واستوردت إفريقيا 41359.07 مليار متر مكعب من المياه الافتراضية من منتجات الحبوب. وساهمت المياه الخضراء بنسبة 79.33٪ من إجمالي واردات المياه الافتراضية VWI. وكانت قِيَم WS لدول شرق إفريقيا >100، مما يشير إلى الإفراط في الاستغلال. إلى جانب ذلك، بلغ إجمالي WD في إفريقيا 465.5٪ خلال الفترة المدروسة. وتتوافق تجارة الحبوب الرئيسية بين إفريقيا وبقية الكوكب مع فقدان عالمي للمياه قدره 2820.7 مليار متر مكعب · سنة -1. ومع ذلك، سيستمر نمط تجارة المياه الافتراضية للحبوب بين القارات والاتجاه المرتفع في المستقبل.([12])
وبتحليل العلاقة بين تجارة المياه الافتراضية والسكان والتنمية في إفريقيا. وجد أن زيادة واردات المياه الافتراضية لا تؤدي إلى زيادة في النمو السكاني ولا تُضعف رفاه الإنسان. ويبين مؤشر انفتاح تجارة المياه الافتراضية، أن مستويات نقص التغذية تميل إلى الانخفاض مع زيادة قِيَم انفتاح تجارة المياه الافتراضية. تحصل البلدان ذات سعة تخزين السدود الصغيرة على نسبة أعلى من احتياجاتها من المياه الزراعية من مصادر خارجية، مما قد يُشير إلى “تقاسم ضمني للبنية التحتية” بين الدول. عالميًّا، ترتبط زيادة صادرات المحاصيل عادةً بزيادة كفاءة استخدام مياه المحاصيل، وهذه العلاقة لا تنطبق على إفريقيا. ومع ذلك، فإن التجارة الداخلية الإفريقية أكثر كفاءة بكثير من حيث موارد المياه المُستخدَمة مقارنةً بأيّ منطقة أخرى في العالم. وبالتالي، قد تُعوّض أنماط التجارة الداخلية الإفريقية عن ضعف أنظمة الإنتاج الداخلية.([13])
رابعًا: تجارة المياه الافتراضية بين البلدان الإفريقية
وبالتركيز على أنماط تحويلات المياه الافتراضية بين مناطق ودول إفريقيا من خلال تجارة اثني عشر محصولًا مختارًا. تتوافر لها بيانات كمية التجارة ومعايير التحويل اللازمة لتمكين تقدير المياه المخفية في كل تدفق تجاري ثنائي بين البلدان الإفريقية. مع عدم إدراج المنتجات الغذائية المُصنَّعة نظرًا لنقص البيانات المتعلقة باحتياجاتها من المياه. ومقارنة أحجام المياه الافتراضية المرتبطة بالتصدير داخل القارة للمحاصيل الفردية، ثم استكشاف المناطق والبلدان الرائدة في تجارة المياه الافتراضية لكل محصول مختار.
يعرض الشكل (1) أحجام المياه الافتراضية المتداولة عبر القارة لكل دولار أمريكي من قيمة الصادرات للمحاصيل المختلفة. ومن بين المحاصيل قيد التحليل، يُعدّ كل من صولجان القمح والدخن أكبر مصادر المياه الافتراضية في جميع أنحاء إفريقيا، بينما يُعدّ السبانخ والكشمش أقلها استهلاكًا. مقابل كل دولار واحد من عائدات تصدير الفاصوليا، يُنقل 25 مترًا مكعبًا من المياه المخفية، (متوسط الفترة 2018-2022م). أما بالنسبة للدخن، فيبلغ الرقم المقابل 16 مترًا مكعبًا، بينما لا تتجاوز هذه الكمية 0.16 و0.21 مترًا مكعبًا للسبانخ والكشمش، على التوالي.
