لعُقود، ظلت كينيا حليفًا إستراتيجيًّا وشريكًا أمنيًّا موثوقًا للولايات المُتحدة في شرق إفريقيا، وجاءت ذروة التقارب بين الدولتين في مايو 2024م، عندما استقبل الرئيس الأمريكي الأسبق جو بايدن نظيره الكيني، وليام روتو، في زيارة رسمية هي الأولى من نوعها لزعيم إفريقي منذ سنوات، وقد تُوِّجت الزيارة بمنح كينيا وضع حليف رئيسي لواشنطن خارج حلف الناتو، وكان هذا التصنيف، -الذي منح كينيا وصولًا تفضيليًّا إلى المُعدات والأسلحة الأمريكية، وعزَّز تعاونها الثنائي مع واشنطن في مجالات الأمن ومكافحة التطرف والتدريب المُشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتية-؛ تقديرًا للعلاقات الخاصة والاستثنائية بين البلدين، ولجهود نيروبي في مواجهة الإرهاب، ودعمها للمواقف الغربية في المحافل الدولية.
ولم يمضِ سوى عام واحد، حتى بادرت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إعادة النظر في هذا التصنيف ومراجعته؛ نتيجة لما أبدته من شكوك حول استحقاق كينيا لهذا الوضع الاستثنائي الذي منحته لها الإدارة السابقة.
تأتي هذه الخطوة على خلفية الانتقادات الأمريكية للتقارب الكيني مع الصين، بجانب اهتمام حكومة نيروبي بالانضمام إلى مجموعة البريكس، وهو ما اعتبرته واشنطن انحرافًا كينيًّا نحو الشرق، ومِن ثمَّ تؤشر هذه المراجعة إلى تحوُّل جذري في العلاقات الأمريكية الكينية.
في هذا السياق، يسعى هذا المقال إلى تتبُّع أهم المراحل التي مرت بها العلاقات الأمريكية/ الكينية مُنذ الاستقلال إلى ولاية ترامب الثانية، والكشف عن أبرز الأهداف التي سعت إدارة الرئيس الأسبق جو بايدن إلى تحقيقها عبر منحها كينيا وضع الحليف الإستراتيجي خارج الناتو، فضلًا عن المُبررات الأمريكية التي حفّزت الإدارة الحالية إلى مراجعة هذا التصنيف.
تطوُّر العلاقات الأمريكية/ الكينية من الاستقلال إلى ولاية ترامب الثانية
نالت كينيا استقلالها عن بريطانيا عام 1963م، وكانت الولايات المُتحدة في طليعة الدول التي سارعت إلى الاعتراف بالدولة الجديدة، وشرعت في إقامة علاقات دبلوماسية معها، مدفوعةً بالاعتبارات الجيوسياسية التي فرضتها الحرب الباردة؛ حيث عُدَّت نيروبي من منظور الولايات المتحدة والقوى الغربية، حصنًا لمواجهة التمدد الشيوعي في المنطقة؛ بحكم موقعها الإستراتيجي في شرق إفريقيا، على الرغم من محاولات النظام السياسي في نيروبي التزام الحياد في سياسته الخارجية.
بعد نهاية الحرب الباردة، اكتسبت العلاقات الودية بين البلدين زخمًا إضافيًّا، تمثَّل في توسيع الشراكة التجارية والتعاون الأمني، ومع بداية الألفية الثالثة شهدت العلاقات السياسية بين الحليفين تحوُّلًا لافتًا غدت كينيا على إثره تحظى بمكانة الحليف الإستراتيجي الأول للولايات المُتحدة في إفريقيا.