وللحصول على نفس الفائدة الاقتصادية، تنطوي التجارة البينية الإفريقية في الفاصوليا والدخن على بصمة مائية أعلى من التجارة في محاصيل مختارة أخرى. وتجدر الإشارة إلى أن حجم معامل الوزن الصافي داخل إفريقيا لكل دولار أمريكي من قيمة الصادرات قد انخفض بين عامي 2008- 2012م، و2018-2022م لبعض المحاصيل، خاصةً الدخن والفلفل. فمثلاً انخفض حجم المياه الافتراضية المُصدَّرة مع كل دولار أمريكي من صادرات الدخن من متوسط 33 مترًا مكعبًا في الفترة 2008- 2012م إلى 16 مترًا مكعبًا في الفترة 2018- 2022م. في المقابل، ازداد حجم محاصيل أخرى، بما في ذلك بندق الهند (من 11 إلى 25 مترًا مكعبًا) والفاصوليا (من 7 إلى 8 أمتار مكعبة).([14])
الشكل (1) نسبة تجارة المياه الافتراضية داخل إفريقيا إلى قيمة الصادرات المقابلة، لمحاصيل مختارة، متوسط الفترة 2008-2022م (متر مكعب لكل دولار أمريكي)

Source: Greenwell Matchaya, Sunday Odjo, and Julia Collins, Intra-African Trade in Virtual Water: Trends and Drivers.at:
https://www.resakss.org/sites/default/files/2024_aatm_individual_chapters/Chapter%203_AATM%202024.pdf
هذا، وتعاني العديد من البلدان الإفريقية من إجهاد مائي مرتفع الجدول (3)، بما في ذلك بلدان شمال إفريقيا، ودول الساحل، وبعض بلدان شرق إفريقيا، وتلك المحيطة بصحاري كالاهاري وناميبيا، بالإضافة إلى جنوب إفريقيا، التي تواجه أيضًا نُدرة مادية كبيرة في المياه. على المستوى الإقليمي، تُسجّل شمال إفريقيا أعلى نسبة من البلدان التي تعاني من مستويات عالية من الإجهاد المائي، تليها جنوب إفريقيا وشرق إفريقيا. تتمتع معظم بلدان وسط إفريقيا بموارد مائية وفيرة، وتُصنَّف جميعها تقريبًا ضمن فئة البلدان ذات الإجهاد المائي المنخفض.
على الرغم من أن البيانات تُصنّف العديد من البلدان على أنها أقل إجهادًا مائيًّا، إلا أن الواقع داخل البلد الواحد قد يختلف. على سبيل المثال، تقع كينيا ضمن فئة البلدان ذات الإجهاد المائي المنخفض على المستوى الوطني، ولكن لديها مقاطعات ذات مستويات عالية من الإجهاد المائي المحلي.
ويوجد نمط واسع من التخصص بين مناطق إفريقيا فيما يتعلق بمساهماتها في تدفقات المياه الخفية المرتبطة بتجارة كل محصول (الشكل (2) والجدول (2)).
الشكل (2) التوزيع الإقليمي لتدفقات المياه الافتراضية داخل إفريقيا، حسب المحصول المحدد، متوسط الفترة 2018-2022م

Source: Greenwell Matchaya, Sunday Odjo, and Julia Collins, Intra-African Trade in Virtual Water: Trends and Drivers.at: https://www.resakss.org/sites/default/files/2024_aatm_individual_chapters/Chapter%203_AATM%202024.pdf
الجدول (2) أكبر مُصدِّر ومستورد للمياه الافتراضية داخل إفريقيا، بحسب المحصول المختار، متوسط 2018- 2022م

Source: Greenwell Matchaya, Sunday Odjo, and Julia Collins, Intra-African Trade in Virtual Water: Trends and Drivers.at:
https://www.resakss.org/sites/default/files/2024_aatm_individual_chapters/Chapter%203_AATM%202024.pdf
وتُعدّ شرق إفريقيا المصدر الرئيسي لعمليات نقل المياه الافتراضية داخل إفريقيا والمتعلقة بتجارة الفلفل والجزر والفاصوليا. وتُبرز مدغشقر وإثيوبيا وتنزانيا كمصادر رئيسية لتجارة المياه الخفية في هذه المحاصيل الثلاثة، على التوالي. ويُعدّ الجنوب الإفريقي، وخاصةً جنوب إفريقيا، المصدر الرئيسي للمياه المضمنة في التجارة داخل القارة في السبانخ والخرشوف الأرضي والكشمش، وهي من بين المحاصيل ذات أقل أحجام تجارة المياه الخفية لكل دولار أمريكي من قيمة الصادرات. تُهيمن منطقة غرب إفريقيا على تصدير المياه الافتراضية في التجارة البينية الإفريقية للجوافة والمانجو، وبذور عباد الشمس، والدخن، وهي المحاصيل التي تُحقق أكبر كميات من نقل المياه الافتراضية لكل دولار من قيمة الصادرات (الشكل (1)).
وتُساهم منطقة شمال إفريقيا بأكبر حصة من المياه المخفية المرتبطة بتجارة البطيخ والقرنبيط والبروكلي عبر القارة. ولا يُنقل أيّ قدر كبير من المياه الافتراضية من وسط إفريقيا إلى بقية القارة، على الرغم من وفرة مواردها المائية. وهذا يُذكِّر بالحصة الصغيرة نسبيًّا للمجموعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا في التجارة البينية الإفريقية من حيث القيمة (الشكل 3). ترتبط تجارة الخس بتدفقات المياه المخفية من شرق وجنوب إفريقيا.
الشكل (3) قِيَم التجارة الزراعية بين البلدان الإفريقية بحسب المجموعات الاقتصادية الإقليمية، متوسط 2020-2022 (بملايين الدولارات الأمريكية الحالية)

Source: 2024 AATM database
باختصار، تميل منطقة غرب إفريقيا إلى التخصص في المحاصيل التي تُحقّق أكبر كميات من المياه الافتراضية لكل وحدة من قيمة الصادرات، بينما ينطبق العكس على الجنوب الإفريقي. قد يكون هذا مرتبطًا بالإجهاد المائي المرتفع نسبيًّا في العديد من دول جنوب إفريقيا (الجدول (3)). ومع ذلك، هناك حاجة إلى مزيد من التحقيق مع مجموعة أكبر من المحاصيل لتأكيد هذه الأنماط.([15])
الجدول (3) تقسيم البلدان بحسب درجة الإجهاد المائي

Source: Greenwell Matchaya, Sunday Odjo, and Julia Collins, Intra-African Trade in Virtual Water: Trends and Drivers.at:
https://www.resakss.org/sites/default/files/2024_aatm_individual_chapters/Chapter%203_AATM%202024.pdf
ويوضح الشكل (4) تفصيلًا لحجم عمليات نقل المياه الافتراضية داخل إفريقيا المرتبطة بتجارة كل محصول بحسب مناطق الدراسة للفترة 2018 -2022م. وتُعدّ شرق إفريقيا الوجهة الرئيسية لعمليات نقل المياه المُدمجة في الجزر، وبذور البندق، والخس المُتداولة عبر إفريقيا، كما تُعدّ المنطقة المصدر الرئيسي للمياه الافتراضية المُصدّرة عبر الجزر والخس عبر إفريقيا. وبالتالي، تُهيمن منطقة شرق إفريقيا، التي تُعاني من شحّ المياه، على التدفقات الداخلة والخارجة من المياه الافتراضية المُتداولة عبر الجزر والخس، وهما من بين أقل المحاصيل استهلاكًا للمياه (انظر الشكل 5).
الشكل (4) التوزيع الإقليمي لتدفقات المياه الافتراضية داخل إفريقيا، بحسب المحصول المحدد، متوسط الفترة 2018- 2022م

Source: Greenwell Matchaya, Sunday Odjo, and Julia Collins, Intra-African Trade in Virtual Water: Trends and Drivers.at:
https://www.resakss.org/sites/default/files/2024_aatm_individual_chapters/Chapter%203_AATM%202024.pdf
الشكل (5) الطلب النوعي على المياه بحسب المحصول (متر مكعب لكل طن)

Source: Greenwell Matchaya, Sunday Odjo, and Julia Collins, Intra-African Trade in Virtual Water: Trends and Drivers.at:
https://www.resakss.org/sites/default/files/2024_aatm_individual_chapters/Chapter%203_AATM%202024.pdf
ويُلاحظ الاتجاه نفسه في الجنوب؛ حيث تُعدّ جنوب إفريقيا الوجهة الرئيسية لعمليات نقل المياه الافتراضية المُتعلقة بالخرشوف الأرضي، والكشمش، والسبانخ، والتي تنشأ في الغالب في المنطقة نفسها (الشكل (2)). وبالتالي، فإن تجارة المياه الافتراضية المُجسّدة في هذه المحاصيل الثلاثة تتم في الغالب داخل المنطقة.