جاء هذا التحوُّل نتيجة لتطورين بارزين؛ الأول وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م عندما أصبحت نيروبي حليفًا مهمًّا لواشنطن في محاربة الإرهاب، ونالت دعمًا عسكريًّا لتطوير وتحديث قواتها المُسلَّحة. أما الثاني فتمثل في نهاية الحكم السلطوي في كينيا وإجراء أول انتخابات ديمقراطية بها عام 2002م، وتكمن أهمية هذا التطور في أنه أعطى مسوغًا جديدًا لتوطيد العلاقات بين الدولتين، وساهم في رفع الحرج عن السياسة الأمريكية لدعم أو توسيع تعاونها الأمني والاقتصادي مع كينيا، من منطلق أنَّ الدولتين تتشاركان قِيَم الديمقراطية بوصفها محددًا رئيسًا في علاقات واشنطن الخارجية، سيَّما تجاه دول القارة السمراء، ورغم الاضطرابات السياسية وأعمال القمع التي قُوبِلت بها الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في كينيا، إلا أنَّ الولايات المتحدة لا تزال تنظر إليها باعتبارها ديمقراطيةً مستقرةً.
وعلى صعيد العلاقات الاقتصادية والتجارية، شكَّل قانون النمو والفرص في إفريقيا (AGOA)، الذي أطلقته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون Bill Clinton عام 2000م، حجر الزاوية في العلاقات الأمريكية بالقارة الإفريقية، فبِموجب هذا القانون مُنحت عديد الحكومات الإفريقية جنوب الصحراء، بما في ذلك الحكومة الكينية، وصولًا تفضيليًّا إلى السوق الأمريكية، من خلال إعفاء السلع والبضائع الإفريقية من التعريفات الجمركية، وقد ساهم وصول المُنتجات الكينية، كالأقمشة والشاي والقهوة، إلى السوق الأمريكية بفضل هذا القانون، في تحسين الأوضاع الاقتصادية وتعزيز التنمية وزيادة فرص العمل في هذا البلد الإفريقي. علاوةً على ذلك، تلقَّت كينيا، بشكل مستمر، الجزء الأكبر من الاستثمارات والمُساعدات الأمريكية المباشرة المُوجَّهة نحو إفريقيا، والتي ساهمت في الارتقاء بجودة بعض القطاعات، ولا سيَّما قطاع الصحة العامة.
وتأكيدًا على خصوصية العلاقات الأمريكية/ الكينية، واصلت واشنطن خلال ولاية ترامب الأولى تعزيز الشراكة التجارية والاستثمارية مع نيروبي باعتبارها ركيزةً مهمةً لاستدامة العلاقة بين الجانبين؛ حيث بادرت حكومتا البلدين بحلول عام 2018م إلى رفع مستوى الشراكة الإستراتيجية بينهما، وأقامتا حوارًا إستراتيجيًّا ثنائيًّا أعطى أولويةً لخمس ركائز للمشاركة، تضمَّنت الرخاء الاقتصادي والتجارة والاستثمار، التعاون الدفاعي، الديمقراطية والحوكمة والأمن المدني، القضايا متعددة الأطراف، إضافةً إلى التعاون في مجال الصحة العامة([1]).
وبعد عامين، وتحديدًا في فبراير 2020م، انخرطت إدارة ترامب في مفاوضات ثنائية مع كينيا للتوصل إلى اتفاقية للتجارة الحرة بين الدولتين، لكنّ المُحادثات الثنائية أخذت مسارًا جديدًا مع وصول الرئيس جو بايدن إلى الحكم؛ حيث فضَّلت حكومة هذا الأخير تخفيض مستوى المُحادثات بما يتضمن توقيع شراكة إستراتيجية للتجارة والاستثمار (STIP)، بدلًا من اتفاقية تجارية، وقد ركَّزت هذه الشراكة بشكل أكبر على عددٍ من المسائل المُتعلّقة بالاستثمار والنمو الشامل، بما يعود بالنفع على العمال والشركات لكلا البلدين([2]).
ومع عودة دونالد ترامب إلى السُلطة في يناير 2025م، اعتمدت إدارته نهجًا جديدًا في التعاطي مع القارة الإفريقية يستهدف التحوُّل من المُساعدات إلى التجارة بما يضمن استدامة المصالح والفائدة لجميع الأطراف على المدى البعيد، وفي ظل سياسة ترامب الحمائية لم تَعُد الدول الإفريقية، بما في ذلك كينيا، بمنأى عن خطته لفرض رسوم جمركية على الواردات الأمريكية، وقد بلغت نسبة الرسوم الجمركية على صادرات نيروبي 10%، وهي تُمثل الحد الأدنى من قيمة الرسوم المفروضة؛ لذلك تواصل الحكومة الكينية مُنذ أبريل الماضي، إلى جانب مجموعة المنسوجات الرباعية، والتي تضم أيضًا كلًّا من مدغشقر وليسوتو وموريشيوس، سعيها إلى استئناف المُحادثات مع الولايات المُتحدة بشأن اتفاقية التجارة الحرة، كما تسعى نيروبي أيضًا إلى حثّ الكونجرس الأمريكي على تجديد قانون النمو والفرص في إفريقيا، والذي انتهى العمل به رسميًّا في سبتمبر 2025م، مما يُهدّد بتسريح نحو 60 ألف عامل كيني في صناعة المنسوجات والأقمشة ما لم تتوصل نيروبي إلى تسوية تجارية مع واشنطن تسمح لها بالوصول التفضيلي إلى السوق الاستهلاكية الأمريكية الواسعة.
الخلافات التجارية ليست وحدها العامل الذي يؤجّج التوتر بين كينيا والولايات المُتحدة؛ حيث يبرز عامل آخر يُمكن أن يُفاقم الخلاف، ويُهدد بتراجع العلاقات المُميزة بين البلدين، يتمثل هذا العامل في الاقتراح الذي تقدَّم به أحد أعضاء الكونجرس الجمهوريين في أغسطس 2025م لإعادة النظر في وضع نيروبي كحليفٍ إستراتيجي من خارج الناتو، وهو الوضع الذي كانت إدارة جو بايدن قد منحته لها قبل أكثر من عام.
وكان من المُقرر أن تستقبل كينيا في الـ23 من شهر نوفمبر 2025م نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس J.D Vance، فور انتهاء هذا الأخير من حضور قمة مجموعة العشرين في جنوب إفريقيا، لمناقشة المسائل الخلافية بينهما؛ إلا أنَّ الحكومة الأمريكية أبلغت نيروبي بإلغاء الزيارة المُقررة، بعدما أعلن الرئيس ترامب أنَّ أحدًا من أفراد إدارته لن يتوجَّه إلى جنوب إفريقيا على خلفية اتهاماته للأخيرة بمُمارسة الاضطهاد والتمييز العرقي تجاه مواطني الأقلية البيضاء وانتزاع أراضيهم بشكل تعسفي وغير قانوني.
منح كينيا وضع حليف رئيسي لواشنطن خارج الناتو: السياقات والأهداف:
توطدت العلاقات الأمريكية الكينية على مدى العُقود الماضية، وأصبحت أكثر رسوخًا واستقرارًا؛ حيث تستضيف نيروبي أكبر سفارة أمريكية في إفريقيا جنوب الصحراء وتحتل مرتبةً متقدمةً بين أكبر المستفيدين من المُساعدات الخارجية الأمريكية على مستوى العالم، ممّا يعكس عمق العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين، واحتفاءً بالذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وكينيا، استضاف الرئيس الأمريكي الأسبق جو بايدن، في مايو 2024م، نظيره الكيني وليام روتو William Ruto، وهي أول زيارة دولة لزعيم إفريقي إلى البيت الأبيض منذ عام 2008م، وفي وقتٍ لاحق من هذه الزيارة، منح الرئيس بايدن كينيا لقب حليف رئيسي من خارج الناتو Major Non-NATO Ally، لتُصبح بذلك أول دولة في منطقة جنوب الصحراء الكبرى تُمنح هذا الاستحقاق([3])، ورابع دولة في القارة الإفريقية بعد مصر، والمغرب، وتونس.