على سبيل المثال، يشير الجدول (2) إلى أن جنوب إفريقيا هي المصدر الرئيسي لتدفقات المياه الافتراضية من خلال صادرات الكشمش، وأن ليسوتو هي وجهتها الرئيسية. وبالمثل، تحدث عمليات نقل المياه الافتراضية المرتبطة بتجارة الجوافة والمانجو والدخن في الغالب داخل غرب إفريقيا، والتي تتلقى أيضًا الجزء الأكبر من المياه المُجسّدة في الكميات المتداولة من القرنبيط والبروكلي. وتتلقى شمال إفريقيا أكبر حصة من المياه المُجسّدة في الفلفل المُتجوّل، وتحتفظ بجزء من تدفقات المياه المُضمّنة في تجارة البطيخ داخل القارة. باختصار، يُظهر الشكل (4) أن نقل المياه الافتراضية بين الدول الإفريقية يحدث عادةً من خلال التدفقات داخل المنطقة، أي التي تنشأ وتنتهي في نفس المنطقة. يُشبه هذا النمط الموضح في الشكل (3)، والذي يُظهر مستويات أعلى من التجارة الزراعية داخل دول المجموعة الاقتصادية الإقليمية مقارنةً بالتجارة خارجها من حيث القيمة.([16])
خامسًا: محدّدات التجارة الثنائية الإفريقية في المياه الافتراضية
تشير نظريتا هيكشر-أوهلين (ليمر 1995م) وريبتشينسكي (1955م)، اللتان تربطان التجارة بالعوامل المستخدمة لإنتاج المنتجات المتداولة، إلى أن التجارة الدولية يُمكن أن تُوفر المياه عالميًّا أو إقليميًّا إذا تم تداول سلعة كثيفة الاستهلاك للمياه من منطقة ذات وفرة مائية عالية إلى منطقة تعاني من نُدْرة مائية. يُمكن خفض الاستخدام العالمي للمياه في الزراعة بنسبة 5% من خلال معامل الوزن الافتراضي الدولي. كما وُجِدَ أن تحويل المياه الافتراضي المرتبط بتجارة الأغذية الدولية يزيد من كفاءة استخدام المياه عالميًّا ويساهم في توفير موارد المياه. ويمكن للدولة الحفاظ على مواردها المائية المحلية من خلال استيراد مُنْتَج كثيف الاستهلاك للمياه بدلًا من إنتاجه محليًّا.
يتطلب تصدير المنتجات الزراعية إنفاق موارد المياه الوطنية، بينما يوفّر استيراد المنتجات الزراعية موارد المياه الوطنية. ويمكن للدول الغنية بالمياه الاستفادة من وَفْرة مواردها المائية من خلال إنتاج منتجات كثيفة الاستهلاك للمياه للتصدير. وبالتالي، يمكن استخدام تحويل المياه الافتراضي بين الدول وحتى القارات كأداة لتحسين كفاءة استخدام المياه الإقليمية وتحقيق الأمن المائي في المناطق التي تعاني من نُدْرة المياه في العالم. على الرغم من إمكانات مفهوم المياه الافتراضية لمساعدة المجتمعات على تحقيق مستوى مُعيَّن من الأمن المائي من خلال التجارة، إلا أن البحث التجريبي في هذا المجال في إفريقيا محدود.
وعند التركيز على البرازيل وجد أن طبيعة وحجم حركات المياه الافتراضية تعتمد على المحاصيل المدروسة. كما أن تقلبات المياه الافتراضية الثنائية تتحدَّد بالمتغيرات الاقتصادية، بالإضافة إلى وفرة المياه ومستوى الضغط على موارد المياه. وأفادت دراسات أخرى بعكس ذلك؛ حيث وُجِدَ أن المناطق التي تعاني من نُدْرة المياه في شمال الصين تُصدر منتجات كثيفة الاستهلاك للمياه إلى جنوب الصين الغني بالمياه. وقد فُسِّرت ملاحظات مماثلة في الصين بثلاثة احتمالات، بما في ذلك انخفاض تكاليف استخدام المياه، واختلاف الظروف المناخية وممارسات إدارة المياه، والسياسات الاقتصادية وغيرها من السياسات الحكومية. وفي دراسة SADC، وجد أن معدل استهلاك الحبوب يختلف باختلاف المسافة، وكذلك باختلاف وفرة المياه.
ومن خلال تحليل معدل استهلاك الحبوب الثنائي (الصادرات والواردات)، مع مراعاة المتغيرات الاقتصادية والعوامل الاجتماعية والثقافية والجغرافية، بالإضافة إلى الجوانب المتعلقة بالمياه في الإنتاج الزراعي. وباستخدام قاعدة بيانات ضخمة تضم أكثر من 75000 ملاحظة للمعاملات التجارية للدول الإفريقية.([17])
تتاجر معظم التجمعات الاقتصادية الإقليمية داخل مناطقها أكثر من تجارتها مع بقية إفريقيا، مما يعكس أهمية اتفاقيات التجارة الحرة بين التجمعات الاقتصادية الإقليمية في تسهيل التجارة البينية. ويُظهر تحليل العلاقة بين التجارة من حيث القيمة والتجارة من حيث المياه الافتراضية لمحاصيل مختارة أن بعض المنتجات تتميز باستهلاك مياه أعلى بكثير لكل دولار من الصادرات مقارنة بمنتجات أخرى. كما أن للدخن وبذور البندق التأثير الأكبر على استخدام المياه من بين المحاصيل المدروسة، تليهما الجوافة والمانجو والفاصوليا. وتميل غرب إفريقيا إلى التخصص في المحاصيل التي تنقل أكبر كميات من المياه الافتراضية لكل وحدة من قيمة الصادرات، بينما ينطبق العكس على الجنوب. وكما لُوحِظ بالنسبة للتجارة من حيث القيمة، فإن معظم المياه الافتراضية داخل المنطقة؛ حيث تنشأ التجارة وتنتهي في المنطقة نفسها.
وفي السياق التالي نستعرض أهم تلك المحددات: ([18])
الإجهاد المالي:
إن إدارة موارد المياه من خلال التجارة البينية يمكن أن تُقلّل من عدم التوافق في توافر المياه وندرة المياه؛ حيث يؤثر كلّ من توافر الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة وتوافر المياه، بالإضافة إلى الإجهاد المائي في الدولة المصدرة، على تصدير المياه الافتراضية بطريقة تشير إلى أن الموارد المائية العالية تشجع التدفقات التجارية إلى المناطق ذات الموارد المائية المنخفضة. وفي حين يُثبط الإجهاد المائي العالي الصادرات، إلا أن الإجهاد المائي المنخفض يُشجّع الصادرات، ويُشجع الإجهاد المائي العالي استيراد المياه الافتراضية.
تتفق هذه النتائج مع معظم مجموعات السلع الأساسية والجماعات الاقتصادية الإقليمية المدروسة. ونظرًا لضعف جودة البنية التحتية للمياه في أجزاء كثيرة من إفريقيا، فإن تسهيل تصدير المياه الافتراضية يُعدّ إستراتيجية رئيسية للحد من آثار التفاوت في توافر المياه داخل القارة. ويمكن للسياسات والاستراتيجيات على المستويين القُطري والإقليمي، التي تدعم أنظمة الري و/أو تُحسِّن ممارسات إدارة المياه لإنتاج المحاصيل، أن تُحقِّق الأثر المنشود من حيث نقل المياه من أماكن وفرتها النسبية إلى أماكن ندرة. ولذلك، يُمكن أن تكون هذه النتيجة مفيدة للغاية للتكيُّف مع تغيُّر المناخ.
معامل المسافة:
تشير أهمية مُعامل المسافة، وهو مُؤشر لتكاليف النقل، إلى أن الجهود المبذولة لخفض تكلفة النقل والتخزين وتكاليف التسويق ذات الصلة يُمكن أن تُحسِّن تجارة السلع وتدفق المياه الافتراضية داخل المجموعات الاقتصادية الإقليمية وفيما بينها. وتشير النتائج على مستوى السلع والمجموعات الاقتصادية الإقليمية إلى أن المسافة تُشكِّل أهميةً خاصةً في مجموعة التنمية لجنوب إفريقيا (SADC) والجماعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا (ECCAS)، وكذلك بالنسبة لتجارة الخضراوات، ربما بسبب قابلية الخضراوات للتلف؛ وبالتالي، سيكون تيسير التجارة مُفيدًا لتجارة السلع، وخاصةً لتجارة الخضراوات في تلك المناطق، ويرجع ذلك على الأرجح إلى أن الخضراوات أكثر قابلية للتلف من المحاصيل الأخرى.