هذا الوضع الاستثنائي الذي منحته الإدارة الأمريكية السابقة لكينيا يعكس مكانة هذه الأخيرة في صلب الإستراتيجية الأمريكية في شرق إفريقيا؛ إذ تُعدّ نيروبي دولةً محوريةً وشريكًا إستراتيجيًّا لا غِنَى عنه بالنسبة لواشنطن وداعمًا أساسيًّا لجهودها في مكافحة الإرهاب وأعمال القرصنة في منطقة المُحيط الهندي؛ حيث انخرطت كينيا في عمليات عسكرية ضد حركة الشباب الإسلامية المُسلَّحة الناشطة في الصومال ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي، وانضمت أيضًا إلى التحالف العالمي الذي تقوده الولايات المُتحدة ضد تنظيم داعش، قبل أنْ تُعلن مشاركتها في عملية “حارس الازدهار”، وهو تحالفٌ متعدد الجنسيات أطلقته واشنطن أواخر عام 2023م في إطار التصدي لهجمات الحوثيين التي استهدفت حركة الشحن والملاحة في البحر الأحمر.
بالتالي يُمكن القول: إنَّ منح كينيا صفة حليف رئيسي لواشنطن خارج الناتو كان مكافأةً لها على دورها كشريكٍ إستراتيجي للولايات المُتحدة في شرق إفريقيا وجهودها في مكافحة الإرهاب في المنطقة، ومشاركتها الفاعلة بنحو 1000 عنصر في بعثة قيادة التدخل في هايتي، وهي بعثة أمنية متعددة الجنسيات يُشار إليها بقوة قمع العصابات، تشكَّلت بعد انتهاء ولاية بعثة الأمم المُتحدة لدعم الاستقرار في هايتي عام 2017م، فضلًا عن دعمها للقضايا الغربية في المحافل الدولية، بما في ذلك إدانتها للغزو الروسي لأوكرانيا.
كما أنَّ اختيار كينيا لهذه العضوية يعكس رغبة واشنطن في زيادة تعاونها الأمني والاستخباراتي مع نيروبي لمواجهة النفوذ الروسي والصيني المُتنامي في شرق إفريقيا، والاستفادة من مشاركة القوات الكينية في الإستراتيجية الأمريكية الرامية إلى محاربة الإرهاب، من ناحية أخرى تسعى الولايات المُتحدة إلى الحصول على قاعدة عسكرية في منطقة (لامو) الساحلية، بما يضمن إعادة تموضعها عسكريًّا ويُتيح لها مراقبة التحركات والأنشطة الصينية في المنطقة عن كثب([4])، خاصةً بعد أن دشنت بكين قاعدة عسكرية لها في جيبوتي التي تحتضن بدورها قواعد عسكرية غربية.
ويمنح هذا التصنيف الحكومة الكينية مزايا متعددة في مجالات الأمن والتعاون الدفاعي مع الولايات المُتحدة، فمن ناحية يُعزّز هذا التصنيف توطيد التعاون وتعميق الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، ومن ناحية أخرى يمنح نيروبي فرصةً لتزويدها بمعدات ومنظومات عسكرية أمريكية متطورة، ويتيح لها المشاركة في برامج التدريب والمُبادرات الأمريكية المتعلقة بمكافحة التطرف والإرهاب.
المُبرّرات الأمريكية لمراجعة وضع كينيا كحليفٍ رئيسي خارج الناتو:
في أغسطس 2025م، قدَّم السيناتور الجمهوري، جيم ريش Jim Risch، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، مشروعًا جديدًا يطالب بإجراء مراجعة لوضع كينيا كحليفٍ رئيسي لبلاده من خارج الناتو، على أن تتم المراجعة في غضون 90 يومًا من تاريخ سن القانون، يستتبع ذلك تقديم تقرير سري إلى لجان الكونغرس المعنية في غضون 180 يومًا، ومن المتوقع أن يعرض التقرير نتائج حول عدة مجالات تتعلق بالسياسات الخارجية لكينيا، بما في ذلك التوافق الإستراتيجي لكينيا مع الولايات المُتحدة وتعاون نيروبي في مكافحة التطرف، ومساهماتها في حفظ السلام في إفريقيا وهايتي، ودورها كشريكٍ اقتصادي للولايات المُتحدة([5]).