السياسات التجارية:
هناك دور واضح للسياسة التجارية في كل مجموعة اقتصادية إقليمية للحد من آثار انعدام الأمن المائي من خلال التجارة. يمكن للدول التي تعاني من شحّ المياه التخفيف من آثار ندرة المياه من خلال استيراد السلع كثيفة الاستهلاك للمياه. ويمكن أن تكون هذه المعرفة مفيدة للغاية في توجيه الإجراءات الاستباقية استعدادًا للأزمات المتعلقة بالمياه. على سبيل المثال، عندما يُتوقع حدوث موجات جفاف في منطقة ما بدقة، يمكن للمناطق المتضررة أن تنظر في التحول إلى إنتاج المزيد من المحاصيل قليلة الاستهلاك للمياه، والاستعداد لاستيراد المزيد من السلع كثيفة الاستهلاك للمياه.
أزمات المياه الوشيكة:
إن فهم التأثير المحتمل لأزمة المياه الوشيكة، أو حتى عدم استقرار الاقتصاد الكلي، يمكن أن يُسهم في استهداف شبكات الأمان، ويُقلل من تأثير هذه الأزمات على الفقر وسبل العيش. ونظرًا لأن العديد من البلدان الإفريقية تُعاني من مستويات عالية من ندرة المياه، فسيكون من المفيد على المدى الطويل أن تبذل البلدان جهودًا للحد من الإجهاد المائي، على سبيل المثال من خلال تدابير الحفاظ على المياه أو تحسين كفاءة استخدامها. ومن شأن خفض الإجهاد المائي أن يُخفف بدوره من تأثيره على التجارة الثنائية. كما يُعد التكامل الإقليمي، وكذلك التعاون في مجال المياه عبر الحدود، بالغ الأهمية في تشجيع التجارة الثنائية في إفريقيا، ومن المهم تشجيعهما أو تعزيزهما.
خاتمة وتوصيات:
قطرة ماء واحدة كفيلةٌ بخلق فرصٍ لا حَصْر لها، لكنها تحمل أيضًا عبء توزيعها بمسؤولية. فبدون هذه التغييرات الإستراتيجية، ستستمر الموارد في النضوب في أكثر المناطق ندرةً في المياه، مما يمنع الدول الأكثر تأثرًا بتغير المناخ من التعافي بعد الكوارث، ويمنع الدول النامية من الاستفادة الكاملة من التجارة العالمية. وهذا لن يُقوِّض إمكانات نموها فحسب، بل سيعيق جميع الدول عن تأمين الغذاء والطاقة والمنتجات الأساسية التي لا تستطيع إنتاجها بنفسها.
يُظهر هذا البحث في تجارة المياه الافتراضية اختلاف أنماط استهلاك المياه باختلاف السلع والمناطق والبلدان. ومع ذلك، يلزم إجراء المزيد من التحليل لتحديد مُحددات هذه الأنماط. ومن أهم فوائد النظر إلى التجارة من منظور محتوى المياه إمكانية تقييم ما إذا كانت موارد الدول المائية تؤثر على صادراتها ووارداتها من المياه الافتراضية، وإلى أي مدى، وبالتالي ما إذا كانت تجارة المياه الافتراضية تُساعد على زيادة كفاءة استخدامها.
تواجه إدارة المياه الافتراضية الحالية تحديات تتمثل في ارتفاع استهلاك الغذاء، والممارسات الزراعية غير المناسبة، وتغيُّر المناخ، مما يتسبب في انخفاض إنتاجية المحاصيل في المناطق القاحلة وشبه القاحلة في إفريقيا. ومع ذلك، هناك أدلة قليلة تشير إلى أن المياه الموفرة من خلال تجارة السلع الزراعية يمكن أن تخفف من حدة الإجهاد المائي القاري وتُعزّز التكيف معه.
تدعو هذه النتائج إلى بذل المزيد من الجهود لتسهيل التجارة البينية الإفريقية، من أجل زيادة مساهمة التجارة في التخفيف من آثار ندرة المياه. ويُعدّ تطوير منهجيات لتقدير محتوى المياه الافتراضي في المنتجات المُصنَّعة بدقة مجالًا مهمًّا للبحوث المستقبلية. بالإضافة إلى ذلك، تُعد البيانات الشاملة عن التجارة غير الرسمية ضرورية لتقديم صورة أكثر اكتمالًا عن التجارة البينية الإفريقية.
وفي ضوء التوتر المتزايد في ندرة المياه، تحتاج بعض الدول الإفريقية إلى مراجعة سياسات التجارة الدولية للمحاصيل والحفاظ على موارد المياه لتعزيز نظام بيئي أكثر توازنًا. وأن صانعي القرار سيأخذون في الاعتبار تدفقات المياه الافتراضية ووفورات/خسائر المياه لتعزيز كفاءة استخدام المياه والتجارة العادلة، وبالتالي زيادة إنتاج الغذاء في إفريقيا.
ومع تقدم الإدارة المستدامة لموارد المياه والاستخدام المستدام لخدمات النظام البيئي، هناك حاجة ملحة إلى ترتيبات مؤسسية ومالية لجمع البيانات وترقية البنية التحتية، بالإضافة إلى اعتماد تقنيات مبتكرة في مواجهة أزمة المياه.
ويمكن أيضًا معالجة مشكلة إدارة المياه من خلال تعزيز التجارة بين المناطق، وتطوير تبادل الأغذية، وعولمة توزيع المياه، ودعم نمو المحاصيل على المستوى الوطني بما يتماشى مع البصمة المائية.
……………………………………………………………………………………………………………….
[1] ) Pasquale Ferranti, Elliot M. Berry and Jock R. Anderson, Encyclopedia of Food Security and Sustainability 2019.at: https://www.sciencedirect.com/referencework/9780128126882/encyclopedia-of-food-security-and-sustainability#book-description
[2] ) د. كنعنان عبد الجبار أبو كلل، المياه الافتراضية والبصمة المائية، متاح على الرابط:
https://iraqi-forum2014.com/committees-ar/agriculture-and-irrigatio /
[3] ) Pasquale Ferranti, Elliot M. Berry and Jock R. Anderson.Op.cit.
[4] ) Vanham, D. (2013). An assessment of the virtual water balance for agricultural products in EU river basins. Water Resources and Industry, 1, 49-59.
[5] ) فاطمة بكدي، “تجارة المياه الافتراضية: الحدود والأبعاد”، مجلة الإستراتيجية والتنمية (الجزائر: جامعة الجيلاني بونعامة خميس مليانة، المجلد 10، العدد 5، 2020) ص ص. 279- 297.
[6] ) د. أماني عصام محمد، “دور تجارة المياه الافتراضية في التحديات المائية في الشرق الأوسط”، مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية (القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، المجلد الثالث والعشرون، العدد الرابع، 2022م، ص133.
[7] ) Hoekstra, A. Y., Chapagain, A. K., Mekonnen, M. M., & Aldaya, M. M. The water footprint assessment manual: Setting the global standard. Routledge. 2011.at: https://www.waterfootprint.org/resources/TheWaterFootprintAssessmentManual_English.pdf
[8] ) د. أماني عصام محمد، مرجع سبق ذكره، ص134.
[9] ) المرجع السابق، ص135.
[10] ) Elizabeth Stifel, the quiet power of virtual water trade in shaping global resource dynamics. June 9, 2025.at: https://www.iwmi.org/news/the-quiet-power-of-virtual-water-trade-in-shaping-global-resource-dynamics/
[11] ) https://afdb.africa-newsroom.com/press/the-global-environment-facility-gef-backs-87m-initiative-to-unite-african-nations-against-extreme-weather-events-in-the-ubangi-river-basin?lang=ar
[12] ) Hubert Hirwa and et al, Virtual water transfers in Africa: Assessing topical condition of water scarcity, water savings, and policy implications, Science of The Total Environment Volume 835, 20 August 2022, 155343.at: https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0048969722024366
[13] ) M. Konar and Kelly Caylor, Virtual water trade and development in Africa. 2013.at:https://www.researchgate.net/publication/307819790_Virtual_water_trade_and_development_in_Africa
[14] ) Greenwell Matchaya, Sunday Odjo, and Julia Collins, Intra-African Trade in Virtual Water: Trends and Drivers.at:
https://www.resakss.org/sites/default/files/2024_aatm_individual_chapters/Chapter%203_AATM%202024.pdf.p.52.
[15] ) Greenwell Matchaya, Sunday Odjo, and Julia Collins.Op.cit.47-48.
[16] ) Greenwell Matchaya, Sunday Odjo, and Julia Collins.Op.cit.54-55.
[17] ) Greenwell Matchaya, Sunday Odjo, and Julia Collins.Op.cit.56-57.
[18] ) Greenwell Matchaya, Sunday Odjo, and Julia Collins.Op.cit.











