وتأتي هذه الخطوة الأمريكية بمراجعة وضع كينيا كحليفٍ رئيسي من خارج الناتو مدفوعةً بعدة مُبررات، نشير إلى أبرزها فيما يلي:
1-التوجس الأمريكي المتزايد إزاء التقارب الكيني مع الصين: حيث تعد نيروبي شريكًا رئيسيًّا للصين في مبادرة الحزام والطريق في إفريقيا، وبدورها تُعدّ بكين أكبر شريك تجاري ودائن ثنائي لكينيا، ولقد بلغت العلاقات بين الدولتين مستوى جديدًا من الشراكة الإستراتيجية بعد توقيع أكثر من 20 اتفاقية في مجالات التجارة والصحة والتعليم والزراعة والبنية التحتية، علاوةً على تجديد الصين دعمها لمشاريع البنية التحتية الرئيسية في كينيا، بما في ذلك تمديد خط السكة الحديد القياسي (SGR) الذي يمتد من نيفاشا إلى مالابا([6]).
ويعكس هذا التقارب رغبة الحكومة الكينية في تنويع تحالفاتها الدولية بما يضمن استدامة مصالحها الوطنية في ظل تصاعد المؤشرات التي تؤكد تراجع الأولويات الأمريكية تجاه القارة، ولعل القطرة التي أفاضت الكأس وزادت من تفاقم الاستياء الأمريكي إزاء كينيا، كانت هي الزيارة الرسمية التي قام بها رئيسها وليام روتو إلى جمهورية الصين في أبريل 2025م، والتي أكد خلالها عمق الشراكة بين البلدين، ولم يقف الأمر عن هذا الحد؛ حيث انتقد روتو علانيةً الأحادية القطبية في تحدٍّ لاذع لواشنطن، مؤكدًا دعمه لبناء نظام عالمي جديد يسمح بمُمارسة تعددية حقيقية، ويهدف إلى تعزيز المنفعة المُشتركة في إطار الحوكمة العالمية، وقد أثارت هذه الزيارة، ومعها تصريحات روتو، قلقًا متزايدًا في واشنطن التي اعتبرت أنْ ذلك يُعدّ مؤشرًا دالًا على تباعد الرؤى مع نيروبي، ولعل ما يؤكد حجم الانزعاج الأمريكي أنَّ السيناتور “ريش” أدرج النص الكامل لخطاب روتو في سجل الكونغرس، الأمر الذي يحمل رسالةً واضحةً لنيروبي مؤداها أنه ليس بمقدورها أن تكون حليفًا رئيسيًّا من خارج الناتو، وشريكًا للصين في بناء نظام عالمي جديد في الوقت نفسه.
2-إساءة استخدام الدعم الأمني والمُساعدات الاقتصادية الأمريكية: أحد السياقات المحلية المُثيرة للقلق بالنسبة للإدارة الأمريكية، والتي لم يغفل عنها تقرير “ريش” تتعلق بإساءة استخدام الدعم الأمني الأمريكي من جانب نيروبي؛ حيث لفتت بعض التقارير الحكومية إلى استغلال الحكومة الكينية للمعلومات الأمنية والاستخباراتية الأمريكية لتنفيذ عمليات تعذيب، واختطاف قسري، وانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان بحق مواطنين ومعارضين لنظام روتو، لا سيَّما خلال الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد في يونيو 2024م([7]).
فضلًا عن مزاعم تؤكد دور نظام روتو كملاذ مالي آمِن للأفراد والكيانات الخاضعة للعُقوبات الأمريكية، كما تشير بعض المصادر إلى أنَّ العديد من الشركات الأمريكية، التي كانت قد التزمت سابقًا بضخ استثمارات بمليارات الدولارات في نيروبي، قد انسحبت أمام تصاعد مستويات الفساد في كينيا، ووفقًا لهذه المصادر، فقد كلّف هذا الانسحاب الحكومة الكينية فرصًا استثماريةً واعدة كانت متوقعة بعد زيارة روتو الأخيرة للبيت الأبيض العام الماضي([8]).
3-علاقات كينيا المُثيرة للجدل مع الجماعات المتمردة في السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية؛ لسنوات ظلت كينيا وجهةً للوساطة والسلام في شرق إفريقيا، لكنّ هذه السُّمعة تغيَّرت في ظل حكم روتو، بعد استضافته لقوات الدعم السريع السودانية، التي تنخرط في صراع مسلَّح مع الجيش السوداني منذ منتصف أبريل 2023م، في العاصمة نيروبي، واتهامه مِن قِبَل نائبه السابق، ريغاتي غاشاغوا Rigathi Gachagua، بإقامة علاقة تجارية مع قائد هذه المليشيات محمد حمدان “حميدتي”، بالإضافة إلى دعم حكومة روتو المزعوم للفصائل المتمردة في شرق الكونغو الديمقراطية، وعلاقاتها المشبوهة مع حركة الشباب الصومالية، وتثير هذه السياسة الإقليمية للحكومة الكينية مخاوف واشنطن وإحباطها، وفي هذا السياق وصف بعض الدبلوماسيين الأمريكيين السياسة الراهنة لحكومة روتو بأنها تقوّض جهود واشنطن للسلام وتُنْذِر بتفاقم الاضطرابات الإقليمية، وبالتالي تتقاطع مع سياسة الولايات المتحدة ومصالحها الحيوية.
في الختام:
يُمثل القرار الأمريكي بإعادة تقييم وضع كينيا كحليفٍ رئيسي خارج الناتو تحديًا كبيرًا لنيروبي، من شأنه أن يُضيّق من هامش مناورتها السياسية ويدفعها لإعادة ترتيب أولويات مصالحها الوطنية. فالسياسة الخارجية التي تنتهجها كينيا والتي ترمي من خلالها إلى الموازنة بين دورها كحليفٍ سياسي وأمني للغرب والسعي نحو تعزيز مصالحها الاقتصادية مع الشرق، لم تَعُد واقعيةً أو قابلةً للاستمرار بعد اليوم في ظل المُتغيرات الحالية.
وبغض النظر عما إذا كانت هذه المُراجعة مجرد أداة أمريكية للضغط أو خطوة فعلية تعكس نية واشنطن الحقيقية لخفض تصنيف حليفها الإفريقي، فإنها تؤشر إلى تحوُّل جوهري في العلاقات بين الولايات المُتحدة وكينيا، وتُهدّد بمضاعفة التحديات الداخلية والخارجية أمام النظام السياسي في نيروبي وتَحُدّ من قدرته على إعادة بناء كينيا كقوة إقليمية، خاصةً مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية بعد أقل من عامين.
………………………….
([1]) U.S. Relations With Kenya, U.S Department of State, 31 October 2023, available at https://n9.cl/nmez2
([2]) The Kenya – United States Strategic Trade and Investment Partnership In negotiation, African Growth and Opportunity Act (AGOA), available at https://n9.cl/9569g4
([3])Lauren Ploch, Kenya: Current Issues and U.S. Relations, Congress.Gov, 23 April 25, available at https://n9.cl/culmy3
([4]) صلاح خليل، ما دوافع وأهداف إعلان الولايات المتحدة كينيا حليفًا من خارج الناتو؟، دورية حالة إفريقيا، المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، يوليو 2024، ص26.
([5]) Jason Ndunyu, Trump’s Govt Moves to Reassess Kenya’s Designation as Major Non-NATO Ally, The Kenya Times, 5 August 2025, available at https://n9.cl/89y70
([6]) Kenya China Relations: Kenya, China sign landmark deals as relations enter a comprehensive strategic era, The Ministry of Foreign and Diaspora Affairs, 25 April 2025, available at https://n9.cl/zp3ubo
([7]) Jonathan Wambi, US Congress move casts doubt on Kenya’s Major non-NATO Ally status, Intellinews, 7 August 2025, available at https://n9.cl/d4sbw
([8]) U.S. Secretary of State Rubio Cancels Kenya Visit Amid Concerns Over China Ties, Horn Observer, 26 April 2025, available at https://n9.cl/qlpfy0











































